كليات رسائل النور

9

سيرة ذاتية

تأليف

بديع الزمان سعيد النّورسي

 

إعداد و ترجمة

إحسان قاسم الصالحي

 

سيرة ذاتية - ص: 4

تقديم الأخ الفاضل مصطفى صونغور

مَن بديع الزمان سعيد النورسى الذي انتشرت دعوته في أنحاء العالم برسائله المسماة “برسائل النور” والبالغة أكثر من مائة وثلاثين رسالة، وبجماعته “طلاب النور” الذين يتدارسون هذه الرسائل وينشرونها في آفاق الأرض فتُقرأ في تركيا، في مدنها كلها بل في أقضيتها وقراها، كما تُقرأ في أنحاء شتى من العالم الإسلامي والإنساني. فأحيا - في هذا العصر - روح طلب العلم من خلال التزود من دروس علمية إيمانية في ميدان واسع سعة العالم، حيث تُرجمت هذه الرسائل الى مختلف لغات العالم علاوة على ترجمتها الى اللغة العربية وتناولها الناس بلهفة بالغة حتى وصلت الى مناطق قصيّة من آسيا الوسطى وروسيا، فأصبحت وسيلة لإخراج ما لا يعد ولا يحصى من الناس، من الظلمات الى النور، ومن الكفر الى الإيمان، ومن الضلالة الى الهداية، و وهبت لهم سعادة أبدية خالدة.. وهكذا تزداد بفضل الله سعة دائرة هذه الدعوة الإيمانية يوماً بعد يوم.

فمَن هذا النورسى، وكيف كانت حياته، وما دعوته، وما آثاره ومؤلفاته، وما هدفه ومقصده..؟ إن الكتب المؤلفة حول حياته الحافلة بالأحداث، تجيب عن هذه الأسئلة جميعها. وإن كتاب “تاريخ حياة بديع الزمان سعيد النورسى” الذي أعدّه طلابه الذين كانوا في صحبته ويعاونونه في أموره، والذي أقرّه بعد تصحيحه وتشذيبه، منتشر في أوساط الناس ومتداول بين أيديهم وقد أضاف إليه المؤلف نفسه أجزاءً من رسالة “الآية الكبرى” ورسالة “المناجاة” وأجزاء من رسائل أخرى كثيرة وأوضح في مكاتيبه أن هذا الكتاب بقيمة عشرين مجموعة من “رسائل النور”، وهو الآن في طور الترجمة الى اللغة العربية كما أن قسما كبيرا منه ترجم الى اللغة الإنكليزية.

والآن يقدم المترجم المحترم إحسان قاسم الصالحي هذه “السيرة الذاتية” بأسلوب متميز وبمنهج أصيل حقا، وذلك لقيامه بجمع المتون الأصلية من كلام الأستاذ نفسه والمستخلصة من كليات “رسائل النور” كلها ومن “تاريخ حياة الاستاذ”. وبهذا تحرز هذه “السيرة الذاتية” أهمية بالغة وتضفي رونقاً جديداً وجمالاً آخر الى بحث تاريخ حياة الأستاذ.

إن هذا الفقير الى الله تعالى العاجز قد حظي - برحمة من الله تعالى - بنعمة ملازمة الأستاذ النورسى - مع أخوته الآخرين - لأكثر من السنين العشر الأخيرة من حياته المباركة. فبإسم أولئك الأخوة وبلسانهم أحاول عرفاناً بالجميل وتحقيقاً لرغبة المترجم المحترم إحسان قاسم، أن أتناول بعض المسائل باختصار شديد حيث أن “رسائل النور” قد ذكرتها.

ولابد أن نذكّر أننا لكي نستطيع أن نوفى التعبير عن اهمية “رسائل النور” ونقدرها حق قدرها، ينبغى التفكير في فترة تأليفها وكتابتها ونشرها أولاً.

بدأ تأليف “رسائل النور” بعد نفي الأستاذ النورسي من مدينة “وان” في شرقي الأناضول، الى “بارلا” في غربي الأناضول وذلك عقب حركة “الشيخ سعيد بيران”. هذه الفترة هي بداية تنفيذ إجراءات شديدة لاستبداد مطلق، دام ربع قرن من الزمان.

نعم إن المنظمات الإلحادية السرية كانت تستهدف إزالة الشعائر الإسلامية ورفعها الواحدة تلو الأخرى وطمس روح الإسلام في الأمة التركية التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون بل منذ عهد العباسيين. ولتحقيق هدفهم هذا بدأوا بتنفيذ خطة “تنشئة جيل يقوم بنفسه بعد ثلاثين سنة بإزالة القرآن ونزعه من القلوب”. وفعلاً بدأوا بتنفيذ خطتهم هذه ونجحوا في قطع روابط هذه الأمة بالإسلام وسعوا لها بشتى الوسائل.

فالقضية إذن ليست قضية جزئية موضعية، بل هي قضية كلية عامة شاملة تتعلق بإيمان الملايين من أبناء الجيل المقبل، وتتعلق بالحياة الأبدية لشعب كامل، شعب الأناضول حيث شهدت تلك الفترة تحولات رهيبة ودمارا فظيعا وعداء شرسا للإسلام والقرآن، ومسخا للتاريخ المجيد لهذه الأمة البطلة. حتى دفعت تلك المنظمات الإلحادية الجيل الناشئ - ولا سيما طلاب المدارس - الى نسيان ماضي أجدادهم الملئ بالجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وذلك بكلام براق في الظاهر لكي يقطعوا صلتهم بالإسلام، حتى هيأوا جوا ملائما لإقرار نظام إلحادي سافر.

فينبغي إذن وضع تلك الأيام الحالكة القاسية الرهيبة نصب العين لدى دراسة دعوة الأستاذ النورسي وخدمته للقرآن والإيمان. ولعل بعض الإشارات الغيبية المتعلقة بالعنايات الإلهية التي رافقت دعوة “رسائل النور” والتوفيق الرباني الذي لازم مؤلفها ليست لسخص المؤلف بذاته وإنما لأهمية هذه الخدمة القرآنية في تلك الأوقات العصيبة.

يعلل الأستاذ هذه الأهمية فيقول: “من المعلوم أن دقيقة واحدة تكون ذات أهمية تقابل ساعة كاملة وأنها تثمر من النتائج ما تنتجه تلك الساعة، وربما ما ينتجه يوم كامل، بل قد تكون بمثابة سنين. ويحدث أحياناً أن تكون ساعة واحدة لها من الأهمية وتعطي من النتائج ما لسنة من العمر بل العمر كله.

فمثلاً: إن الذي يستشهد في سبيل الله في دقيقة واحدة يفوز بمرتبة الأولياء وإن مرابطة ساعة واحدة في ثغر المسلمين عند اشتداد البرد وصولة الأعداء الرهيبة، قد تكون له من الأهمية ما لسنة من العبادة.

وهكذا الأمر في رسائل النور. إذ إن سبب الاهتمام الذي نالته “رسائل النور” نابع من أهمية الزمان نفسه.. من شدة الهدم الذي أحدثه هذا العصر في الشريعة المحمدية والشعائر الأحمدية.. ومن فتنة آخر الزمان الحالية التي استعاذت منها الأمة الإسلامية منذ القدم.. ومن زاوية إنقاذ إيمان المؤمنين من صولة تلك الفتن..

نعم لقد تزعزعت قلاع الإيمان التقليدية وتصدعت أمام هجمات هذا العصر الرهيب. ونأى الإيمان عن الناس وتستر بحجب وأستار. مما يستوجب على كل مؤمن أن يملك إيماناً تحقيقياً قوياً جداً كي يمكّنه من المقاومة والثبات وحده تجاه الضلالة المهاجمة هجوماً جماعياً.

“فرسائل النور” تؤدى هذه الوظيفة، وفي أحلك الحالات وأشدها رهبة، وفي أحوج الأوقات وأحرجها، فتؤدى خدماتها الإيمانية بأسلوب يفهمه الناس جميعاً. وأثبتت أعمق حقائق القرآن والأيمان وأخفاها ببراهين قوية، حتى أصبح كل طالب نور وفيّ صادق يحمل في قلبه الإيمان التحقيقي كأنه قطب مخفي من أقطاب الأولياء وركيزة معنوية للمؤمنين، وذلك لخدماته الإيمانية في القرية أو القصبة أو المدينة التي فيها. ورغم أهم غير معروفين وغير ظاهرين ولا يلتقيهم أحد فقد صار كل منهم بعقيدته المعنوية القوية كضباط شجاع في الجيش يبعث مدداً معنوياً الى قلوب أهل الإيمان فيبث فيهم وينفخ روح الحماس والشجاعة”.

ويقول أيضا: “إن رسائل النور تفسير للقرآن الكريم وهى وثيقة الصلة به، ذلك الكتاب الجليل المرتبط بالعرش الأعظم، لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي الشخصية الى الرسائل”.

إن هذه “السيرة الذاتية” المعدة من كلام الأستاذ النورسي إذ تقدم لأنظار القارئ الكريم سيرة حياة الأستاذ، تقدم في الوقت نفسه مسلكه ومشربه ومنهجه في الدعوة إلى القرآن والإيمان، كل ذلك من كلام الأستاذ نفسه. ونحن هنا نذكر بعض ما يتعلق بأسلوب دعوة الأستاذ ومنهجه أيضاً من خلال ما كان يتطرق إليه في أثناء الدروس النورية أيام حضورنا بقربه، وفي فترات انشغالنا بنشر الرسائل - بفضل الله - طوال السنوات العشر الأخيرة من حياته.

ونؤكد فنقول: أن هناك الكثير مما سمعناه من الأستاذ كنا نكتمه لأنه يتعلق بنا أو بي خاصة، ولكن بعد مدة تبين أن تلك الأمور مذكورة أيضاً في الرسائل.. وكنت أحار من هذا كثيراً. وحتى أنني سألت السيد “محمد فيضي” الذي لازم الأستاذ في قسطوني ثماني سنوات، فقلت: ما سر إطلاق الأستاذ عليكم اسم “كاتب السر” فأجاب مبتسماً: “لم يهمس الأستاذ في أذني شيئاً خارج ما كتبه في الرسائل”. بمعنى أن هذه الرسائل عبّرت عن كل شئ فليس لدينا شئ خارجها.

أورد لذلك مثالاً:

كنا ذات يوم في “بارلا” مع الأستاذ - أنا وجيلان وزبير - في بيت مدير الناحية السابق. قال لى الأستاذ: تعال أنت وجيلان إليّ. دخلنا غرفته وهو منهمك بقراءة الأوراد القدسية للشاه النقشبند، ووقفنا منتظرين أي أمر. فسألنا: أقرأتم رسالة “الآية الكبرى”؟ فأجبنا: نعم قرأناها. فقال: أتعلمون مَن ذلك السائح الذي جال في العصور وفتش في طبقات الكائنات، ومّن ذلك الروح النشط الذي ساح في آفاق العالم؟ قلنا - في أنفسنا - نعم أنتم ذلك السائح الذي جال في آفاق العالم. ثم قال: انصرفوا فخرجنا.

كنت أذكر هذه الخاطرة كذكرى لطيفة من الأستاذ، ولكن عندما قرأت يوماً الفقرة التي هي في بداية المقام الثاني لرسالة “الحجة الزهراء” تبيّن لي أن هناك نماذج كثيرة مثل هذا النموذج. بمعنى أن معظم الذكريات والخواطر التي نوردها موجودة في الرسائل، والفقرة هي:

“إن سائح الدنيا في رسالة “الآية الكبرى” الذي سأل جميع الكائنات وأنواع الموجودات في أثناء بحثه عن خالقه ووجدانه له ومعرفته إياه وعرّفه بثلاث وثلاثين طريقاً وببراهين قاطعة بدرجة علم اليقين وعين اليقين، فإن السائح نفسه قد ساح بعقله وقلبه وخياله في أجواء طبقات العصور والأرض والسماوات، دون أن يصيبه تعب أو نصب، بل ما زال يسيح ليشفى غليله حتى ساح في أرجاء الدنيا الواسعة كلها فبحث في جميع نواحيها كمن يسيح في مدينة. مستنداً بعقله أحياناً إلى حكمة القرآن وتارة إلى حكمة الفلسفة كاشفاً بمنظار الخيال أقصى الطبقات إلى أن رأى الحقائق كما هي في الواقع، فأخبر عن قسم منها في تلك الرسالة “الآية الكبرى”.

وسأذكر خاطرة أو خاطرتين جديرتين بالذكر..

كنت قد خرجت توا من سجن “صامسون” في بداية سنة 1954، وكان الأستاذ في اميرداغ حيث أتى إليها من اسبارطة أواسط سنة 1935 واستأجر بيتا فأقام في تلك المدرسة النورية الثالثة، فكنا مع الأخوة طاهري وزبير وجيلان وبيرام، في غرفة من البيت، دخل علينا الأستاذ يوما قبيل العشاء وقال: خطر على قلبي أمر سأعلمكم اللغة العربية، وسنبدأ بـ “المثنوي العربي النوري” صباح غد. وفعلا بدأ في اليوم التالي بتدريسنا “المثنوي العربي النوري” كان الدرس يدوم على الأغلب ثلاث ساعات أو أربع ساعات وأحيانا بل نادرا يطول إلى خمس ساعات. كان يقرأ علينا باللغة العربية ويوضح ويشرح المعنى بالتركية. ولا يخفى ما للمثنوي العربي النوري من أهمية حيث يمثل منشأ “رسائل النور” وأصولها، وقد درسنا الأستاذ “المثنوي” مرتين. ودرسنا كذلك “إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز” العربية.

