سيرة ذاتية - ص: 383

الفصل التاسع

في سجن افيون

المدرسة اليوسفية الثالثة

28/1/1948 - 20/9/1949

إثارة التهم مرة أخرى:

لم يتمكن أعداء رسائل النور المتسترون أن يتحملوا تلك الفتوحات النورية، فنبهوا المسؤولين في الدولة ضدنا وأثاروهم علينا، فاصبحت الحياة - مرة أخرى - ثقيلة مضجرة، الاّ ان العناية الإلهية تجلت على حين غرة، حيث ان المسؤولين أنفسهم - وهم أحوج الناس إلى رسائل النور - بدأوا فعلاً بقراءة الرسائل المصادرة بشوق واهتمام، وذلك بحكم وظيفتهم. واستطاعت تلك الرسائل بفضل الله أن تليّن قلوبَهم وتجعلها تجنح إلى جانبها. فتوسعت بذلك دائرة مدارس النور، حيث أنهم بدأوا بتقديرها والإعجاب بها بدلاً من جرحها ونقدها. فأكسبتنا هذه النتيجة منافع جمة، إذ هي خير مائة مرة ممّا نحن فيه من الأضرار المادية، وأذهبت ما نعانيه من اضطراب وقلق. ولكن ما ان مرّت فترة وجيزة، حتى حوّل المنافقون - وهم الأعداء المتسترون - نظر الحكومة إلى شخصي أنا، ونبّهوا أذهانها إلى حياتي السياسية السابقة، فأثاروا الأوهام والشكوك، وبثوا المخاوف من حولي في صفوف دوائر العدل والمعارف (التربية) والأمن ووزارة الداخلية. ومما وسّع تلك المخاوف لديهم ما يجري من المشاحنات بين الأحزاب السياسية، وما أثاره الفوضويون و الإرهابيون - وهم واجهة الشيوعيين - حتى أن الحكومة قامت إثر ذلك بحملة توقيف وتضييق شديد علينا، وبمصادرة ما تمكنت من الحصول عليه من الرسائل، فتوقف نشاط طلاب النور وفعالياتهم.

وبالرغم من أن بعض الموظفين المسؤولين أشاعوا دعايات مغرضة عجيبة لجرح شخصيتي وذمّها - مما لا يمكن أن يصدّقها أحد - الاّ انهم باؤوا بالإخفاق الذريع،

 

 

سيرة ذاتية - ص: 384

فلم يستطيعوا ان يقنعوا احداً بها. ومع ذلك احالوني إلى الموقف لمدة يومين بحجج رخيصة تافهة جداً، ووضعوني في قاعة واسعة جداً وحيداً في تلك الأيام الشديدة البرد كالزمهرير، علماً أنني ما كنت أتحمل البرد في بيتي الاّ على مضض وكنت أقاومه بشدة بإشعال الموقد دائماً وبإشعال المدفأة عدة مرات يومياً، وذلك لما أعانيه من ضعف ومرض.1

وتبدأ الاسطوانة نفسها من جديد، ويشاع في البلد ان النورسي يشكل جمعية سرية، ويحرض الناس على الحكومة محاولاً هدم نظام الدولة، ويطلق على مصطفى كمال انه دجال المسلمين.. وامثالها من الإشاعات والتهم، فيساق الأستاذ مع خمسة عشر طالباً للنور معه إلى محكمة الجزاء الكبرى لأفيون، كما جمع من الولايات عدد من طلاب النور فيكون مجموعهم ثمانية وأربعون طالباً مع الأستاذ ويودعون جميعاً إلى التوقيف في 23/1/1948.

وبعد إجراء التحقيقات الرسمية المشددة،لم يعثروا على مادة تدينهم قط.. ولكن المحكمة حكمت بقناعة الحاكم الوجدانية - أي دون الاعتماد على دليل- على الأستاذ النورسي عشرين شهراً وعلى عالم فاضل ثمانية أشهر لكل منهم، وعلى اثنين وعشرين طالبا ستة اشهر، واُفرج عن الباقين.2

اعترض الأستاذ وطلابه على هذه المعاملات الاعتباطية إلى محكمة التمييز، فأجابت بالآتي:

لما كان بديع الزمان سعيد النورسي قد اصبح بريئاً من التهمة بقرار محكمة دنيزلي، فلا تؤخذ الدعوى المصدّقة من قبل التمييز مرة ثانية بالمحكمة، حتى لو كان قرار محكمة دنيزلي خطأً

وعلى هذا بدأت المحكمة من جديد واستجوبت المتهمين الأبرياء . وطالب طلاب النور المحكمة بتنفيذ قرار محكمة التمييز، الاّ انها تماطلت.. وفي النهاية قررت تنفيذ قرار التمييز الاّ ان المحكمة ادّعت انها تكمّل بعض الأمور الرسمية الناقصة. بيد أن هذه الأمور الناقصة لم تنته إلى ان قضى الأستاذ وطلاب النور الأحكام الصادرة بحقهم رغم براءتهم.

وفي هذه الأثناء تولى سلطة البلاد الحزب الديمقراطي واعلن العفو العام واُغلقت القضية لانها ضمن شمولية قانون العفو العام.3 ولكن هيئة المحكمة لم تبرئ ساحة

_____________________

1 اللمعات/394-395

2 في 6/ 12/ 1948

3 واُخلي سبيلهم في 20/ 9/ 1949

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 385

رسائل النور بل استمرت في قرارها حول مصادرتها فقررت المصادرة مرتين ، لكن محكمة التمييز نقضت القرارين معاً. ثم اضطرت محكمة افيون إلى إقرار براءة رسائل النور وعدم مصادرتها. ولكن هذه المرة نقضت محكمة التمييز قرار محكمة آفيون لنقص في الأصول الرسمية وطلبت تدقيق رئاسة الشؤون الدينية للرسائل فقدّمت الرئاسة تقريراً ايجابياً بحقها .واستمرت المكاتبات الرسمية حتى سنة 1956فقررت محكمة افيون بالإجماع براءة رسائل النور استناداً إلى تقرير الخبراء المذكور. واصبح هذا القرار قراراً نهائياً قاطعاً. وبعد هذا القرار اصبح طبع رسائل النور مسموحاً به في كل مكان.

ولقد عانى الأستاذ النورسي في سجن افيون معاناة تفوق بكثير عما كان عليه في سجن دنيزلي، بل ان يوماً من سجن افيون يفوق شهراً من سجن دنيزلي من العذاب، إذ قاسى من اثر التسميم1 ما قاسى حتى انقطع عن تناول الغذاء لأيام عدة، وكان وحيداً في ردهة كبيرة تسع ستين شخصاً في جو شديد البرد، ولم يسمحوا لأحد ان يخدمه او يعاونه وهو الشيخ الكبير. انهم كانوا ينتظرون اجله على هذه الصورة.. 2

فبينما كنت أتقلب من شدة الحمّى المتولدة من البرد، أتململ من حالتي النفسية المتضايقة جداً، انكشفت في قلبي حقيقة عناية إلهية، ونُبّهت إلى ما يأتي:

إنك قد أطلقت على السجن اسم المدرسة اليوسفية، وقد وهب لك سجن دنيزلى من النتائج والفوائد أضعاف أضعاف ما أذاقكم من الضيق والشدة، ومنحكم فرحاً شديداً وسروراً عظيماً وغنائم معنوية كثيرة، واستفادة المساجين معكم من رسائل النور، وقراءة رسائل النور في الأوساط الرسمية العليا وغيرها من الفوائد، حتى جعلتكم في شكر دائم مستمر بدل التشكي والضجر محوّلة كل ساعة من ساعات السجن والضيق إلى عشر ساعات من العبادة، فخلّدت تلك الساعات الفانية، فهذه المدرسة اليوسفية الثالثة كذلك ستعطي - بإذن الله - من الحرارة الكافية ما يدفىء هذا البرد الشديد، وستمنح من الفرح والبهجة ما يرفع هذا الضيق الثقيل، باستفادة أهل المصائب والبلاء معكم من رسائل النور ووجدانهم السلوان فيها. أما الذين غضبت واحتديت عليهم، فان كانوا من المغرّر بهم ومن المخدوعين فلا يستحقون الغضب والحدّة، إذ انهم يظلمونك دون قصد ولا علم ولا شعور.

_____________________

1 تكررت حادثة التسميم 3 مرات في سجن افيون وبهذا يبلغ عدد تسميم الأستاذ الى هذه الفترة 14 مرة.

2 T.H.Afyon Hayati

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 386

وان كانوا يعذبونك ويشددون عليك الخناق وهم يقومون بهذا عن علم وعن حقد دفين إرضاء لأهل الضلالة فإنهم سيعذّبون عن قريب بالموت الذي يتصورونه إعداماً أبدياً، وسيرون الضيق الشديد الدائمي المقيم في السجن المنفرد وهو القبر. وأنت بدورك تكسب ثواباً عظيماً - نتيجة ظلمهم - وتظفر بخلود ساعاتك الفانية، وتغنم لذائذ روحية معنوية فضلاً عن قيامك بمهمتك العلمية والدينية بإخلاص.

هكذا ورد إلى روحي هذا المعنى فقلت بكل ما أوتيت من قوة: الحمد لله. وأشفقت على أولئك الظَلَمة بحكم إنسانيتي ودعوت: يا ربّى أصلح شأن هؤلاء..

ولقد ثبتّ في إفادتي التي كتبتُها إلى وزارة الداخلية: ان هذه الحادثة الجديدة غير قانونية، وأثبتها بعشرة أوجه، بل ان هؤلاء الظلمة الذين يخرقون القانون باسم القانون هم المجرمون حقاً، حيث بدأوا بالبحث عن حجج واهية جداً وتتبعوا افتراءات مختلقة إلى حدّ ان جلبوا سخرية السامعين وابكت أهل الحق المنصفين، وأظهروا لأهل الإنصاف أنهم لا يجدون باسم القانون والحق أي مسوّغ للتعرض لـرسائل النور ومسّ طلابها بسوء، فيزلّون إلى البلاهة والجنون ويتخبطون خبط عشواء.

مثال ذلك:

لم يجد الجواسيس الذين راقبونا لمدة شهر شيئاً علينا، لذا لفّقوا التقرير الآتي: ان خادم سعيد قد اشترى له الخمر من حانوت. الاّ أنهم لم يجدوا أحداً يوقّع على هذا التقرير تصديقاً لهم، الاّ شخصاً غريباً وسكيراً في الوقت نفسه، فطلبوا منه - تحت الضغط والتهديد - ان يوقع مصدقاً على ذلك التقرير، فردّ عليهم: استغفر الله من يستطيع أن يوقع - هذا التقرير- مصدقاً هذا الكذب العجيب! فاضطروا إلى إتلاف التقرير.

مثال آخر:

لحاجتي الشديدة لاستنشاق الهواء النقي، ولما يُعلم من اعتلال صحتي، فقد أعارني شخص لا أعرفه - ولم أتعرف عليه لحدّ الآن - عربة ذات حصان، لأتنـزه بها خارج البلدة فكنت اقضي ساعة او ساعتين في هذه النـزهة. وكنت قد وعدت صاحب العربة والحصان بأن أوفي أجرتها كتباً تثمن بخمسين ليرة، لئلا أحيد عن قاعدتي التي اتخذتها لنفسي، ولئلا أظل تحت منّة أحد من الناس وأذاه.. فهل هناك احتمال لان ينجم ضرر ما من هذا العمل؟! غير أن دائرة الشرطة ودائرة العدل والأمن الداخلي وحتى المحافظ نفسه استفسروا بأكثر من خمسين مرة: لمنْ

 

 

سيرة ذاتية - ص: 387

هذا الحصان؟ ولمن هذه العربة؟ وكأنه قد حدثت حادثة سياسية خطيرة للإخلال بالأمن والنظام! مما اضطر ان يتطوع أحد الأشخاص لقطع دابر هذه الاستفسارات السخيفة المتتالية فيدّعي أن الحصان ملكه، وادّعى آخر بان العربة له، فصدر الأمر بالقبض عليهما واودعا معي في السجن. فبمثل هذه النماذج أصبحنا من المتفرجين على لعب الصبيان ودُماهم، فبكينا ضاحكين وحزنّا ساخرين، وعرفنا أن كل من يتعرض لرسائل النور ولطلابها يصبح أضحوكة وموضع هزء وسخرية.

واليك محاورة لطيفة من تلك النماذج: لقد قلتُ للمدعي العام - قبل ان اطلّع على ما كتب في محضر اتهامي من الإخلال بالأمن - قلت له: لقد اغتبتك أمس، إذ قلت لأحد أفراد الشرطة الذي استجوبني نيابة عن مدير الأمن: ليهلكني الله - ثلاث مرات - ان لم اكن قد خدمت الأمن العام لهذا البلد أكثر من ألف مدير أمن واكثر من ألف مدع عام...

ثم إنني في الوقت الذي كنتُ في أمسّ الحاجة إلى الإخلاد إلى الراحة وعدم الاهتمام بهموم الدنيا والابتعاد نهائياً عن البرد، فان قيام هؤلاء بنفيي - في هذه الفترة من البرد بالذات - وتهجيري من مدينة لأخرى بما يفوق تحملي، ومن ثم توقيفي والتضييق علىّ بأكثر من طاقتي وبما يشعر أنه حقدٌ دفين وأمر متعمد مقصود.. كل ذلك ولّد عندي غيظاً وامتعاضاً غير اعتيادي تجاه هؤلاء. ولكن العناية الإلهية أغاثتني فنبهت القلب إلى هذا المعنى:

ان للقدر الإلهي - الذي هو عدل محض - حصةً عظيمة جداً فيما يسلطه عليك هؤلاء البشر من الظلم البيّن، وان رزقك في السجن هو الذي دعاك إلى السجن، فينبغي اذاً ان تقابل هذه الحصة بالرضى والتسليم.

وان للحكمة الربانية ورحمتها حظاً وافراً ايضاً كفتح طريق النور والهداية إلى قلوب المساجين وبث السلوان والأمل فيهم، ومن ثم إحراز الثواب لكم؛ لذا ينبغي تقديم آلاف الحمد والشكر لله - من خلال الصبر - تجاه هذا الحظ العظيم.

وكذا فان لنفسك أنت ايضاً حصتها حيث ان لها ما لا تعرف من التقصيرات.. فينبغي مقابلة هذه الحصة ايضاً بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله وتأنيب النفس بأنها مستحقة لهذه الصفعة.

وكذا فان بعض الموظفين السذج والجبناء المنخدعين الذين يساقون إلى ذلك الظلم بدسائس الأعداء المتسترين منهم حصة ايضاً ونصيب، فرسائل النور قد ثأرت لك ثأراً كاملاً من هؤلاء المنافقين بما أنزلت بهم من صفعاتها المعنوية المدهشة. فحسبهم تلك الضربات.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 388

أما الحصة الأخيرة فهي لأولئك الموظفين الذين هم وسائط فعلية. ولكن لكونهم منتفعين حتماً من جهة الإيمان - سواء أرادوا أم لم يريدوا - عند نظرهم إلى رسائل النور وقراءتـهـم لها بنيّة النقــد او الجـرح، فان العـفـو والتجــاوز عنهـم وفـق دستــور ]والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس[ هو شهامة ونجابة.

وبعد ان تلقيت هذا التنبيه والتحذير الذي كلّه حق وحقيقة قررت أن أظل صابراً وشاكراً جذلاً في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة. بل قررت أن أعاقب نفسي بتقصير لا ضرر فيه فأساعد وأعاون حتى أولئك الذين يسيئون إلى ويخاصمونني .

ثم ان من كان مثلي في الخامسة والسبعين من عمره، وقد انقطعت علاقاته مع الدنيا ولم يبق من أحبابه في الدنيا الاّ خمسة من كل سبعين شخصاً، وتقوم سبعون ألف نسخة من رسائل النور بمهمته النورية بكل حرية، وله من الإخوان ومن الورثة مَن يؤدون وظيفة الإيمان بآلاف الألسنة بدلاً من لسان واحد.. فالقبر لمثلي اذاً خير وأفضل مائة مرّة من هذا السجن. فضلاً عن أن هذا السجن هو اكثر نفعاً واكثر راحة بمائة مرة من الحرية المقيدة في الخارج، ومن الحياة تحت تحكّم الآخرين وسيطرتهم؛ لان المرء يتحمل مضطراً مع مئات المساجين تحكماً من بعض المسؤولين؛ أمثال المدير ورئيس الحراس بحكم وظيفتهم، فيجد سلواناً وإكراماً أخوياً من أصدقاء كثيرين من حوله، بينما يتحمل وحده في الخارج سيطرة مئات الموظفين والمسؤولين.

وكذلك الرأفة الإسلامية والفطرة البشرية تسعيان بالرحمة للشيوخ ولاسيما من هم في هذه الحالة، فتبدلان مشقة السجن وعذابه إلى رحمة ايضاً.. لاجل كل ذلك فقد رضيت بالسجن..

وحينما قُدمت إلى هذه المحكمة الثالثة جلست على كرسي خارج باب المحكمة لما كنت أحسّ من النصب والضيق في الوقوف لشدة ضعفي وشيخوختي ومرضي. وفجأة أتى الحاكم وقال مغاضباً مع إهانة وتحقير: لِمَ لا ينتظر هذا واقفاً؟!

ففار الغضب في أعماقي على انعدام الرحمة للشيب، والتفتُّ واذا بجمع غفير من المسلمين قد احتشدوا حولنا ينظرون إلينا بعيون ملؤها الرأفة، وقلوب ملؤها الرحمة والاخوة، حتى لم يستطع أحد من صرفهم عن هذا التجمع، وهنا وردت إلى القلب هاتان الحقيقتان:

الأولى : ان اعدائي، وأعداء النور المتسترين قد اقنعوا بعض الموظفين الغافلين

 

 

سيرة ذاتية - ص: 389

وساقوهم إلى مثل هذه المعاملات المهينة كي يحطموا شخصيتي امام أنظار الناس، ويصرفوا ما لا أرغبه أبداً من توجه الناس وإقبالهم علىّ، ظناً منهم أنهم يتمكنون بذلك من إقامة سدّ منيع امام سيل فتوحات النور. فتجاه تلك الإهانة الصادرة من رجل واحد فقد صرفت العناية الإلهية نظري إلى هؤلاء المائة إكراماً منها للخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور وطلابها قائلة: انظر إلى هؤلاء، فقد أتوا للترحيب بكم لخدمتكم تلك، بقلوب كلأي بالرأفة والحزن والإعجاب والارتباط الوثيق.

