سيرة ذاتية - ص: 357

الفصل الثامن

في منفى أميرداغ

المدرسة النورية الثالثة

1/8/1944 - 23/1/1948

نفي آخر:

عندما كنت نزيل غرفة في أميرداغ تحت الإقامة الجبرية وحيداً فريداً، كانت عيون الترصد تتعقبني وتضايقني دائماً فأتعذب منها أشد العذاب، حتى مللت الحياة نفسها وتأسفت لخروجي من السجن، بل رغبتُ من كل قلبي في ان أعود إلى سجن دنيزلي أو أدخل القبر، حيث السجن او القبر افضل من هذا اللون من الحياة.1 [حتى كتب إلى المسؤولين في آنقرة:]

إذا كان الحاكم والمدعي واحداً، فإلى من تُرفع الشكوى؟ لقد حرتُ طويلاً في هذه المشكلة..

أجل ان حالتي اليوم، وأنا طليق مراقب أشد عليّ بكثير من الأيام التي كنت مسجوناً فيها، وان يوماً واحداً من هذه الحياة يضايقني اكثر من شهر كامل في سجني المنفرد ذاك. لقد مُنعت من كل شئ رغم ضعفي وتقدمي في السن وفي هذا الشتاء القارس. فلا أقابل غير صبي وشخص مريض. على أنني منذ عشرين سنة أعاني مأساة حبس منفرد.

ان مضاعفة المضايقات والمراقبة عليّ وعزلي عن الناس اكثر من هذا الحد سيمس غيرة الله سبحانه وتعالى وتكون العاقبة وخيمة..

إنني اقول: ان أهم وظيفة لهذه الحكومة - بمسؤولي الأمن ومأموري العدل فيها - والتي تعاملني معاملة وجدانية إنسانية هي حمايتي حماية تامة. لأن الحكومة وثلاث محاكم عدلية برأت ساحتنا وأفرجت عنا بعد إجراء تدقيقات دامت طوال

_____________________

1 اللمعات/394

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 358

تسعة اشهر على ما كتبتُه خلال عشرين سنة من مؤلفات ومكاتيب. ولكن المنظمة السرية التي تعمل بخفاء في خدمة الأجنبي ألقت في روع قسم من الموظفين الشبهات - بجعلها الحبة قبة - طمعاً في إفساد براءتنا. وغايتهم في ذلك هي ان ينفد صبري فأقول: كفى كفى!! على ان سبب غضبهم عليّ في الوقت الحاضر هو سكوتي، وعدم تدخلي بأمور الدنيا. وكأنهم يريدون ان أتدخل حتى تتحقق لهم بغيتهم.

ابيّن لكم بعض مكايدهم التي يستعملونها في بث الشكوك والشبهات في قلوب قسم من الموظفين الحكوميين إذ يقولون: ان لسعيد نفوذاً في الأوساط العامة، وان مؤلفاته كثيرة ولها تأثير بالغ في الناس، فمن يتقرب منه يصادقه، لذا يلزم كسر هذا النفوذ بتجريده من كل شئ وإهانته وعدم الاهتمام به وتجنيب الناس منه وإخافة محبيه. وهكذا أصبحت الحكومة في حيرة من أمرها فتشدد عليّ الخناق وتضاعف المضايقات. وأنا اقول:

أيها الاخوة المحبون لهذه الأمة والبلاد!

اجل، ان هناك نفوذاً وتأثيراً كما يقوله المنافقون، ولكن ليس لي، وإنما لرسائل النور. فرسائل النور لا تنطفئ وكلما تعرض لها شئ قويت! ولم تستعمل الاّ لصالح الأمة والبلاد ولا يمكن غير ذلك. ان قيام محكمتين عدليتين طوال عشر سنوات بتدقيقات ما كتبتُه خلال عشرين سنة تدقيقاً شديداً لم يسفر عن حجة حقيقية لإدانتنا.. وهذه حجة لا تجُرح وشاهد صدق لدعوانا.

نعم، ان المؤلفات ذات تأثير بالغ، ولكن لمصحلة الأمة والبلاد. وذلك بإرشادها إلى الإيمان التحقيقي لمائة ألف من الناس من دون ان تمسّ أحداً بسوء. فتأثيرها اذاً هو في العمل لسعادتهم الدنيوية وحياتهم الأبدية.

ان مئات المساجين المحكومين في سجن دنيزلي - بعضهم عوقبوا بعقوبات شديدة - قد اصبحوا متدينين ذوي أخلاق فاضلة بعد قراءتهم رسالة الثمرة وحدها، حتى الذين قتلوا ثلاثة أشخاص تحاشوا عن قتل بقة الفراش بعد قراءتهم لتلك الرسالة. مما دفع هذا الوضع مدير السجن على الإقرار بان السجن اصبح في حكم مدرسة تربوية.. كل هذا حجة قوية لا تجرح لصدق مدعانا.

نعم، ان تجريدي من جميع حقوقي الإنسانية بعد هذا كله إنما هو ظلم مضاعف وعذاب مضاعف وغدر وخيانة لهذه الأمة في الوقت نفسه. ذلك لأن الدليل القاطع على ان هذه الأمة المتدينة - التي لم يجد أحد أي ضرر مني رغم بقائي ما

 

 

سيرة ذاتية - ص: 359

يقرب من أربعين سنة بين ظهرانيهم - بحاجة إلى قوة معنوية وتسل عظيم، هو: ان الأمة لا تلتفت إلى الدعايات المغرضة المشاعة ضدي، فتتوجه في كل مكان إلى رسائل النور وتشتاق إليها.. بل اعترف انهم يبدون من التوقير والاحترام لي يفوق ما استحقه بمائة ضعف، فأنا لست أهلاً له.1

ورغم هذا هيأ الله أسرة چالشقان في أميرداغ فبذلوا كل ما في وسعهم شيباً وشباباً لتأمين راحة شيخ كبير وعالم فاضل مهما كانت التبعات، حيث كان الحارس ملازماً بابه لا يغادره.2

منع الذهاب إلى المسجد:

كنت أتردد إلى المسجد في الأوقات الخالية. وصنع الطلاب - بدون علمي - في المحفل غرفة خشبية صغيرة لحمايتي من البرد. وقد قررت ألاّ اذهب إلى المسجد، بعد أن رفع ضابط الأمن المعروف تلك الغرفة الصغيرة، وأبلغوني رسمياً: عليك ألاّ تذهب إلى المسجد. ولكنهم أثاروا ضجة بين الناس باستهوالهم الأمر، جاعلين من الحبة قبة.3