وفي الحقيقة أننا لا نستطيع أن نعبر عن مدى استفادتنا من تلك الدروس ومدى استمدادنا الغذاء الروحي والمعنوي منها. فتلك الأيام كانت حقا أسعد أيام حياتنا إذ كنا نذهب معا إلى “بارلا” وإلى “جبل جام” والدروس مستمرة لا تتوقف، علما بأننا نكاد لا نستوعب الدرس كله في الأيام الأولى لعدم إتقاننا اللغة العربية ولكننا كنا نستفيد ونستفيض من الدرس كمن فهمه كله، إذ كنا نستمع إلى الأستاذ وكأن على رؤوسنا الطير ونرتشف أقواله وكلامه ارتشاف الرحيق ونستسيغه استساغة الظمآن للماء العذب السلسبيل ونتنفسه تنفس الهواء العليل بعد طول تعب وعناء.. وحقا إن أرواحنا وعقولنا ولطائفنا قد استمدت دروسا كثيرة من الأستاذ فتشكر الله تعالى ونحمده حمدا لا نهاية له، وهذا من فضل ربي.

قضينا أياما على “جبل جام” وعلى قمة شجرة الصنوبر التي كانت موضع تأمل الأستاذ. وبعد مضى سنتين أتى “حسنى” أيضا الذي خدم “رسائل النور” في “أورفة” واشترك معنا في الدرس.

نعم لا يمكنني نسيان ذكريات تلك الأيام الجميلة التي مرت مع الأستاذ، وأذكر لهذه المناسبة بأن الأستاذ كان يبقينا في صحبته أحيانا وأحيانا أخرى يرسلنا إلى أنقرة واستانبول و أورفة وغيرها من المدن لخدمة “رسائل النور” وذلك اعتبارا من سجن أفيون سنة 1948 حتى سنة 1950، أما بعد هذه السنة فقد أخذنا في معيته واستخدمنا في معاونة شؤونه فحسب. وظل الأخ “عبد الله يكن” من قبل في معية الأستاذ وخدمته طوال سنتين أيضاً، وهناك آخرون ظلوا معه وفي خدمته. وقد درّسنا “كليات رسائل النور” التركية منها والعربية، وأمر بطبع “المثنوي العربي النوري” بآلة الإستنساخ - الرونيو - وإرساله إلى مختلف أنحاء العالم. كانت الرسائل تطبع في أنقرة سنة 1956، وتأتى الملازم وتُقرأ في الدروس ويتابعها الأستاذ من النسخة الأصلية التي هي بالحروف العربية ثم يأمر بمباشَرة الطبع. ثم التحقت استانبول أيضاً بفعاليات الطبع والنشر فطبعت “اللمعات، اشارات الإعجاز، المثنوي العربي النوري، عصا موسى، تاريخ الحياة، الشعاعات، وسكة التصديق الغيبي، مع عدد من الرسائل الصغيرة.

وكنا نقرأ يوميا عقب صلاة الفجر من تلك الرسائل وأحياناً بعد الصلوات الأخرى. فأسس الأستاذ بهذا أصول دراسة “رسائل النور” وهى التي عليها الجماعة في الوقت الحاضر.

وهكذا مرت السنوات حتى اقتربنا من سنة 1960 فنُشرت “الملاحق” ومحاورات الأستاذ في مجالسه عند زياراته لكل من بالا وأميرداغ وأسكى شهر وأغردير وإسبارطة وغيرها. نذكر من تلك الخواطر:

قال الأستاذ يوماً: عندما كنت في “وان” خصص الوالى طاهر باشا غرفة لى في الطابق العلوي من مضيفه فكنت أبيت هناك وقد حفظت آنذاك ما يقرب من تسعين كتاباً في الحقائق. وكنت أعيد ما حفظته في ذاكرتي ثلاث ساعات يومياً فأكمله كل ثلاثة أشهر. فيا إخواني إنى أشكر الله كثيراً على تكراري لتلك المحفوظات حيث أصبحت وسيلة للعروج إلى حقائق القرآن الكريم. ثم بلغت القرآن الكريم وشاهدت أن كل آية كريمة منه تحيط بالكون إحاطة تامة، وبعد ذلك أغناني القرآن عن غيره”.

وقد ذكر الأستاذ في “اللمعة الثلاثني” ما يؤيد هذه الخاطرة من أن حجب بعض الآيات قد انكشفت أمامه لدى شرحه للأسماء الحسنى: “الفرد الحى القيوم الحكم العدل القدوس” حيث قال: “لقد ترآءت في أفق عقلى نكتة من النكات الدقيقة.. وتجل من تجليات نور الإسم الأعظم” الحى” أو أحد نوريه أو أحد أنواره الستة، وذلك في شهر شوال عندما كنت في سجن “اسكى شهر” فلم أتمكن أن أثبتها في حينه ولم أستطع أن أقتنص ذلك الطائر السامى، ولكن بعدما تباعد ذلك القبس الوضئ إضطررت إلى الإشارة إليه بوضع رموز ترمز إلى أشعة تلك الحقيقة الكبرى وذلك النور الأعظم”.

وأقصد من عرض هذه الأمثلة تأييد ما ذكره الأستاذ النورسي من “أن رسائل النور تفسير معنوي للقرآن الكريم ومعجزة معنوية له”.

وأورد خاطره أخرى مثالا للحقائق المذكورة:

كنت انا وزبير مع الأستاذ في غرفة في بستان على حافة بحيرة بارلا “ أغردير “ وذلك في ربيع سنة 1954 فقال الأستاذ: “قبل ثلاثين سنة تقريبا وفي هذا الموسم حيث تتفتح أزاهير أشجار اللوز، كنت أتجول هنا “مشيرا إلى الأشجار والبساتين” وإذا بالآية الكريمة: “فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيى الموتى وهو على كل شئ قدير” ترد إلى خاطري وفتح الله علي هذه الأية في ذلك اليوم فكنت أسير وأتجول وأتلوها بصوت عال حتى قرأتها أربعين مرة، وفي المساء ألفت رسالة الحشر “الكلمة العاشرة” مع الحافظ توفيق الشامي “أي أمليت عليه الرسالة وكتبها”.

وينقل المرحوم خلوصي يحيى كيل، الطالب الأول للنور، أن الأستاذ قال له: كانت مائتا آية كريمة تمدني عندما كنت أؤلف “الكلمة العاشرة”.

وقال الأستاذ نفسه:

“ إنني لا أقول هذا الكلام الذي يخص “الكلمات” تواضعا، بل بيانا للحقيقة وهى:

إن الحقائق والمزايا الموجودة في “الكلمات” ليست من بنات أفكاري ولا تعود إلي أبدا وإنما للقرآن وحده، فلقد ترشحت من زلال القرآن حتى أن الكلمة العاشرة “رسالة الحشر” ما هي إلا قطرات ترشحت من مئات الآيات القرآنية الجليلة وكذا الأمر في سائر الرسائل بصورة عامة”.

وأكد الأستاذ في كثير من مكاتيبه أنه لا يملك الرسائل ولا يمكن له أن يمتلكها فهي ملك القرآن. نورد واحدة منها إذ يقول:

“ولو بلغ صوتي أرجاء العالم كافة أقول بكل ما أوتيت من قوة: إن “الكلمات” جميلة رائعة وأنها حقائق وهي ليست منى بل هى شعاعات إلتمعت من حقائق القرآن الكريم. فلم أجلم أنا حقائق القرآن بل لم أتمكن من إظهار جمالها، وإنما الحقائق الجميلة للقرآن هى التي جملت عباراتى ورفعت من شأنها”.

وهناك إيضاح في رسالة “المعجزات القرآنية”، يخص ما ذكر أعلاه وهو: “ إن أصدق دليل على سمو القرآن الكريم وعلوه، وأوضح برهان على كونه صدقا وعدلا وأقوى علامة على إعجازه هو:

أن القرآن الكريم قد حافظ على التوازن في بيانه التوحيد بجميع أقسامه مع جميع مراتب تلك الأقسام وجميع لوازمه، ولم يخل باتزان أى منها.. ثم انه قد حافظ على الموازنة الموجودة بين الحقائق الإلهية السامية كلها.. وجمع الأحكام التي تقتضيها الأسماء الإلهية الحسنى مع الحفاظ على التناسب والتناسق بين تلك الأحكام.. ثم انه قد جمع بموازنة كاملة شؤون الربوبية والألوهية.

هذه “المحافظة والموازنة والجمع” خاصية لا توجد قطعا في أى أثر كان من آثار البشر، ولا في نتاج أفكار أعاظم المفكرين كافة، ولا توجد قط في آثار الأولياء الصالحين النافذين الى عالم الملكوت، ولا في كتب الإشراقيين الموغلين في بواطن الأمور، ولا في معارف الروحانيين الماضين إلى عالم الغيب، بل كل قسم من أولئك قد تشبث بغصن أو غصنين فحسب من أغصان الشجرة العظمى للحقيقة، فانشغل كليا مع ثمرة ذلك الغصن وورقه، دون أن يلتفت إلى غيره من الأغصان، إما لجهله به أو لعدم إلتفاته إليه. وكأن هناك نوعا من تقسيم الأعمال فيما بينهم.

نعم إن الحقيقة المطلقة لا تحيط بها أنظار محدودة مقيدة. إذ تلزم نظرا كليا كنظر القرآن الكريم ليحيط بها فكل ما سوى القرآن الكريم - ولو يتلقى الدرس منه - لا يرى تماما بعقله الجزئى المحدود إلا طرفا أو طرفين من الحقيقة الكاملة فينهمك بذلك الجانب ويعكف عليه، وينحصر فيه، فيخل بالموازنة التي بين الحقائق ويزيل تناسقها إما بالإفراط أو التفريط”

يفهم من هذه الفقرة، ومن كلام الأستاذ نفسه أن “رسائل النور” لكونها تفسير للقرآن الكريم قد أخذت لميعة من هذه الخاصية المعجزة الجامعة الكلية. نورد مثالا واحدا فقط لذلك:

“ أنك تقول يا أخي في رسالتك: إن المفسرين قالوا لدى تفسيرهم “رب العالمين” ان هناك ثمانية عشر ألف عالم، وتستفسر عن حكمة ذلك العدد؟

أخي إنني الآن لا أعلم حكمة ذلك العدد، ولكنى اكتفى بالآتى:

إن جمل القرآن الحكيم لا تنحصر في معنى واحد، بل هي في حكم كلى يتضمن معاني لكل طبقة من طبقات البشرية، وذلك لكون القرآن الكريم خطابا لعموم طبقات البشر. لذا فالمعاني المبينة هي في حكم جزئيات لتلك القاعدة الكلية، فيذكر كل مفسر، وكل عارف بالله جزءا من ذلك المعنى الكلى ويستند في تفسيره هذا إما إلى كشفياته أو إلى دليله أو إلى مشربه، فيرجح معنى من المعاني. وقد كشفت ظائفة في هذا أيضا معنى موافقا لذلك العدد.

فمثلا يذكر الأولياء في أورادهم ويكررون باهتمام بالغ قوله تعالى: “مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان” “الرحمن: 19 - 20” ولهذه الآية الكريمة معان جزئية ابتداء من بحر الربوبية في دائرة الوجوب وبحر العبودية في دائرة الإمكان، وانتهاء إلى بحري الدنيا والآخرة، وإلى بحري عالم الشهادة وعالم الغيب، والى البحار المحيطة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، وإلى بحر الروم وبحر فارس، والبحر الأبيض والأسود، والى المضيق بينهما الذي يخرج منه السمك المسمى بالمرجان، والى البحر الأحمر وقناة السويس، والى بحار المياه العذبة والمالحة، والى بحار المياه الجوفية العذبة المتفرقة والبحار المالحلة التي على ظهر الأرض المتصل بعضها ببعض مما يسمى بالبحار الصغيرة العذبة من الأنهار الكبيرة كالنيل ودجلة والفرات، والبحار المالحلة التي تختلط معها.

كل هذه الجزئيات موجودة ضمن معانى تلك الآية الكريمة، وجميع هذه الجزئيات تصح أن تكون مرادة ومقصودة، فهى معان حقيقية للآية الكريمة ومعان مجازية لها.

وهكذا فإن “الحمد لله رب العالمين” أيضا جامعة لحقائق كثيرة جدا مثلما ذكر، وأن أهل الكشف والحقيقة يبينونها ببيانات متباينة حسب كشفياتهم. وأنا أفهم من الآية الكريمة الآتي:

إن في السموات ألوفا من العوالم، ويمكن أن يكون كل نجم في مجموعته عالما بذاته، وأن كل جنس من المخلوقات في الأرض أيضا عالم بذاته، حتى إن كل إنسان عالم صغير. فكلمة “رب العالمين” تعنى: أن كل عالم يدار ويربى ويدبر شؤونه بربوبيته سبحانهوتعالى مباشرة “.

وأورد خاطرة من أستاذنا:

كنا في إسبارطة، نتدارس في “رسائل النور” درسا إيمانيا. والأستاذ جالس على سريره ويتابع الدرس في رسالة بالحروف العربية، وإذا به يعتدل ويخرج نظارته ويتوجه إلينا قائلا: أنتم شباب، ذاكرتكم قوية، أما أنا فقد شبت وكلت ذاكرتي ولكنى أقسم لكم بالله أننى استفدت من هذا الدرس وكأننى أقرأه لأول مرة. علما أنني قد قرأته لحد الآن عشرة آلاف مرة. وبعد بضعة أيام قال: “أو قد قلت لكم قبل أيام كذا وكذا. إن هذه الدروس لا حد للرقى فيها لأنها من فيض القرآن الكريم”.