بل حتى في اليوم الثاني عندما كنت أجيب عن أسئلة حاكم التحقيق؛ إحتشد ألف من الناس في الساحة المقابلة لنوافذ المقر. كانت ملامح وجوههم تعبّر عن وضعهم، وتقول: لاتضايقوا هؤلاء. ولشدة ارتباطهم بنا، عجزت الشرطة عن ان تفرقهم. وعند ذلك ورد إلى القلب:

ان هؤلاء الناس في هذا الوقت العصيب؛ ينشدون سلواناً كاملاً، ونوراً لاينطفئ، وايماناً راسخاً، وبشارة صادقة بالسعادة الأبدية، بل يبحثون عنها بفطرتهم، وقد طرق سمعَهم أن ما يبحثون عنه موجود فعلاً في رسائل النور، لذا يبدون هذا الاحترام والتقدير لشخصي - الذي لا أهمية له - بما يفوق طاقتي وحدي، من موقع كونى خادماً للإيمان، وعسى أن أكون قد قمت بشئ من الخدمة له.

الحقيقة الثانية: لقد ورد إلى القلب: انه حيال إهانتنا والاستخفاف بنا بحجة إخلالنا بالأمن العام، وازاء صرف إقبال الناس عنا بالمعاملات الدنيئة التي يقوم بها أشخاص معدودون من المغرر بهم.. فان هناك الترحيب الحار والقدر اللائق لكم من قبل أهل الحقيقة وأبناء الجيل القادم. نعم، في الوقت الذي تنشط الفوضى والإرهاب المتستّر بستار الشيوعية للإخلال بالأمن العام، فان طلاب رسائل النور يقفون بوجه ذلك الإفساد المرعب، في جميع أرجاء البلاد ويكسرون شوكته بقوة الإيمان التحقيقي، ويسعون حثيثاً لإحلال الأمن والنظام مكان الخوف والفوضى. فلم تظهر في العشرين سنة السابقة أية حادثة كانت حول إخلالهم بالأمن، رغم كثرة طلاب النور وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد، فلم يجد ولم يسجل عليهم أحد من الضباط المسؤولين حدثاً، في عشر ولايات وعبر حوالي أربع محاكم ذات علاقة، بل لقد قال ضباط منصفون لثلاث ولايات: ان طلاب النور ضباط معنويون للأمن في البلاد، انهم يساعدوننا في الحفاظ على الأمن والنظام لما يجعلون من فكر كل من يقرأ رسائل النور بالإيمان التحقيقي حارساً ورقيباً عليه فيسعون بذلك للحفاظ على الأمن العام.1

_____________________

1 اللمعات/395-400

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 390

مقتطفات من دفاع الأستاذ النورسي

امام محكمة آفيون

ردّ على لاِئحة الادعاء:

بعد صمت دام ثمانية عشر عاماً، اضطررت إلى إعادة تقديم هذه الدعوى رداً على لائحة الادعاء، رغم تقديمها إلى المحكمة وتقديم صورة منها إلى المراجع العليا في آنقرة.

أدناه خلاصة لدفاع قصير - هو الحقيقة عينها - قد قلته للمدعيين العامين وضابطي الشرطة الذين أتوا لتحري منـزلي في قسطموني ثلاث مرات، وقلته ايضاً لمدير الشرطة ولثلة من أفراد الشرطة - في المرة الثالثة - ولمحكمة دنيزلي وآفيون. فليكن معلوماً لديكم ان ما قلته لهم هو:

إنني أعيش معتكفاً ومنـزوياَ منذ عشرين سنة. فطوال ثماني سنوات في قسطموني بقيت مقابل مخفر الشرطة وكذا الحال في بقية الأماكن، كنت طوال هذه الفترة تحت المراقبة والترصد الدائم. وقد تحرّوا منـزلي عدة مرات، ومع ذلك لم يعثروا على أية أمارة لها علاقة بالدنيا او بالسياسة. فلو كان لي شئ من التدخل بها لكانت الشرطة والعدلية تعلم به، أو علمتْ به ولكن لم تعر له بالاً، بمعنى انهم مسؤولون اكثر منى.

فما دام الأمر هكذا فلِمَ تتعرضون لي إلى هذا الحد دون داع إليه وبما يلحق الضرر بالبلاد والعباد. علماً انه لا يُتعرض في الدنيا كلها للمنـزوين المعتكفين المنشغلين بآخرتهم.

نحن طلاب النور آلينا على انفسنا الاّ نجعل من رسائل النور أداة طيعة للتيارات السياسية، بل للكون كله. فضلاً عن ان القرآن الكريم قد منعنا بشدة من الاشتغال بالسياسة.

نعم، ان مهمة رسائل النور الأساس هي: خدمة القرآن الكريم، والوقوف بصرامة وحزم في وجه الكفر المطلق الذي يودي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سماً زعافاً وجحيماً لا تطاق.

ومنهجها في ذلك: هو إظهار الحقائق الإيمانية الناصعة المدعمة بالأدلة والبراهين القاطعة التي تلزم اشد الفلاسفة والمتزندقة تمرداً على التسليم بالإيمان. لذا فليس من حقنا ان نجعل رسائل النور أداة لأي شئ كان، وذلك لأسباب:

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 391

أولاً: كي لا تحول الحقائق القرآنية التي تفوق الألماس نفاسة إلى قطع الزجاج المتكسر في نظر أهل الغفلة، حيث توهمونها كأنها دعاية سياسية تخدم اغراضاً معينة، وكي لا نمتهن تلك المعاني القرآنية القيمة.

ثانياً: ان منهج رسائل النور الذي هو عبارة عن: الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير ليمنعنا بشدة عن التدخل بالأمور السياسية أو بالسلطة الحاكمة. لأنه إذا كان هناك بعض ممن ابتلوا بالإلحاد واستحقوا بذلك العقاب فإن وراء كل واحد منهم عدداً من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء . فإذا نزل بأحد أولئك المبتلين المستحقين للعقاب كارثة او مصيبة، فان أولئك الأبرياء ايضاً سيحترقون بنارهم دون ذنب جنوه. وكذا لان حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه، لذا فقد مُنعنا بشدة من التدخل في الشؤون الإدارية بما يخل بأمن البلاد ونظامها عن طريق وسائل سياسية.

ثالثاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن إنقاذ البلاد وإنقاذ الحياة الاجتماعية لأبنائها من الفوضى والانقسام. وهذه المبادئ هي:

1- الاحترام المتبادل

2- الشفقة والرحمة

3- الابتعاد عن الحرام

4- الحفاظ على الأمن

5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخول في الطاعة.

والدليل على ان رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تثبت وتحكم هذه الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الأساس لأمن البلاد، هو ان رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً ان تجعل اكثر من مائة ألف رجل أعضاء نافعين للبلاد والعباد دون ان يتأذى او يتضرر بهم أحد من الناس. ولعل محافظتي إسپارطة وقسطموني خير شاهد وابرز دليل على صدق ما نقول.

فإذا كانت هذه هي الحقيقة. فلا شك ان اكثر أولئك الذين يتعرضون لأجزاء رسائل النور إنما يخونون الوطن والأمة والسيادة الإسلامية. ويعملون - سواءً بعلم او بدون علم - لحساب الفوضوية والتطرف.

ان مائة وثلاثين رسالة من أجزاء رسائل النور التي منحت مائة وثلاثين حسنة

 

 

سيرة ذاتية - ص: 392

وفائدة لهذه البلاد، لا تزيلها الأضرار الموهومة التي بتوهمها أهل الغفلة القاصرو النظر الشكاكون، من نقص وقصور في رسالتين او ثلاث. فالذي يهوّن من شأن تلك الرسائل بهذه الأوهام والشبهات ظلومٌ مبين.

أما تقصيراتي وذنوبي التي تمس شخصي الذي لا أهمية له، فاني اضطر دون رغبة مني إلى القول:

ان الذي قضى حياة الاغتراب التي هي أشبه ما تكون بالسجن الإنفرادي طوال اثنتين وعشرين سنة، معتكفاً ومنـزوياً عن أحوال الناس. والذي لم يخرج باختياره طوال هذه الفترة إلى مجمع الناس في السوق وفي الجوامع الكبيرة. والذي اجري عليه اشد أنواع الضيق والعنت وخالف أمثاله من المنفيين فلم يراجع الحكومة ولو لمرة واحدة. ولم يقرأ جريدة ولم يستمع إليها، بل لم يكترث بها طوال هذه الفترة.

وخير شاهد على هذا القريبون من أصدقائه واحبّائه خلال سنتين في قسطموني وخلال سبع سنوات في أماكن أخرى. بل لم يعرف أحداث الحرب العالمية ولا المنتصر من المغلوب، ولم يهتم بالمعاهدة والصلح، بل لم يعرف حتى من هم أطراف الحرب، ولم يتحرك فضوله لمعرفتهم، ولم يسأل عنهم ولم يستمع إلى الراديو القريب منه خلال ثلاث سنوات سوى ثلاث مرات. والذي يواجه الكفر المطلق برسائل النور، ذلك الكفر الذي يفني الحياة الأبدية ويزيد آلام الحياة الدنيا ويجعلها عذاباً في عذاب. والشاهد الصادق لذلك مائة ألف ممن أنقذوا إيمانهم برسائل النور المترشحة من فيض نور القرآن العظيم والتي تجعل الموت بحق مائة ألف شخص تذكرة تسريح بدلاً من الاعدام الابدي.

ترى أي قانون يسمح بالتعرض لهذا الرجل - يقصد نفسه - وجعله في يأس من الحياة، ودفعه إلى البكاء والحزن، مما يدفع مائة ألف من إخوانه إلى البكاء؟ بل أية مصلحة في ذلك؟.

ألا يرتكبون باسم العدالة غدراً لا مثيل له ولا نظير ؟

أفلا يكون باسم القانون خروجاً عن القانون ؟

أما إذا قلتم واحتججتم بتصرفكم هذا بما يحتج به فريق من الموظفين-ِفي هذه التحريات - وادعيتم كما يدعون، بأنك وطائفة من رسائلك تخالفان نُظمنا ومبادءنا.

فالجواب:

اولاً: ليس من حق نظمكم ومبادئكم المبتدعة هذه ان تدخل معتكفات المنـزوين اطلاقاً.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 393

ثانياً: ان ردّ أمر ما شئ وعدم قبوله قلبياً شئ آخر. وعدم العمل به شئ آخر تماماً. وان ولاة الأمور إنما ينظرون إلى اليد لا إلى القلب. وهناك في كل قطر وفي كل مكان معارضون شديدون للحكومة لا يتدخلون في شؤون الإدارة والأمن. حتى انه في عهد سيدنا عمر رَضِيَ الله عَنْهُ لم يمُسّ النصارى بشئ مع انهم كانوا ينكرون الإسلام وقوانين الشريعة.

وعلى هذا واستناداً إلى مبدأ حرية الفكر والوجدان، إذا كان بعض طلاب النور يرفضون نظمكم ومبادءكم، وينتقدونها على أساس علمي نقداً بناءاً، او إن صدرت منهم أعمال وتصرفات لا تتفق وتلك المبادئ، بما في ذلك إضمار العداء لأولى الأمر، فليس من حق القانون ان يحاسبهم على ذلك بشرط واحد وهو: ان لا يتدخلوا في الشؤؤن الإدارية، والاّ يخلّو بالأمن والنظام.

أما بالنسبة للرسائل، فقد أطلقنا على تلك الرسائل انها سرية وخاصة، وحظرنا نشرها. حتى ان أحدهم قد أتى لي بنسخة واحدة من الرسالة التي سببت هذه الحادثة لمرة او مرتين طوال ثماني سنوات في قسطموني، وضيعناها في اليوم نفسه. وأنتم الآن تشهرونها بالقوة والإكراه، وقد اشتهرت حقاً.

ومن المعلوم أنه إذا وجد نقص يوجب الذنب في رسالة ما، فان تلك الكلمات وحدها تُحذف ويُسمح بالبقية، ولقد وجدوا خمس عشرة كلمة فقط هي مدار النقد من بين مائة رسالة من رسائل النور بعد إجراء تدقيقات عليها دامت أربعة اشهر في محكمة أسكي شهر. ووجدوا في صفحتين فقط من بين أربعمائة صفحة من مجموعة ذوالفقار1 موضع نقد بعدم تلاؤمها مع القانون المدني حيث فيهما تفسير الآيات الكريمة الخاصة بميراث المرأة وحجابها، ذلك التفسير الذي كتب قبل ثلاثين سنة.. كل ذلك يثبت ان هدف رسائل النور ليست الدنيا، بل الناس كافة بحاجة إليها. فلا تصادر تلك المجموعة ذوالفقار لأجل تلكما الصفحتين. ولترفع إذن الصفحتان وتعاد لنا مجموعتنا. نعم من حقنا ان نطالب بإعادتها لنا.

أما إذا خلتم الإلحاد ضرباً من متطلبات السياسة وقلتم بزعمكم كما يزعم البعض: انك برسائلك هذه تفسد علينا مدنيتنا وتحول دون تمتعنا بمباهج الحياة وملذاتها.

فأنا اقول: انه لا يمكن لأي شعب أن يعيش بلا دين. وهذا دستور عام،

_____________________

1 مجموعة تضم رسالة المعجزات القرآنية والمعجزات الاحمدية ورسالة الحشر.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 394

معترف به في الدنيا كلها. ولا سيما ان كان هناك كفر مطلق فانه يسبب لصاحبه عذاباً اشد ايلاماً من عذاب جهنم في الدنيا نفسها. كما اثبت ذلك بأدلة وبراهين لا تقبل المناقشة في رسالة مرشد الشباب، تلك الرسالة المطبوعة رسمياً، إذ لو ارتد مسلم - والعياذ بالله - فانه يقع في الكفر المطلق، ولن يبقى في الكفر المشكوك فيه الذي يمهل الحياة لصاحبه إلى حدٍ ما. ولا يكون كملاحدة الأجانب ايضاً. بل من حيث التمتع بملذات الحياة التي قد يتصورها، لا يكون حظه من ذلك سوى الهبوط إلى مرتبة أدنى من مرتبة الحيوانات بمائة مرة التي لا معنى للماضي والمستقبل لديها. وذلك لأن موت الموجودات السابقة واللاحقة وفراقها الأبدي، يترك في نفسه آلاماً مستمرة متعاقبة بسبب ضلاله.

أما إذا جاء الإيمان ولامس بشاشة القلب وتمكّن فيه، فان أولئك الأصدقاء الذين لا يحصيهم العد سيحيون فجأةً ويقولون بلسان حالهم: نحن لم نمت.. ولم نفنَ..! وحينئدٍ تنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى لذائذ فيحاء وروضة غناء.

فما دامت الحقيقية هي هذه، فإنني اذكّركم بالآتي:

لا تبارزوا رسائل النور المستندة إلى القرآن الكريم فإنها لا تُغلب. وإلاّ سيكون أمر هذه البلاد مؤسفاً إذا ما حاول أحد طمس نورها وسوف تذهب إلى مكان آخر، وتنور ايضاً.

ألا فلتعلموا جيداً بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من الشعر، وفُصل كل يوم واحد منها عن جسدي، فلن احني هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، ولن أتخلى بحال من الأحوال عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يسعني التخلي عنها.

لا شك انه لا ينظر إلى نقائص تقع في إفادة معتكف منذ عشرين سنة، ولا يقال أنه خرج عن الصدد، ذلك لأنه يدافع عن رسائل النور، إذ ما دامت محكمة أسكي شهر لم تجد غير مادة أو مادتين لرسالة أو رسالتين من بين مائة من الرسائل السرية الخاصة والعلنية العامة، أثناء إجراء التدقيق عليها خلال أربعة أشهر، علماً ان المادتين توجبان عقاباً خفيفاً، حتى ان المحكمة حكمت بالسجن لمدة ستة اشهر على خمسة عشر من المتهمين البالغ عددهم مائة وعشرين شخصاً، ونحن بدورنا قضينا هذا العقاب..

وما دامت جميع أجزاء رسائل النور قد أصبحت في متناول المسؤولين - قبل سنوات - وأعيدت إلى أصحابها بعد إجراء التدقيق عليها خلال شهور عدة..

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 395

وما دامت لم تظهر أية أمارة تمس العدلية والأمن طوال ثماني سنوات فيقسطموني رغم التحريات الدقيقة..

وما دام قد تحقق لدى هيئة التحريات الأخيرة في قسطموني - قبل سنوات - ان بعض الرسائل وجدت تحت أكوام الحطب، مما يومئ إلى عدم نشرها بل فقدانها..

وما دام مدير الشرطة في قسطموني ومسؤول العدلية قد وعداني وعداً قاطعاً بإعادة الكتب المخفية لي وقبل استلامي لها ساقوني في اليوم التالي بمجرد مجئ أمر التوقيف من اسپارطة..

ومادامت محكمتا دنيزلي وآنقرة قد برأتا ساحتنا أعادتا إلينا جميع الرسائل..

فلا بد وبناء على هذه الحقائق الست بمقتضى واجب محكمة دنيزلي ومدعيها العام كما هو من واجب عدلية آفيون ومدعيها العام: اخذ جميع حقوقي المهمة بنظر الاعتبار. فأنا على أمل ان المدعي العام الذي يدافع عن الحقوق العامة سيدافع عن حقوقي الشخصية التي أصبحت بمثابة الحقوق العامة لمناسبة رسائل النور. بل انتظر ذلك منه.

ان سعيداً الجديد الذي انسحب من ميدان الحياة الاجتماعية منذ اثنتين وعشرين سنة، ويجهل القوانين الحاضرة وأصول الدفاع الحالية، والتي قدم مائة صحيفة من الدفاع المبرهن ببراهين لا تجرح والذي قدّمها سابقاً إلى محكمتي أسكي شهر ودنيزلي وقاسى جزاء تقصيراته إلى ذلك الوقت. ومن بعده في قسطموني وفي اميرداغ حيث قضى حياته فيما يشبه السجن المنفرد وتحت الرقابة الدائمة.. اقول ان هذا السعيد الجديد وأمره هذا، يؤثر جانب الصمت ويدع الكلام لسعيد القديم.

يقول سعيد القديم:

لما كان سعيد الجديد قد اعرض عن الدنيا ولا يتكلم مع أهلها ولا يجد مبرراً للدفاع الاّ إذا اضطر إلى ذلك. الاّ ان المسألة تمس الكثيرين من الأبرياء من الفلاحين و أصحاب الأعمال حيث يعتقلون بمناسبة علاقتهم الواهية معنا، ويصيب أعمالهم الكساد لعجزهم عن تدارك حاجات أهليهم وأطفالهم في موسم العمل هذا.. ان هذا الأمر قد مسّ وجداني مساً قوياً وأبكاني من الأعماق.