دس السم في الطعام:

وبأمر من السلطات، تسور أحد الحراس ليلاً شباك غرفة الأستاذ ودسّ السم في طعامه. ومن غده أمضّه الألم أسبوعا كاملاً من شدة السم ولم يذق طعاماً ولا شراباً الاّ النـزر اليسير. فنجّاه الله من الموت المحقق، وكان في هذه الفترة دائم التلاوة للأوراد والأذكار وبخاصة الجوشن الكبير والأوراد القدسية للشاه النقشبند. وتكررت الحادثة ثلاث مرات، الاّ ان الأخيرة كانت شديدة إلى الدرجة التي لم يتمكن الأستاذ فيها من أداء صلواته سوى الفرائض وهو طريح الفراش. يذكر طالبان من طلابه الذين سهروا عليه انه في يوم من الأيام استعدل في فراشه قرب

_____________________

1 الملاحق - اميرداغ 1/230 على الرغم من ان الأستاذ النورسي لم يراجع الجهات الرسمية طوال فترة سجنه او نفيه في غضون ما يقرب من عشرين سنة خلت ولم يُستدع الى مقر الوالي الاّ مرة واحدة في قسطموني، الاّ انه في هذه الفترة من حياته في اميرداغ اي خلال ثلاث سنوات ونصف السنة أُستدعي خمس عشرة مرة من قبل المراجع الرسمية منها دائرة الامن او مخفر الشرطة او العدلية.. وفي الوقت نفسه نراه يقدم عرائض الى الجهات المسؤولة لبيان الظلم الواقع عليه كالمذكورة اعلاه، وعريضة مقدمة الى وزير الداخلية والى مدير الامن العام، والى مدير امن آفيون، والى رئيس مجلس الامة والمسؤولين في آنقرة والى رئيس الجمهورية والى المدعي العام والى حاكم التحقيق لأميرداغ.. كل ذلك دليل على مدى الظلم المجحف الذي كان يرزخ تحته. (ب2/1206).

2 T.H.Emirdag Hayati

3 الملاحق - اميرداغ 1/ 279

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 360

الفجر مغمض العينين، ورفع يديه للتضرع إلى المولى الكريم ودعا بصوت خافت جداً لظهور دعوة النور وسلامة طلابه. ثم أغمى عليه ووقع في الفراش.1

كان الأستاذ شديد الحاجة إلى الهواء الطلق، فكان يخرج للتجوال في ضواحي المدينة، والمراقبة تتعقبه حتى أطلق عليه أحد المرات طلقة من الخلف ولكن لم تصبه، كل ذلك لإزعاجه والتخلص منه.

ومن المضايقات ايضاً التعرض لقيافته وإكراهه على لبس القبعة .حتى جُلب مرتين إلى المحكمة والادعاء العام لهذا الغرض، فرفض الأستاذ وعاد إلى غرفته منـزوياً.2 [يقول عن هذه الفترة من حياته]:

فأتتني العناية الإلهية مغيثة، إذ وهبتْ آلة الرونيو -التي ظهرت حديثاً -لطلاب مدرسة الزهراء وهم يحملون اقلاماً ماسية. فباتت رسائل النور تظهر بخمسمائة نسخة بقلم واحد. فتلك الفتوحات التي هيأتها العناية الإلهية لرسائل النور جعلتني أحب تلك الحياة الضجرة القلقة المضطربة، بل جعلتني اردد ألف شكر وشكر للبارئ سبحانه وتعالى.3

هكذا تقتضي خدمة الإيمان:4

أخي الصدّيق العزيز وصديقي الحميم الشهم في هذه الدنيا الفانية.

أولاً: أشكركم جزيل الشكر على سبقكم جميع أصدقائي واهل مدينة ارضروم، على علاقتكم المشحونة بالشفقة الخالصة، وسعيكم فكراً لمدّ يد العون لي في حياتي التي مضت بالعذاب والظلم. فلا أنسى فضلكم هذا إلى نهاية عمري، فألف ألف ما شاء الله بارك الله فيكم.

_____________________

1 T.H.Emirdag Hayati يمكن درج حوادث تسميم الأستاذ حتى الآن بالآتي:

1- في انقرة - في مجلس النواب بالابرة - سنة 1922-1923

2- في سجن اسكي شهر سنة 1935

3 ،4، 5 - في قسطموني سنة 1936 - 1943

6 ،7، 8 - في سجن دنيزلي سنة 1943 - 1944 حيث استشهد في التسميم الثالث "الحافظ علي"

9 ،10، 11 - في اميرداغ سنة 1945 - 1946 حيث استشهد في التسميم الثالث “حسن فيضي” (ب2/1119)

2 T.H.Emirdag Hayati

3 اللمعات/394وقد دخلت آلة الرونيو تركيا سنة 1946 فبادر طلاب النور الى شرائها، ونشط كل من "إسپارطة" و "اينوبولو" في نشر الرسائل بالرونيو، وأوصلوها الى اغلب المدن والقرى في تركيا خلال سنة ونصف السنة ولم تصدر رسائل النور الى خارج تركيا الاّ بعد السماح للناس بالسفر الى الحج سنة 1947.

4 يبين الأستاذ في هذه الرسالة ما استعمله الأعداء بحقه من مظالم وما يجب عليهم من العمل لخدمة الإيمان والقرآن في تلك الايام الحالكة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 361

ثانياً: سأبيّن بعض ما يخص حالتي وتعذيب الظلمة لي، مخالفاً بذلك مسلكي وماتعلّمته من رسائل النور، ومنافياً لدستور حياتي، وهو عدم النظر - منذ عشر سنوات - إلى حوادث الدنيا العابرة التافهة. أبيّنه تطميناً لخاطرك واهتمامك الذي ذكرته في رسالتك الأخيرة ليس إلاّ .

الأول: حينما كنت عضواً في دار الحكمة الإسلامية قبل ثلاثين سنة قال لي أحد أعضائها وهو السيد سعد الدين پاشا: سمعت ممن أثق بكلامه أن منظمة للزندقة مدعومة من جهات أجنبية، قرأوا كتاباً لك وقالوا: لا يمكننا نشر أفكارنا ما دام هذا الرجل حياً، ولذلك قرروا القضاء عليك. فجئت لأخبرك بالأمر فانك عزيز عليّ.