كان الأستاذ حريصا على صرف الأنظار عن شخصه إلى “رسائل النور”، فكان يقول: إن رسائل النور درس قرآني يوافق فهم هذا العصر. وقد علق لوحة على ظهر الباب الخارجي لمحل إقامته في كل من اسبارطة واميرداغ، وكان يستقرئها لكل زائر له. يقول فيها “ لم تدع رسائل النور حاجة الي فما من رسالة من ملايين نسخها التي تطالهونها إلا تستفيدون فوائد أفضل من مواجهتي بعشرة أضعاف”.

ويقول في موضع آخر: “ أما من حيث العمل للقرآن الكريم، فلقد وهب لى الله سبحانه وتعالى برحمته إخوانا ميامين في العمل للقرآن والإيمان. وستؤدى تلك الخدمة الإيمانية عند مماتى في مراكز كثيرة بدلا من مركز واحد، ولو أسكت الموت لسانى فستنطلق ألسنة قوية بالنطق بدلا عنى وتديم تلك الخدمة”.

ويقول أيضا:

“ إن خدماتي وأحداث حياتي قد أصبحت في حكم بذرة لكي تكون مبدأ لخدمة إيمانية، قد منحت العناية الإلهية منها في هذا الزمان شجرة مثمرة برسائل النور النابعة من القرآن الكريم”.

وعندما تذكر العنايات الربانية لدى تأليف رسائل النور في أيامها الأولى يقول:

“سمعت من أحد الأولياء - قبل مدة - انه قد استخرج من الإشارات الغيبية لأولياء سابقين ما أورثه القناعة بأن نورا سيظهر من جهة الشرق ويبدد ظلمات البدع. ولقد انتظرت طويلا ظهور مثل هذا النور، ومازلت منتظرا له. بيد أن الأزاهير تتفتح في الربيع، فينبغى تهيئة السبل لمثل هذه الأزاهير المقدسة.. وأدركنا أننا بخدمتنا هذه إنما نمهد هذه السبل لأولئك الكرام النوارنيين”

والحمد لله تعالى، فقد تفتحت تلك الأزاهير وتسنبلت وأثمرت ثمارا نورانية وستثمر بإذن الله !!

والآن لمناسبة هذه “السيرة الذاتية” ندرج أدناه ما سجله الأخوان الفاضلان محمد فيضي وأمين جايجي حول حياة الأستاذ وهما اللذان لازما الأستاذ في أثناء إقامته في قسطموني إذ يقولان:

“إننا نسجل قناعتنا إلى الذين يريدون أن يتعرفوا على الشخصية المعنوية لأستاذنا:

إن بديع الزمان سعيد النورسى قد نال من خزينة حقائق القرآن الكريم، حقائق عظيمة ومعارف جليلة، بحظوته بتجليات اسم الله “النور” واسم الله “الحكيم” وأظهر تلك الحقائق القرآنية إلى أنظار البشرية تحدثا بنعمة الله عليه. وقد تخلق بالأخلاق المحمدية متجاوزا برازخ النفس والهوى، حتى برز في هذا العصر مثالا فريدا مجسما لمكارم الأخلاق. فأمضى حياته حاملا همة عالية واطمئنانا راسخا وعفة تامة مع نكران ذات صادق تتحير منه العقول. كل ذلك بما وهبه المولى الكريم من صفاء قلب وتوكل كامل وقناعة تامة، فنرى البساطة الكاملة في عيشه وملبسه بل في كل حاله وطوره. حتى لا تراه يحمل ذرة من محبة الدنيا وميل إليها.

وقد حافظ على عزة العلم حفاظا تاما،ولم يعرض افتقاره لغير الله، وكان هذا أعظم دستور له في حياته، فأدبر عن الدنيا رغم إقبالها عليه. ونحن على يقين من أن هذه المحافظة والملازمة للنزاهة والعفة هى من العناية الإلهية له فما كان يأخذ صدقات وزكوات، بل يدفع حتى إيجار البيت بنفسه. ثم كان أستاذنا يكره كراهية شديدة التكلف والتصنع والتعظيم، ويأمر طلابه بالابتعاد عن التكلف قائلا: “إن التكلف منهي عنه شرعا وحكمة لأنه يسوق إلى تجاوز الحد المعروف، والمتكلفون لا ينجون من التظاهر والتفاخر والرياء الثقيل، وكل ذلك يفسد الإخلاص”.

ثم كان في غاية التواضع، يتجنب بشدة دواعي التفوق على الآخرين والتميز عنهم. وكان يعامل جميع الناس بالحسنى ولا سيما الشيوخ والأطفال والفقراء ويشملهم بالرفق والمحبة الأخوية واللين في المعاملة. فكانت المحبة والبشاشة الممتزجة بنور الوقار تتلمع من وجهه الطليق دائما، فلا نرى فيه غير آثار الألفة والأنس مع الهيبة والجلال، نعم كان مبتسما على الدوام، وأحيانا تظهر عليه المهابة والصرامة بحيث ينعقد لساننا عنده ولا نتفوه بشئ.

أما كلامه، فكان قليلا وموجزا، لم نر منه ذما قط، وما كان يقبل أن يغتاب عنده أحد، بل كان يستر الهفوات والأخطاء، ويحسن الظن بالآخرين حتى لا يدع أحدا ينقل الكلام إليه بسوء كأن يقول: أن فلانا قد قال بحقك كذا وكذا، بل يرد ويقول: كلا.. هذا غير صحيح، فإن ذلك الشخص لا يقول هكذا قطعا. ويسكت القائل.

وكان له قد راسخ في محاسبة النفس والمجاهدة. فلم يحقق رغبات نفسه وحظوظها، حتى أنه ما كان يأكل إلا ما يسد الرمق ولا ينام إلا قليلا ويقضى الليل في عبادة خاشعة تلفت الأنظار، وكان هذا دأبه مهما تبدلت المواسم، ولم نر منه انه ترك التهجد قطعا ولا أوراده ومناجاته، حتى في أوقات مرضه. وحينما ظل لا يتمكن من الإفطار طوال ستة أيام في شهر لشدة ما كان يعانيه من المرض، لم يدع عبادته وتهجده، حتى كان جيرانه في حيرة من أمر عباداته وخشوعه وتضرعه ليلا - صيفا وشتاءا - وكانوا ينصتون إلى مناجاته النابعة من قلب مجروح.

كان أستاذنا يراعى أمور الطهور والنظافة المطلوبة شرعا مراعاة شديدة، ويظل على وضوء دائم، ويراعى الزمن فلم يصرف وقته سدى أبدا، فإما نراه يؤلف “رسائل النور” أو يصححها أو يقرأ الأوراد والأذكار أو يستغرق في عبادة التفكر والتأمل في آيات الله. وكان هذا دأبه في الحل والترحال، إذ كنا نخرج معه أيام الصيف إلى الغابة البعيدة، فكان يصحح في الطريق أو يستمع إلى ما تقرأه من الرسائل أو يدرسنا من إحدى مؤلفاته القديمة.. وهكذا.. فما كنا نشعر بسأم ولا تعب مع الأستاذ حتى ولو كان الدرس من الصباح إلى المساء، ومشيا على الأقدام.

كان أستاذنا يقول: منذ عشرين سنة لم أقتن ولم أقرأ غير كتاب الله و “رسائل النور”. لذا كان يفضل العمل لرسائل النور التي هى تفسير للقرآن على أى شئ آخر. ترى ما حاجة من أفاض الله على قلبه من فيض قرآنه المجيد الى غيره؟

نعم لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على أستاذنا في أثناء تأليف “رسائل النور” قدرة بلاغية عجيبة وقابلية كلام بديع قد لا يوفق إليها الكثيرون. فتلك الرسائل ألفت في حالات من الاغتراب والمرض والمراقبة والضيق بل ضمن ظروف لا تطاق، ولكن بتوفيق من الله سبحانه، وإسعافا للمؤمنين، ورغم جميع المشاكل والمعوقات، ألفت تلك الرسائل في الجبال والوديان والفيافى والبساتين، بعيدا عن أنظار المراقبة وأحيانا دون أن يكون لديه كاتب يعينه. وهكذا فالعناية الإلهية قد أحاطت بأستاذنا إحاطة خارقة في أثناء تأليفه الرسائل، فالحمد لله والشكر له وحده، إذ فتح الله سبحانه أمامه الكائنات كتابا واضحا ووهب له قدرة مطالعته بالكشف والشهود حتى بلغ مرتبة حق اليقين، فهذه الآثار ليست إلا حصيلة توفيق ربانى، إذ بين فيها حقائق القرآن الكريم ومعارفه بما فيها الآيات التشريعية والآيات الكونية.

ففي الوقت الذي ينبغى أن يكون هذا “السعيد” المسعود موضع فخر واعتزاز بما بين للبشرية بنور القرآن المبين طريق العروج إلى أعلى مراتب المعرفة الإلهية، برسائل النور، قام أهل الشقاء بنقيض ذلك فتجرأوا على تسميمه مرات ومرات. وربما كان ذلك من مقتضيات الحكمة الإلهية حيث تنزل المصائب والبلايا على ورثة الأنبياء والصالحين كما هو ثابت في الحديث الشريف “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل”. حتى رماه الصبيان بالحجارة حينما خرج من بيته يوما في قسطموني قاصدا التوضؤ من النبع، ولكنه تحمل وتجمل بالصبر، ولم يحمل في صدره غير السلامة وفي قلبه غير الطهر لأولئك الصبيان، فلم يغضب ولم يحقد عليهم بل دعا لهم بالخير وقال: لقد أصبح هؤلاء سببا لكشفى سرا من أسرار آية جليلة في سورة “يس”. ثم أصبح أولئك الصبيان بفضل الله وبركة الدعاء لهم، بعد ذلك يهرولون إلى أستاذنا أينما رأوه ويقبلون يده ويرجون منه الدعاء.

إن لأستاذنا مالا يعد ولا يحصى من خوارق الأحوال، وفي مقدمتها تأليف “رسائل النور”. نعم إننا نعترف أن أستاذنا كان يقرأ خواطر قلوبنا، أدق وأكثر منا. وكثيرا ما كان ينبهنا إليه. ثم ننتبه. فعندما كنا نذهب مع أستاذنا إلى الجبل، نراه أحيانا يقوم فورا ويأمرنا بالقيام قبل أن يحين موعد العودة إلى البيت فنستفسر عن السبب ويقول: لنعد إلى المدينة بسرعة، انهم ينتظروننا لخدمة “رسائل النور”. وفعلا لدى عودتنا نجد أن أحد طلاب النور ينتظرنا لأمر مهم. أو يخبرنا الجيران أن أحدأ قد سأل عنكم وتردد إلى البيت كثيرا ثم مضى إلى طريقه.

وذات يوم أعطت السيدة “ آسيا “- وهى من نسل العاشق الصغير أحد طلاب مولانا خالد قدس سره - جبة مولانا خالد والتي كانت تحتفظ بها منذ سنوات طويلة، أعطتها إلى “فيضي”. وإذا بأستاذنا يأمر “أمين” بغسلها، ويبدأ هو بالشكر والحمد لله تعالى و”فيضي” يحار من الأمر إذ يرد إلى خاطره أن هذه السيدة قد أعطتنى هذه الجبة لعشرين يوما، فلماذا يمتلكها الأستاذ. وبعد مدة يلتقى السيدة آسيا فتقول له: لقد قلت لك ما قلت حول الجبة كى يقبلها الأستاذ - فدته أرواحنا - فهي له، لعلمي أنه لا يقبل الهدايا إذا أرسلتها إليه مباشرة. نعم أن قبول أستاذنا تلك الجبة علامة على انتقال مهمة التجديد إليه بعد مولانا خالد. فقد ورد في الحديث الشريف “إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها” فإن ولادة مولانا خالد سنة 1193 وولادة أستاذنا 1293.

كان الأستاذ كثيرا ما يلاطفنا ويقول ستجازون، وتعاقبون.. وتدخلون السجن، وفعلا لا يمضى زمن طويل حتى يتحقق ما قاله الأستاذ لنا.

وكذلك حدث قبل سجن دنيزلى. إذ قال: منذ مدة لم أبق في مكان أكثر من ثمانى سنوات. وقد مضت على مجيئ إلى هنا ثمانى سنوات، فإما سأموت هذه السنة أو أنقل إلى مكان آخر. فأخبرنا بهذا عن مغادرته قسطموني.

وذات يوم قال: “إحذروا حذرا شديدا.. إنني أشعر أن هجوما عنيفا يشن على “رسائل النور” من جهات عدة”. وفعلا لم يمضى كثيرا حتى ظهرت حادثة اعتراض شيخ عالم في استانبول على مسألة في إحدى “رسائل النور” وقيام السيد على رضا - رحمة الله عليه - وهو أمين الفتوى بالرد عليه، وتصديقه أحقية “رسائل النور”.

وكان أستاذنا يقول: ليحذر أهل الدنيا من التعرض والهجوم على رسائل النور، فانهم يكونون بذلك سببا لنزول المصائب والآفات، حيث تعد الرسائل صدقة من نوع الكلمة الطيبة، والصدقة تدفع البلاء..