لذا اقسم بالله العظيم انه لو كان باستطاعتي ان آخذ على عاتقي جميع مشاق أولئك لأخذتها، فالذنب كله يعود لي - ان كان هناك ذنب - وهم أبرياء اصلاً.1

_____________________

1 الشعاعات/405

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 396

نقاط أخرى أودّ ان اعرضها:

على إدارة مدينة آفيون ومحكمتها وشرطتها..

الأولى: ان ظهور اكثر الأنبياء في الشرق وفي آسيا وظهور اغلب الحكماء في الغرب وفي أوروبا إشارة قدرية منذ الأزل على ان الدين هو السائد وهو الحاكم في آسيا، وتأتي الفلسفة في الدرجة الثانية. وبناءً على هذا الرمز القدري، فان الحاكم في آسيا ان لم يكن متديناً فعليه - في الأقل - الاّ يتعرض للعاملين في سبيل الدين، بل عليه ان يشجعهم.

الثانية: ان القرآن الحكيم بمثابة عقل الأرض وفكرها الثاقب، فلو خرج القرآن - والعياذ بالله - من هذه الأرض لجنت الأرض، وليس ببعيد ان تنطح رأسها الذي اصبح خالياً من العقل بإحدى السيارات وتتسبب في حدوث قيامة.

أجل ان القرآن هو العروة الوثقى وحبل الله المتين يربط ما بين العرش والفرش، وهو يقوم بحفظ الأرض اكثر مما تقوم به قوة الجاذبية، ورسائل النور هي التفسير الحقيقي والتفسير القوي لهذا القرآن العظيم، وهذه الرسائل التي أظهرت تأثيرها منذ عشرين سنة في هذا العصر وفي هذا الوطن لهذه الأمة تعد نعمة إلهية كبرى ومعجزة قرآنية لا تنطفئ، لذا فليس على الحكومة التعرض لها وترويع طلابها منها ليبتعدوا عنها، بل عليها حماية هذه الرسائل والتشجيع على قراءتها.

الثالثة: بناءً على قيام أهل الإيمان الآتين بتقديم حسناتهم إلى أرواح الذين سبقوهم مع دعواتهم بالمغفرة لهم فقد قلت في محكمة دنيزلي:

لو سأل أهل الإيمان - الذين يعدون بالمليارات - في يوم المحكمة الكبرى منكم وسألوا الذين يضيقون على طلاب رسائل النور(الذين يعملون في سبيل إظهار حقائق القرآن) ويحكمون عليهم بالسجن، وقالوا:

إنكم كنتم في غاية التسامح مع كتب الملاحدة والشيوعيين ومنشوراتهم باسم قانون الحرية وتسامحتم مع الجمعيات التي ربت وغذت الفوضى، ولم تتعرضوا لهم ابداً، ولكنكم أردتم ان تقضوا على رسائل النور وعلى طلابها بالسجن وبشتى وسائل التضييق، مع انهم كانوا يحاولون إنقاذ الوطن والامة من الإلحاد ومن الفساد وإنقاذ مواطنيهم من الاعدام الأبدي.. لو سألوكم هذا فماذا سيكون جوابكم؟ ونحن ايضا نوجه هذا السؤال إليكم.. لقد قلت هذا لهم، وعند ذلك قام أولئك الذوات المحترمون الذين كانوا من أهل الإنصاف والعدالة بإصدار قرار بتبرئتنا واظهروا عدالة جهاز العدالة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 397

الرابعة: كنت انتظر ان تستدعيني آنقرة او آفيون إلى لجنة الشورى وتعاطي الأسئلة والأجوبة حول المسائل الكبيرة التي أخذت رسائل النور على عاتقها القيام بها.

أجل! ان رسائل النور هي أقوى وسيلة وأنجع دواء لهذه الأمة في هذا البلد في سبيل إعادة الاخوة الإسلامية السابقة والمحبة السابقة وحسن الظن والتعاون المعنوي بين ثلاثمائة وخمسين مليون مسلم، وفي سبيل البحث عن وسائل هذا التعاون....

الخامسة: لا يمكن الوقوف امام رسائل النور ومبارزتها، لأنها لا تُغلب فهي قد أسكّتت منذ عشرين سنة اكثر الفلاسفة عناداً وتعلن حقائق الإيمان كالشمس في رابعة النهار. لذا فعلى الذين يحكمون هذا البلد الاستفادة من قوتها.

السادسة: ان التهوين من شأني بأخطائى الشخصية التي لا أهمية لها وإسقاطي في نظر عامة الناس بإنزال الإهانات بي، لا يضرّ رسائل النور، بل يمدّها - من جهة - إذ لو سكت لساني الفاني فان ألسنة مئات الآلاف من نسخ رسائل النور لن تكفّ عن النطق، ولن تسكت عن الكلام والتبليغ، كما ان الألوف من طلبتها الأوفياء الذين منحوا قوة النطق ووضوح الحجة سيديمون تلك الوظيفة النورية القدسية الكلية ان شاء الله إلى يوم القيامة، كما كان شأنهم إلى الآن.

السابعة: كما ذكرنا في دفاعاتنا امام المحاكم السابقة والتي سردنا فيها حججنا، فان أعداءنا السريين ومعارضينا الرسميين وغير الرسميين الذين خدعوا الحكومة واستغفلوها واستغلوا الأوهام والمخاوف المتسلطة على بعض أركانها ووجهوا جهاز العدالة ضدنا، إما أنهم من المخدوعين بشكل سئ جداً أو من المنخدعين أو هم يعملون لصالح الفوضويين من الذين يحاولون قلب نظام الحكم بشكل غادر، أو هم من أعداء الإسلام ومن المرتدين الذين يحاربون الحقيقة القرآنية ومن الملاحدة الزنادقة.. فهؤلاء لم يترددوا ابداً عندما حاربونا من إطلاق صفة النظام على الردة التامة، ومن إطلاق صفة المدنية على السفاهة والتسيب الأخلاقي الرهيب، ومن إطلاق صفة القانون على نظام الكفر القهري المنفلت والمرتبط بالأهواء. وهكذا استطاعوا ان يضيقوا علينا تضييقاً شديداً، واستغفلوا الحكومة وخدعوها ووجهوا جهاز العدالة للانشغال بنا دون أي داعٍ، لذا فإننا نحيل هؤلاء إلى قهر القهار ذي الجلال ونلتجئ إلى حصن ]حسبنا الله ونعم الوكيل[ ليحفظنا من شرور هؤلاء.1

_____________________

1 الشعاعات/444

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 398

تتمة الإعتراض المقدم إلى محكمة آفيون

ان مخاطبى في هذا الإعتراض ليس محكمة آفيون ولا مدعيها العام، بل أولئك الموظفين العاملين هنا وفى دائرة التحقيقات ممن تساورهم الشكوك والأوهام والأغراض الشخصية فيتخذون مواقف عدائية ضدنا مستندين إلى تحقيقات ناقصة وإخباريات مختلقة استند إليها مدّعون عامون ومخبرون ومتحرون في أماكن أخرى.

اولاً: ان إطلاق اسم الجمعية - التي لا تخطر على البال - ولا اصل لها أساساً، على طلاب رسائل النور الأبرياء الذين ليس لهم أية علاقة بالسياسة. ومن ثم عدّ أولئك المساكين الداخلين في تلك الدائرة -ولا لهم غاية غير الإيمان والآخرة- ناشرين لتلك الجمعية وأعضاءها الفاعلين أو من منتسبيها، او جعل الذين قرأوا رسائل النور او استقرأوها او استنسخوها مذنبين ودفعهم لأجل ذلك إلى المحكمة.. كل هذه الأمور بعيد بُعداً واضحاً عن العدالة.

والحجة القاطعة عليها هي:

ان الذين يقرأون مؤلفات ضارة كالسم الزعاف والتي تهاجم القرآن، كمؤلفات الدكتور دوزى وامثاله من الزنادقة، لايعدّون مذنبين حسب دستور حرية الفكر والحرية العلمية، بينما يعدّ ذنباً قراءة وكتابة رسائل النور التي تبين الحقائق القرآنية والإيمانية وتعلّمها المحتاجين إليها حاجة ماسة والمشتاقين إليها وتوضّحها لهم وضوح الشمس الساطعة!

ثم انهم اتهمونا على بضع جمل فحسب وردت في رسائل اتخذناها رسائل سرية - لئلا تفسر تفسيراً خاطئاً وذلك قبل الإعلان عنها في المحاكم - علماً ان تلك الرسائل قد دققتها محكمة اسكى شهر - سوى واحدة منها- واتخذت ما يستوجب الأمر لا، ولم تعترض الا على مسألة أو مسألتين من رسالة الحجاب وقد أجبت عنها في عريضتى وفى إعتراضى بأجوبة قاطعة. وقلنا: ان ما في أيدينا نوراً ولا نملك صولجان السياسة واثبتنا ذلك في محكمة اسكى شهر بعشرين وجهاً.

وان محكمة دنيزلي قد دققت جميع الرسائل دون استثناء، ولم تعترض على أية رسالة منها.. ولكن أولئك المدعين غير المنصفين قد عمموا حكم تلك الجمل المعترض عليها التي لا تتجاوز جملتين او ثلاثاً على جميع الرسائل حتى صادروا

 

 

سيرة ذاتية - ص: 399

مجموعة ذو الفقار البالغة أربعمائة صفحة لاجل صفحات منها فقط. وجعلوا قارئي الرسائل ومستنسخيها مذنبين، واتهموني بأننى أعارض الحكومة أتحداها. إنني اُشهد أصدقائي القريبين منى والذين يقابلونني أشهدهم مقسماً بالله: إنني منذ اكثر من عشر سنوات لا اعرف سوى رئيسين للجمهورية ونائباً واحداً في البرلمان ووالي قسطمونى. فلا اعرف معرفة حقيقية احداً غيرهم من أركان الحكومة ووزرائها وقوادها وموظفيها ونوابها، وليس لي الفضول لمعرفتهم. الاّ ان شخصاً او شخصين اظهرا قبل سنة علاقة نحوى فعرفت عن طريقهما خمسة او ستة من أركان الحكومة.

فهل من الممكن لمن يريد مبارزة الحكومة الاّ يعرف من يبارز. ولا يتحرك فيه الفضول لمعرفتهم، ولا يهتم بمن يواجههم، أهم أعداء أم أصدقاء؟

يفهم من هذه الأحوال انهم يختلقون معاذير لا اصل لها قطعاً. فمادام الأمر هكذا: فإنني اقول لأولئك الظلمة غير المنصفين ولا أخاطب هذه المحكمة:

إنني لا أعير اقل اهتمام بما تعتزمون إنزاله بي من عقاب، مهما بلغت درجته من الشدة والقسوة. لأنني على عتبة باب القبر، وفى السن الخامسة والسبعين من عمري، فهل هناك سعادة اعظم من استبدال مرتبة الشهادة بسنة او سنتين من حياة بريئة ومظلومة كهذه؟

ثم إنني موقن كل اليقين ولايخالجنى أدنى شك في ان الموت بالنسبة لنا تسريح وتأشيرة دخول إلى عالم الطمأنينة والسعادة. ولنا آلاف البراهين من رسائل النور على ذلك، وحتى ان كان الموت اعداماً ظاهرياً لنا فان مشقة ساعة من الزمان تتحول بالنسبة لنا إلى سعادة ومفتاح للرحمة وفرصة عظيمة للانتقال إلى عالم البقاء والخلود.

أما انتم يا أعداءنا المتسترين ويا أولئك الذين يضللون العدالة في سبيل إرضاء الزندقة ويتسببون في خلق الأوهام الزائفة في أذهان المسؤولين في الدولة لينشغلوا بنا دون داع او سبب.. اعلموا قطعاً، ولترتعد فرائصكم، إنكم تحكمون على أنفسكم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي الدائم. وان انتقامنا يؤخذ منكم اضعافاً مضاعفة، فها نحن أولاء نرى ذلك ونشفق عليكم. ولاشك ان حقيقة الموت التي ظلت تفرغ هذه المدينة مائة مرة إلى المقابر، لابد ان تكون لها غاية ومطلب فوق غاية العيش والحياة. وان محاولة الخلاص من براثن ذلك الإعدام الأبدي هي قضية في مقدمة القضايا الإنسانية ، بل هي من أهم الضروريات البشرية واشدها إلحاحاً.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 400

فما دامت هذه هي الحقيقة، أفليس من دواعي العجب والغرابة ان يتهم نفر من الناس طلاب رسائل النور- الذين اهتدوا إلى ذلك السر وعثروا على تلك الحقيقة - ويلصقوا اتهامات باطلة برسائل النور التي أثبتت تلك الحقيقة نفسها بآلاف الحجج والبراهين؟ ان كل من له مسكة من عقل - بل حتى لو كان مجنوناً - يدرك تمام الإدراك بان أولئك النفر باتهاماتهم تلك إنما يضعون أنفسهم موضع الإتهام امام الحقيقة والعدالة.

ان هناك ثلاث مواد توهم بوجود جمعية سياسية لا علاقة لنا بها اصلاً، هي التي خدعت هؤلاء الظلمة.

أولاها: العلاقة الوطيدة التي تربط بين طلابي منذ السابق، قد أوحت لهم وجود جمعية.

الثانية: ان بعضاً من طلاب رسائل النور يعملون بأسلوب جماعي كما هو لدى الجماعات الإسلامية الموجودة في كل مكان والتي تسمح بها قوانين الجمهورية ولا تتعرض لها؛ لذا ظن البعض فيهم انهم جمعية، والحال ان نية أولئك الأفراد القليلين ليس تشكيل جمعية او ما شابهها، بل هي اخوة خالصة وترابط وثيق أخروي بحت.

الثالثة: ان أولئك الظلمة يعرفون أنفسهم انهم قد غرقوا في عبادة الدنيا وضلوا ضلالاً بعيداً ووجدوا بعض قوانين الحكومة منسجمة معهم، لذا يقولون ما يدور في ذهنهم: ان سعيداً ورفقاءه معارضون لنا ولقوانين الحكومة التي تساير أهواءنا، فهم إذن جمعية سياسية.

وأنا اقول: أيها الشقاة!

لو كانت الدنيا أبدية خالدة، ولو كان الإنسان يظل فيها خالداً، ولو كانت وظائفه منحصرة في السياسة وحدها، ربما يكون لفريتكم هذه معنى. ولكن اعلموا أنني لو دخلت العمل من باب السياسة لكنتم ترون ألف جملة وجملة صيغت بأسلوب التحدي السياسي، لا عشر جمل في رسالة. ولنفرض فرضاً محالاً أننا نعمل - كما تقولون -ما وسعنا لمقاصد دنيوية وكسب متعها الرخيصة والحصول على سياستها - ذلك الفرض الذي لم يحاول الشيطان ان يقنع به احداً - فما دامت جميع وقائعنا طوال عشرين سنة لا تُبرز شيئاً لملاحقتنا، إذ الحكومة تنظر إلى كسب الشخص لا إلى قلبه، والمعارضون موجودون في كل حكومة بشكل قوي. فلا شك أنكم لا تستطيعون ان تجعلونا في موضع التهمة بقوانين العدالة. كلمتي الأخيرة:

]حسبي الله لا اله الاّ هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم[

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 401

ذيل تتمة الإعتراض:

المقدم إلى الادعاء العام لمحكمة آفيون

اولاً: اُبيّن للمحكمة: ان هذا الادعاء الجديد ايضاً مبني على ادعاءات قديمة لمحكمة أسكي شهر ودنيزلي ومبني على التقرير المقدم من قبل خبراء سطحيين بعد تحقيقاتهم العابرة. وقد ادعيت في محكمتكم: إن لم اثبت مائة خطأ في هذا الادعاء فأنا راضٍ بإنزال عقاب مائة سنة من السجن بي وها أنا الآن اُثبت دعواي. إن شئتم اقدم لكم الجدول المتضمن للأخطاء التي تزيد على المائة.

ثانياً: عندما اُرسلتْ أوراقنا وكتبنا إلى آنقرة من محكمة دنيزلي كتبت لإخوتي - في غضون ترقبى وقلقي على صدور قرار ضدنا - الفقرة التي في ختام بعض دفاعاتي، وهي:

إذا استطاع موظفو العدالة الذين يدققون رسائل النور بهدف النقد والتقييم، أن يقووا إيمانهم وينقذوه، ثم حكموا عليّ بالإعدام، اشهدوا بانني قد تنازلت لهم عن جميع حقوقي. لأننا خدام الإيمان ليس الاّ. وان المهمة الأساس لرسائل النور هي: تقوية الإيمان وإنقاذه. لذا نجد انفسنا ملزمين بالخدمات الإيمانية، دونما تمييز بين عدوٍ وصديق، ومن غير تحيّز لأية جهة كانت.

وهكذا.. أيها السادة أعضاء المحكمة، استناداً إلى هذه الحقيقة، وفي ضوئها، قد استطاعت رسائل النور بحقائقها الناصعة وبراهينها الساطعة ان تستميل نحوها قلوب الكثيرين من أعضاء المحكمة وحملتهم على التعاطف معها. فلا يهمني بعدُ ما تريدون فعله، وما تقررون في حقي.. افعلوا ما شئتم فاني مسامحكم.. ولن أثور او اغضب عليكم إطلاقاً. و هذا هو السبب في أنني تحملت أشد أنواع الأذى والجور والإستبداد والتعرض والإهانات المتكررة التي أثارت أعصابي والتي لم اقابَل قبلُ بمثلها طوال حياتي كلها.. بل إنني لم ادعُ على أحد بالشر او السوء.

وان مجموعات رسائل النور التي بين أيديكم لهي دفاعي غير القابل للجرح او الطعن، وهي خير دليل على زيف جميع الادعاءات المثارة ضدنا.

انه لمثير للعجب والحيرة: انه في الوقت الذي دقق علماء اجلاء من مصر و الشام و حلب و المدينة المنورة و مكة المكرمة وعلماء من رئاسة الشؤون الدينية، مجموعات رسائل النور ولم ينتقدوا منها شيئاً، بل استحسنوها وقدروها حق قدرها. وفي الوقت الذي حملت الرسائل مائة ألف من أهل الحقيقة على التصديق بها رغم الظروف الصعبة المحيطة، ورغم ما أعانيه من الاغتراب والشيخوخة وقلة النصير،

 

 

سيرة ذاتية - ص: 402

وفضلاً عن الهجمات الشرسة المتلاحقة.. اقول في الوقت الذي تقدّر الرسائل هكذا، إذا بالذكى1 الذي استجمع علينا ادعاءات واهية يتفوه بخطأ فاحش ينم عن سطحيته وسطحية نظرته للأمور، إذ قال: ان القرآن الكريم عبارة عن مائة وأربعين سورة!.. هذا الشخص نفسه يقيّم رسائل النور فيقول: ان رسائل النور مع انها تحاول تفسير القرآن الكريم وتأويل الأحاديث الشريفة الاّ انها لا تحمل ماهية علمية وقيمة راقية من حيث تقديمها المعرفة إلى قرائها. ألا يفهم من تنقيده هذا انه بعيد كل البعد عن القانون والحقيقة والحق والعدالة!.