فقلت: توكلت على الله، والأجل واحد لا يتغير ولا يتبدل.

فهذه المنظمة قد توسعت، واستعملت بحقي جميع حبائل المكر والخديعة منذ ثلاثين او أربعين سنة فسببت دخولي السجن مرتين وتسميمي إحدى عشرة مرة. وآخر خطتهم هي استعمال نفوذ الحكومة الرسمية بتشديدها عليّ وذلك بدفعهم وزير الداخلية السابق ومحافظ افيون السابق ووكيل قائمقام أميرداغ السابق ليأخذوا جبهة متحدة ضدي. حتى أنهم بدأوا ببث الأراجيف والشائعات المغرضة لمثلي وأنا العاجز الضعيف الكهل المنـزوي الفقير الغريب المحتاج إلى من يعاونه ويخدمه، فبلغ الخوف لدى الناس مبلغاً - لشدة دعاياتهم- بحيث لا يجرأ أحد من الموظفين ان يسلّم عليّ تجنباً من نقله إلى بلد آخر بمجرد وصول الإخبارية إليهم. لذا لم يمرّ عليّ غير المخبرين الجواسيس، بل حتى جيراني قطعوا عني السلام. ولكن رغم كل هذا فقد منحني الحفيظ العليم وشملني بعنايته الواسعة وأعطاني تحملاً عجيباً وصبراً جميلاً ولم يجعلني مضطراً إلى التوسل بهم قطعاً رغم المضايقات الشديدة.

الثالث: لم تجد محكمتان مبرراً قانونياً واحداً لإدانتنا بعد طول تدقيق وتمحيص استغرق سنتين، فبرّأت ساحتنا. ولكن تلك المنظمة للزندقة أخذت تستغل بعض الموظفين المنافقين فدبّروا معاً خطة رسمية في مركز الحكومة، وعزلوني عن جميع طلابي واخلائي كلياً. ونفوني إلى مكانٍ ناءٍ غير ملائم كلياً لصحتي وحياتي وهو اميرداغ. وقد تحقق لدي الآن انهم يستهدفون غايتين في هذه المعاملة:

أولاها: افتعال حادثة بإثارتي وإغضابي، لمعرفتهم بأني لا أتحمل الإهانة مهما كانت وعندها يكون لديهم مبرر لإنهاء حياتي.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 362

ولكن لأنهم لم يجنوا شيئاً من هذه المحاولة حاولوا إنهاء حياتي بالتسميم. ولكن العناية الإلهية الشاملة ودعوات طلاب النور والصبر والتحمل.. كلها أصبحت كالترياق الشافي لذلك السم. فباءت الخطة بالإخفاق.

إنه لم يقترف في التاريخ وفي أية حكومة كانت خرق للقانون ولا إنزال لأنواع العذاب والمظالم باسم القانون وباسم الحكومة بمثل ما أُقترف بحقي، إذ كان الترصد والمراقبة مستمرة بحيث تثير أعصابي حتى تبلغ مبلغ الحدة والغضب مع إلقاء الرعب في قلوب الناس.. وقد خطر إلى قلبي فجأة خاطر هو: عليك بالإشفاق على هؤلاء الظلمة لا الحدة عليهم. لأن كل واحد منهم سيلقى الوفاً من العذاب الدائمي الأشد بعد مدة قليلة بدلاً من العذاب المؤقت الذي يذيقونك إياه. فيؤخذ تأثرك منهم بألف ضعف وضعف لما يلاقون من جهنم مادي ومعنوي. وسيُعذب قسم منهم عذاباً وجدانياً طالما هو في الدنيا حتى يُقضى عليه. فضلاً عن القلق والخوف من الإعدام الأبدي الذي ينتظرهم. وأنا بدوري تركت الغضب جانباً وأشفقت عليهم قائلا: يا رب أصلح شأن هؤلاء.

إنني اشكر ربي الجليل واشعر بفرح غامر ضمن المضايقات الرهيبة، إذ إن انشغالهم بي بدلاً من رسائل النور وطلابها وصبّهم العذاب عليّ وحدي، ينفع من حيث سلامة النوريين فضلاً عن كسب الثواب لي .

رابعاً: أما ما ذكرته في رسالتك حول مراجعتك الحكومة الحاضرة إذا اقتضى الأمر لذهابي إلى الشام أو الحجاز لضمان راحتي... فأقول:

أولاً: انه يجب عليّ المجئ إلى هنا حتى لو كنت في مكة المكرمة وذلك إنقاذاً للإيمان وخدمة للقرآن الكريم، فالحاجة هنا شديدة جداً.

فلو أملك ألف روح وروح، وابتليت بألف مرض ومرض، وقاسيت الوفاً من صنوف الآلام والمصاعب، فان قراري - وقرارنا - هو البقاء هنا، خدمة لإيمان هذه الأمة وسعياً لإكسابهم السعادة الأبدية، ذلك ما تعلمناه من دروس القرآن الكريم.

ثانياً: تكتب اليّ - يا أخي - عن الإهانة التي أقابل بها بدلاً من الاحترام والتقدير وتقول: لو كنتَ في مصر أو أمريكا لكنتَ تُذكر في التاريخ بإعجاب وفخر.

أخي العزيز الفطن!

نحن نهرب هروباًً من احترام الناس إيانا وتوقيرهم لنا وحسن ظنهم بنا وإكرامهم لنا وإعجابهم بنا، وذلك بمقتضى مسلكنا.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 363

فاللهاث وراء الشهرة التي هي رياء عجيب، ودخول التاريخ بفخر وبهاء، وهو عُجب ذو فتنة، وحب الظهور وكسب إعجاب الناس.. كل ذلك مناف ومخالف للإخلاص الذي هو أساس من أسس مسلك النور وطريقه.

فنحن نجفل ونهرب مذعورين من هذه الأمور باعتبارنا الشخصي؛ ناهيك عن الرغبة فيها.