وقبل حادثة سجن دنيزلى قال لنا: هناك خطة رهيبة ضد رسائل النور، ولكن ابشروا فإن العناية الإلهية ستمدنا. إذ لما فتحت اليوم “الحزب الأعظم للأوراد القرآنية” قابلتني الآية الكريمة: “فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ريك” وتقول لى ضمنا: تدبر في فتدبرت فيها ورأيت أنها تبشرنا بإحدى معانيها الإشارية، مشيرة إلى مصيبة السجن ثم النجاة منه.. كان هذا قبل قرار براءتنا من سجن دنيزلى بتسعة أشهر، فأظهر لنا جوهرة من كنوز تلك الآية الجليلة وكشف عن نكتة إعجاز فيها وبشرنا نحن الضعفاء وأدخل السرور في قلوبنا. والخلاصة مهما قلنا ومهما كتبنا، ولا سيما نحن الضعفاء فقد وهب له المولى الكريم أوصافا متميزة في دعوته. فيا سعادة من هو في خدمة “رسائل النور” التي هي تفسير قيم للقرآن الكريم ويا حظ من تلقى دروسه منها. نسأل الله سبحانه أن يحشرنا مع أستاذنا بديع الزمان وكنز العلوم والعرفان وعلامة العصر الذي نشر حقائق الإيمان والقرآن طوال وجوده في مدينتنا قسطموني، وبذل كل ما في وسعه لننال السعادة، ونسأله تعالى أن نكون معه يوم الحشر الأعظم ويأخذنا بيده الحانية المنورة الطيبة إلى حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.. إن شاء الله.”

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

العاجز مصطفى صونغور: الخادم لخادم القرآن بديع الزمان سعيد النورسي.

 

سيرة ذاتية - ص: 5

هذه السيرة الذاتية

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لعل القارئ الكريم يشاركني الإحساس بأن كتابة سيرة الحياة ولا سيما السيرة الذاتية من الكتابات الصعبة التي ينأى عنها كثير من الكتّاب، لما لها من التـزامات وأساليب ومقتضيات خاصة بـها. ومع هذا فقد تـناول كثير من الكتاب والباحثين حياة الأستاذ النورسي الحافلة بالأحداث، بأساليب شتى، منهم من التـزم السرد التاريخي فحسب وآخرون فضّـلوا الأسلوب الروائي ومنهم من اختار الأسلوب العلمي الأكاديمي وهكذا.

وأول من أقدم على كتابة تاريخ حياة الأستاذ إبن أخيه وتلميذه المخلص عبدالرحمن ونشره في كتيب في سنة 1919م.

وفي بداية الخمسينات نشر طلاب النور الجامعيين بآلة الاستنساخ (الرونيو) وبالحروف العربية كتاباً بعنوان وتشرق الشمس من تركيا على عالم العلم والعرفان. وأعقب ذلك ما كتبه الأديب التركي الشهيـر أشرف أديب عن حياة الأستاذ في سلسلة من المقالات في مجلته سبيل الرشاد.

ثم قام طلاب الأستاذ النورسي ممن درسوا عليه ولازموه ملازمة الظل في السجون والمنافي، بكتابة تاريخ حياة أستاذهم وهو مازال بينهم، ثم عرضوا عليه ما كتبـوه، فأقرّ عملهم بعد قيامه بحذف كل ما فيه إطراء أو إشادة لشخصه. وبعد

 

 

سيرة ذاتية - ص: 6

الحذف والتشذيب نشروه في سنة 1958 تحت اسم تاريخجه حياة أي تاريخ الحياة.

وقد برز بعد ذلك باحثون في هذا الميدان وكتبوا باللغة التركية أبحاثهم ودراساتهم، وغدت تلك الدراسات مصادر لا يستغنى عنها لدى الكتابة عن حياة الأستاذ، نخص منهم بالذكر الأخوين الكريمين عبد القادر بادللى و نجم الدين شاهين أر، فكتب الأول حياة بديع الزمان سعيد النورسي بصورة مفصلة في ثلاثة مجلدات1:

Bediuzzaman Said-i Nursi, Mufassal Tarihce-i Hayati

وكتب الآخر:

Bilinmeyen Taraflariyle B.S.Nursi

جوانب مجهولة من حياة بديع الزمان 2 و

Son Sahitler

الشهود الأواخر في أربعة مجلدات. وقد ضم كل منهما إلى مؤلفاتهما الوثائق التاريخية والمستمسكات الرسمية والعلمية بعد أن تجشما عناء الأسفار الطوال في سبيل الحصول على المعلومات من منابعها الأصلية.

بيد أني في أثناء سيري في ترجمة كليات رسائل النور لاحظتُ، بل لمستُ لمس اليد أن الأستاذ النورسي قد سجّل أغلب الأحداث التي مرّت به أو مرّ بـها، بل حتى خواطره ومعاناته النفسية والروحية، ونظراته واراءه وتحليلاته للأحداث، سجلها كلها في الرسائل إلا انه نثرها نثراً بين ثناياها وضمّها بين فقراتها وعباراتها مستخدماً إياها وسائل في خدمة الإيمان وتحقيقه في القلوب وترسيخه في العقول. فلم تعد تلك الذكريات، ذكريـات تاريخية عابرة و إنما أصبحت أحداثاً متفاعلة مع الحياة والإيمان، وكذلك وسائل ودلائل وإشارات إلى مباحث الإيمان.

ومن هنا فقد آثرت أن أتبع منهجاً متميزاً في كتابة هذه السيرة، وهو إلتقاط تلك المتناثرات والمبثوثات من الخواطر والأحداث من بين سطور كليات رسائل النور البالغة ثمانية مجلدات ثم ترتيبها وتنظيمها حسب تسلسلها التاريخي.

ولعل السبب الأساس في اختيار هذا النمط الصعب من الكتابة هو جعل القارئ الكريم يواجه الأستاذ النورسي مباشرة ويستمع إليه بنفسه من دون أن يكون لي دخل في الأمر، وذلك لئلا أتدخل في مشـاعر القارئ وأحاسيسه، حيث أن الكاتب مهما حاول التجرد والموضوعية فإنه قد يضفي شيئاً من إعجابه بكلمات المدح والثناء على ما كتب وسجل.

_____________________

1 وقد رمزت لهذا المصدر بـ(ب)

2 وقد رمزت له بـ(ش)

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 7

هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن أي مصدر من المصادر لا يرقى في مصداقيته مهما كان صائباً وصادقاً على ما سجّله الأستاذ النورسي عن نفسه.

وعلاوة على ذلك، أحببت أن أضع بين يدي القارئ الكريم باللغة العربية أكبر كمية ممكنة من المباحث والخواطر والأحداث والوثائق الصائبة، وفي الوقت نفسه أرفع عن كاهل الباحثين الذين يرغبون في كتابة حياة الأستاذ النورسي عناء البحث والتنقيب.

ولهذا فقد جعلت متن الكتاب كله من كلام الأستاذ نفسه مع فقرات من كتاب تاريخجه حياة الذي أقرّه بنفسه، وميّزتُـها عن كلام الأستاذ بحصرها بين علامة إقتباس مزدوجة ونظمت كلها حسب التسلسل التاريخي. بينما أوردت في الهوامش ما يعزز المتن ويوضحه مما أقتبسته من المصادر التركية، بل أضفت في بعض المواضع ما سمعتُه مباشرة من تلاميذ الأستاذ النورسي الأحياء من أمثال: مصطفى صونغور1 وبايرام يوكسل2 ومحمد فرنجي3 وآخرين، وما سمعه الباحثون ممن شاهدوه ، فانتقيت من هذه المشاهدات والخواطر ما تأيد من قبل شهود كثيرين أو ما تواتروا عليه.

ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من محاسن ومثالب، فمن جملة محاسنه إعطاء القارئ أصدق تاريخ حياة للأستاذ النورسي وأنزهه حيث لا نُقحم أنفسنا في إبداء رأي او تأويل عبارة مما يجعل البحث عن الأستاذ النورسي تعبيراً عن نفسه وليس تعبيراً عما يختلج في صدورنا من دواعي الإعجاب والإنبهار الذي يستحقه، فلا دخل لي فيه من شئ إلاّ التنـظيم والترتيب. لذا يظل القارئ حرّ التفكير بعيداً عن أحاسيس الكاتب ومشاعره من بداية الكتاب إلى نـهايته. فضلاً عن وجود كمية وافرة من المعلومات والخواطر بين يديه.

ولكن مع هذا هناك نقص سيلمسه القارئ في هذا الأسلوب، وهو أن الفقرات المأخوذة من كلام الأستاذ في رسائل النور أومن تاريخ حياته الذي أقرَّه، في صياغتين متباينتين، فمرة ترد بصيغة المتكلم وأخرى بصيغة الغائب. ولهذا اضطررت إلى وضع عنـاوين صغيرة أو جمل قصيرة وربما كلمة واحدة بين

____________________

1 من مواليد سنة 1929 تتلمذ على الأستاذ النورسي منذ سنة 1946. يتولى مع أمثاله من السابقين شؤون طلاب النور.

2 من مواليد سنة 1931 ظل في خدمة الأستاذ حتى توفاه الله إثر حادثة سيارة أليمة في 19/10/1997.وقد سجّلتُ ذكرياته عن الأستاذ قبل وفاته بشهرين. رحمه الله رحمة واسعة.

3 من مواليد سنة 1929 يتولّى أمور نشر رسائل النور منذ تعرّفه على الأستاذ في أوائل الخمسينات.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 8

الفقرات بين معقوفين [ ] كي لا تنقطع سلسلة أفكار القارئ الكريم.

ولعل عملنا هذا لرأب الصدع ورفع النقص يكون وسيلة لدفع القارئ إلى إعمال الذهن وقراءة ما بين السطور والقيام بالتركيب والتحليل، متجاوزاً القراءة العابرة. فيكون عند ذلك من جملة المحاسن وليس من المثالب.

ولا شك أن البحث قد أخذنا للتطرق إلى خُطَب الأستاذ النورسي ومقالاته ومؤلفاته ورسائله ومرافعاته في المحاكم وغيرها من الأمور. لذا لجأتُ إلى أخذ نموذج واحدٍ أو بضع فقرات فحسب من النصوص الأصلية، مع ذكر مواضعها في الهامش ليتشوق القارئ إلى مراجعة النص الكامل في موضعه ولئلا نحرمه من مصاحبة الأستاذ النورسي بالإقتباسـات المطولة. وتسهيلاً للأمر وضعنا في مستهل بعض الفصول تمهيداً نلخص فيه ما سبق من الأحداث ليعينه على الربط وتذكر تسلسل الأحداث.

ومما أعاقني في البحث هو تأريخ الحوادث، حيث يرد تارة حسب التقويم الرومي - الذي كان مستعملاً رسمياً في أواخر الدولة العثمانية - وتارة بالتاريخ الهجري وأخرى بالميـلادي. فاضطررت إلى تحويل التواريخ الموجودة في المصادر إلى التقويم الميلادي والهجري مما سبّب وجود بعض الاختلافات في الأشهر دون السنين.

وقد أشركت معي أخوة أعزاء في ترجمة بعض المباحث، واقتبست كثيراً من كتاب: ذكريات عن سعيد النورسي من ترجمة إبني الحبيب أُسيد. كما استفدت من الخرائط الموجودة في كتاب:

The Auther of the Risale-i Nur Bediuzzaman Said Nursi

للأخت الفاضلة شكران واحدة مترجمة كليات رسائل النور إلى اللغة الإنكليزية. حفظهم الله جميعاً وأثابهم ثواباً جزيلاً.

وبعد الإنتهاء من عملي وجدت أستاذ الأدب العربي الأخ الكريم فاروق رسول يحيى مترجم كليات رسائل النور إلى اللغة الكردية، بجنبى، مُعيناً لي بملاحظاته القيّمة وتصحيحاته الدقيقة. فجزاه الله عنا خيراً.

وكلّي أمل أن يحظى هذا العمل بالقبول عند الله سبحانه وتعالى مع إعترافي بنقائصـه وهفواته النابعة من قصر باعي في هذا الميدان. وأسأله تعالى أن يقيّض لهذا العمل في قابل الأيـام من هو جدير به فيتناوله كما وصفه الأخ الحبيب أديب إبراهيم الدباغ في رسالته إليّ حيث قال:

 

 

سيرة ذاتية - ص: 9

أخي الحبيب!

ذكرت في رسالتك أنك تنوي كتابة سيرة ذاتية للاستاذ النورسي مستخلصة من تراثه الفكري والإيماني، وهو بلا شك عمل جيد سيتوِّج أعمالك العظيمة في التحقيق والتأليف والتـرجمة. لذا أقدِّر انه سيكون مؤلّفاً متميزاً سيُحدث - او ينبغي أن يُحدث - من التأثير في أوساط المثقفين والمفكرين ما هو أهله. ويلفت انتباههم بقوة إلى هذا الإمام الجليل وإلى تراثه الفكري العظيم.

أخي الحبيب!

أرجو ألاّ تعتبرني فضولياً! فبحق الاخوة التي بيننا أدعوك إلى أن تنأى بالكتاب عن أن يكون عادياً وتقليدياً. فالرجل الذي تترجم له لم يكن في يوم من الأيام عادياً او تقليدياً في كل ما كتب وترك من تراث.

فالتأنّي التأنّي - أخي الكريم - فلا تتعجل أبداً، فالكتاب الذي أتمنى من صميم قلبي أن تكتبه لا ينبغي أن يكون أكاديمياً بارداً فتقتله البرودة في مهده، صحيح إن العـلمية مطلوبة والحقائق تفرض نفسها فرضاً على المؤلف، ولكن لابد للحقيقة من أن يتناولهـا قلم حارٌ وإلاّ ظلت باردة غير قادرة على التحريك والتحفيز. فأنت - يا عزيزي - تتناول بقلمك شخصية حارة ملتهبة، تتفجر حيوية، وتتدفق أفكاراً حارة لاهبـة، فليكن قلمك مغموساً بهذا اللهب الإيماني النوراني لكي يلهب الأفكار وينير القلوب .ولربما سأكون الى جانبك يوماً لأسهم معك في كتابة بعضاً من فصوله…1

والله نسأل أن يحقق رغبة أخي الكريم بل رغبتنا جميعاً ويهئ لهذا العمل من هو أهل له ويوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.