و أشكو إليكم ايضاً:

لقد أسمعتمونا الادعاء العام كاملاً طوال ساعتين والذي أدمى قلوبنا لما فيه من أخطاء تربو على المائة سجّلناها في أربعين صفحة. الاّ أنكم لم تفسحوا لي مجال دقيقتين من الزمان كي أجيبه في صفحة ونصف الصفحة رغم إصراري على ذلك، لذا أطالبكم باسم العدالة بقراءة اعتراضي بتمامه.

ثالثاً: ان لكل حكومة معارضين. فلا يسمح القانون بالتعرض لهم ماداموا لم يخلّوا بالنظام. أفيمكن لي ولأمثالي ممن أعرضنا عن الدنيا ونسعى للقبر أن ندع السعي للحياة الباقية على وفق المسلك الذي سلكه أجدادنا الميامين طوال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة وبهدي تربية قرآننا العظيم، وفي ضوء دساتير يقدّسها ثلاثمائة وخمسون مليوناً من المؤمنين في كل عصر، ثم ننشغل بحياة دنيوية قصيرة فانية وننقاد لقوانين ودساتير غير أخلاقية للمدنية السفيهة، بل قوانين جائرة وحشية كما هي في البلشفية، وننحاز إليها تحت ضغوط أعدائنا ودسائسهم؟ فليس هناك قانون في العالم كله ولا إنسان يملك ذرة من الإنصاف يُكره الآخرين على قبول هذا بذاك.

إلاّ أننا نقول لاؤلئك المعارضين: إننا لم نتعرض لكم فلا تتعرضوا لنا!

وهكذا بناء على هذه الحقيقة: إننا لسنا مع زعيم اصدر أوامر حسب هواه باسم القانون، لتحويل جـامع اياصوفيا إلى دار للأصنام وجعل مقر المشيخة العامة ثانوية للبنات.. لسنا معه فكراً ولا موضوعاً ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة، ولا نجد انفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا.

والواقع انه بالرغم من حياة الأسر والتشرد التي عشتها خلال هذه السنوات العشرين ، والتي ذقت فيها الواناً من العذاب، وتعرضت لأقسى وأشنع أساليب

_____________________

1 المقصود المدعي العام.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 403

الظلم والإستبداد، ومع ان هناك مئات الألوف من إخواني النوريين الأوفياء، فإننا لم نتدخل في الأمور السياسية ولم تُسجّل حادثة واحدة تدل على تعرضنا للأمن او إخلالنا بالنظام.

ان ما أتعرض له في أخريات أيامي هذه، من الإهانات المتكررة والمعاملات الظالمة التي اُقابل بها، وحياة الاغتراب والتشرد التي أعيشها والتي لم أر مثلها من قبل جعلني املّ الحياة.. إنني سئمت الحرية المقيدة، تلك الحرية التي يحدها التحكم ويعقلها الجور والإستبداد. لقد رفعت إليكم طلباً لا لإطلاق سراحي وتخفيف عقابي وإبراء ساحتي، كما هو المألوف، بل لإنزال أشد العقاب بي وأقساه، نعم أشده وأقساه لا أخفه وأهونه، ذلك لانه لا سبيل للتخلص من مثل هذه المعاملة العجيبة المنكرة سوى أحد أمرين: السجن او القبر. ان الطريق إلى القبر مسدود أمامي لا أستطيع الحصول عليه لأن الانتحار محظور شرعاً، ثم ان الأجل سر خفي ، لا يدرك الإنسان كنهه بَلْهَ عن ان تطوله يداه، لذا فقد رضيت بالسجن الذي أنا رهين اعتقاله وتجريده منذ حوالي ستة اشهر. الاّ أنني لم اقدم هذا الطلب في الوقت الحاضر إلاّ نزولاً عند رغبة إخواني الأبرياء .

رابعاً: إنني خلال هذه السنوات الثلاثين من حياتي، والتي أطلقت فيها على نفسي اسم سعيد الجديد أدّعي فأقول: بانني قد بذلت ما وسعني الجهد لكبح جماح نفسي الأمارة بالسوء، وصونها من العجب والتطلع إلى الشهرة والتفاخر، بل قد جرحت اكثر من مائة مرة مشاعر طلاب النور الذين يحملون حسن ظن مفرط بشخصي، يشهد على هذا ما كتبته في رسائل النور وحقائقها المتعلقة بشخصي، والمنصفون ممن يختلفون اليَّ بجد، والأصدقاء جميعاً. فأنا لست المالك لبضاعة النور، بل لست الاّ دلالاً ضعيفاً بسيطاً في حانوت مجوهرات القرآن.

كما أنني بتصديق من إخواني المقربين، وبما شاهدوا من اماراتها العديدة، عازم على ألاّ أضحي بالمناصب الدنيوية وأمجادها الزائفة وحدها، بل لو أسند اليّ - فرضاً - مقامات معنوية عظمى، فإنني أضحى بها ايضاً لخدمتي للإيمان والقرآن خشية اختلاط حظوظ نفسي بإخلاصي في الخدمة. وقد قمت بهذا فعلاً.

ومع ذلك فقد جعلت محكمتكم الموقرة، مشاعر الاحترام التي أبداها نحوى بعض إخواني - نظير انتفاعهم برسائل النور كشكر معنوي من قبيل احترام زائد عن احترام المرء لأبيه - مع رفضي وعدم قبولي لها، جعلتها مدار استجوابنا وكأنها مسألة سياسية وحملتم فريقاً منهم على التنكر لذلك الاحترام، فيا عجباً أي ذنب

 

 

سيرة ذاتية - ص: 404

وأي جريرة في امتداح جاء على لسان الغير ولم يرض به هذا العاجز ولا يرى نفسه لائقاً بذلك؟

خامساً: إني أعلن لكم بصراحة تامة ان محاولة إلصاق تهمة الانتماء إلى التكتلات والتجمعات والتدخل في الشؤون الداخلية، إلى طلبة النور الذين لا علاقة لهم بايّ وجه بالتحزب والتجمع والتكتلات والتيارات السياسية المختلفة، ماهي الاّ من وحي منظمة الزندقة المتسترة التي تعمل منذ أربعين سنة على هدم الإسلام ومحو الإيمان، خادمة بذلك لنوع من البلشفية والتى سبّبت - هذه المنظمة - في تغذية روح التطرف والفوضى في هذه البلاد، سواء بعلم او بغير علم، واتخذت موقفاً مضاداً تجاهنا.

بيد ان ثلاث محاكم مختلفة قد اتفقت على تبرئة ساحة رسائل النور وطلبتها من تهمة الانتماء إلى التكتلات، سوى محكمة واحدة، وهي محكمة اسكى شهر حيث حكمت عليّ بالسجن لمدة عام واحد، ولمدة ستة اشهر على خمسة عشر من إخواني من مجموع مائة وعشرين شخصا. ولعل الذي دفع محكمة أسكي شهر إلى اتخاذ ذلك القرار يعود إلى ورود فقرة كُتبت قديماً جاءت ضمن رسالة صغيرة تتعلق بمسألة واحدة وهي الحجاب وكان نص تلك الفقرة كما يأتي :

لقد طرق سمعنا: ان صباغ أحذية قد تعرض لزوجة رجل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهاراً جهاراً في قلب العاصمة آنقرة! أليس هذا الفعل الشنيع صفعة قوية على وجوه أولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟

واذاً فان اصطناع الأسباب الواهية و الإتهامات الباطلة ضد طلبة رسائل النور الآن، إن هو الاّ بمثابة الحكم ضد تلك المحاكم الثلاث، ومحاولة لإلصاق التهمة بها ووصمها بوصمة الخيانة والعار.

سادساً: لا يمكن المبارزة مع رسائل النور.. فقد اتفقت كلمة علماء الإسلام الذين اطلعوا عليها انها تفسير قيم صادق للقرآن الكريم، أي انها تنطوي على براهين دامغة لحقائقه الناصعة وهي معجزة معنوية من معجزات القرآن في هذا العصر، وسد منيع امام الأخطار والمهالك التي تتربص بهذه البلاد وبهذه الأمة من الشمال.

فالواجب يقتضي من حيث الحقوق العامة ان تعمل محكمتكم الموقرة على الترغيب في هذه الرسائل بدلاً من تخويف طلابها وترغيبهم عنها، هذا ما نعلمه، بل ننتظره منكم.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 405

ومن المعلوم ان عدم التعرض لكتب الملاحدة وبعض الساسة المتزندقين ومجلاتهم وجرائدهم - مع ضررها الفادح للأمة والبلاد والأمن العام - تحت ستار الحرية العلمية، يدفعنا حتماً إلى القول والتساؤل: ما الجانب المحظور من التحاق شاب برئ يحتاج إلى العون والمساعدة إلى صفوف طلبة النور، كي ينقذ إيمانه وينجو من التردي في هاوية الأخلاق الذميمة؟ أفليس من الحكمة والعدل والواجب ان تحتضن الحكومة ووزارة المعارف (التربية) هذا العمل وتشجعه وتقدره حق قدره بدلاً من ان تعمل على مكافحته وعلى ملاحقتنا دون سبب؟

كلمتي الاخيرة: نسأل الله ان يوفق الحكام إلى إحقاق الحق وإقرار العدل.. آمين

حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم المصير

الحمد لله رب العالمين .1

***

كلمتي الأخيرة:

أودّ أن ابيّن ما يلي لهيئة المحكمة:

لقد أدركت من لائحة الإتهام ومن وضعي لمرات عديدة وطويلة في السجن الإنفرادي بان شخصي هو الهدف في هذه المسألة، فقد لوحظ وجود مصلحة لتهوين شأني والنيل من شخصي. وقد زعم أنني شخص ضار للإدارة وللأمن وللوطن، وإنني أسعى تحت ستار الدين إلى مقاصد دنيوية ومن أجل نوع من السياسة، و ردّاً على هذا فإنني ابيّن لكم بقطعية تامة:

من اجل هذه الأوهام ومن أجل محاولتكم محاربتي شخصياً لا تمدّوا يدكم بالأذى إلى رسائل النور ولا إلى طلاب النور الميامين لانهم هم الأبناء المضحون في سبيل هذا الوطن وفي سبيل هذه الأمة، والاّ سيلحق بهذا الوطن وبهذه الأمة ضرر كبير وقد يكون ذلك سبيلاً إلى خطر عليهما. وأريد ان أؤكد لكم:

لقد قررت ان اقبل - في ضوء مسلكي الحالي - أي أذى وأية إهانة وايّ عذاب وايّ عقاب موجه إلى شخصي بشرط ألاّ يأتي أي ضرر إلى رسائل النور وإلى طلابها بسببي، ففي هذا ثواب لي في الآخرة وهو وسيلة لإنقاذي وخلاصي من شرور نفسي الأمارة بالسوء. فبينما ابكي من ناحية فإنني مسرور من ناحية أخرى. ولو لم يدخل هؤلاء الأبرياء المساكين السجن معي من أجل هذه المسألة لكانت لهجتي في الدفاع شديدة جداً، وقد شاهدتم انتم ايضاً ورأيتم كيف حاول من كتب

_____________________

1 الشعاعات/466

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 406

لائحة الادعاء البحث عن أسباب واهية ومعاذير باطلة فقدم جميع ما كتبته من كتب ومن خطابات سرية خاصة وغير خاصة في ظرف عشرين أو ثلاثين سنة من حياتي كأنني قد كتبتها بأجمعها في هذه السنة، وساق لبعضها معاني خاطئة وقدمها وكأنها لم تظهر للعيان ولم تدخل أية محكمة ولم يشملها أي قانون من قوانين العفو، ولم تتعرض لمرور الزمن.. كل هذا من اجل النيل مني، والحط من شأني. ومع أنني ذكرت اكثر من مائة مرة باني اعترف بضآلة شأني وصغر قيمتي، ومع ان معارضي يحاولون بكل وسيلة النيل مني وتهوين أمري إلا ان سبب محبة عامة الناس لي محبة أقلقت رجال السياسة يعود إلى ان تقوية الإيمان يحتاج في هذا الزمن وفي هذه الظروف حاجة ملحة وقطعية إلى أشخاص لا يضحون بالحقيقة - في موضوع الدين - من أجل أي شئ على الإطلاق ولا يجعل أحدهم الدين وسيلة وآلة لأي غرض ولأي شئ، ولا يعطي لنفسه حظاً، وذلك لكي يمكن الاستفادة من إرشاداته في دروس الإيمان وتحصل القناعة التامة به.

نعم، انه لم يحدث في أي ظرف من الظروف ان اشتدت الحاجة إلى الخدمة مثلما بلغته في عصرنا هذا وذلك لأن الأخطار قد داهمتنا من الخارج بشدة وضراوة بالغتين. ومع اعترافي وإعلاني بأن شخصي العاجز لا يكفي لسد هذه الحاجة او ملء ذلك الفراغ، فقد ذهب البعض إلى الظن بان شيئاً من ذلك يمكن ان يتحقق على يدي، لا لمزية معينة في شخصي، بل لشدة الحاجة إلى من يقوم بمثل هذا العمل ولعدم بروز أحد بروزاً ظاهراً لتحمل تلك المسـؤولية العظمى.

ولقد تأملت منذ أمد طويل في هذه المسألة في حيرة وتعجب، إذ على الرغم من أخطائي وعيوبي الشخصية المدهشة، وعدم جدارتي للقيام بمثل هذا العمل الجليل بأي وجه كان، فقد بدأت افهم الحكمة في التفات العامة وإبدائهم ضرباً من مشاعر الاحترام نحوي. والحكمة هي:

ان الحقائق التي تحتوي عليها رسائل النور، والشخصية المعنوية التي يمثلها كيان طلبتها، قد يمـمتا وجه تلك الحاجة شطرهما، ولا سيما في ظرف مثل ظرفنا ومثل وسطنا الحاليين، ومع ان حظي من الخدمة قد لا يبلغ الواحد في الألف، فان البعض يعتقدون فيّ تجسيداً لتلك الحقيقة الخارقة وممثلاً لتلك الشخصية الأمينة المخلصة فيبدون نحوى ذلك النوع من الالتفات.

والواقع ان هذا النوع من الالتفات بقدر ما هو ضارٌّ بي، ثقيل على نفسي ايضاً. حتى انني آثرت الصمت بغير حق عن تلك الخسائر المعنوية، حفاظاً على الحقائق

 

 

سيرة ذاتية - ص: 407

النورية وشخصيتها المعنوية. وربما يعود السبب في ذلك النوع من الالتفات إلى إشارة مستقبلية للإمام علي رضى الله عنه وللشيخ الگيلاني قُدس سره، ولبعض الأولياء الآخرين، بإلهام الهي إلى حقيقة رسائل النور، وشخصية طلبتها المعنوية.. وما ذلك الاّ لكون تلك الرسائل مرآة صغيرة عاكسة لمعجزة القرآن المعنوية في عصرنا الحاضر. ولعل ذلك البعض قد اخذ شخصي الضعيف بنظر الاعتبار، لا لشئ الاّ لكوني خادماً لتلك الحقيقة الخارقة. ولقد أخطأت عندما لم اصرف التفاتهم الجزئي لشخصي بتأويل إلى رسائل النور. والسبب في هذا يعود إلى ضعفي وكثرة الأسباب التي قد تدفع مساعديّ إلى الخوف. وما قبولي جزءاً مما يخصّ شخصي في الـظاهر إلاّ لإضفاء سمة الاعتماد وصبغة الثقة على أقوالي لا غير.

إنني أنذركم بالآتي:

لا داعي اطلاقاً للقضاء على شخصي الفاني المشارف على باب القبر. ولاداعي كذلك إلى إعطاء مثل هذه الاهمية لوجودي. وانه مما يجب ان تعلموه جيداً هو ان المبارزة مع رسائل النور محاولة يائسة.إنكم لن تستطيعوا مبارزتها، فلا تبارزوها.إنكم لن تتغلبوا عليها. ولئن حاولتم مبارزتها، فلن تعودوا الاّ بأضرار جسيمة على الأمة والبلاد معاً، ولكن لن تستطيعوا تشتيت شمل طلبتها او تفكيك وحدتهم مهما حاولتم.. إذ ليس من السهل حمل أحفاد وأبناء أجدادنا البسلاء الذين ضحوا بأكثر من خمسين مليوناً من الشهداء في سبيل الحفاظ على القرآن وحقائقه القيمة، على التنكر والنسيان لماضيهم المجيد، ولا الحيلولة دون بطولاتهم الدينية الرائعة التي كانت دوماً محط أنظار العالم الإسلامي وموضع إعجابه. وحتى لو انسحبوا من الميدان فان أولئك الطلاب الأوفياء لن يتخلوا عن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لتلك الحقيقة ولن يرضوا - بذلك التخلي - ان يصيب الضرر الوطن والامة والأمن.

وآخر قولي:

]فان تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم[1(التوبة:129)

إلى رئاسة محكمة التمييز:

في جلسة محكمة التمييز التي راجعناها لإبطال القرار الجائر الذي أصدرته محكمة افيون في حقنا لم يدعوا لي فرصة للكلام، بل تلوا علينا اتهاماً ثالثاً شديد اللهجة،

_____________________

1 الشعاعات/471

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 408

ولم يسمحوا لأحد ان يساعدني في الكتابة، وفضلاً عن رداءة خطي في الكتابة فقد كنت مريضاً، وهذه الشكوى التي كتبتها وأنا مريض أقدمها إلى مقامكم (الذي انصفني مرتين انصافاً تاماً) كلائحة تمييز.

هذه عريضة إلى محكمة الحشر الكبرى، وشكوى إلى المقام الإلهي، ولتسمعها محكمة التمييز في الوقت الحالي والأجيال الآتية في المستقبل وليسمعها أساتذة دار الفنون (الجامعة) وطلابها المثقفون، فمن مئات المصائب والبلايا التي واجهتها طوال ثلاث وعشرين سنة اخترت عشراً منها لعرضها على عدالة المقام الإلهي ذي الجلال الحاكم المطلق مشتكيا إليه:

الأولى: مع إنني شخص مقصر، فقد نذرت كل حياتي في سبيل سعادة هذه الأمة وفي سبيل إنقاذ إيمانها، ولقد سعيت بكل جهدي للعمل برسائل النور لكي أضحى بنفسي في سبيل حقيقة افتدتها ألوف الأنفس، وهي الحقيقة القرآنية واستطعت بتوفيق من الله تعالى وفضل منه ان أتحمل شتى ضروب التعذيب، فلم أتقهقر ولم انسحب.