ولكننا نرجو من رحمة الله الواسعة إظهار رسائل النور النابعة من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعات إعجازه المعنوي، ومفسرة حقائقه وكشافة أسراره.. فنرجو من رحمته تعالى الإعلان عن هذه الرسائل والرواج لها وشعور الناس بحاجتهم إليها وإظهار قيمتها الرفيعة جداً، وتقدير الناس لها وإعجابهم بها، وتبيان كراماتها المعنوية الظاهرة جداً وإظهار غلبتها على الزندقة بجميع أنواعها بسر الإيمان، فنحن نريد إعلام هذه الأمور وإفهام الناس بها وإظهار تلك المزايا، ونرجو ذلك من رحمته تعالى.1

تأليف رسالة حول حكمة التكرار في القرآن: 2

طرق سمعي قبل اثنتي عشرة سنة،3 ان زنديقاً عنيداً، قد فضح سوء طويته وخبث قصده بأقدامه على ترجمة القرآن الكريم، فحاك خطة رهيبة، للتهوين من شأنه بمحاولة ترجمته. وصرح قائلاً: ليترجم القرآن لتظهر قيمته؟ أي ليرى الناس تكراراته غير الضرورية! ولتتلى ترجمته بدلاً منه! إلى آخره من الأفكار السامة. الا أن رسائل النور بفضل الله، قد شلت تلك الفكرة وجعلتها عقيمةً بائرة وذلك بحججها الدامغة وبانتشارها السريع في كل مكان، فأثبتت اثباتاً قاطعاً أنه:

لا يمكن قطعا ترجمة القرآن الكريم ترجمة حقيقية.. وان أية لغة غير اللغة العربية الفصحى عاجزة عن الحفاظ على مزايا القرآن الكريم ونكته البلاغية اللطيفة.. وان الترجمات العادية الجزئية التي يقوم بها البشر لن تحل - بأي حال - محل التعابير

_____________________

1 الملاحق- أميرداغ 1/289 T. H. Emirdag Hayati

2 تأليفاته الأخرى في أميرداغ:

في هذه الفترة التي استغرقت ثلاث سنوات ونصف السنة ألّف:

1- المسألة الحادية عشرة لرسالة الثمرة حول ثمرات الإيمان بالملائكة سنة 1945

2- الرجاء الرابع عشر من اللمعة السادسة والعشرين،تأملاته في الآية الكريمة ]حسبنا الله ونعم الوكيل[

3- الرجاء السادس عشر من اللمعة السادسة والعشرين حول نفيه الى قسطموني وما أعقبته من احداث.

4-فضلاً عما يقرب من (250) رسالة توجيهية الى الطلاب.

3 المقصود سنة 1932م حيث ترجم القرآن الكريم الى التركية وحاولت السلطات فرض قراءة الترجمة في الصلوات.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 364

الجامعة المعجزة للكلمات القرآنية التي في كل حرف من حروفها حسنات تتصاعد من العشرة إلى الألف، لذا لا يمكن مطلقا تلاوة الترجمة بدلاً منه.

بيد ان المنافقين الذين تتلمذوا على يد ذلك الزنديق، سعوا بمحاولات هوجاء في سبيل الشيطان ليطفئوا نور القرآن الكريم بأفواههم. ولكن لما كنت لا التقي احداً، فلا علم لي بحقيقة ما يدور من أوضاع، الا أن اغلب ظني ان ما أوردته آنفا هو السبب الذي دعا إلى إملاء هذه المسألة العاشرة على رغم ما يحيط بي من ضيق.1

ورغم كل الصعاب كان محبو الأستاذ يتقاطرون إلى زيارته و لا يوفّق منهم بالزيارة الاّ القليل، لشدة الترصد. وكان يتجاذب معهم الحديث حسب مستواهم الفكري والثقافي حيث كان الزائرون من طبقات الشعب كافة..فكان حديثه مجملاً حول أهمية الإيمان في الوقت الحاضر وان القصد الأساس لرسائل النور تقوية الإيمان وصد الإلحاد الذي يهدد الأمة والوطن، وان أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم. ورسائل النور تحصر نظرها في هذا المقصد. ولهذا يتكالب عليها الأعداء من الملحدين ويختلقون الافتراءات الظالمة والإشاعات المغرضة، فلا محيد عن العمل الإيجابي البناء وحده، إذ في يدنا نور وليس صولجان السياسة. وحتى لو كانت لنا مائة من الأيدي لكانت تكفي للنور. وان أساس مسلكنا الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين نعمل عملاً ايجابياً بناءً.2

 

 

نماذج من الرسائل التوجيهية

من اميرداغ

 

لا نجعل من الدين وسيلة لمكاسب دنيوية:

اخوتي الصديقين الأعزاء!

سؤال:

لِمَ لا تكوّن علاقة ولا تمد وشائج ارتباط مع التيارات الجارية داخل البلاد

_____________________

1 الشعاعات/315

2 T. H. Emirdag Hayati

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 365

وخارجها، ولا سيما مع الجماعات ذات الاهتمامات السياسية، بل ترفض ذلك وتمنع - ما وسعك - طلاب النور عن أي تماسٍ كان بتلك التيارات! والحال انك لو كونت علاقة معهم فان ألوف الناس سيدخلون دائرة رسائل النور زرافات ووحداناً وسيسعون لنشر حقائقها الساطعة، فضلاً عن انك لا تكون هدفاً إلى هذا الحد للمضايقات الشديدة التي لا مبرر لها؟

الجواب: ان أهم سبب لهذا الاجتناب وعدم الاهتمام بالتيارات الجارية، هو الإخلاص؛ الذي هو أساس مسلكنا، فالإخلاص هو الذي يمنعنا عن ذلك، لأن في زمن الغفلة هذا، ولاسيما من يحمل أفكاراً موالية إلى جهة معينة، يحاول ان يجعل كل شئ أداة طيعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه وأعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي. بينما الحقائق الإيمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى ان تكون وسيلة لأي شئ كان في الكون، ولا يمكن ان تكون لها غاية الاّ رضى الله سبحانه.

وفي الحقيقة، انه من الصعوبة بمكان، الحفاظ على سر الإخلاص في خضم الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا فان أفضل علاج لهذا هو الاستناد إلى العناية الإلهية وتفويض الأمر إلى توفيق رب العالمين بدلاً من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية.

وهناك سبب آخر - من جملة الأسباب الداعية لاجتنابنا هذا هو الشفقة - التي هي أساس من الأسس الأربعة لرسائل النور - أي عدم التلوث بظلم الآخرين وإضرارهم.