وصل اللّهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

 

إحسان قاسم الصالحي

 

_____________________

1 وقد حقق المولى الكريم أمنيته الصادقة لخلوص نيته فكان الى جانبي حيث قرأ الكتاب قراءة متفحصة وأبدى ملاحظاته السديدة قبل أن يغادرنا لتولي مهامه أستاذاً للأدب العربي في جامعة داغستان الخاصة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 10

 

نظرة الأستاذ النورسي

إلى سيرته الذاتية

حياتي بذرة لخدمة القرآن

 

لقد تحقق لديّ يقيناً:

إن اكثر أحداث حياتي، قد جرت خارجة عن طوق إقتداري وشعوري وتدبيـري، إذ اُعطيت لها سيرٌ معينٌ ووُجّهت وجهةً غريبةً لتنتج هذه الأنواع من الرسائل التي تخدم القرآن الحكيم. بل كأن حياتي العلمية جميعها بـمثابة مقدمات تمهيدية لبيان إعجاز القرآن بـالكلمات1 حتى إنه في غضون هذه السنوات السبع من حياة النفي و الاغتراب وعزلي عن الناس - دون سبب او مبـرر وبـما يخالف رغبتي - أمضي أيام حياتي في قرية نائية خلافاً لـمشربي وعازفاً عن كثير من الروابط الاجتماعية التي ألفتُها سابقاً.. كل ذلك ولّد لي قناعة تامة لا يداخلها شك من أنه تهيئة وتحضير لي للقيام بخدمة القرآن وحده، خدمة صافية لا شائبة فيها.

بل إنني على قناعة تامة من أن المضايقات التي يضايقونني بها في أغلب الأوقات والعنت الذي أرزح تحته ظلماً، إنما هو لدفعي - بيد عناية خفية رحيمة - إلى حصر النظر في أسرار القرآن دون سواها. وعدم تشتيـت النظر وصرفه هنا وهناك. وعلى الرغم من أنني كنت مغرماً بالمطالعة، فقد وُهبتْ لروحي مجانبةً وإعراضاً عن أي كتاب آخر سوى القرآن الكريم.

فأدركت أن الذي دفعني إلى ترك المطالعة - التي كانت تسليتي الوحيدة في مثل هذه الغربة - ليس إلاّ كون الآيات القرآنية وحدها أستاذاً مطلقاً لي.2

نعم إن بذرة شجرة الصنوبر التي هي بحجم حبة الحنطة تكون منشأً لشجرة

_____________________

1 أي كليات رسائل النور

2 المكتوبات/ 484

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 11

صنوبـر ضخمة. فالقدرة الإلهية تخلق تلك الشجرة العجيبة من تلك البذرة، وقد لا توجد للبذرة إلا حصة واحدة من مليون حصة من الخلق، حيث سطّر فيها قلمُ القدر فهرساً معنوياً لتلك الشجرة. فلو لم يُسـند الأمر إلى القدرة الإلهية للزم وجود مصانع تسع مدينة كاملة كي تتكون تلك الشجرة العجيبة بأغصانها المتشعبة.

وهكذا فإن إحدى دلائل عظمة الله وقدرته سبحانه هو أنه يخلق من شئ صغير جداً كالذرة، أشياء عظيمة عظمة الجبال. و بمثل هذا المثال أُعلن باقتناع تام وبخالص نيتي ولا أتكلف التواضع ونكران الذات، فأقول:

إن خدماتي وأحداث حياتي قد أصبحت في حكم بذرة، لكي تكون مبدأً لخدمة إيـمانية جليلة، قد منحت العناية الإلهية منها في هذا الزمان شجرة مثمرة برسائل النور النابعة من القرآن الكريم. فأُقسم لكم لتطمئنوا فأقول:

إنني ما كنت أجد في نفسي قابلية ولا مزيّة ولا أهلية فائقة لتلك الخوارق التي مرّت في حياتي، لذا كنت أتقلب في حيرة. بل ما أجد في نفسي كفاءة لتدبير أمورها وارتباطها بعلاقات بالمجتمع فكيف لها بدهاء خارق وولاية خارقة!

نعم لقد أظهرت حالاتٌ جلبت الأنظار إليّ، ولكنها كانت خارجة عن إرادتي واختياري، حتى بدت كأنها نوع من جلب الإعجاب، وما كانت إلاّ من قبيل عدم تكذيب حسن الظن الذي كان يحمله الناس نحوي.

ولكن لما كنت أجهل الحكمة في عدم كوني في الحقيقة على ما يظنه الناس بي، ولا أفيد شيئا للدنيا، وها قد أصبحتُ موضع توجه الناس بما يفوقني بألف مرتبة ومرتبة، لذا كنت أتلقى هذا الأمر باعتباره خلافاً للحقيقة كليا.

ولكن بفضل الله وكرمه، وألف حمد وشكر له، إذ قد أنعم عليّ فهم شئ من حكمة ذلك الأمر، في أواخر أيامي بعد قضاء ما يقرب من ثمانين سنة من العمر...

فمثلاً: إن هذا المسكين سعيد، برغم حاجته الشديدة إلى الكتابة وجودة الخط، وانشغاله بها منذ سبعين سنة، واضطراره إلى تصحيح مئتي صفحة في اليوم الواحد أحيانا، لا يملك من الخط ما يتعلمه طفل ذكي في العاشر من العمر في عشرة ايام. هذا الأمر محيّـر حقاً، إذ لم يكن سعيد محروماً من القابليات كلياً، فضلا عن أن أشقاءه يجيدون الخط وحسن الكتابة.

فأنا مقتنع تمام الإقتناع بأن حكمة بقائي نصف اُمّي برداءة الخط وأنا في اشد الحاجة إليه هي:

 

 

سيرة ذاتية - ص: 12

انه سيأتي زمان لا يمكن للقدرات والقوى الشخصية والجزئية أن تقاوم وتصدّ هجوم أعداء رهيبين، فيبحث سعيد بحثا حثيثا عن الذين يملكون خطاً جيداً ليشركهم في خدمته فيشكلون معاً آلاف الأقلام التي تحوّل تلك الخدمة الشخصية الجزئية إلى خدمة كلية عامة قوية، إذ يجتمعون حول تلك البذرة، بذرة النور، إجتماع الماء والهواء والنور، ويمدّون تلك الشجرة المعنوية بالعون. ففضلا عن هذه الحكمة، فإن إذابة أنانيته في حوض الجماعة المبارك كإذابة قالب الثلج نيلاً للإخلاص الحقيقي، حكمةٌ أخرى تدفع لخدمة الإيمان.1

إنني ضمرت ضمور البذرة النابتة، واعتقد أن الأهمية والقيمة والحيوية والشرف والمنـزلة كلها قد سارت إلى رسائل النور التي نـمت من تلك البذرة، ولأجل ذلك اُظهر قيمة رسائل النور وأهميتها إظهاراً لإعجاز القرآن.2

____________________

1 الملاحق - أميرداغ 2 / 360 - 365

2 الرمز الثامن - الشعاع الثامن

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 13

أحداث مهمة

في حياة بديع الزمان سعيد النورسي

حسب التسلسل التأريخي

 

1876 م/ 1294هـ

- ولادته وأيام طفولته.

1885م/ 1303هـ

- خطواته الأولى نحو العلم.

- تلقي العلم في قرية تاغ.

1888م/ 1306هـ

- تتلمذه على الشيخ السيد نور محمد.

1891م/ 1308هـ

- رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام في حضن والديه.

- الدراسة الحقة لدى الشيخ الجلالي فيبايزيد.

1892م/ 1309هـ

- إمتحانه العلمي لدى الملا فتح الله.

- مناظرة العلماء في سعرد.

- منحه لقب بديع الزمان.

1893م/ 1310هـ

- مكوثه في شيروان.

1894م/ 1311هـ

- إنزواؤه في تيللو.

- تحديه ظلم مصطفى باشا.

- مناظرة العلماء في الجزيرة.

- الذهاب إلى ماردين واهتمامه بالسياسة.

 

 

سيرة ذاتية - ص: 14

1895م/1312هـ

- نفيه من ماردين إلى بتليس.

1897م/ 1314هـ

- ذهابه إلى وان بدعوة من الوالي.

- إطلاعه على العلوم الحديثة في مضيف الوالي وحفظه لمتون تسعين كتابا.

- إطلاعه على تصريح وزير المستعمرات البريطاني.

- سقوطه من قلعة وان.

1907م/ 1325هـ

- مجيؤه إلى استانبول بغية إنشاء مدرسة الزهراء.

- إعلانه عن المناظرة مع العلماء في خان الشكرجي.

- أجوبة القائد الياباني.

- تقديمه طلبا للسلطان عبد الحميد حول إصلاح الأوضاع في المنطقة الشرقية وإنشاء مدرسة الزهراء.

- سوقه إلى مستشفى المجاذيب.

- محاورته الطبيب.

- محاورته مع وزير الأمن شفيق باشا.

1908م/ 1326هـ

- إعلان المشروطية الثانية قي 23 تموز.

- خطابه لشرح المفهوم الصحيح للحرية والمشروطية.

- إجتماعه مع عمانوئيل كراصو.

- لقاؤه الشيخ بخيت.

- ردّه لما كتب في الصحف.

- تهدئته المشاعر المتهيجة في مسرح الفرح.

- تهدئته الحمالين حول مقاطعة البضائع النمساوية.

1909م/ 1327هـ

- تهدئته طلاب الشريعة في ميدان بايزيد في 27شباط.

- تأسس جمعية الإتحاد المحمدي في 5 نيسان - تنبيه أرباب الصحافة.

- حادثة 31 مارت 1325 رومي في 13 نيسان 1909م.

- تهدئته الفوضى الناشئة من الأحداث وإرجاعه ثمانية أفواج عسكرية إلى الطاعة.

 

 

سيرة ذاتية - ص: 15

- سوقه إلى المحكمة العسكرية العرفية بسبب أحداث 31 مارت وبراءته منها.

1910م/ 1328هـ

- مغادرته استانبول إلى وان.

- محاورته مع البوليس الروسي في تفليس.

- تجواله بين العشائر وتأليف رسالة المناظرات.

1911م/ 1329هـ

- ذهابه إلى الشام شتاءاً.

- إلقاؤه خطبة في الجامع الأموي.

- عودته إلى استانبول عن طريق بيروت، ازمير.

- مرافقته السلطان رشاد في سياحته لروم ايلي 7-26 / 6 / 1911

- وضعه الحجر الأساس لمدرسة الزهراء في وان.

1914م/ 1331هـ

- سعيه دون قيام الشيخ سليم بالثورة .

- تصديه لعصابات الأرمن.

- تدريبه لطلابه الفدائيين مع الاستمرار في النشاط العلمي في خورخور.

- رؤيا صادقة لإعجاز القرآن.

1915م/ 1333هـ

- تشكيله فرقة المتطوعين

- في خضم الحرب مع الروس في جبهة القتال .

1916م/ 1334هـ

- تأليفه إشارات الإعجاز.

- سعيه لإنقاذ الاهلين.

- سقوطه أسيراً بيد الروس في 2 / 3 /1916

- سوقه إلى قوصتورما واستمراره بدروس الإيمان هناك.

- أول صحوة روحية في مسجد للتتار.

1918م/ 1336هـ

- هروبه من الأسر وعودته إلى استانبول في 17/ 6/ 1918

- تعيينه عضواً في دار الحكمة الإسلامية في 13 / 8 / 1918

 

 

سيرة ذاتية - ص: 16

1919م/ 1337هـ

- خطاب في رؤيا(أيلول)1919م

- بقاؤه مع عبدالرحمن في جاملجة .

1920م/ 1338هـ

- احتلال الإنكليز لإستانبول في 16/ مارت.

- نشره الخطوات الست بالتركية والعربية.

- إعتزاله في صاري ير باستانبول في أواسط 1920م

- تركه الدوام في دار الحكمة.

1921م/ 1339هـ

- جوابه للكنيسة الانكليكية.

- جوابه للفتوى الصادرة من المشيخة ضد حركة التحرير.

- إنزواؤه في تل يوشع وتحوله إلى سعيد الجديد بانكشاف روحاني وانقلاب قلبي وفكري.

1922م/ 1340هـ

- مجيؤه إلى آنقرة في19 / 11

- تأملاته على قلعتها.

- إستقباله من قبل مجلس النواب المبعوثان في22/ 11/ 1922

1923م 1341/هـ

- نشره البيان إلى النواب في 19/1/ 1923 نشره لرسالة حباب وذيلها

- مغادرته آنقرة في25/ نيسان - عودته إلى وان في 17/ 4

1924م/ 1342هـ

- قضاؤه سنتين في جبل أرك.

1925م/ 1343هـ

- تصديه للثورات.

- جوابه للشيخ سعيد پيرانالپالوي.

- نفيه من وان في 25 شباط إلى بوردور .

1926م/ 1344هـ

- نيسان - مايس / يؤتى به إلى استانبول.

- نشوب الحريق في المشيخة الإسلامية.

- أخذه إلى بوردور عن طريق ازمير انطاليا.