أسوق مثالاً واحداً من التصرفات الغادرة والظالمة التي واجهتها في سجن افيون وفي محكمتها:

مع انهم اسمعوني واسمعوا طلاب النور الأبرياء (الذين كانوا ينتظرون السلوان من عدالة المحكمة) ثلاث مرات لائحة الإتهام المليئة بالافتراءات وكانت قراءة اللائحة تستغرق كل مرة ساعتين في الأقل، الا انهم لم يسمحوا لي بالكلام وبالرد الا لمدة دقيقة واحدة او دقيقتين، مع أنني رجوت منهم ان يسمحوا لي بالدفاع عن حقوقنا لمدة خمس او عشر دقائق.

ومع أنني أُبقيت معزولاً لمدة عشرين شهراً في سجن انفرادي، الا انهم لم يأذنوا لأحد بزيارتي ورؤيتي الا لصديقين او ثلاثة ولمدة ثلاث أربع ساعات فقط، وقد ساعدتني هذه الزيارة مساعدة جزئية جداً في كتابة دفاعي. ثم منعوا هؤلاء ايضاً، وعاملوهم معاملة قاسية وعاقبوهم. وأجبرونا على سماع لائحة الإتهام للمدعي العام البالغة خمس عشرة صحيفة والتي ملأها بالأكاذيب المغرضة وبالإفتراءات وبسوء الفهم.

حتى إنني أحصيت فيها واحداً وثمانين خطأً، ولم يسمحوا لي بالكلام وبالرد، ولو سمحوا لي بذلك لقلت لهم.

انتم تنكرون دينكم وتهينون أجدادكم - بوصفهم بأنهم كانوا على ضلالة -

 

 

سيرة ذاتية - ص: 409

وتنكرون نبيكم صلىالله عليه وسلم ولاتقبلون بقوانين قرآنكم الكريم، بينما لا تتعرضون لليهود ولا للنصارى ولا للمجوس، ولا للمنافقين المرتدين من الفوضويين من أنصار البلشفية، وذلك تحت شعار حرية الفكر وحرية الوجدان. وان الحكومة البريطانية التي نعلم مدى تعصبها للنصرانية ومدى جبروتها، تسمح للملايين من المسلمين الموجودين تحت حكمها بقراءة القرآن في كل وقت واخذ دروس منه، هذه الدروس التي ترّد كل العقائد الباطلة وكل الدساتير الكافرة للإنكليز. ثم ان المعارضين لكل حكومة يستطيعون إبداء آرائهم علناً ويستطيعون نشر هذه الأفكار، ولا تتعرض لهم محاكم هذه الحكومات. أما أنا فقد تم تدقيق أربعين سنة من حياتي وتدقيق مائة وثلاثين كتاباً من كتبي وجميع مكاتيبى ورسائلي حتى السرية منها في محكمة اسپارطة وفي محكمة دنيزلي وفي محكمة جزاء آنقرة وكذلك في رئاسة الشؤون الدينية، كما قامت محكمة التمييز بهذا التدقيق مرتين - وربما ثلاث مرات - وبقيت رسائل النور بكل نسخها الخاصة منها وغير الخاصة في يدها مدة حوالي ثلاث سنوات، ومع ذلك لم يجدوا فيها أي شئ يستوجب عقوبة مهما كانت صغيرة. وأنا أتساءل ما هو الذنب الذي اقترفناه لكي تقوموا بإصدار عقوبة قاسية في حقنا وسجننا سجناً انفرادياً وأنا بهذه الدرجة من الضعف وفي هذا الوضع القاسي من الظلم والقهر، وأي قانون او مصلحة او وجدان يرضى بهذا؟ مع ان رسائل النور- التي تجدون مجموعتها كاملة بين أيديكم - أصبحت مرشداً قوياً وقويماً لأكثر من مائتي ألف طالب من طلاب النور الحقيقيين المستعدين للتضحية، فخدمت بذلك أمن البلد واستقراره. ثم ان دفاعي الذي قدمته والذي بلغ أربعمائة صفحة اثبت براءتنا بشكل قاطع لا يقبل الشك، لذا ستسأل هذه الأسئلة منكم امام المحكمة الكبرى يوم الحشر دون ريب.

الثانية: لقد عدّوا تفسيري للآيات القرآنية الصريحة حول الحجاب والإرث وذكر الله وتعدد الزوجات، وقيامي برد الإعتراضات المثارة ضدها من قبل المدنية الغربية الحالية رداً مفحماً.. عدّوا ذلك إحدى التهم الموجهة اليّ. واكرر هنا الفقرة التي أوردتها قبل خمسة عشر عاماً في محكمة اسكى شهر ثم في محكمة التمييز في آنقرة وستكون هذه الفقرة شكواي في محكمة الحشر الكبرى وتنبيهاً وايقاظاً للجماعات المثقفة للأجيال القادمة وستكون هي مع رسالة الحجة الزهراء بمثابة لائحة تمييز، كما أنني اكرر هذه الفقرة للمدعي العام الذي لم يترك لي فرصة للكلام والذي اثبتّ ثمانين خطأ ورد في لائحته الإتهامية التي ملأها بالمغالطات

 

 

سيرة ذاتية - ص: 410

واعرضها مرة أخرى على هيئة المحكمة التي أصدرت حكما عليّ بسنتين من الحبس الإنفرادي الشديد وبسنتين من النفي والإقامة الجبرية:

إنني اقول لمحكمة وزارة العدل:

ان إدانة من يفسر اقدس دستور الهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليوناً من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدق به ثلاثمائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادنا السابقون في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة.. اقول: ان إدانة هذا المفسر قرار ظالم لابد ان ترفضه العدالة، ان كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولابد ان ترد ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه. ولتسمع هذا الآذان الصماء لعصرنا الحالي.

ألا يعني إدانة شخص ترك السياسة واعتزل الحياة الاجتماعية ولا يؤمن من الناحية الفكرية العلمية ببعض القوانين الأجنبية التي قُبلت في هذا البلد بمقتضى ظروف معينة، لقيامه بتفسير هذه الآيات انكاراً منهم للإسلام وخيانة لمليار من أجدادنا الأبطال المتدينين واتهاماً لملايين التفاسير القرآنية.

الثالثة: من الأسباب التي ذكروها لتبرير الحكم علي هي القيام بالإخلال بالأمن والاستقرار؛ وعلة هذا انهم قاموا بتفسير خاطئ لمعنى بعض الجمل الواردة في خطابات شخصية ورسائل خاصة لا تتجاوز الخمسين جملة، مع ان رسائل النور تحوي اكثر من مائة ألف كلمة وجملة، ونظروا إلى احتمال واهٍ وبعيد جداً لا يتجاوز واحداً في المائة بل واحداً من ألف، وعدوا هذا الاحتمال البعيد واقعاً ويريدون به عقابنا.

وأنا اُشهد الذين يعرفون الثلاثين او الأربعين سنة الأخيرة من حياتي والآلاف من طلبة النور الأصفياء فأقول:

عندما بدأ القائد العام للجيش الإنكليزي الذي احتل استانبول ببذر بذور الخلاف بين المسلمين حتى خدع شيخ الإسلام وبعض العلماء الآخرين وجعل أحدهم يهاجم الآخر، ووسع الخلاف بين جماعة الإتحاديين وجماعة الائتلاف1 لكي يهئ الجو لانتصار اليونانيين واندحار الحركة الملية الوطنية. قمت آنذاك بتأليف كتابي الخطوات الست ضد الإنكليز وضد اليونانيين، وقام السيد أشرف

_____________________

1 جماعة الإتحاديين: هم جماعة الإتحاد والترقي الذين هرب قادتهم الى الخارج بعد اندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى امام قوات الحلفاء. اما جماعة "الائتلاف" فهم جماعة سياسية ظهرت بعيد انتهاء الحرب وكانوا خصوماً للاتحاديين.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 411

أديب1 بطبعه ونشره، مما ساعد على إبطال مفعول الخطة الجهنمية لذلك القائد، فالذي لم يحفل بتهديد القائد الإنكليزي بإعدامه ولم يهرب إلى آنقرة مع ان حكومة آنقرة2 استدعته تقديراً منهم لنضاله، وفي روسيا لم يحفل بقرار الإعدام الذي أصدره القائد الروسي، واستطاع في حوادث 31 مارت بخطبة واحدة تهدئة ثماني كتائب هائجة من الجيش وجلبها إلى الطاعة. وعندما قال له باشوات المحكمة العسكرية العرفية: أنت ايضاً رجعي فقد طالبت بحكم الشريعة لم يحفل بتهديدهم أدنى احتفاء بل أجابهم: إذا كانت المشروطية عندكم تعني إستبداد فئة معينة فليشهد الثقلان أنني رجعي، وأنا مستعد للتضحية بروحي في سبيل مسألة واحدة فقط من مسائل الشريعة مما أذهل الضباط الكبار. وبينما كان يتوقع حكم الإعدام اصدروا قرارهم بتبرئته وتخلية سبيله. ولم يشكرهم على قرارهم هذا، بل هتف وهو في طريقه للخروج لتعش جهنم للظالمين. وفي ديوان الرئاسة في آنقرة - كما ادرج في قرار لمحكمة افيون - عندما قال له مصطفى كمال في غضب:

لقد دعوناك هنا لكي نستأنس بآرائك السديدة، فإذا بك تكتب اموراً حول الصلاة فبذرت الخلاف فيما بيننا فأجابه امام ما يقرب من خمسين نائباً:

ان اكبر مسألة بعد مسألة الإيمان هي الصلاة. ومن لا يصلي يعدّ خائناً وحكم الخائن مردود.

فاضطر ذلك القائد الصارم إلى كظم غيظه وإلى إعطاء بعض الترضية له، ثم انه لم يسجل رجال أمن الحكومة في ست ولايات أية حادثة تخل بالأمن لطلبة النور مع انهم يعدّون بمئات الآلاف سوى حادثة صغيرة تتعلق بقيام أحد الطلبة الصغار بدفاع شرعي. ولم يسمع أحد أن طالباً من طلاب النور دخل السجن بسبب جرم او جناية، وما دخل السجن إلاّ وأصلح المسجونين. ومع أن مئات الآلاف من نسخ رسائل النور منتشرة في أرجاء البلد فلم يشاهد أحد ضرراً لها، بل لم يجدوا منها سوى النفع طوال ثلاث وعشرين سنة. وأصدرت ثلاث محاكم لثلاث حكومات أحكامها بالبراءة، كما ان مئات الآلاف من الطلبة يشهدون ويصدقون بأقوالهم وبأفعالهم على قيمة رسائل النور. ثم أيجوز ان يتهم شخص منـزوٍ ومنعزل وكبير السن وفقير ويرى نفسه على حافة القبر وترك بكل قوته وقناعته الأشياء الفانية، فلا

_____________________

1 وهو من المجاهدين المسلمين آنذاك، ورأس تحرير مجلة "سبيل الرشاد" الإسلامية.

2 كانت هناك آنذاك حكومتان: حكومة الخلافة في استانبول واقعة تحت سيطرة واحتلال دول الحلفاء (وعلى رأسها انكلترة) وحكومة وطنية في انقرة (على رأسها مصطفى كمال)، ولم يكن مصطفى كمال قد أسفر عن وجهه الحقيقي المعادي للاسلام آنذاك.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 412

يهتم بأية رتبة دنيوية بل هو في شغل شاغل بما يكفّر عن تقصيراته السابقة وبأمور تنفع حياته الخالدة، وهو لشدة شفقته ولرغبته في تجنيب الأبرياء والشيوخ أية أضرار تلحق بهم فانه يتجنب الدعاء على ظالميه ومعذبيه.. أيجوز ان يُتهم مثل هذا الشخص ويقال بحقه: ان هذا الشيخ المنـزوي يحاول الإخلال بالأمن ويفسد الاستقرار، وغايته هي المؤامرات الدنيوية وهي القصد من اتصالاته ومكاتيبه، لذا فهو مذنب؟. ان من يقول هذا بحقه ويحكمون عليه في ظل ظروف قاسية لاشك انهم مذنبون، ومذنبون جداً، وسيدفعون ثمن هذا في المحكمة الكبرى يوم الحشر.

مثل هذا الرجل الذي هدّأ ثماني كتائب عسكرية واجبرها على الانقياد للنظام بخطبة واحدة واستطاع قبل أربعين سنة بمقالة واحدة ان يجعل الآلاف من الناس ينحازون إليه ويكونون أنصاره، ولم يحن رأسه امام ثلاثة قواد جبارين - المذكورين سابقاً - ولم يخش منهم ولم يتملق لهم وقال امام المحاكم: ألا فلتعلموا جيداً بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من شعر وفصل كل يوم واحد منها عن جسدي فلن أحني هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية امام الزندقة والكفر المطلق، فلن أخون الوطن والامة والإسلام. فهل يجوز بعد هذا ان يقال لمثل هذا الشخص الذي لم يكن له علاقة مع أحد في مدينة اميرداغ الا مع بضعة من أصدقاء الآخرة إضافة إلى ثلاث من الذين كانوا يقومون بشؤون خدمته... أيجوز ان يقال:

إن سعيداً هذا عمل سراً في اميرداغ كي يخل بالأمن، فقد سمم أفكار بعض أفراد الشعب هناك، فقام عشرون شخصاً هناك بمدحه وكتابة مكاتيب خاصة له، مما يبرهن على انه يعمل سراً ضد النظام الثوري للحكومة؟ واستناداً إلى هذه التهمة فقد اتبعت سياسة عدائية ضده وحكم عليه بالحبس الشديد لمدة سنتين حيث وضع في سجن انفرادي وفي عزلة تامة، ولم يسمحوا له بالكلام والدفاع عن نفسه في المحكمة. لأجل كل هذا فإنني أحيل هؤلاء الذين عذبوني وابتعدوا هذا الابتعاد عن العدالة وعن الإنصاف إلى ضمائرهم.

وهل يعقل وهل من الممكن ان يقوم مثل هذا الشخص الذي نال توجّه الناس إليه أكثر مما يستحقه والذي حمل الألوف على الطاعة والانقياد بخطبة واحدة، وجعل الآلاف من الناس ينضمون إلى جمعية الإتحاد المحمدي بمقالة واحدة منه، واستمع إلى خطبته خمسون ألف شخص في جامع اياصوفيا بكل تقدير .. هل يعقل وهل يمكن ان يقوم مثل هذا الشخص بعمل سري طوال ثلاث سنوات في مدينة

 

 

سيرة ذاتية - ص: 413

اميرداغ ثم لا يوفق الاّ في إقناع بضعة أشخاص ويترك أمور الآخرة وينغمس في مؤامرات السياسة فيملأ قبره - القريب منه - بالظلمات بدلاً من النور؟ أيمكن هذا؟ ان الشيطان نفسه لا يمكن ان يقنع بهذا أحداً.

الرابعة: لقد ابرزوا عدم قيامي بلبس القبعة كسبب مهم لإدانتي ولم يسمحوا لي بالكلام، وقد كنت ناوياً ان اقول لهم:

لقد بقيت في مدينة قسطموني مدة ثلاثة أشهر موقوفاً في مركز الشرطة هناك ولم يقل لي أحد: عليك ان تضع القبعة على رأسك. وفي ثلاث محاكم لم أضع قبعة على رأسي ولم احسر عن رأسي في جلسات هذه المحاكم، ولم يتعرض أحد لي. صحيح ان بعض الظالمين الذين لم يكن لديهم نصيب من الدين اتخذوها حجة وتعرضوا لي بشكل غير رسمي بالأذى طوال ثلاث وعشرين سنة وضيقوا عليّ كثيراً وآذوني. وان الأطفال والنساء واكثر القرويين والموظفين في الدوائر الرسمية والذين يلبسون غطاء الرأس، غير مضطرين إلى لبسالقبعة، إذ لا فائدة او مصلحة مادية في ذلك، إذن فان شخصاً منـزوياً مثلي قاسى عشرين عاماً بسبب عدم لبس القبعة والافتراءات، علماً بأن جميع المجتهدين وجميع شيوخ الإسلام منعوا لبسها، والآن يعودون إلى إيذائي وعقوبتي دون أي وجه حق، فكما لا يتعرض أحد إلى الذين يشربون الخمر جهاراً نهاراً في شهر رمضان ولا يصلون، وذلك باسم الحرية الشخصية، لذا فان الذي يتهمني من اجل قيافتي مراراً وتكراراً بهذا العناد وبهذه الشدة سوف يسألون عن هذا عندما يشاهدون الحبس الإنفرادي الأبدي في القبر ويحضرون إلى المحكمة الكبرى .

الخامسة: ان رسائل النور التي حازت على قبول مائة ألف من أهل الإيمان والتي قدمت طوال عشرين عاماً منافع عديدة - خالصة من أية شائبة من الضرر- للامة وللوطن تُصادر لأتفه الأسباب: فمثلا صودرت مجموعة (ذو الفقار - المعجزات الأحمدية) - التي أنقذت إيمان مائة ألف شخص - لورود تفسير صحيح ومحقّ لآيتين كريمتين في صفحتين فقط من مجموع صفحاتها البالغة أربعمائة صفحة مع ان هذه المجموعة تعرضت لمرور الوقت، وصدرت خلاله قوانين عفو عديدة، فهل يجوز مصادرة تلك المجموعة القيمة النافعة من اجل صفحتين فقط؟ والآن تتم مصادرة رسائل أخرى قيمة بسبب كلمة او كلمتين - يعطون لها معاني خاطئة - ضمن ألف كلمة. وكل من سمع لائحة الإدعاء الثالثة هذه والقرار الذي نشرناه يتأكد مما نقول.

أما نحن فإننا نقول لكل مصيبة نراها:

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 414

]إنا لله وإنا إليه راجعون[ و ]حسبنا الله ونعم الوكيل[.

السادسة: إنني أقول للذين يتهمون المترجم المسكين لرسائل النور (أي نفسه) بسبب قيام بعض طلبة النور بثناء مبالغ فيه وحسن ظن مفرط بإرسال رسائل تشجيع وتهنئة وتقدير وشكر بعد ان استفادوا استفادة كبرى من البراهين الإيمانية التي لا تتزعزع واكتسابهم العلوم الإيمانية بدرجة علم اليقين... اقول لهم:

إنني شخص ضعيف وعاجز ومنفي ونصف أمي، وعندما كانوا يثيرون الناس ضدي بدعاياتهم ويخوفونهم مني، كنت كلما أجد دواء لأدوائي من أدوية القرآن الكريم ومن حقائقه الإيمانية الرفيعة كتبت تلك الحقائق القيمة ايماناً منى انها ستكون علاجاً شافياً لأبناء الأمة والوطن، ولما كان خطي رديئاً جداً فقد كنت بحاجة ماسة إلى معاونين، فيسّرت العناية الإلهية لي معاونين خاصين وصادقين وثابتين.