إذ الإنسان - بضمون الآية الكريمة: ]ان الإنسان لظلوم كفار[(إبراهيم: 34) يرد معاملة المقابل له في هذا العصر بلا رحمة وبظلم شنيع مخالفاً بذلك الآية الكريمة: ]ولا تزر وازرة وزر أخرى[(فاطر: 18) التي هي دستور الإرادة الإلهية. حيث تتغلب عليه العاطفة والانحياز إلى جهة، وعندها لا يقصر عداءه على المجرم وحده ولا يأخذ بجريرته جميع أقاربه وحدهم، بل أيضاً يعاقب كل مَن له صلة بالمجرم من قريب أو بعيد، حتى انه إذا ما كان له سلطة أو حكم، يبيد قرية كاملة بالقنابل بجريرة مجرم واحد. بينما الإنصاف يقتضي الاّ يُضحّى بحق برئ واحد بسبب مائة مجرم وان لا يُظلم ذلك البرئ بسببهم. ولكن الوضع الحالي يخالف الآية الكريمة، فيقحم مائة من الأبرياء في بلايا وأضرار بسبب بضع مجرمين، فمثلاً:

ان إهلاك والدين عجوزين لمن ارتكب خطأ، وتشريد أطفاله الصغار ودفعهم جميعاً إلى هاوية الفقر والذل ومعاداتهمبالانحياز إلى جهة ما مناف كلياً لأساس الشفقة على الخلق.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 366

فمن جراء الانحياز إلى التيارات الجارية - بين المسلمين - لا ينجو الأبرياء من الظلم بل يشيع شيوعاً كلياً ولا سيما بالأسباب الداعية إلى قيام الاضطرابات والثورات.

ولو كان الجهاد قائماً وهو جهاد إسلامي، فان حال أطفال الكفار تبقى على وضع آبائهم، وربما يكونون من الغنائم ويتمكن المسلمون ان يجعلوهم تحت إمرتهم وملك يمينهم. ولكن لو ارتد أحد داخل ديار المسلمين، فلا يُمتلك أطفاله قطعاً. ولا يجوز التجاوز على حقوقهم بأي شكل من الأشكال. لأن أولئك الأبرياء إنما يرتبطون بالإسلام وبجماعة المسلمين، برابطة الإسلام، التي انقطعت عن والدهم.أما أولاد الكفار فرغم انهم من أهل النجاة، فانهم يتبعون والدهم في الحقوق والحياة. لذا ربما يكونون أسراء أو مماليك عبيد في أثناء الجهاد الإسلامي.1

الرسائل مُلك القرآن:

وأعلن هذا ايضاً إعلاناً صريحاً قاطعاً:

ان رسائل النور مُلك القرآن العظيم، فأنّى لي الجرأة ان ادّعي تملكها! لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي فيها قطعاً، فأنا لست الاّ خادماً مذنباً لذلك النور الباهر،ودلالاً داعياً في متجر المجوهرات والألماس. فأحوالي المضطربة لا تؤثر فيها ولا تمسها أصلاً.

وفي الحقيقة ان الدرس الذي لقنتنا إياه رسائل النور هو التمسك بحقيقة الإخلاص، وترك الأنانية، ومعرفة النفس انها مقصرة دائماً، والحذر الشديد من الإعجاب بالنفس. فنحن لا نظهر انفسنا بل نظهر الشخصية المعنوية لرسائل النور ونبينها.

نحن نشكر من يرى نقائصنا ويريها لنا - بشرط ان تكون حقيقية - ونقول له: ليرضَ الله عنك. إذ كما نشكر من إذا وجد عقرباً في عنقنا ويرميها عنا قبل ان تؤذينا ونقدم له اجزل الشكر والامتنان، كذلك نقبل ونرضى بتبصيرنا نقائصنا وتقصيراتنا ونظل في شكر وامتنان لمن نبهنا إليها، بشرط عدم تدخل الأغراض الشخصية والعناد وعدم جعله وسيلة لمعاونة أهل الضلالة والبدع..2

ما تتطلبه خدمة الإيمان:

ان تلك الكرامات لا تعود لي، وليس من حدّي ان أكون صاحب تلك

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/243

2 الملاحق - أميرداغ 1/250

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 367

الكرامات، بل هي لرسائل النور التي هي ترشحات من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم ولمعات منها وتفسير حقيقي له، متخذة شكل الكرامات، لأجل تقوية الروح المعنوية لطلاب النور، فهي من نوع الإكرامات الإلهية، وإظهار الإكرام الإلهي شكر، وهو جائز ومقبول ايضاً...

والآن أوضح الجواب قليلاً بناء على سبب مهم؛ وقد ورد السؤال الآتي: لمَ لم اُظهر تلك الإكرامات الإلهية، ولِمَ احشّد الكلام حولها، ولِمَ اُكثر البحث حولها، حتى ان اكثر المكاتيب متوجهة إليها؟.

الجواب: ان الخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور في هذا الوقت تجابه بألوف المخربين، مما يلزم ان تكون في صفها مئات الألوف من المعمرين.. ويستدعي الأمر ان يكون معي في الأقل مئات من المعاونين والكتاب.. وتقضي الضرورة على الأمة والمسؤولين في البلاد ان يمدّوا يد المساعدة بتقدير واعجاب وحض منهم على الخدمة الإيمانية ويثمنوا قيمتها ويوثقوا الصلة بها، وألاٍ يتحرزوا من التماس بها فينسحبوا من الميدان.. بل وتطلب هذه الخدمة من أهل الإيمان ان يفضّلوها على مشاغل الحياة الفانية وفوائدها، إذ انها خدمة إيمانية خالصة تبغي النجاة في الآخرة.