 

 

سيرة ذاتية - ص: 17

- تأليفه المدخل إلى النور في بوردور.

1927م/ 1345هـ

-1/مارت يوم الثلاثاء وصوله إلى بارلا قبل حلول شهر رمضان بثلاثة أيام

1929م/ 1347هـ

- التعدي الأول على مسجده.

1932م/ 1350هـ

- مداهمة مسجده في 18/تموز.

1934م/ 1352هـ

- أخذه من بارلا إلى إسپارطة (أواسط الصيف).

1935م/ 1353هـ

- أخذ طلاب النور من أماكنهم ووضعهم في التوقيف 25/نيسان.

- مجيء وزير الداخلية في 27/نيسان، وسوق الموقوفين إلى اسكي شهر.

- دفاع الأستاذ وقرار محكمة الجزاء الكبرى في 19/آب بالحكم عليه بسبب رسالة الحجاب.

1936م/ 1354هـ

- الإفراج عنه في 27/مارت ونفيه إلى قسطموني للإقامة الإجبارية.

1943م/ 1362هـ

- مداهمة بيته ثلاث مرات وتوقيفه في 20/ أيلول وإرساله إلى آنقرة.

1944م/ 1363هـ

- محكمة دنيزلي وتدقيق رسائل النور من قبل الخبراء.

- 15/حزيران إعلان براءة الأستاذ.

- بقاؤه في دنيزلي شهرين .

- إقامته اجبارياً في اميرداغ بأمر من آنقرة في أواخر آب.

- منعه الذهاب إلى المسجد في اميرداغ.

1948م/ 1367هـ

- 23/1 سوقه وطلابه إلى محكمة آفيون.

- 6/12 الحكم عليهم.

1949م/ 1368هـ

-20/أيلول إخلاء سبيلهم من سجن آفيون.

 

 

سيرة ذاتية - ص: 18

-20/11 إعادة الأستاذ إلى اميرداغ في 2/12

1950م/ 1369هـ

- إرساله برقية تهنئة إلى رئيس الجمهورية لمناسبة فوزهم في الانتخابات في14/5/1950

- 16/حزيران رفع الحظر عن الأذان الشرعي، وتهنئته الطلاب والعالم الإسلامي به.

1951م/ 1370هـ

-21 شباط رسالة إلى الفاتيكان مع إرسال بعض رسائل النور.

-20/11 ذهابه إلى اميرداغ والبقاء فيها اسبوعاً.

- 29/11 إلى اسكي شهر والإقامة في فندق يلدز لمدة شهر ونصف الشهر.

- 29/12 إلى إسپارطة.

1952م/ 1371 هـ

- 15/1 مجيؤه إلى استانبول لحضور محكمة حول مرشد الشباب والجلسات في 22/1، 19/2، 5/3

1953م/ 1372هـ

- عودته إلى اميرداغ أوائل نيسان.

- براءته من قضية مرشد الشباب.

- مجيؤه إلى استانبول لأجل الذهاب إلى صامسـون للمحكمة. والبقاء فيها ثلاثة أشهر تقريباً.

- مغادرته استانبول أواسط الصيف إلى اسكي شهر ومنها إلى اميرداغ ومنها إلى إسپارطة فبارلا.

- (سفرات متقطعة بين إسپارطة - بارلا - إسپارطة - اميرداغ واحياناً آفيون واسكي شهر).

1956م/ 1375هـ

- 23/مايس براءة رسائل النور من محكمة آفيون.

1958م/ 1377هـ

- قضية آنقرة

 

 

سيرة ذاتية - ص: 19

السفرات الوداعية

1959م/ 1378هـ

- 2/12 من اميرداغ إلى آنقرة والعودة في اليوم التالي إلى اميرداغ.

- 3/12 إلى إسپارطة والعودة بعد 15 يوماً إلى اميرداغ.

- 19/12 إلى قونية والعودة منها إلى إسپارطة ثم إلى أميرداغ.

-20/12 مرة ثانية إلى قونية وتركها بعد صلاة الصبح إلى أميرداغ.

-31/12 من اميرداغ إلى آنقرة.

1960م/ 1379هـ

- 1/1 إلى استانبول.

- 3/1 عودته إلى آنقرة (الدرس الأخير).

- 5/1 مقابلة مراسل صحيفة تايمس اللندنية.

- 6/1 ذهابه إلى قونية ومن هناك إلى إسپارطة و (أميرداغ).

-11/1 عودته إلى آنقرة وتوصية الحكومة ببقائه (إجباريا) في أميرداغ.

-20/1 من اميرداغ إلى إسپارطة.

-20/3 بقاؤه في إسپارطة يومين وتوجهه إلى اورفة.

- 21/3 إلى قونية - اطنة - غازي عنتاب.

- 22/3 أهالي اوروفة يزورونه.

- 23/3 الساعة الثالثة ليلاً توفاه الله وتغمده برحمته الواسعة.

-24/3 مراسيم الدفن في أورفة.

- أوائل تموز نُبش قبره من قبل السلطات وأُخذ جثمانه إلى مكان مجهول.

 

 

سيرة ذاتية - ص: 21

مقدمة 1

 

إن الإنسان يحس في قرارة نفسه بالإنتقال إلى عالمٍ آخر في أثناء قراءة سيرة العظماء والاستماع إلى مناقبهم السامية واستذكار مواقفهم البطولية، فتحرق النار السامية المنبثقة من تلك الأحاسيس النـزيهة غفلةَ قلبه، ويغمره بالفيض الإلهي. وفي هذا المضمار يسجّل لنا التاريخ رجالاً يصغر أمام عظمتهم العظماء.

وحينذاك تفلت الروح من قبضة طينة الأرض بذكر الموهوبين من أبطال التاريخ وتحلق في أجواء العوالم الواسعة، وكأن شذى فيوضات ألف طيب تحيط بـها وهي تسلك طريقها بين رياحين رياض الجنان وعبير ازاهيرها .

وفي هذه المقدمة أحس بهذه الحقيقة السامية بكل عظمتها وأدركها بكامل معانيها. وذلك ان هذا الكتاب الذي نقدمه لقرائنا الأحبة بكل صدق وإخلاص، يتناول حياة فاتح القلوب الأستاذ العظيم سعيد النورسي عبر عمره الذي يقرب من قرن من الزمان، امتلأت كل صفحة من صفحاته بآلاف الخوارق والبطولات، كما يتناول مضمون رسائله البالغة مائة وثلاثين رسالة، وفضل طلبته الأماجد المتحلين بالإيمان والعلم و الإخلاص والصدق، الذين غدوا أسوة حسنة ليس لبلد واحد فحسب، بل للإنسانية جمعاء.

نعم، تُعد المقدمة خلاصة للكتاب وزبدة لفحواه، بينما هذا الكتاب العظيم العميق في شعابه المستوعب كل موضوع من موضوعاته كتاباً مستقلاً بذاته يتأبى تعريف محتوياته في مقدمة تشتمل على صفحات عدة. ولم أعجز وأتحير في كل ما كتبتُ من كتابات منظومة او منثورة كما عجزت وتحيرت في هذه المقدمة، لذا فالمطلعون على هذا الكتاب ويقرأونه بنشوة عميقة وجذبة سامية، يرون بإعجاب ان بديع الزمان شخصية ممتازة وعالم فريد قد ترعرعَ منذ صغره بشكل غريب تحت عناية إلهية فائقة.

_____________________

1 هذه المقدمة كتبها العالم الفاضل والشاعرالتركي الكبير "علي علوي قوروجو" ساكن المدينة المنورة، وبعثها الى الأستاذ النورسي، فأشار بوضعها في بداية كتاب "تاريخ الحياة "باللغة التركية. وقد تفضل مشكوراً الاخ "جميل شانلي" بترجمتها الى العربية.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 22

وبعد ان أحدقتُ النظر في هذا العالِم الجليل ودققت كتبه بجدّ وعرفت طلابه عن كثب، وعشت في عالم النور هذا فكراً وشعوراً وروحاً، عرفتُ مدى حقيقة ما قيل:

ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

***

ان المرفرفين في حمى هذا القطب الإيماني والمنجذبين إليه لسمو غايته وجليل دعوته وعظمة إيمانه ونصاعة منهجه هم في ازدياد يوماً بعد يومٍ. فكما ان هذه الحادثة الجليلة المبهرة للألباب تغيظ المنكرين وتطفئ جذوة شوقهم، فهي ايضاً تمنح السرور والإنشراح والسلوان للمؤمنين وتديم أفراحهم.

يعبر أحد المجاهدين الكبار عن هذه الحادثة الإلهية التي تديم حياتها وحيويتها في القلوب المؤمنة من العروة المعنوية، بأسلوب تسبغ على القلوب وجداً وطمأنينة بما يأتي:

بينما الابتذال الخلقي المتفشي كطوفان عارم في ايام حالكة السواد بكل جهة وناحية، تكاد تخنق وتكبح كل فضيلة، نرى بسر إلهي سريان فيض الأستاذ بديع الزمان من قلب إلى قلب سريان السيل الذي لا يُقاوم، فنتسلّى وتقوى آمالنا... نعم لقد أظلمت ليالينا بالسواد الداهم، فانجلاء الصبح إذن قريب.

أجل ان الذين رأوا فيض وتأثير هذا النور المنتشر بسر إلهي من قلب إلى قلب بشكل يستحيل مقاومته ومواجهته، في كل أرجاء البلاد، أحاطت بهم الحيرة، وبدأوا يتسألون: من هذا الرجل الذي أطبقت شهرته البلاد؟ وما سيرته وآثاره ومنهجه؟ وهل ان ما ينتهجه طريقة صوفية أم جمعية او تحزب سياسي؟.

ولم ينحصر الأمر على هذا بل بدأت التحريات الحكومية الإدارية و العدلية، والتدقيقات الجادة، وأقيمت المحاكم الطويلة المتعاقبة، وظهر أخيراً ان هذا التجلي الإلهي ليس إلاّ مؤسسة إيمانية علمية ضاربة اطنابها في عالم القلوب، وبهذا تحقق عدل القدر الإلهي على هذه الصورة: براءة بديع الزمان سعيد النورسي ورسائل النور كافة وأُعلن ذلك رسمياً، وسطعت حقيقة القوانين الإلهية الجارية منذ الأزل إلى الأبد ألا وهو غلبة الروح على المادة، وانتصار الحق على الباطل وانهزام الظلمة امام النور، وانحسار الكفر أمام الإيمان.

يقال ان أصح معيار وأدق ميزان في صدق أي مصلح يظهر بأية بقعة وجديته وحقيقته، يكمن طيّ التغييرات الحاصلة بعد إحرازه النصر في حياته الفردية

 

 

سيرة ذاتية - ص: 23

والإجتماعية والروحية عما كان عليه في أيامه الأولى من دعوته.

فلننظر مثلا للذي ظهر بدعوته متواضعاً، وسيماً، نبيلاً، مضحياً، يُحْتَمى به، وقدوةً ألمعيةً ونموذجاً جاداً ممتازاً متحلياً بالأخلاق الحميدة والفضائل السامية وطاهراً طهر الثلجِ بكل معنى الكلمة، فلننظر إليه بعد وصوله الغاية ونيله النصر وتبوّئه المكانة المرموقة في الأحاسيس والقلوب، أيثبت على نصاعته وطهره، أم يصبح بنشوة الإنتصار وسكر الرفعة والعلى متكبراً يخرق الجبال ؟.

أجل ان هذه المرآة هي اصقل المرايا وأجلاها لإظهار الوجهة الأصيلة لماهية وحقيقة أصحاب الدعوات وكنه شخصيتهم. والتاريخ يشهد بأحداثه الغابرة ان الأنبياء وفي مقدمتهم إمام المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن ثم خلفائه وأصحابه الكرام ومن سار على هديهم واستنار بنورهم من العظماء، هم الأسوة الحسنة والنموذج الأمثل في نيل المنى وكسب القدح المعلّى في معترك هذا الإمتحان المذهل.

* * *

يبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ببلاغته المعجزة في حديثه الشريف (العلماء ورثة الأنبياء) ثقل مهام العلماء ومدى صعوبـة وظيفتهم. ومادام هذا شأنـهم، إذن يستوجب عليهم في تبليغ الحق الأبلج والحقيقة السامية الإمتثال بالأنبياء وسلوك طريقهم، مهما تخللها من الموانع، بل مكابدة التوقيف والاعتقال والنفي والسـجن الإنفرادي، والتسميم، وحبال المشانق، وما لا يتبادر إلى الذهن من أساليب الظلم والتعذيب.

لقد قطع الأستاذ النورسي طوال حياته هذا الطريق الشاق لأكثر من نصف قرن بجهاده المقدس، واجتاز آلاف الموانع كالصاعقة، واثبت فعلاً انه بعلمه من ورثة الأنبياء.

وقد شدّني من الأعماق من بين سعة علمه وسمو أدبه وحميد خلقه وفضائله الكثيرة، سعة إيمانه الثابت ثبات الرواسي الشم والعميق عمق البحار الغور.

فيا إلهي ما أعظمه من إيمان! وما أقواه من إرادة صلبة كالفولاذ، وما أعلاه من صبر لا يعرف النفاذ إليه سبيلاً، وما أرفعه من رأس يتأبّى الخضوع للعبيد، وما أعلاه من صوت لا يـخفت ومن أنفاس لا تُخنق بالرغم من المضايقات والتهديدات التي تُرعد حتى الخيال وتُصبغ مشاهد الذكريات بالوجل والخوف..