ومن الطبيعي أنني لا أستطيع ان أرد بشكل قاطع حسن ظنهم ومدحهم المخلص، او ان أوبخهم على هذا فأجرح مشاعرهم، فمثل هذا التصرف يخالف الأنوار المستلهمة من خزينة القرآن الكريم ويعاديها ويهوّن منها. لذا فلكي لا يبتعد عني هؤلاء المعاونون من ذوي الأقلام الالماسية والقلوب الشجاعة فإنني كنت احول مديحهم لشخصي العاجز المفلس إلى رسائل النور التي هي صاحبة الحق في هذا المديح لأنها تعكس المعجزة المعنوية للقرآن الكريم، أحيلها إلى الشخصية المعنوية لطلاب النور. وعندما كنت اقول لهم: إنكم تعطون لي حصة تزيد على حصتي بمائة مرة كنت أوذي مشاعرهم إلى حد ما. فهل هناك مادة قانونية تضع شخصاً في موقع الإتهام واللوم لأن افراداً آخرين يمدحونه بالرغم من انه كاره لهذا المديح؟ أتوجد مثل هذه المادة القانونية لكي يمكن تبرير قيام موظف رسمي اتهامي باسم القانون؟

هذا مع العلم انه قد ذكر في الصفحة رقم (54) من القرار المنشور للائحة الإتهام ضدنا قولي:

ان ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان سيكون من نسل آل البيت، أما نحن معشر طلاب النور فيمكن ان نعدّ من آل البيت من الناحية المعنوية فقط. ثم انه لا يوجد في مسلك النور مكان للأنانية او لتبجيل شخص او الرغبة في مقامات دنيوية، او التطلع نحو الجاه والشهرة أبداً. بل إنني أرى نفسي مضطراً حتى لترك المقامات الأخروية - إن أُعطيت لي- كي لا أخل بالإخلاص الموجود في المسلك النوري...

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 415

كما ورد في الصفحة (22) وفي الصفحة (23) من قرار اللائحة هذه العبارات: معرفة الإنسان تقصيره امام الله وأدراك فقره نحوه وعجزه أمامه والالتجاء إليه بذل وخشوع، فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى واعجز أفقر واكثر تقصيراً امام الله من أي أحد كان من الناس، فلو اجتمعت الدنيا في مدحي والثناء علىّ لا تستطيع ان تقنعني بأنني صالح وفاضل... لن أبوح بكثير من مساوئ شخصيتي الثالثة ومن أحوالها السيئة لئلا أنفركم عنى كلياً. فالفضل الإلهي هو الذي يسخر شخصيتي التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وارفعها. فالنفس أدنى من الكل والوظيفة أسمى من الكل، فألف شكر وشكر لله سبحانه.

ومع ان اللائحة اقتبست العبارات أعلاه من كلامنا وأدرجتها في متنها، الا ان الذين يريدون وضعي في موضع المذنب لمجرد قيام بعض الأشخاص بمدحي ووصفي بأنني مرشد عظيم ومهدى - بانني هديتهم بالمعنى الوارد في رسائل النور- لاشك انهم يستحقون نيل جزاءهم على ما اقترفوه من ذنوب كبيرة.

السابعة: قامت محكمة دنيزلي ومحكمة الجنايات الكبرى في آنقرة، ومحاكم التمييز بإصدار قراراتها بالإجماع على تبرئتنا وعلى تبرئة رسائل النور بأجمعها، حيث أعادت هذه الرسائل وكذلك جميع خطاباتنا إلينا، ومع انهم قالوا انه حتى على فرض وقوع خطأ في قرار التبرئة لمحكمة دنيزلي فما دامت محكمة التمييز قامت بتبرئتكم، فان قرار التبرئة اصبح قطعياً وثابتاً ولا يمكن سوقكم إلى المحكمة مرة أخرى. ومع أنني قضيت ثلاث سنوات في مدينة اميرداغ منـزوياً لا أتصل الا مع بضعة أشخاص ممن يقومون بشؤون خدمتي بشكل متناوب (وكانوا يعملون كمساعدي خياط) ولا أتحدث مع أحد الا مع بعض المتدينين في حالات نادرة وضرورية ولمدة بضع دقائق فقط، وسوى إرسال رسالة واحدة فقط في الأسبوع من اجل التشجيع على قراءة رسائل النور(حتى انني لم أرسل إلى شقيقي المفتي الا ثلاث رسائل طوال ثلاث سنوات)، بل تركت التأليف الذي كنت عاكفاً عليه منذ ثلاثين سنة سوى تأليف نكتتين اثنتين بعشرين صفحة تناولت موضوعين مهمين ومفيدين جداً لاهل الإيمان ولأهل القرآن وهما حكمة التكرار في القرآن و بعض المسائل حول الملائكة... لم اؤلف عداهما ولكني وافقت على ضم الرسائل التي برأتها المحاكم وجعلها بشكل مجلدات، وعندما قامت المحكمة بإرجاع خمسمائة نسخة من رسالة الآية الكبرى التي كانت مطبوعة بالأحرف القديمة، فقد أعطيت

 

 

سيرة ذاتية - ص: 416

موافقتي لإخواني باستنساخها بوساطة جهاز الاستنساخ - لعلمي بان القانون لا يمنع ذلك بصورة رسمية - وذلك لكي يستفيد العالم الإسلامي منها، وانشغلت فقط بتصحيحها ولم انشغل ابداً بالسياسة، حتى انني فضلت البقاء في غربة أليمة ولم ارجع إلى بلدتي -كما فعل جميع المنفيين الآخرين - رغم صدور الإذن الرسمي بذلك لكي لا انشغل بالدنيا وبالسياسة.

إذن فان القيام بتوجيه هذا الإتهام الثالث المحتوي على أمور باطلة وكاذبة وعلى تفسيرات خاطئة ومحاولة إدانة مثل هذا الرجل يحتوي على معنيين مذهلين - سوف لن أقولهما الآن - وقد أثبتت المدة الأخيرة البالغة عشرين شهراً هذا الأمر. وأنا اقول: حسبهم القبر وسقر، وأحيل أمري إلى المحكمة الكبرى يوم القيامة.

الثامنة: بعد ان بقيت رسالة الشعاع الخامس سنتين لدى محكمة دنيزلي ومحكمة آنقرة أعيدت إلينا. وبعد ان صدر القرار بتبرئتها سمحت بنشرها - مع دفاعي في تلك المحكمة - في آخر مجموعة سراج النور. صحيح أنني كنت احتفظ بها كرسالة خاصة ليست معروضة على الناس، ولكن ما دامت المحكمة شهرت بها وأعلنتها ثم أعادتها إلينا بعد براءتها، فقلت بأنه لا ضرر إذن من نشرها، لذا أذنت لهم بنشرها. وكان اصل هذه الرسالة قد كتب قبل حوالي أربعين سنة حول تأويلات أحاديث متشابهة كانت قد انتشرت بين الناس منذ القديم، ومع ان عدداً من علماء الحديث ضعّفوا قسماً من هذه الأحاديث، الا أنني قمت بكتابة هذه الرسالة إنقاذاً لاهل الإيمان من الشبهات لان المعاني الظاهرة لهذه الأحاديث كانت تتسبب في اعتراضات كثيرة عليها، الا ان قسماً من تأويلاتها الخارقة ظهرت امام الأعين، لذا اضطررنا إلى إخفاء هذه الرسالة وجعلها رسالة سرية خاصة لكي لا تُفسر تفسيراً خاطئاً، وبعد ان قامت عدة محاكم بتدقيقها وتشهيرها ثم إعادتها إلينا، الا انها عادت مرة أخرى إلى اتخاذها سبباً في إدانتنا، لذا فإننا نحيل مدى ابتعاد هذا العمل عن العدالة وعن الحق وعن الإنصاف إلى ضمائر هؤلاء الذين يريدون إدانتنا بسبب من قناعاتنا الوجدانية، كما نحيل شكوانا هذه إلى المحكمة الإلهية الكبرى ونقول: ]حسبنا الله ونعم الوكيل[

التاسعة: وهذه نقطة مهمة جداً ولكننا نمسك عن ذكرها لئلا نغضب الذين حكموا علينا، وذلك لاجل قيامهم بقراءة رسائل النور.

العاشرة: وهذه نقطة قوية ومهمة ولكننا نمسك ايضاً عن ذكرها حاليا لكي لا تدفعهم إلى الاستياء والامتعاض.1

_____________________

1 الشعاعات/501-512

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 417

رسائل من سجن أفيون

حكمة السَوق القدري:

اخوتي الأعزاء الأوفياء!

لا أعزيكم بل أهنئكم، إذ مادام القدر الإلهي قد ساقنا إلى هذه المدرسة اليوسفية الثالثة لحكمة اقتضاها، وانه سيطعمنا قسماً من أرزاقنا دعتنا إلى هنا. ومادامت تجاربنا القاطعة قد علّمتنا - لحد الآن - ان العناية الإلهية لطيفة بنا وقد جعلتنا ننال سر الآية الكريمة: ]وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم[ (البقرة: 216). وان إخواننا الحديثى العهد في المدرسة اليوسفية هم أحوج الناس إلى السلوان الذي تورثه رسائل النور وان العاملين في دوائر العدل هم اشد حاجة من الموظفين الآخرين إلى القواعد و الدساتير السامية التي تتضمنها رسائل النور، وان أجزاء هذه الرسائل تؤدى لكم مهمتكم خارج السجن وبكثرة كاثرة وان فتوحاتها لا تتوقف، وان كل ساعة فانية هنا في السجن تصبح بمثابة ساعات من العبادة الباقية. ينبغي لنا - وفق النقاط المذكورة - ان نتجمل بالصبر والثبات شاكرين خالقنا مستبشرين ازاء هذه الحادثة.1

تحولت المصائب إلى أخف حالاتها:

اخوتى الأعزاء الأوفياء!

اولاً: لا تتألموا - يا اخوتى - على الإهانات والأذى التي ينـزلونها بشخصي بالذات، لانهم لا يستطيعون ان يجدوا نقصاً في رسائل النور، فينشغلون بشخصي الاعتيادي المقصّر كثيراً. فأنا راضٍ عن هذا الوضع. بل لو أجد الوفاً من الإهانات والتحقير والآلام والبلايا الشخصية لاجل سلامة رسائل النور وظهور قيمتها لشكرت الله شكراً مكللاً بالفخر، وذلك مقتضى ما تعلمته من درس النور. لذا لا تتألموا عليّ من هذه الناحية.

ثانياً: ان هذا التعدى السافر الواسع النطاق والهجوم الشديد الظالم، قد خف حالياً من العشرين إلى الواحد فلقد جمعوا بضع أشخاص بدلاً من ألوف الخواص - من طلاب النور - وجمعوا عدداً محدوداً من اخوة جدد بدلاً من مئات الألوف من المهتمين بالرسائل المرتبطين بها. وبمعنى ان المصيبة قد تحولت إلى أخف حالاتها بالعناية الإلهية.2

_____________________

1 الشعاعات/524

2 الشعاعات/527

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 418

ما يورث الانشغال بالرسائل:

اخوتى الأعزاء الأوفياء!

ان رسائل النور تواجهكم وتقابلكم بدلاً مني، فهي ترشد وتعلّم تعليماً جيداً إخواننا الجدد المشتاقين لدروس النور. ولقد ثبت بالتجارب: ان الانشغال برسائل النور سواءً قراءتها او استقراءها او كتابتها يورث الفرح للقلب والراحة للروح والبركة في الرزق والصحة للجسد.

وقد انعم الله عليكم حالياً بطلاً من أبطال النور وهو خسرو وستكون المدرسة اليوسفية ايضاً موضع دراسة مباركة لمدرسة الزهراء ان شاء الله. إنني كنت إلى الآن اُخفي خسرو ولا أظهره إلى أهل الدنيا، الاّ ان المجموعات التي نشرت قد أظهرته اظهاراً لا لبس فيه لأهل الدنيا، فلم يبق شئ للإخفاء. ولهذا أظهرت بضعاً من خدماته إلى بعض الاخوة الخواص. وسوف نبين - أنا وهو - الحقيقة ان لزم الأمر بعينها ولا نخفى شيئاً.1

محاورة مع خادم القرآن:

اخوتي الأعزاء الأوفياء وزملائي في السجن!

اولاً: لا تقلقوا من عدم مواجهة بعضنا البعض الآخر، فنحن نتواجه معنى في كل وقت. فان قرأتم أية رسالة تحصلون عليها او تستمعون إليها، فإنكم تشاهدونني وتتحاورون معي خلال تلك الرسالة بصفة خادم القرآن العظيم بدلاً من شخصي الاعتيادي. علماً أنني كذلك أواجهكم خيالاً في جميع أدعيتي وفي كتاباتكم وعلاقاتكم. وحيث إننا معاً ونعمل ضمن دائرة واحدة، فكأننا نتواجه دائماً.

ثانياً: نقول للقادمين الجدد من طلاب رسائل النور في هذه المدرسة اليوسفية الحديثة:

لقد ثبت بحجج قوية وبإشارات قرآنية أوقفت الخبراء وألجأتهم إلى الاستسلام: ان طلاب النور الصادقين ستختم حياتهم بالحسنى ويدخلون القبر بالإيمان.. وان كل طالب - حسب درجته - يكون شريكاً لمكاسب جميع إخوانه المعنوية ولأدعيتهم، وذلك بفيض أنوار الاشتراك المعنوي النورى، كأنه يؤدى العبادة ويستغفر بألف لسان.

فهاتان الفائدتان والنتيجتان المهمتان، وفي هذا الزمان العجيب تزيلان جميع

_____________________

1 الشعاعات/530

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 419

الصعاب والمشقات. وهكذا تربح رسائل النور طلابها هذين الربحين العظيمين بثمن زهيد جداً.1

لاتتفوهوا بكلام جارح:

اخوتى الاعزاء الاوفياء!

ان سبب سدّهم اليوم نوافذي ودقّها بالمسامير هو عزلي عن المسجونين وقطع تبادل السلام والتحيات فيما بيننا، الاّ انهم ابدوا حجة تافهة ظاهرية أخرى، فلا تقلقوا. بل ان انشغالهم بشخصي الذي لا اهمية له، وانصرافهم عن شد الخناق على رسائل النوروطلابها، وانزالهم الاهانات والعذاب بي، وايلامي قلباً وحقيقةً مع عدم تعرضهم لرسائل النوريجعلني في رضىً عن هذا الوضع بل اشكر ربي صابراً فلا اضطرب ولا اقلق ابداً وانتم كذلك لا تتألموا. فاني على قناعة من ان صرف اعدائنا المتسترين انظار الموظفين في السجن اليّ فيه عناية إلهية وخير من حيث سلامة ومصلحة رسائل النور وطلابها.

فعلى بعض الاخوة الاّ يحتدّوا ولا يتفوّهوا بكلام جارح يمسّ شعورهم، وليأخذوا حذرهم في حركاتهم وسكناتهم، دون ابداء القلق والاضطراب. ولا يفتحوا الموضوع عن هذه المسألة أمام كل أحد، لان هناك جواسيس يحرّفون كلام اخوتنا السذج والجدد الذين لم يتعلموا بعدُ أخذ الحذر ويصرفون كلامهم إلى معاني مغايرة ويستهولون الأمور التافهة، ويخبرون المسؤولين بها. ان وضعنا الحاضر كله جدّ لا هزل فيه. ومع هذا فلا تضطربوا قطعاً واعلموا اننا تحت رعاية العناية الإلهية وقد عزمنا على مجابهة جميع المشقات بالصبر الجميل بل بالشكر العظيم لله. فنحن مكلفون بالشكر لأن درهماً من التعب والمشقة يورث طناً من الثواب والرحمة.2

اُودع شؤوني إليكم:

اخوتى الاعزاء الاوفياء!

لقد اودعت جميع اعمال الدفاع إلى طلاب النور الاركان الذين قدموا والذين سيقدمون إلى هنا وذلك بناء على سببين مهمين وباخطار قوى، فاضطررت إلى هذا الأمر قلباً. اودعها بخاصة إلى كل من خسرو، رأفت، طاهر، فيضى، صبرى.

السبب الأول: لقد علمت قطعاً من دائرة التحقيق، ومن امارات عديدة، انهم يحاولون احداث مشكلات ضدى، بكل ما لديهم من قوة، والتهرب من ظهورى

_____________________

1 الشعاعات/533

2 الشعاعات/536

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 420

وغلبتى عليهم فكراً، ولهم في ذلك إشعار رسمي. فكأنني اذا تكلمت بشئ فسأبين قدرة علمية وقابلية سياسية بحيث ألزم المحاكم الحجة واُسكت السياسيين، لاجل ذلك يمنعوني عن الكلام بمعاذير واهية. حتى انني أثناء التحقيق اجبت عن أحد الاسئلة قائلاً: لا اتذكر. فتعجب الحاكم وحار في الأمر وقال: كيف ينسى شخص مثلك يملك ذكاءً وعلماً فوق المعتاد؟

نعم! انهم يعتقدون ان رفعة شأن رسائل النور وتحقيقاتها العلمية الدقيقة من بنات أفكارى. ومن هنا يأخذهم العجب والحيرة، فلا يريدونني ان اتكلم مع أحد، وكأن كل من يقابلني ويواجهني سيكون مباشرة طالباً غيوراً من طلاب النور! ولهذا يمنعونني من المقابلة والمواجهة مع أي أحد كان. حتى ان رئيس الشؤون الدينية قال: كل من يقابله ينجذب اليه، ان جاذبيته قوية.

بمعنى ان مصلحتنا تقتضي ان اودع شؤوني اليكم الآن. وما لديكم من دفاعاتي القديمة والجديدة تشترك بدلاً عني في مشاوراتكم بعضكم مع بعض، فهي كافية لهذا الأمر.1

مضاعفة الثواب:

اخوتى الاعزاء الصديقين!