فبينما الأمور تقتضي هكذا، اجعل من نفسي مثالاً فأقول:

ان منعي عن كل شئ، وحظر الاتصال معي، وقطع طريق العون اليّ، زد على ذلك تهوين قوة زملائي المعنوية ببث الدعايات المغرضة بكل ما أوتوا من قوة واستعمال شتى الوسائل ما استطاعوا إليها سبيلاً لتنفيرهم عنّي وعن رسائل النور. اقول: في مثل هذه الظروف وضمن هذه الشروط فان وضع مهمة ترزح تحتها ألوف الأشخاص، على كاهل شخص عاجز مثلي، وأنا الضعيف المريض العجوز الغريب عن بلاده، والمحروم من الأهل والأقارب. فضلاً عن تجنيب الناس عن الاتصال معي وكأنني مصاب بمرض معدٍ، حتى اضطر إلى الابتعاد وعدم الاختلاط.. زد على ذلك إلقاء الرعب والأوهام في قلوب الناس وإحاطتهم بهالة من الذعر والخوف لإبعادهم عن خدمة الإيمان، وذلك للفتّ من القوة المعنوية.. ففي مثل هذه الأحوال وتجاه جميع تلك الموانع فان الأمر يقتضي حشد قوى معنوية حول رسائل النور ببيان الإكرامات الإلهية التي هي مدار القوة المعنوية لطلاب النور، وإظهار قوتها بقوة جيش عظيم لا تحتاج إلى إمداد أحد من الناس، بل هي التي تتحدى الأعداء.. فلأجل هذه الحكم المذكورة آنفاً كُتّبت الإكرامات وامثالها. والاّ فنحن لا نريد مزايدات على أنفسنا، وجلب إعجاب الناس بنا وحضهم على

 

 

سيرة ذاتية - ص: 368

القيام بمدحنا والثناء علينا، وذلك حفاظاً على الإخلاص الذي هو أساس مهم من أسس رسائل النور.1

إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان:

اخوتي الأعزاء الصادقين!

ان اعظم إحسان اعدّه في هذا الزمان وأجلّ وظيفة، هو إنقاذ الإنسان لإيمانه والسعي لإمداد إيمان الآخرين بالقوة. فاحذر يا أخي من الأنانية والغرور وتجنب من كل ما يؤدي إليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الألزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنما يتأتي من الأنانية والسمعة، فعلى كل فرد من أفراد أهل الحق والحقيقة ان ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائماً ويتحلى بالتواضع التام.

انه لمقام عظيم حفاظكم ببطولة فائقة على إيمانكم وعبوديتكم لله، تحت هذه الظروف القاسية ...

نعم ان رسائل النور لم تنهزم تجاه جميع الهجمات الشرسة في هذا العصر. بل أرغمت رسمياً أعتى المعاندين لها على قبول نشرها. حتى انه منذ سنتين وبعد إجراء التدقيقات صدّق المسؤولون الكبار وذوو المناصب الرفيعة في وزارة العدل على إطلاق حرية نشر رسائل النور فأعادوا الرسائل العامة والخاصة لأصحابها.

ان مما يثبت أن رسائل النور معجزة معنوية للقرآن الكريم في هذا العصر هو عدم انهزام مسلك رسائل النور - كسائر المسالك والطرق الصوفية - بل انتصاره وإدخاله الكثيرين من أهل العناد إلى حظيرة الإسلام، والشهود على ذلك حوادث كثيرة جداً. ولقد أقنعتنا الحوادث انه لن تكون خدمة الدين خارج دائرة رسائل النور خدمة كاملة - في الأغلب في هذه البلاد - حيث هو عمل خاص جزئي وحيد وشخصي أو مستتر منهزم، أو متساهل مع البدع ضمن تحريفات بتأويلات فاسدة.

ما دمت يا أخي تملك همة عالية وقوة راسخة من الإيمان، فكن طالباً لرسائل النور واستمسك بها بإخلاص تام وتواضع تام وثبات تام. كي تشارك في المغانم الأخروية لألوف، بل مئات الألوف من الطلاب وذلك على وفق دستور الاشتراك المعنوي الأخروي في الأعمال. وبهذا تتحول حسناتك وخيراتك إلى حسنات وخيرات كلية جماعية تكسبك تجارة رابحة في الآخرة بعد ان كانت حسنات جزئية فردية.2

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/251-252

2 الملاحق - أميرداغ 1/ 259،260

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 369

ممن تلقيتُ درس الحقيقة؟

إن حسن ظنكم المفرط نحوي هو فوق حدّي بكثير فلا أستطيع قبوله الاّ ان يكون باسم شخص رسائل النور المعنوي، والاّ فليس من حدّي وطوقي ان اظهر مزايا تلك المقامات الرفيعة.

ثم ان مسلك رسائل النور ليس مسلك الطريقة الصوفية بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلك مقتبس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

ان هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية بل زمان إنقاذ الإيمان. ولله الحمد فان رسائل النور قد أنجزت وما تزال تنجز هذه المهمة وفي اصعب الظروف. ان دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرة طلاب الإمام علي والحسن والحسين والشيخ الگيلاني رضوان الله عليهم أجمعين.. إذ تلقيتُ درس الحقيقة - على طريقة أويس القرني - مباشرة من الإمام علي رضي الله عنه بوساطة الشيخ الگيلاني (قدس سره) و الإمام زين العابدين و الحسن و الحسين رضي الله عنهم، لذا فان دائرة عملنا وخدماتنا هي دائرتهم.

ثم إنني اعترف بأني لا استحق بأي وجه من الوجوه ذلك المقام الرفيع الذي يمنحني أخوتي لأتملك هذا الأثر المقبول القيم. ولكن خلقُ شجرة باسقة ضخمة من بذرة صغيرة جداً هو من شأن القدرة الإلهية ومن سنته الجارية وهو دليل على عظمتها. وأنا أطمئنكم مقسما بالله ان قصدي من الثناء على رسائل النور إنما هو تأييد حقائق القرآن واثبات أركان الإيمان ونشرها. وإنني اشكر ربي الرحيم شكراً لا منتهى له، على انه لم يجعلني اعجب بنفسي قط، وانه اظهر لي عيوب نفسي وتقصيراتي حتى لم تبق لي أية رغبة في إظهار تلك النفس إلى الآخرين.

نعم ان من كان واقفاً على شفير القبر لا ينظر إلى الدنيا الفانية التي تركها وراء ظهره، واذا ما نظر إليها فهو حماقة يرثى لها وخسارة فادحة.

اللّهم احفظنا من مثل هذه الخسائر آمين.