انظروا ماذا يعد الله المجاهدين في هذه الآية الكريمة:]والّذين جاهَدوا فينا

 

 

سيرة ذاتية - ص: 24

لنهدينّهم سُبلنا وإنّ الله لمع المحسنين[ (العنكبوت:69)

أجل إن المجاهدين الذين باعوا أنفسهم ودنياهم لله في طريق الإيمان والقرآن، فإن الله يبشرهم بالهداية إلى سُبله، ولاشك أن الله لا يخلف وعده إذا تحقق ما يستوجب هذا الوعد الإلهي من الشروط. فتغدو هذه الآية الكريمة مرشداً نورانياً في تحليل شخصية الأستاذ النورسي وسيرته، بحيث نتمكن رؤية أدق القسمات وأصغر النقاط كأنها حزمة لامعة مضيئة. وحين يكون الإنسان محط نعمة الله في الحفظ والحماية، فلا يكون للخوف والترهيب والحزن والملل والنكوص وأمثالها من الأمور أهمية تذكر. فأية غيوم قاتمة السواد تتمكن من إلقاء ظلها في قلب منوّر بنور الله، وأي أمل فانِ ومطلب زائل وإلتفاتة غادية وتوجّه عاجز وغاية تافهة ومغانم سفلية نفسانية تستطيع تسكين وطمئنـة وتسلية روح عبدٍ تحظى بالصلة الربانية وتتشرف بالحضور السبحاني في كل آن ولحظة..

ان بديع الزمان شخصية تـمتاز بعناية ربانية خارقة، لذا غدت السجون، كرياض يشهد من خلالها الآفاق النورانية للعوالم الأبدية، وتعتبر أعواد المشانق ومنصة الإعدام محافل وعظه وكراسي إرشاده، فيلقي من فوقها دروس الصبر والثبات والمتانة والرجولة للإنسانية في سبيل غاية سامية. وتنقلب المعتقلات مدارس يوسفية، يدخلها كما يدخل الأساتذة الجامعات لإلقاء الدروس، لأن الموجودين فيها من المسجونين يعدّون تلامذة محتاجين إلى فيضه وإرشاده، ويعتبرُ إنقاذ بضع من المواطنين وإدخالهم إلى حظيرة الإيمان وجعل بعض الجناة انساناً كالملك سعادةً لا تستبدل بشئ من متاع الدنيا الزائلة.

وإنسان يحمل في قلبه مثل هذا الإيمان والإخلاص ويستشعره في كينونته كل آن، لابد أنه يدع تأثيـر البريق الكاذب الذي يستخلفه مفهوما الزمان والمكان على أبناء الفناء القاصرين العاجزين في عالم الـمادة الكثيف فينطلق بروحه إلى العالم المعنوي الشاسع آفاقه الفياض بالنور والهدى. وإن ما يسميه ويصفه كبار أقطاب الصوفية من المرتبة الكبـرى من الفناء في الله والبقاء بالله، ليست هي الاّ نيل هذا الشرف السامي العظيم.

أجل إن لكل مؤمن حالاً يخصّه من الطمأنينة والحضور والخشوع والتجرد والفيض والإستغراق، والكل ينهل بقدر إيمانه وعلمه وتقواه وبنسبة إستفاضته من هذه السكينة الإلهية. ولكن هذا الحال الندي بجماله، والوصال العذب بطراوته وهذه السكينة الفريدة بجدتها دائمة النـزول على أرباب الإحسان، أولئك

 

 

سيرة ذاتية - ص: 25

المجاهدون العظام المذكورون في الآية الكريمة السابقة. لذا فإنهم لا يقعون في غفلة نسيان المولى الكريم، فيبارزون ويصارعون كالأسود الضواري أنفسهم الأمارة بالسوء طوال حياتهم، وكل لحظة من لحظات عمرهم تسجل أروع ذكريات التكمل والترقي. فإنـهم ينصهرون بكل موجوديتهم وديمومتهم في رضا رب العالمين المتصف بصفات الجمال والجلال والكمال.

لقد بحثنا آنفاً عن عظمة إيمانه الذي ينجذب إليه الأحباب، ويرتعد منه الأعداء، فينبغي البحث أيضاً عن شخصيته ومزاياه وأخلاقه وكمالاته المحيطة به كهالة من نور.

وكما هو معلوم أن لكل عظيم ميّزات معينة تحيط به وله سمات خاصة تميّزه عن غيره، والأستاذ النورسي أيضاً في تكوين شخصيته يمتاز بالصفات الآتية:

التضحية:

تعد التضحية من أهم شروط التوفيق والنجاح لدى أصحاب الدعوات. وذلك لأن القلوب تميل والعيون تترقب بكل حساسية تدقيق هذه النقطة المهمة، وحياة الأستاذ النورسي تزخر وتجود بأروع أمثلة التضحية والفداء.

وقد سمعتُ من العلامة المرحوم شيخ الإسلام مصطفى صبري كلاماً يصف به التضحية قائلاً:

يقتضي على حملة لواء الجهاد الإسلامي المقدس في هذا العصر العصيب التضحية ليس بحياتهم الدنيوية فحسب بل بحياتهم الأخروية أيضاً .

إنني لم استسغ هذا الكلام الثقيل في معناه والمشحون في مغزاه والصادر من إنسان عظيم، فأقرنته بكلام المتصوفة وألغازهم التي يطلقونـها في حالة من الإستغراق والنـزعة الروحية، وأخذت عليّ ألاّ أبحثه لأحد ولا أخوض فيه في مجلس. وحينما قرأت الكلام نفسه في ثنايا العبارات الحماسية الهياجة للأستاذ النورسي، أدركت أن مقاييس التضحية تعظم بعظمة الفطاحل. نعم، وتصغر في عين العظيم العظائم.

أجل إن المجاهدين الذين يضحون بكل غال ونفيس ويتحملون المآسي الأليمة ويصبرون عليها، لن يتركهم المولى سبحانه على حالهم. وكيف يتركهم وهو المتعال القدوس الكريم في عليائه، وهو أرحم الراحمين. فتعالى الله الجليل علواً كبيراً أن يحرم رحمته وكرمه وعنايته عبدَه المضحي في سبيله.

وهكذا يعدّ بديع الزمان الأنموذج الأمثل لهذا التجرد الفريد، قضى عمره الزاخر

 

 

سيرة ذاتية - ص: 26

متجرداً من كل متاع، محروماً من اللذائذ الدنيوية المشـروعة كافةً، فلم يجد الفرصة المتاحة ليتفكر في تكوين حياة عائلية سعيدة يجنح لظلها ويقضي حياة سعيدةً بكنفها. ولكن الله تعالى أحسن إليه إحساناً تعجز الأقلام عن تعريفه ووصف أمدائه.

فأي صاحب أسرة وأي ربُّ بيت أسعد اليوم منه؟ وأي أب يُعدّ أبناؤه بالملايين؟ ويا لهم من أبناء بررة.. وأي معلم وأستاذ تتلمذ وتخرج على يديه هذا العدد الهائل من الطلاب؟.

وستدوم بإذن الله هذه العروة المقدسة ما دامت السموات والأرض، وتسري كسيل من النور إلى أبد الآباد، فالدعوة الإلهية هذه نبعت من القرآن الكريم وتبلورت في بحر نوره، فمنه تستمد الوجود وبه تحيا.

الرأفة والشفقة:

لقد وجد العارف بالله الأستاذ النورسي الحق والحقيقة منذ صغره، أيام لجوئه إلى المغارات للإستماع إلى أنين قلبه وآهاته وإنابة روحه ومناجاتها، حتى ذاق طعم الطاعة ورشف رحيق العبادة واستشم طيب التفكر، واستفاض في التربية الروحية والنفسية فوصل إلى الطمأنينة والسكينة.

وعندما أغار الكابوس الإلحادي وكأنه أمواج ليال مظلمة على العالم الإسلامي ولاسيما على بلدنا في تلك الأيام الخطرة التعسـة، وثب الأستاذ النورسي إلى ساحات الجهاد وثبة الأسد من عرينه، يتأجج وكأنه بركان منفجر، وفدى هذه الدعوة المقدسة بوجوده وكيانه. فغدت كل كلمة من كلماته وكل فكر من أفكاره منـذ ذلك اليوم وكأنها شواظ نار تتقد في القلوب وجمرة تستعر في الأحاسيس والأفكار.

يشبه رجوع الأستاذ النورسي إلى المجتمع للدعوة والإرشاد بعد الخلوة والعزلة والإنزواء ما فعله الإمام الغزالي. ولاشك ان الله تعالى يزكّي ويصفي الخلّص من عباده المصطفين الأخيار والمرشدين العظام فترة من الزمان في الخـلوات، ثم يحملهم وظيفة الإرشاد والدعوة، فأنفاس هؤلاء العظماء حين تلامس القلوب تبعث فيها الحياة.

وقد قام الأستاذ النورسي بفتوحات في شعاب الإيمان والإخلاص، كما قام أستاذه الإمام الغزالي قبل تسعمائة سنة بفتوحات في ميادين الأخلاق والفضيلة.

أجل ان شفقة ورأفة الأستاذ النورسي هي التي ساقته دوماً لميادين الجهاد

 

 

سيرة ذاتية - ص: 27

المرعب هذه، ولنستمع إلى هذه الحقيقة منه:

يقولون: لماذا تجرح فلاناً وعلاناً؟ لا ادري. لم أشعر ولم أتبين مما أرى أمامي من حريق هـائل يتصاعد لهيبها إلى الأعالي تحرق أبنائي وتضرم إيماني، وإذ أنا أسعى لإخمادها وإنقاذ إيماني، يحاول أحدهم إعاقتي، فتـزل قدمي مصطدمةً به. فليس لهذه الحادثة الجزئية أهمية تذكر وقيمة أمام ضراوة النار؟

يا لها من عقول صغيرة ونظرات قاصرة!

الاستغناء:

قدم الأستاذ النورسي طوال حياته أروع نماذج الاستغناء عن الناس لمختلف طبقات مجتمعنا، حتى أصبحت تلك النماذج ملاحم تتناقلها الألسن. فاستغنى بكل موجوديته وسعة روحه وشخصيته عما سوى الله استغناءاً تاماً، ولاذ إلى كنف رب العالمين واحتسب بسعة خزائن رحمته التي لا تعرف النفاد، واتخذ الإستغناء ليس عادة له فحسب بل مشرباً ومسلكاً ومذهباً ينتهجه عبر سني عمره، ولا يزال ثابت الخُطى كل الثبات في هذا الدرب مهما كلّفه ذلك من المصاعب والمتاعب.

والملفت للنظر ان هذا المسلك لم ينحصر في شخصه، بل انتقل إلى طلابه وأصبح مُناهم وغايتهم المقدسة في الحياة. ولا يمتلك الإنسان نفسه من الشغف بطالب النور المغتسل في بحر النور والمرتشف من نبعه الصافي.

وانظروا كيف يوضح الأستاذ النورسي في المكتوب الثاني من كتابه المكتوبات هذه النقطة في ستة أوجه بشعور إيماني وحس علمي.

الأول: ان أهل الضلال يتهمون العلماء باتخاذهم العلم مغنماً. فيهاجموهم ظلماً وعدواناً بقولهم: انهم يجعلون العلم والدين وسيلة لكسب معيشتهم فيجب تكذيب هؤلاء تكذيباً فعلياً.

الثاني: نحن مكلّفون باتباع الانبياء - عليهم السلام - في نشر الحق وتبليغه، وان القرآن الكريم يذكر الذين نشروا الحق انهم اظهروا الاستغناء عن الناس بقولهم: ]إن أجريَ الاّ على الله[ ]إن أجريَ الاّ على الله[. وان الآية الكريمة: ]اتّبعوا مَن لا يسئَلُكُم أجراً وهم مُهتدون[ في سورة يس، تفيد معاني جمّة، ومغزى عميقاً، فيما يخص مسألتنا هذه...

وما التوفيق الإلهي في انتصارات رسائل النور إلاّ ثمرة رجولة الثبات على منهج الرسل عليهم السلام واتخاذهم أسوة. ومن هذا المنطلق استطاع الأستاذ النورسي المحافظة على عزته العلمية التي لا تستبدل بملء الدنيا ذهباً.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 28

وكيف لا يكون فاتحاً للقلوب من لا تعرف قيود الراتب والرتبة وأغلال المقام والثـروة وسلاسل المنافع الـمادية التي يلهث وراءها الناس إلى قلبه سبيلا، وكيف لا تمتلئ القلوب المؤمنة بنوره وفيضه.

الاقتصاد:

الإقتصاد إن هو إلا إيضاح وتفسير لمعنى الإستغناء السالف ذكره، وللولوج إلى ديوانه ينبغي الدخول من باب الإستغناء، لذا إن عدّ أحدهما لازماً يعد الثاني ملزوماً له.

ومجاهد أغرّ مثل الأستاذ النورسي المتخذ الأنبياء عليهم السلام قدوة ورائداً في التجرد والإستغناء يلازمه الإقتصاد حتى يصبح شيمته الفطرية وخصلته العادية، فيكفيه من القوت اليومي قليلٌ من الحساء وكأسٌ من الماء وقطعة من الرغيف، ذلك ان هذا الإنسان العظيم كما يقول الشاعر الفرنسي الكبير المنصف (لامارتين) لا يعيش ليأكل، بل يسد رمقه ليديم الحياة.