انتابني اليوم قلق وحزن لأجلكم باخطار معنوى ورد إلى القلب. فلقد حزنت لاحوال اخواننا الذين يرغبون في الخروج حالاً من السجن من جراء قلقهم على هموم العيش. وفي الدقيقة التي فكرت في هذا، وردت خاطرة ميمونة إلى القلب مع حقيقة وبشرى هي:

ستحل الشهور الثلاثة المباركة جداً الحاملة لأثوبة عظيمة بعد خمسة ايام فالعبادات مثابة فيها باضعافها. إذ الحسنة ان كانت بعشر امثالها في سائر الاوقات ففي شهر رجب تتجاوز مائة حسنة وفي شهر شعبان تزيد على ثلاثمائة حسنة، وفي شهر رمضان المبارك ترتفع إلى الألف حسنة، وفي ليإلى الجمع فيه إلى الآلاف، وفي ليلة القدر تصبح ثلاثين ألف حسنة. نعم، ان الشهور الثلاثة سوق اخروية سامية رفيعة للتجارة، بحيث تُكسب المرء هذه الارباح والفوائد الاخروية الكثيرة جداً.. وهي مشهر عظيم ومعرض ممتاز لاهل الحقيقة والعبادة.. وهي التي تضمن عمراً لاهل الإيمان بثمانين سنة خلال ثلاثة شهور.. فقضاء هذه الشهور الثلاثة في المدرسة اليوسفية التي تكسب ربحاً بعشرة امثالها. لا شك انه ربح كبير وفوز عظيم. فمهماكانت المشقات فهي عين الرحمة.

_____________________

1 الشعاعات/537

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 421

فكما ان الأمر هكذا من حيث العبادة. فهي كذلك من حيث الخدمة النورية والعمل لنشر رسائل النور، إذ تتضاعف الخدمات إلى خمسة اضعافها باعتبار النوعية ان لم تكن باعتبار الكمية، لان القادمين والمغادرين لدار الضيافة هذه (السجن) يصبحون وسائط لنشر دروس النور، وقد ينفع احياناً اخلاص شخص واحد بمقدار عشرين شخص. ثم ان كان هناك شئ من المشقات والمضايقات فلا اهمية له ازاء انتشار سر الإخلاص الموجود في رسائل النور بين صفوف المسجونين الذين هم احوج الناس إلى ما في الرسائل من سلوان ولاسيما ممن تسرى في عروقهم بطولات سياسية.

اما من حيث هموم العيش، فمن المعلوم ان هذه الشهور هي سوق الآخرة وقد دخل بعضكم هذا السجن بدلاً عن الكثيرين من الطلاب، بل ان بعضكم قد دخله بدلاً عن الالف. فلا شك ان ستكون لهم مساعدات وامدادات لاعمالكم الخارجية.

هكذا وردت الخاطرة وفرحتُ بها فرحاً تاماً وعلمت ان البقاء هنا إلى العيد نعمة إلهية عظيمة.1

حول فكرة المهدية:

هناك امارات اعلم منها ان أعداءنا الخفيين يحاولون النيل من رسائل النور والتقليل من قيمتها، فينشرون وَهْم وجود فكرة المهدية - من الناحية السياسية - فيها ويدّعون ان رسائل النوروسيلة لهذه الفكرة، ويبحثون ويدققون عسى ان يعثروا على سند لهم لهذه الاوهام الباطلة. ولعل العذاب الذي اتعرض له نابع من هذه الاوهام. وانا اقول لهؤلاء الظالمين المتسترين وللذين يسمعون لهم ويعادوننا:

حاش!... ثم حاش!... انني لم اقم بمثل هذا الادعاء، ولم اتجاوز حدي ولم اجعل الحقائق الإيمانية وسيلة شخصية او أداة لنيل الشهرة والمجد، وان السنوات الثلاثين الاخيرة خاصة من عمري البالغ خمسة وسبعين عاماً تشهد وتشهد رسائل النورالبالغة مائة وثلاثين رسالة، ويشهد الالاف من الاشخاص الذين صادقوني حق الصداقة بهذا.

أجل!... ان طلاب النور يعرفون هذا كما انني سردت الحجج التي اظهرت في المحاكم انني لم أسْعَ من اجل مقام او مرتبة لشخصي او من اجل الحصول على مرتبة او مقام او شهرة معنوية او اخروية، بل سعيت بكل ما أملك من قوة لتوفير خدمة

_____________________

1 الشعاعات/540

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 422

ايمانية لاهل الإيمان، وربما كنت مستعداً لا للتضحية بالمراتب الدنيوية الفانية وحدها بل - ان لزم الأمر - بالتضحية حتى بالمراتب الاخروية الباقية لحياتي في الآخرة، مع ان الجميع يسعون للحصول على هذه المراتب، ويعلم اصدقائي المقربون بانني - ان لزم الأمر - اقبل ترك الجنة والدخول إلى جهنم من اجل ان اكون وسيلة لإنقاذ بعض المساكين من أهل الإيمان1 وقد ذكرت هذا وبرهنت عليه في المحاكم من بعض الوجوه، ولكنهم يرومون بهذا الإتهام اسناد عدم الإخلاص لخدمتي الإيمانية والنورية، ويرومون كذلك التقليل من قيمة رسائل النور وحرمان الأمة من حقائقها.

أيتوهم هؤلاء التعساءان الدنيا باقية وابدية؟ ام يتوهمون ان الجميع مثلهم يستغلون الدين والإيمان في مصالح دنيوية؟ ان هذا التوهم يقودهم إلى الهجوم على شخص تحدى أهل الضلالة في الدنيا وضحى في سبيل خدمة الإيمان بحياته الدنيوية، وهو مستعد للتضحية بحياته الاخروية ان لزم الأمر في سبيل هذه الخدمة. وانه غير مستعد لان يستبدل ملك الدنيا كلها بحقيقة ايمانية واحدة، كما صرح في المحاكم، ويقودهم إلى الهجوم على شخص هرب بكل قوته من السياسة ومن جميع مراتبها المادية منها وما يشمّ منها معنى السياسة سواءً أكانت من قريب او بعيد وذلك بسر الإخلاص، وتحمّل عذاباً لامثيل له طوال عشرين عاماً، ومع ذلك لم يتنـزل- حسب المسلك الإيماني - إلى السياسة. ثم انه يعد شخصه من جهة النفس- اقل مرتبة بكثير من طلابه، لذا فهو ينتظر دوماً دعاءهم واستغفارهم له، ومع انه يعد نفسه ضعيفاً وغير ذي أهمية، الا أن بعض اخوانه الخلص اسندوا اليه في رسائلهم الخاصة بعضاً من فضائل النور، وذلك لكونه ترجماناً للفيوضات الإيمانية القوية التي استمدوها من رسائل النور، ولم يخطر ببالهم في ذلك أي معنى سياسي، بل على مجرى العادة، ذلك لان الإنسان قد يخاطب شخصاً عادياً ويقول له: انت ولي نعمتي... انت سلطاني. أي يعطون له - من زاوية حسن الظن - رتباً عالية لايستحقها، وهي اكثر ألف مرة من رتبته ومن قيمته. وكما هو معلوم فان هناك عادة قديمة جارية مقبولة - لم يعترض عليها أحد - فيما بين الطلاب وبين اساتذتهم وهي قيام الطلاب بمدح مبالغ فيه لاساتذتهم قياماً منهم بحق الشكر،

_____________________

1 ذكر لى الأخ "محمد فرنجي"وقال: كنت أزور الأستاذ مراراً، وكان يقول في أكثر من مرة: لقد رضيت بدخول جهنم لأجل إنقاذ إيمان شخص واحد. وكرر القول نفسه لدى زيارتي الأخيرة له. فوقع في نفسي شئ، إذ كيف يدخل جهنم من كان سبباً لهداية اناس كثيرين جداً؟. واذا بالأستاذ يعتدل في فراشه ويشير الي بيده ويقول: ليس خالداً.. ليس خالداً.. بل مثلما يدخل احدهم جهنم من جراء ذنب ثم يدخل الى الجنة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 423

ووجود بعض التقاريظ والمدح المبالغ فيه في خاتمة الكتب المقبولة.. فهل يعد هذا ذنباً باي وجه من الوجوه؟ صحيح ان المبالغة تعد في جانب منها مخالفة للحقيقة، ولكن شخصاً مثلي ليس له أحد، ويعاني من الغربة ما يعاني، وله أعداء كثيرون، وهناك أسباب عديدة لكي يبتعد عنه معاونوه ومساعدوه… أفيستكثر علىّ هؤلاء البعيدون عن الإنصاف ان اشدّ من الروح المعنوية لهؤلاء المساعدين والمعاونين ضد المعارضين العديدين، وان انقذهم من الابتعاد والهرب واحول دون كسر حماستهم المتجلية في مديحهم المبالغ فيه، وان احوّل هذا المديح إلى رسائل النور ولا أردهم رداً كاملاً وقاطعاً؟ وهكذا يظهر مدى ابتعاد بعض الموظفين الرسميين عن الحق او عن القانون وعن الانصاف عندما يحاولون ان ينالوا من الخدمة الإيمانية التي يؤديها شخص بلغ من العمر عتياً وهو على ابواب القبر، وكأن هذه الخدمة مسخرة لغرض من اعراض الدنيا.

ان آخر ما نقول: لكل مصيبة ]انا لله وانا اليه راجعون[.1

قراءة الرسائل لا تورث السأم:

بينما كنت أتأسف في هذه الأيام على اشتغال ذهني جزئياً بالدفاعات أمام المحاكم، ورد إلى القلب ما يأتي:

ان ذلك الانشغال هو كذلك اشتغال علمي، إذ هو خدمة في سبيل نشر الحقائق الإيمانية وتحقيق حريتها وانكشافها؛ فهو نوع من العبادة من هذه الجهة.

وانا بدوري كلما وجدت ضيقاً في نفسي باشرت بمطالعة مسائل النور بمتعة ولذة، رغم اني اطلعت عليها مئة مرة. حتى وجدت الدفاعات هي كذلك مثل رسائل النورالعلمية.

ولقد قال لي أحد اخواني: انني أشعر بشوق وحاجة إلى تكرار قراءة رسالة الحشر وان كنت قد قرأتها ثلاثين مرة2.

فعرفت من كلامه هذا: ان رسائل النورالتي هي مرآة عاكسة لحقائق القرآن الكريم وتفسير قيم أصيل له، قد انعكست فيها أيضاً مزية رفيعة للقرآن الكريم الا وهي عدم السأم من قراءتها.

_____________________

1 الشعاعات/459

2 الملاحق- قسطموني/224

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 424

بث السلوان

اخوتي الاعزاء الصدّيقين!

ان انجع علاج في هذه الدنيا، ولا سيما في هذا الزمان، وبخاصة للمبتلين بالمصائب، ولطلاب النور الذين انتابهم ضجر شديد ويأس قاتم هو:

تسلية أحدهم الآخر، وادخال السرور في قلبه، وامداد قوته المعنوية وضماد جراحات الضيق والحزن والسأم، وتلطيف قلبه المغموم، كأخ حقيقي مضح. إذ الأخوة الحقة والاخروية التي تربطكم لا تتحمل التحيز والاغاظة.

فانا اعتمد عليكم كلياً واستند اليكم، وانتم على علم بقراري وعزمي بانني عازم على ان اضحي مسروراً لأجلكم أنتم بروحي، لا براحتي وحيثيتي وشرفي وحدها، بل قد تشاهدون هذا مني فعلاً، حتى انني اقسم لكم: انه منذ ثمانية أيام يتألم قلبي من عذاب شديد، من جراء حادثة تافهة سببت دلالاً ظاهرياً بين ركنين من أركان النور وإحزان احدهما الآخر بدلاً من السلوان. فصرختْ روحي وقلبي وعقلي معاً، وبكت قائلة:

اواه! اواه! الغوث الغوث يا أرحم الراحمين، احفظنا واجرنا من شياطين الجن والانس، واملأ قلوب اخواني بالوفاء التام والمحبة الخالصة والاخوة الصادقة والشفقة الكاملة.

فيا اخوتي الثابتين الصلبين صلابة الحديد! اعينوني في مهمتي! فان قضيتنا في منتهى الدقة والحساسية، فلقد سلمت إلى شخصكم المعنوي جميع مهماتي، لشدة ثقتي واطمئناني بكم، فعليكم اذن ان تسعوا - ما وسعكم - لإمدادي وعوني، فعلى الرغم من ان الحادثة تافهة جزئية، فان وقوع شعرة، مهما كانت صغيرة في عيننا تؤلم، وفي ساعتنا توقفها..1

الحذر من إهتزاز المحبة:

اخواني الاوفياء المخلصين!

لقد تحتم علينا بدرجة الوجوب استعمال دساتير لمعة الإخلاص وسر الإخلاص الحقيقي فيما بيننا وتجاه بعضنا البعض الاخر، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وبكل ما نملك من قوة. إذ علمت بخبر يقيني انه قد عُيّن ثلاثة اشخاص، منذ ثلاثة شهور، ليلقوا الفتور فيما بين الاخوة الاوفياء هنا بإلقاء اختلاف الأفكار والمشارب فيما بينهم، مستغلين تثبيط الاقوياء، وبث الشبهات والاوهام والخوف في قلوب الرقيقين

_____________________

1 الشعاعات/545

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 425

منهم، القليلي الصبر والتحمل، لجعلهم يتخلون عن القيام بخدمة النور ليمددوا مدة محاكمتنا دون سبب.

فحذار.. حذار! واياكم ان تهتز تلك المحبة الصميمية الصادقة التي ربطت قلوبكم، إذ ان اهتزازاً طفيفاً في الاخوة والمحبة بقدر ذرة واحدة تضرنا ايّما ضرر. لان بعض علماء الدين في دنيزلي قد ابتعدوا عنا بسبب تزعزع طفيف ونحن نضحي بأرواحنا رخيصة في سبيل اخوتنا ان استوجب الأمر، وهذا ما تقتضيه خدمتنا القرآنية والإيمانية. لذا فلا يضجرنّ أحد من الآخر مما يسببه توتر الاعصاب الناجم عن الضيق الشديد ومن أي سبب اخر، بل ليسعَ كل منكم بزيادة محبته لاخيه وزيادة صميميته واخلاصه له وليحمّل نفسه التقصير بكمال التواضع والتسليم، والا سوف نتضرر عظيم الضرر، إذ تصبح الحبة الصغيرة قبة عظيمة تستعصى على الاصلاح. اختصر الكلام هنا محيلاً الموضوع إلى فراستكم.1

أفضل مكان للاجتماع:

اخوتي الاعزاء الصدّيقين الثابتين في خدمة القرآن، يامن لا يتهربون منا من شدة الضيق!

احزنتني نفسي الآن في التفكير لأجلكم، جراء ضيق مادي ومعنوي، ولكن.. اذا بخاطر يرد إلى القلب وهو: لو تحملتم عشرة اضعاف هذه المشقات والمتاعب وبصورة أخرى لكانت زهيدة في سبيل لقاء أحد من الاخوة هنا لقاء عن قرب.

ثم من الضرورة بمكان ان يكون لطلاب النور كل بضع سنين اجتماعاً يجتمعون فيه دفعة واحدة، كما كان أهل الحقيقة سابقاً يجتمعون مرة او مرتين كل سنة ويديمون فيه مسامراتهم ومحاوراتهم على وفق مشرب رسائل النور المكلل بالتقوى والرياضة الروحية، ومسلكها المتسم بإلقاء الدروس إلى الناس كافة وإلى المحتاجين خاصة بل حتى إلى المعارضين، ولإجل انطاق الشخص المعنوي في دائرتها، فالمدرسة اليوسفية هذه افضل مكان لطلاب النور وملائم جداً لهذه الاغراض، بحيث تهون امامه المشقات حتى لو كانت ألف مشقة وضيق.

ان اجتناب بعض اخوتنا الضعفاء وانسحابهم من ميدان العمل للنور لسآمتهم في سجوننا السابقة كان خسارة جسيمة لحقت بهم، بينما لم يلحق أي ضرر كان برسائل النوروطلابها، بل انضم بدلاً منهم من هو اكثر ثباتاً واخلاصاً منهم.

_____________________

1 الشعاعات/548

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 426

وحيث ان امتحان الدنيا عابر ويمضي بسرعة، ويسلّم لنا ثوابه وثمراته، فعلينا الاطمئنان إلى العناية الإلهية شاكرين ربنا من خلال الصبر.1

ما نعمله في الليالي المباركة:

اخوتي الاعزاء الصديقين ويا زملاء الدراسة في هذه المدرسة اليوسفية!

ان الليلة القادمة هي ليلة النصف من شعبان، وهي بمثابة نواة سامية لسنة كاملة ونوع من برنامج للمقدرات البشرية، لذا تكتسب هذه الليلة قدسية من ليلة القدر. فمثلما الحسنات تتضاعف إلى ثلاثين ألف ضعف في ليلة القدر، يرتفع العمل الصالح وكل حرف من الحروف القرآنية في ليلة النصف من شعبان إلى عشرين ألف ثواب. فلئن كانت الحسنة بعشرة امثالها في سائر الاوقات، ففي الشهور الثلاثة ترتفع إلى المائة وإلى الالف، وفي هذه الليالي المشهورة ترتفع إلى عشرة آلاف، وعشرين الف، وثلاثين ألف من الحسنات. فهذه الليالي المباركة تعدل عبادة خمسين سنة، لذا فالانشغال - قدر المستطاع - بتلاوة القرآن الكريم والاستغفار والصلوات على الرسول الكريم صلىالله عليه وسلم في هذه الليلة ربح عظيم جداً.2

أُضحي بكل شئ في سبيل النور:

اخوتي الاعزاء الصديقين!

نبارك من كل قلوبنا وارواحنا حلول شهر رمضان المبارك ونسأله تعالى ان يجعل ليلة القدر لكم خيراً من ألف شهر. آمين.. ويقبلها سبحانه منكم في حكم ثمانين سنة من العمر المقضي بالعبادة.. آمين.

ثانياً: انني اعتقد ان بقاءنا هنا إلى العيد فيه خير كثير وفوائد جمة. إذ لو اُفرج عنا لحُرمنا من خيرات هذه المدرسة اليوسفية، فضلاً عن اننا سننشغل بامور دنيوية في هذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي هو شهر اُخروي بحت، وهذا مما يخل بحياتنا المعنوية.

اذن فالخير فيما اختاره الله، وستكون ان شاء الله افراح كثيرة وخيرات اكثر. لقد علمتم ايضاً يا اخوتي في المحكمة انهم لا يستطيعون وجدان شئ علينا حتى بقوانينهم انفسهم، لذا يتشبثون بامور جزئية جداً لاتمسُ القانون بشئ ولو بقدر جناح بعوضة فينقبون في مكاتب جزئية وامور جزئية خاصة جداً، حيث لا يجدون من المسائل النورية العظيمة وسيلة تكون سبباً للتعرض لنا.