تحياتنا إلى جميع الاخوة فرداً فرداً مقرونة بالدعاء لهم راجين دعواتهم.1

الحقيقة الخالدة لا تبنى على فانين:

اولاً: ان حقيقة خالدة دائمة لاتبنى على أشخاص فانين زائلين. ولو بنيت عليهم لنجم ظلم وإجحاف شديدان. إذ المهمة التي لها الدوام والكمال من كل

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/262

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 370

جانب لا تربط بأشخاص معرضين للفناء، ومبتلين بالإهانات. فإن رُبط الأمر بهم، تصاب المهمة نفسها بضرر بالغ.

ثانياً: ان رسائل النور ليست نابعة من بنات أفكار المؤلف أو بلسان حاجته الروحية بفيض من القرآن الكريم، فهي ليست فيوضات متوجهة إلى حاجة المؤلف واستعداده وحده، بل هي ايضاً نابعة من طلب مخاطبي ذلك المؤلف وزملائه في درس القرآن الأفاضل الخالصين الصادقين الصلبين، وسؤالهم روحاً تلك الفيوضات وقبولها والتصديق بها وتطبيقها. فهي مستفاضة من القرآن الكريم من هذه الجهات وامثالها من جهات كثيرة أخرى. فهي فيوضات تفوق كثيراً استعداد المؤلف وقابليته. فكما ان أولئك المخاطبين اصبحوا السبب في ظهور رسائل النور كذلك هم الذين يشكلون حقيقة الشخص المعنوي لرسائل النور وطلابها. أما المؤلف فله حصة من تلك الحقيقة، وقد يكون له حظ شرف السبق إن لم يفسده بعدم الإخلاص.

ثالثاً: ان هذا الزمان زمن الجماعة، فلو بلغ دهاء الأشخاص فرداً فرداً حد الخوارق، فلربما يُغلب تجاه الدهاء الناشئ من شخص الجماعة المعنوي. لذا أقول كما كتب ذلك الأخ الكريم: ان مهمة إيمانية جليلة بحيث تنور عالم الإسلام من جهة وناشئة من أنوار دهاء قدسي، لاتحمّل هذه المهمة على كاهل شخص واحد ضعيف مغلوب ظاهراً، يتربص به أعداء لا يعدّون وخصماء ألدّاء يحاولون التنقيص من شأنه بالإهانات. فلو حُمّلت، وتزعزع ذلك الشخص العاجز تحت ضربات إهانة أعدائه الشديدة، لسقط الحمل وتبعثر.1

حاجة أهل الإيمان إلى حقيقة نزيهة:

أخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين المخلصين!

سؤال في منتهى الأهمية، يسألنيه من له علاقة بي، ويرد في نفسي أيضاً، فهو سؤال معنوي ومادي في الوقت نفسه. وهو:

لِمَ تقوم بما لم يقم به أحد من الناس، لمَ لا تلتفت إلى قوى على جانب عظيم من الأهمية، تستطيع ان تعينك في أمورك، فتخالف جميع الناس. بل تظهر استغناءً عنهم؟.

ثم لِمَ ترفض بشدة مقامات معنوية رفيعة يجدك طلاب النور الخواص أهلاً لها، فتتجنبها بقوة في حين يتمناها الناس ويطلبونها، فضلاً عن انها ستقدم خدمات

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/264

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 371

جليلة في سبيل نشر رسائل النور وتمهد السبيل لفتوحاتها؟

الجواب: إن أهل الإيمان - في الوقت الحاضر - محتاجون أشد الحاجة إلى حقيقة جليلة نزيهة بحيث لا يمكن ان تكون وسيلة للوصول إلى شئ، ولا تابعة لأي شئ كان، ولا سلماً للوصول إلى مآرب أخرى، ولا يتمكن أي غرض أو أي قصد كان من أن يلوثها، ولا تتمكن الفلسفة أو الشبهات أن تنال منها. فالمؤمنون محتاجون إلى مثل هذه الحقيقة النـزيهة لترشدهم إلى حقائق الإيمان، حفاظاً على إيمان المؤمنين في هذا العصر الذي اشتدت فيه صولة الضلالة التي تراكمت شبهاتها منذ ألف سنة.

فانطلاقاً من هذه النقطة فان رسائل النور لا تعبأ بالذين يمدّون لها يد المعاونة سواءً من داخل البلاد أو خارجها ولا تهتم بما يملكونه من قوى ذات أهمية بل ولا تبحث عنهم ولا تتبعهم. وذلك لكي لا تكون في نظر المسلمين عامة وسيلة للوصول إلى غايات دنيوية ولن تكون الا وسيلة خالصة للحياة الخالدة الباقية. لذا فهي بحقيقتها الخارقة وبقوتها الفائقة تتمكن من إزالة الشبهات والريوب المهاجمة على الإيمان.

* أما المقامات النورانية والمراتب الأخروية التي هي درجات معنوية مقبولة لدى أهل الحقيقة قاطبة بل يرغبون فيها، ولا ضرر منها، وقد منحها لك إخواننا المخلصون بما يحملون نحوك من حسن الظن، وهي لا تلحق ضرراً بإخلاصكم - حتى لو قبلتها لا يرفضون قبولك لكثرة ما لديهم من حجج وبراهين عليها - الاّ انك ترفض تلك المقامات بغضب وحدّة لا تواضعاً او تجرداً وترفعاً منك، بل حتى تجرح مشاعر إخوانك الذين منحوك تلك المقامات، فتتجنبها بشدة..! فلماذا؟

الجواب:

كما ان شخصاً غيوراً يضحِّي بنفسه إنقاذاً لحياة أصدقائه، كذلك لأجل الحفاظ على الحياة الأبدية للمؤمنين من صولة أعداء خطرين، أضحي إذا لزم الأمر وهو يلزم لا بتلك المقامات التي لا استحقها، بل أيضاً بمقامات حقيقية لحياة أبدية. ذلك ما تعلمته من رسائل النور، الا وهو الشفقة على الخلق.

نعم! ان الأمر يقتضي هكذا في كل وقت، ولا سيما في هذا الوقت، وبخاصة عند استيلاء الغفلة التي أنشأتها الضلالة، في خضم هيمنة التيارات السياسية والآراء الفلسفية، وفي عصر كعصرنا هذا الذي هاج فيه الغرور والإعجاب بالنفس، تحاول المقامات الكبيرة دائماً ان تجعل كل شئ أداة طيعة لها، وتستغل كل وسيلة في سبيل

 

 

سيرة ذاتية - ص: 372

غاياتها، حتى تجعل مقدساتها وسيلة لبلوغ مناصب دنيوية. ولئن كانت هناك مقامات معنوية فهي تُستغل استغلالاً أكثر، وتُتخذ وسيلة أكثر طواعية من غيرها؛ لذا يظل دوماً تحت ظل الإتهام، إذ يقول العوام: انه يجعل خدمات مقدسة وحقائق سامية وسائل وسلالم لبلوغ مآربه، حفاظاً على نفسه أمام نظر الناس، ولكي يبدو أنه أهل لتلك المقامات.