فالأستاذ النورسي لم يحصر إقتصاده في المأكل والمشرب والملبس وما إليها من الأمور البسيطة، بل وسّعه بعدم الإسراف بالقيم الـمجردة والأمور المعنوية مثل الفكر والاستعداد والقابلية والوقت والزمن والنفْس والنفَس. وقد ساغ أسلوب هذه المحاسبة الدقيقة التي عاشها طوال حياته وجعلها سجية من سجاياه لطلابه كافة. وعلى هذا يصعب تلقين الأفكار أياً كانت واستقراء الكتب كيفما اتفق لطالب النور. وذلك ان بؤرة قلبه الـمتضمن لكلمة (إحذر!) هي أقوى محافظ له في مسيرته.

وهكذا أثبت النورسي بما أنشأ من رعيل طاهر أنه من نوادر الخلق وأنه مصلح قدير ومرب عليم بمداخل النفس الإنسانية ومساربها، واضاف صحيفة واسعة مسطورة بنور لامع لتاريخ الإقتصاد.

التواضع والتجرد:

هاتان الصفتان لهما تأثير بالغ الأهمية في انتشار رسائل النور في أرجاء المعمورة، لأن الأستاذ النورسي لم يحط نفسه بهالة قطب العارفين ولا برونق غوث الواصلين لذا أحبّته القلوب وسعت له بكل ودّ ودفءٍ وفتحت أبوابها على مصاريعها ليستقبل غايته السامية إستقبالاً. مثلاً: يوجه كثيراً من نصائحه وعظاته ودروسه في الأخلاق والفضائل والحكم والعبر إلى نفسه بشكل مباشر. ويضع نفسه موضع المخاطب الأول الوحيد لخطاباته القوية وكلماته الحادة الكاسحة.

 

 

سيرة ذاتية - ص: 29

فينتشر النور من ذلك المركز إلى القلوب الظامئة للسلوان والأفئدة العطشى للسعادة والطمأنينة، كما تنتشر الأمواج الهائجة من المركز إلى المحيط.

الأستاذ النورسي متواضع وحليم في حياته الشخصية غاية التواضع والحلم، وهو يبذل كل ما في وسعه ليتجنب عن إيذاء الأفراد بل حتى أصغر الأحياء وأدناها. فيعاني ما لا يحصى من المشقات ويتجرع صنوفاً من المآزق ويكابد أنواعاً من المصاعب، شريطة أن لا يُتداخل بإيمانه ويمسّ كتابه المقدس القرآن الكريم مس سوء. وعندها ترون أن هذا البحر الساكن قد هاج وتلاطمت أمواجه وفار تنوره بطوفان يلقي الدهشة والحيرة ويستفرغ الفزع والهلع على سواحله، فهو بطل وجندي مغوار يحمي حدود الإيمان، أليس هو خادم أمين للقرآن الكريم يذود عنه بكل صدق. يوضح الأستاذ هذه الحقيقة بنفسه كما يلي: كما لا ينبغي للجندي الخفير الرابض أن يترك سلاحه وإن أتاه القائد العام، وأنا أيضاً جندي من جند القرآن وخادم من خدامه، أصدع بالحق بوجه أعتى العتاة دون أن أخضع رأسي أمامه...

* * *

كنت أتمنى أن أخوض الجانب العلمي والفكري والصوفي والأدبي للأستاذ بديع الزمان قبل استهلالي الكتاب، ولكني أدركت قطعاً أن هذه الموضوعات الشاملة والعميقة في فحواها لا يـمكن حصرها ضمن صفحات، لذا أكتفي بالإشارة إليها بعدة جمل:

علمه:

يفيد الشاعر المرحوم ضيا باشا في بيت شعري له حقيقة عظمى تنتقل من جيل إلى جيل وهي: العمل لا الأقوال مرآة الفرد.. والأثر هو مقياس رتبة الـرجال.

أجل إن بديع الزمان سعيد النورسي الذي أتحف مكتبة العلم والإيمان كليات رسائل النور لشعبنا المسلم، والذي أسس مدرسة نورانية مقدسة في القلوب، شخصيةٌ فريدة ممتازة مستغنية عن البحث والإطناب في مقدرته العلمية، كما تستغني الشمس عن الوصف في رابعة النهار.

غير أنه كما يقول شاعر محروق الفؤاد: الحُسْنٍُ ما سلب الإرادة ...!.

إن الباحث عن حياة وكماله وخُلقه وسجيته هذا العملاق المحفوف بالنفحات الإلهية والمهلّ بالتجليات السبحانية في كل لحظة من لحظات حياته، يجد ذوقاً نـزيهاً رفيعاً، وسكينة إلهية سامية. لذا يأخذ بالإسهاب في الكلام ويُسلب

سيرة ذاتية - ص: 30

الإختيار عنه ولا يتمالك نفسه غير الإنسياق وراءها.

لقد بحث الأستاذ النورسي في كليات رسائل النور عن أمهات الموضوعات من الدين والإجتماع والأدب والحقوق والفلسفة والتصوف ووفّق غاية التوفيق فيها. والملفت للنظر أنه خاض عباب المسائل المستعصية المعقدة التي وقع كثيـر من العلماء في تيه منها وتنكبوا الصراط القويم في حلّها، فوضحها بكل يسر وبشكل قاطع، ووصل إلى ساحل السلامة وأوصل قراء رسائله إليها بسلوكه طريق أهل السنة والجماعة.

فمن هذا المنطلق نكون محظوظين بتقديم كليات رسائل النور لطبقات مجتمعنا كافة بكل أمانـة ورحابة صدر. وهذه الرسائل قطرات براقة من محيط القرآن الكريم وحزم نورانية من طيف شمس الهداية. لذا تعدّ الوظيفة المقدسة الملقاة على كل مسلم غيور السعي لنشر هذه الرسائل لإنقاذ إيـمان الآخرين. فالتاريخ يشهد بأمثلة كثيرة حول هداية الأفراد والعوائل والشعوب وما لا تحد من المجتمعات البشريـة ونيلهم السعادة من خلال كتاب واحد.. ويا فرحتاه لذلك الإنسان الذي يكون سبباً لهداية وإيمان أخيه الإنسان..

فكره:

من المعلوم أن لكل مفكر نهجاً خاصاً وفكراً متميزاً، وله غاية يسعى لها في حياته الفكرية، وهدف يرتبط به من صميم قلبه ارتباطاً وثيقاً. ولأجل البحث عن فكر الأستاذ النورسي واستساغة نهجه وهدفه تسرد مقدمات طويلة. ولكنه من اليسر استخلاص فكر ونهجه الأستاذ وهدفه وغايته في عبارة:

ان الغاية الوحيدة للكتب السماوية والدعوة الفريدة للأنبياء كافة هي: إعلان ألوهية خالق الكائنات ووحدانيته واثبات هذه الدعوة العظمى بالدلائل العلمية والمنطقية والفلسفية.

فهل يعني هذا أن للأستاذ النورسي علاقة بالمنطق والفلسفة والعلوم الكونية؟

أجل، إن الأستاذ النورسي هو منطقي عظيم وفيلسوف قدير ما دام المنطق والفلسفة يتصالحان مع القرآن الكريم، وينتهجان صراط خدمة الحق والحقيقة،لأجل إثبات مدى أحقية دعوته العالمية المقدسة. فيأخذ العلم بيمينه ليثبت به مرة أخرى أن القرآن الكريم هو كلام الله الأزلي بأسطع الأدلة والبراهين القاطعة.

وكلما تقترب الفلسفة لمعنى الحكمة يصبح كل كتاب حكمة عظيمة ومؤلفُه حكيماً بارعاً في طريق إثبات وجود الباري الكريم بالصفات المقدسة التي تليق به.

سيرة ذاتية - ص: 31

وبسلوك الأستاذ النورسي هذا الصراط العلمي القويم، صراط القرآن الكريم النوراني، نال شرف إنقاذ إيمان آلاف طلبة الجامعات. وهو الحائز لميزات علمية وأدبية وفلسفية كثيرة في هذا الجانب.

تصوفه:

لقد سألت يوماً عالماً جليلاً من الطريقة النقشبندية، يجهد بكل ما وسعه إتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حركاته كافة:

- ما سبب توتر العلاقات بين المتصوفة والعلماء؟.

- لقد ورث العلماء علم الرسول صلى الله عليه وسلم والـمتصوفة عمله، لذا يطلق على من يرث علم الرسول وعمله معاً ذي الجناحين وعليه فالمقصود من الطريقة العمل بالعزائم دون الرخص، والتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم والتـزكية من الأسقام المعنوية كافة والفناء في رضا الله تعالى، والذي يحوز على هذه المرتبة العظمى لا شك أنه من أهل الحقيقة. وهذا يعني أنه قد توصل إلى الغاية المقصودة والمطلوبة من الطريقة. ولكون نيل هذه المرتبة العظمى لا يتيسر لكل أحد، وضع عظماؤنا قواعد معينة تُوصل إلى الهدف المقصود بيسر وسهولة. والخلاصة: إن الطريقة تدور ضمن دائـرة الشريعة، فالساقط منها يسقط في دائرة الشريعة، أما الذي يخرج من دائرة الشريعة - معاذ الله - فإنه يخسر خسراناً مبيناً.

واستناداً إلى مقولة هذا العالم الجليل، ليس هناك فارق جوهري بين ما أنتهجه بديع الزمان سعيد النورسي من الصراط النـوراني والتصوف الحقيقي الذي لا شـائبة فيه. وكلاهما يؤديان إلى رضاء الباري الكريم وبدوره إلى الجنة العالية ورؤية جمال المولى الكريم.

وبناء عليه يستطيع أي من إخواننا المتصوفين الذين يستهدفون تلك الغاية النبيلة الأصيلة قراءة كليات رسائل النور بكل ودّ ومحبة دون أي مانع يذكر، بل ان رسائل النور قد وسّعت دائرة مراقبة التصوف بالصراط القرآني وأضافت إليها وظيفة التفكر بمثابة ورد مهم.

أجل، إن السالك المنشغل بمراقبة قلبه يفتح بهذا التفكر آفاقاً واسعة أمام نظره وقلبه، فيشاهد ويراقب بفؤاده ولطائفه كافة الكائنات بكل عظمتها، إبتداء من الذرات إلى السيارات ، ويرى بكل وجد في تلك العوالم تجليات أسماء الله تعالى وصفاته الجليلة بألف تجلٍ وتجلٍ، وبهذا يرى ويحس بعلم اليقين وعين اليقين بل بحق اليقين أنه في مسجد لا منتهى له يدخله ما لا تستوعبه الأرقام من الجماعات،

سيرة ذاتية - ص: 32

الذاكرين خالقهم بكل خشوع وشوق وودّ ونشوة. ويرددون بصوت واحد تتخلله الألحان العذبة والأنغام المنسجمة والإيحاءات المتناسقة بشتى اللغات معاً: سبحان الله والحمد ولا إله الا الله والله أكبر.

وهكذا يدخل المتبع للسبيل النوراني الإيماني البرهاني الذي افتتحته رسائل النور إلى القرآن والإيمان والعلم مثل هذا المسجد العظيم، ويستفيد الكل بقدر إيمانه واخلاصه وعلمه من هذا النبع الزاخر.

أدبه:

لقد افترق الأدباء والشعراء والمتفكرون والعلماء منذ القدم من حيث اللفظ والمعنى والأسلوب والمحتوى إلى قسمين. فمنهم من اهتم بالأسلوب والإفادة والوزن والقافية فحسب، وضحّوا بالمعنى للأسلوب، وهذا ما ظهر واضحاً في الشعر. أما القسم الآخر فقد رجحوا المحتوى والمعنى ولم يضحوا المغزى للفظ والأسلوب.

ولأن الأستاذ عبقريّ فذّ لم يصرف عمره الزاخر المعطاء، بتنسيق الكلمات وتنظيم الألفاظ، بل على العكس من ذلك جعل شغله الشاغل إحياء الحس الديني والشعور الإيماني ومفهوم الفضائل والأخلاق أمنيته ومبتغاه بترسيخها في الأرواح والوجدان والأفكار لتنتقل عبر العصور والدهور للأجيال القادمة. ومن الطبيعي لمثل هذا المجاهد المضحي بكل ما لديه من النفس والحياة لتحقيق هذه الغاية السامية أن لا ينشغل بزخارف اللفظ وشكليات الأسلوب.

ومع هذا يمكن القول أن الأستاذ من حيث رشاقة الذوق ورهافة الفؤاد وعمق الفكر وبُعد الخيال صاحب ملكة أدبية إبداعية خارقة، لذا ينتهج اسلوباً مميزاً وتعبيراً متغايراً حسب الموضوع. فبينما يريد إقناع العقل بالدلائل المنطقية في المواضيع الفلسفية تراه يستعمل التعابير الوجيزة، ولكن عندما يروم الإرتقاء بالقلب، والاستعلاء بالروح حتى يأخذ بمجامع النفس، فمثلاً: عندما يبحث عن السماء، والشموس، والنجوم، وأنوار الأقمار، ولاسيما عن عالم الربيع وتجليات قدرة وعظمة الخالق في هذه العوالم، يتخذ أسلوبه لطافة ورقّة، وكأن كل تشبيه من كلامه يستذكر لوحة فنية رائعة محاطة بهالة من أجمل الألوان وأعذبها.. وكل تصوير من تصويراته تنفخ الحياة في عالم ملئ بأكبر الخوارق.

ومن هذا السر يمكن لطالب النور الجامعي بقراءة كليات رسائل النور أن يشبع حسه وفكره وروحه ووجدانه وخياله جميعاً. وكيف لا يطمئن ورسائل النور باقة مختارة من جنان القرآن الكريم المستوعب للعوالم والأكوان، ففيها عبير رياض الرحمن المبارك ونفحاته ونوره وضياؤه.

* * *