_____________________

1 الشعاعات/550

2 الشعاعات/553

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 427

ثم ان لنا مصلحة أخرى وهي انهم ينشغلون بشخصي الذي لا اهمية له فيهوّنون من شأني بدلا من انشغالهم بطلاب النور الكثيرين ورسائل النورالواسعة الانتشار. فلا يسمح القدر الالهي لهم بالتعرض لطلاب النور ورسائل النوربل يشغلهم بشخصي فحسب، وانا بدوري ابيّن لكم ولجميع اصحابي واصدقائي:

انني ارضـى بجميع المشقات الآتية على شخصي وبكل سرور وامتنان وبكل ما املك من روح وجسد بل حتى بنفسي الأمارة، في سبيل سلامة رسائل النوروسلامتكم انتم. فكما ان الجنة ليست رخيصة فان جهنم كذلك ليست زائدة عن الحاجة.

ولما كانت الدنيا ومشقاتها فانية وماضية عابرة بسرعة، فإن المظالم التي ينـزلها بنا اعداؤنا المتسترون سننتقم منهم ونأخذ ثأرنا بأضعاف اضعافها بل بمائة ضعف، وذلك في المحكمة الكبرى وجزء منها في الدنيا.

فنحن بدلاً من الحقد والغضب عليهم نأسف على حالهم.

فما دامت الحقيقة هي هذه، فعلينا التوكل على الله والاستسلام لما تجري به المقادير الإلهية والعناية الإلهية التي تحمينا، مندون ان يساورنا القلق. مع اخذ الحذر، والتحلي بالصبر الجميل والشكر الجزيل، وشدّ اواصر المحبة ووشائج الالفة والمسامرة المباركة مع اخوتنا هنا في الايام المباركة لهذا الشهر المبارك شهر رمضان، وقضائه في جوّ من الاخوة الخالصة والسلوان الجميل والترابط الوثيق، والانشغال بالاوراد في هذا الشهر الذي يرفع الثواب إلى الالف، ومحاولة عدم الاكتراث بهذه المضايقات الجزئية العابرة الفانية بل الانهماك بدروسنا العلمية، وذلك حظ عظيم يؤتيه الله من يشاء.

هذا وان دروس النور المؤثرة تأثيراً جيداً في هذا الامتحان العسير واستقراءها حتى للمعارضين فتوحات نورية لها اهميتها وقيمتها.

حاشية: ان انكار بعض اخواننا كونه طالباً من طلاب النور دون ما حاجة إلى ذلك ولاسيما (...) وسترهم لخدماتهم النورية الجليلة السابقة من دون ضرورة، رغم انه عمل سئ. الاّ ان خدماتهم السابقة تدعونا إلى الصفح عنهم وعدم الاستياء منهم.1

التفسير نوعان:

اخوتي الاعزاء الصديقين!

_____________________

1 الشعاعات/557

سيرة ذاتية - ص: 428

اولاً: ربما كان عدد منا يسافر لاداء فريضة الحج في هذه السنة لو كان السفر اليه حراً مسموحاً به.1 نسأل الله تعالى أن يقبل نياتنا هذه وكأننا سافرنا إلى الحج فعلاً، ويمنح خدمتنا الإيمانية والنورية ثواباً عظيماً كثواب الحج ونحن نعاني هذه الاحوال المليئة بالمضايقات والمشقات.

ثانياً: ان رسائل النورتفسير قيم وحقيقي للقرآن الكريم. لقد كررنا هذا الكلام. وخطر الآن للقلب بيان حقيقته وذلك لعدم وضوح معناه الحقيقى.

التفسير نوعان:

الأول: التفاسير المعروفة التى تبين وتوضح وتثبت معانى عبارات القرآن الكريم وجمله وكلماته.

القسم الثانى من التفسير: هو ايضاح وبيان واثبات الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم، اثباتاً مدعماً بالحجج الرصينة والبراهين الواضحة. ولهذا القسم اهمية كبيرة جداً.

اما التفاسير المعروفة والمتداولة فانها تتناول هذا النوع الأخير من التفسير تناولاً مجملاً احياناً. إلاّ ان رسائل النورإتخذت هذا القسم أساساً لها مباشرة. فهي تفسير معنوي للقرآن الكريم بحيث تلزم اعتى الفلاسفة وتسكتهم.2

لا نظير لترابطكم:

اخواني الأعزاء الصديقين!

لقد طُرح عليّ سؤال ذو مغزى هام، من مصدر هام جداً. فقد سألوني مايلي:

على الرغم من انكم لستم جمعية؛ وذلك بشهادة ثلاث محاكم أصدرت حكمها بالبراءة بهذا الصدد؛ وبعد أن أخذت ست ولايات على عاتقها مهمة الرصد والتجسس طوال عشرين عاماً، وتبيّن لها في النهاية ان لاعلاقة لكم بتلك التهمة، وانها مختلقة من أساسها.. على الرغم من ذلك كله، فان العلاقة التي تربط (طلاب النور) بعضهم ببعض لايوجد لها نظير في أي جمعية او هيئة.. فهلا تفضلتم بايضاح هذه المسألة وحل تلك المعضلة؟ فأجبتهم قائلاً:

نعم، ان (طلاب النور) ليسوا جمعية او شبه جمعية، ولن يكونوا.. خاصة وانهم يربأون بأنفسهم عن ان ينتموا إلى ذلك النوع من الجمعيات التي تتشكل لأغراض شخصية او جماعية، مستهدفة كسب المنافع السياسية او الدنيوية - ايجابية كانت

_____________________

1 سمح بالسفر الى الحج لأول مرة في تركيا في سنة 1947

2 الشعاعات/562

سيرة ذاتية - ص: 429

تلك المنافع ام سلبية - بيد ان ابناء وبنات واحفاد ابطال هذا الوطن القدامى من فدائيي الإسلام، الذين قدّموا ملايين الارواح - بكمال المسرّة والرضى - في سبيل نيل مرتبة الشهادة، لابد انهم قد ورثوا حظاً من روح تلك التضحية والفداء حتى أظهروا تلك العلاقة الخارقة التي دفعت اخاهم هذا العاجز الضعيف إلى القول امام محكمة دنيزلي:

ان الحقيقة التي افتدتها ملايين الابطال برؤوسهم، فداء لها رؤوسنا ايضا.

قال هذه الجملة باسمهم، وأسكت المحكمة، تاركاً إياها في حيرة وتقدير وذهول.

بمعنى ان في طلاب النور فدائيين حقيقيين خالصين مخلصين لله لا يريدون إلاّ وجهه ونيل رضاه والحياة الآخرة. فلم يجد الماسونيون والشيوعيون واهل الضلالة والافساد و الزندقة والإلحاد و الطاشناق وامثالهم من المنظمات الخطرة، وسيلة لدحر أولئك النوريين فغرروا بالحكومة ودوائر العدلية بوساطة قوانين مطاطة بغية تشتيتهم وكسر شوكتهم.. ألا حبطت اعمالهم! فلا ينالون شيئا منهم باذن الله بل سيكونون وسيلة لزيادة عدد الابطال المضحين للنور والإيمان.1

لابد من الامتحان والتمحيص:

اخواني الاعزاء ذوي الشفقة والوفاء!

لقد اشتد عليّ منذ يومين أثر الرشحة (الزكام) سواء في رأسي وفي اعصابي. ففي مثل هذه الحالات اشعر بحاجة إلى الانس بالاصدقاء والتسلي بلقائهم ولكن ضايقتني وحشة الانفراد والتجريد العجيب مضايقة شديدة، فورد إلى القلب شكوى على هذه الصورة.

لِمَ هذا التعذيب؟ وما فائدته لخدمتنا في سبيل القرآن والإيمان؟

وفجأة اُخطر للقلب صباح هذا اليوم، الآتي:

ان دخولكم هذا الامتحان القاسي، وتمييزكم الدقيق في المحك مرات عدة ليخلص الذهب عن النحاس، واختباركم من كل جانب وناحية بتجارب ظالمة لمعرفة مدى بقاء حظوظ نفوسكم الأمارة ودسائسها ومن ثم تمحيصكم بثلاث ممحصات، كان ضرورياً جداً لخدمتكم التي هي خالصة لوجه الحق والحقيقة، لذا سمح القدر الالهي والعناية الربانية به، لان الإعلان عن هذه الخدمة السامية، في ميدان امتحان كهذا، تجاه معارضين عنيدين ظلمة يتشبثون بأتفه حجة.. جعل الناس يفهمون: ان هذه الخدمة القرآنية نابعة من الحق والحقيقة مباشرة، ولا

_____________________

1 الشعاعات/567

سيرة ذاتية - ص: 430

تداخلها حيلة ولا خداع ولا أنانية ولا غرور، ولا غرض شخصي ولا منافع دنيوية واخروية، إذ ما كان عوام المؤمنين يثقون بها لولا هذا الامتحان، حيث كان لسان حالهم يقول: ربما يقولون ليغرروا بنا ويخدعوننا. ويرتاب خواص المؤمنين ويقولون: ربما يعملون هكذا وصولاً إلى مقامات معينة، وكسباً لثقة الناس بهم ونيلاً للاعجاب، كما يفعله بعض أهل المقامات المعنوية. وعندئذ لا يثقون بالخدمة. ولكن بعد الابتلاء، اضطر حتى اعتى عنيد مرتاب إلى التسليم بالأمر. لذا ان كانت مشقتكم واحدة فان ربحكم ألف ان شاء الله.1

سلوان ذو حقيقة يزيل مصائبي المضجرة:

الأول: تحوّل المشقات إلى رحمات ومسرات.

الثاني: الانشراح النابع من الرضى والتسليم لعدالة القدر الإلهي.

الثالث: السرور الناشئ من رعاية العناية الإلهية الخاصة بطلاب النور.

الرابع: اللذة الناشئة من زوال المصيبة التي هي عابرة.

الخامس: الأثوبة العظيمة.

السادس: عدم التدخل في مشيئة الله.

السابع: حصول أخف الجراحات واقل المشقات عند أشد الهجوم شراسة.

الثامن: تضاؤل المصيبة بدرجات كثيرة بالنسبة للمبتلين الآخرين.

التاسع: الفرح المنبعث من تأثير الإعلانات الرفيعة عن الانتهاء من الامتحان العسير في خدمة النور والإيمان.

فهذه المسرات المعنوية التسع، علاج لذيذ ومرهم لطيف إلى حدّ لا يمكن تعريفه لتهدئة الأمنا الشديدة.2

مايقوله القدر لنا:

اخوتي الاعزاء الصديقين!

اولاً: ان افضل مكان لنا هو السجن في زمن حكم وزارة مستبدة تمنع الحج وتهدر ماء زمزم وتحظره، وتسمح بانزال اشد الظلم بنا، ولا تكترث بمصادرة ذو الفقار و سراج النور وترفع درجة الموظفين الذين يتولون تعذيبنا قصداً، وبلا سند قانوني، ولا تلقي السمع إلى اصواتنا المرتفعة ولا إلى بكائنا، بكاء المظلومين المنطلق من مساكننا بلسان الحال. ان افضل مكان لنا في فترة حكم هذه الوزارة هو

_____________________

1 الشعاعات/569

2 الشعاعات/577

سيرة ذاتية - ص: 431

السجن. إلاّ انه اذا نُقلنا إلى سجن آخر فستحل السلامة كلياً.

ثانياً: كما انهم حملوا ابعد الناس عنا بالاكراه على قراءة اخص الرسائل سرية. كذلك يدفعوننا دفعاً وباصرار لنشكل جمعية. لأن الاخوة الإسلامية الموجودة في اتحاد جماعة أهل الإيمان قد نمت لدى طلاب النور نمواً خالصاً طاهراً مكللاً بالتضحية الجادة والفداء التام الذي ورثوها من اجدادنا الأوائل الملايين الابطال الذين ضحوا بكمال الشوق بأرواحهم في سبيل حقيقة، فارتبط النوريون بتلك الحقيقة ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يدع حاجة لحد الآن إلى تشكيل منظمات، سياسية كانت ام رسمية علنية كانت أم سرية.

اذاً فهناك حاجة في الوقت الحاضر بحيث يسلط القدر الالهي أولئك علينا، فهم يقترفون الظلم باسناد جمعية موهومة إلينا. والقدر الالهي يقول لنا: لِمَ لم تكوّنوا باخلاص تام وبتساند تام حزب الله الحقيقي؟ فصفعنا صفعة تأديب بايديهم. وقد عدل.1

لا علاقة لنا بالمنظمات:

ان الاعتداء والهجوم في هذه المرة قد شن في دائرة واسعة جداً.

فقد هاجم علينا كل من رئيس الحكومة والوزراء، هاجموا وفق خطة مرسومة بنيت علىاوهام رهيبة. فحسب ما تلقيته من خبر وبامارات كثيرة، ان الاخباريات الكاذبة للمنافقين المتخفين، وبدسائسهم الماكرة لفّقوا ان لنا علاقة قوية وارتباطاً وثيقاً بالمنظمة الداعية إلى إحياء الخلافة الإسلامية، وبالجمعية السرية للطريقة النقشبندية. بل أظهرونا أننا في مقدمتهم ورائدوهم. حتى ساقوا الحكومة إلى اضطراب وقلق كبير، مبينين المجموعات الكبيرة لرسائل النور المجلدة في استانبول والمرسلة إلى العالم الإسلامي التي كسبت الرضى والقبول هناك، دليلاً على نشاط النوريين. فقذفوا في روع الحكومة الخوف والهلع واثاروا عرق الغيرة والحسد لدى بعض العلماء الرسميين وهيجوا الاوهام والشكوك لدى الموظفين حتى جعلوهم ضدنا. وقد حسبوا ان هناك وثائق كثيرة وامارات عديدة تديننا، واعتقدوا كأن سعيداً الجديد لا يتحمل الاوضاع كما كان سعيد القديم، فيخل بالنظام. ولكن الحمد لله بما لا يتناهى من الحمد والشكر، فلقد خفف وطء تلك المصيبة من الألف إلى الواحد، فهم لم يستطيعوا ان يعثروا على اية علاقة كانت مع المنظمات والجميعات فهي غير موجودة اصلاً، فكيف يجدونها؟ ولهذا اضطر المدعي العام إلى

_____________________

1 الشعاعات/578

سيرة ذاتية - ص: 432

اختلاق الاكاذيب والافتراءات واسناد امور جزئية تافهة غير ذات مسؤولية الينا.

فما دامت الحقيقة هي هذه، فقد نجونا اذاً نحن ورسائل النورمن تسع وتسعين بالمائة من المصيبة، لذا ينبغي لنا انتظار رعاية العناية الإلهية وترقبها بالشكر والصبر والتضرع لتتجلى علينا تجلياً كاملاً. فعلينا اذن الشكر بل ألف شكر وليس الشكوى وان نمدّ يد العون إلى القادمين والمغادرين لهذه المدرسة اليوسفية وتسليتهم بدروس النور.1

تأليف رسالة الحجة الزهراء: 2

يبدو هذا الدرس ظاهراً رسالة صغيرة، الاّ انها في الحقيقة رسالة عظيمة وقوية وواسعة جداً. وهي فاكهة ايمانية وثمرة قرآنية فردوسية أينعت من حياتي التفكريةومن اتحاد علم اليقين وعين اليقين في حياة النور المعنوية التحقيقية.3

وعلى الرغم من قيام طلاب النور باداء وظيفتهم.. في تبليغ حقائق رسائل النوربجد واخلاص، في كل ردهة من ردهات السجن، فان هذه الردهة الخامسة الشبيهة بموضع إنزواء الزاهدين تتجدد دائماً وتتبدل، فهي اذن احوج ماتكون إلى دروس النور.

وكذا الشباب والشيوخ لاشك أنهم بأمس الحاجة إلى دروس يقينية وراسخة في اثبات وجوده تعالى واثبات وحدانيته سبحانه. حيث يقرأون ماتكتبه الصحف من

_____________________

1 الشعاعات/580.

2 تأليفاته الأخرى في سجن افيون:

1- الرجاء الخامس عشر من اللمعة السادسة والعشرين"الشيوخ".

2- الشعاع الرابع عشر عبارة عن مكاتيب توجيهية الى طلابه العاملين، يبلغ عددها مئة وواحداً وتسعيٍن مكتوباً مع واحد وعشرين دفاعاً من الدفاعات.

3- المقام الثاني من الكلمة الثالثة عشرة، الذي هو عبارة عن قسم من مكاتيب سجن آفيون موجهة الى الشباب والى المسجونين والتي ضمت فيما بعد في "مرشد الشباب".

يبلغ مجموع صفحات تأليفات الأستاذ في سجن آفيون 500 خمسمائة صفحة، كما يبلغ مجموع صفحات تأليفاته جميعاً الى نهاية سجن آفيون خمسة آلاف صفحة. (ب 3/1305).

يذكر بايرام يوكسل: كانت كتابة رسائل النور والانشغال بها شغلنا الشاغل مع اخواننا من طلاب رسائل النور في السجن.فعندما كنا نقترب من ردهة الأستاذ في السجن نسمع صوتاً كدوي النحل يترنم ليلاً ونهاراً. انها اصوات الاذكار والتسبيحات والدعاء والصلاة للاستاذ. كنا نراقب اعمال الأستاذ عن كثب، ففي اوقات متأخرة من الليل كنا نرقب ردهته واذا بمصباحه الخافت مضاء والأستاذ منشغل بالاذكار والادعية. وفي هذه الفترة التي كنا نعيشها في سجن - افيون - ألف أحد "الشعاعات" وهو الخامس عشر المسمى برسالة "الحجة الزهراء" وفي هذه الفترة (فترة التأليف) كنا نمر - من وقت لآخر - من تحت شباك ردهة الأستاذ، وما ان يرانا الأستاذ حتى يرمي لنا علب كبريت، كان يضع في داخلها قسماً مما الفه من هذه الرسالة. فنحن بدورنا نستنسخ هذه المقتطفات نسخاً عديدة.. هكذا ألفت رسالة "الحجة الزهراء" واستنسخت واحتفظت ص/3/32

3 الشعاعات/ 626

سيرة ذاتية - ص: 433

هجوم الروس على الإيمان بهجمات الإلحاد الرهيبة، وانكار الخالق العظيم.

فالذي ورد إلى القلب أثناء الاذكار عقب الصلاة هو هذا. وذكرت بدوري التهليل الذي اذكره منذ السابق عقب صلاة الفجر عشر مرات، وهو:

(لا اله الاّ الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لايموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير واليه المصير.)

هذا التهليل العظيم والتوحيد الجليل الذي يحمل الاسم الأعظم - حسب رواية - قد فصّله (المكتوب العشرون) العظيم تفصيلاً واضحاً ساطعاً كالشمس، وذلك في احدى عشرة كلمة من كلماته في أحد عشر برهاناً من براهين وجوب وجوده تعالى ووحدانية ربوبيته وأورد احدى عشرة بشارة من البشارات السارة....1 فبعد ان تسرد الرسالة ادلة التوحيد تفسر سورة الفاتحة ثم تذكر شهادات على نبوة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

_____________________

1 الشعاعات/628