وهكذا فلئن كان قبول المقامات المعنوية يفيد الشخص والمقام فائدة واحدة فانه يلحق ألف ضرر وضرر بالناس عامة وبالحقائق نفسها بما يصيبها من كساد بسبب الشبهات الواردة.

حاصل الكلام:

ان حقيقة الإخلاص تمنعني عن كل ما يمكن ان يكون وسيلة إلى كسب شهرة لبلوغ مراتب مادية ومعنوية.

نعم، انه على الرغم من ان هذا يؤثر تأثيراً سيئاً في خدمة النور، الاّ أنني أرى أن إرشاد عشرة من الناس إرشاد خادم لحقائق الإيمان إرشاداً خالصاً حقيقياً وتعليمهم أن حقائق الإيمان تفوق كل شئ، أهم من ارشاد ألف من الناس بقطبية عظيمة، لان النوعية تفضل على الكمية، ولأن أولئك الرجال العشرة يرون تلك الحقائق أسمى من أي شئ آخر. فيثبتون، ويمكن ان تتنامى قلوبهم التي هي في حكم البذرة إلى شجرة باسقة. أما أولئك الألوف، فانهم بسبب ورود الشبهات المقبلة من أهل الدنيا والفلسفة وهجومها عليهم، ربما يتفرقون من حول ذلك القطب العظيم، إذ ينظرون إليه أنه يتكلم من زاوية نظره الخاصة، ومن مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة!

لذا أرجح الإتصاف بالخدمة، على نيل المقامات . حتى أنني قلقتُ ودعوت الله الاّ يصيب شئ - في هذه المرة - ذلك الشخص المعروف الذي أهانني بغير وجه قانوني، وبخمسة وجوه من أوجه الإهانة والتحقير، وفي أيام العيد، تنفيذاً لخطط وضعها أعدائي. حيث ان المسألة انتشرت بين الناس، فخشيت ان يمنحوني مقاماً، فلربما يعدّون حدوث شئ ما نتيجة كرامةٍ خارقةٍ. لذا قلت: يارب اصلح شأن هذا، أو جازه بما يستحقه من دون ان يكون عقاباً يومئ إلى كرامة معنوية.1

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/265-267

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 373

ذكرى وعبرة

في هذه الأوقات التي نجد فيها الضيق والعنت، تزعجني نفسي الجزعة الفارغة من الصبر، فاسكتتها هذه الفقرة، والزمتها الحجة، ودفعتها إلى الشكر لله.

أقدم هذه الفقرة الموضوعة فوق رأسي طي رسالتي هذه لعلها تفيدكم أيضاً.

1- يا نفسي! لقد أخذت نصيبك من الأذواق - في غضون ثلاث وسبعين سنة - اكثر مما أخذها تسعون بالمائة من الناس. فلم يبق لكِ بغية فيها.

2- انتِ ترومين دوام الأذواق وبقاءها وهي فانية آنية، لذا تبكين عشر ساعات عن ضحك دام دقيقة واحدة.

3- ان المظالم التي أتت عليك، والمصائب التي نزلت بك، تنطوي على عدالة القدر. فيظلمونك لما لم ترتكبيه، بينما القدر يؤدبك بيد تلك المصيبة - بناء على أخطاء خفية - ويكفّر عن خطاياك.

4- يا نفسي الجزعة! لقد اقتنعت قناعة تامة - بمئات من تجاربك - ان المصائب الظاهرية ونتائجها تنشق عن ثمرات عناية إلهية في منتهى اللذة. فالآية الكريمة: ]وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم[(البقرة: 216) تلقن درس حقيقة يقينية. تذكّري دائماً هذا الدرس القرآني. ثم ان الناموس الإلهي الذي يدير عجلة الكون، ذلك القانون القدري الواسع العظيم لا يبدّل لأجلك.

5- اتخذي هذا الدستور السامي دليلاً: من آمن بالقدر أمِنَ من الكدر. ولا تلهثي وراء لذائذ موقتة تافهة كالطفل الغرير. فكري دوماً ان الأذواق الفانية تورث فيك حسرات وآلاماً معنوية، بينما الآلام والمشقات تورث لذائذ معنوية وأثوبة أخروية. فان لم تكوني بلهاء يمكنك ان تتحري عن الأذواق الموقتة للشكر وحده، وما اُعطيت اللذات الاّ للشكر.1

لا احسن الظن بنفسي:

اخوتي الأوفياء الصادقين!

يقال: لِمَ لا تقبل مقاماً ومزايا لشخصك بالذات الذي هو موضع حسن ظن مفرط لطلاب النور وقناعتهم التامة بحق شخصك، علماً ان قبولك ذلك المقام يكون مثار شوقهم للعمل في خدمة الإيمان. بل نجدك تصرف تلك المزايا عن شخصك إلى رسائل النور وحدها، وتظهر نفسك خادماً كثير الذنوب؟!

الجواب: حمداً لله وشكراً له لا منتهى لهما. فان لـرسائل النور مرتكزات قوية

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/290

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 374

لا تتزعزع، وحججاً نافذة ساطعة لا تخبو بحيث تستغني عما يظن في شخصي من مزايا وقابليات. فهي ليست كالمؤلمفات والآثار الأخرى تبني أهميتها على قابلية مؤلفها، وتستمد قوتها وحسنها منه، بل هي تستند على حججها القاطعة منذ عشرين سنة، حتى أرغمت أعدائي الماديين والمعنويين إلى الاستسلام، والأمر واضح أمام الجميع. فلو كانت شخصيتي نقطة استناد مهم لها، فان أعدائي الملحدين ومعارضي الظلمة كان يمكنهم ان ينـزلوا ضربتهم القوية بـرسائل النور وذلك بالنيل من شخصي المقصّر المذنب. بينما أولئك الأعداء لطيشهم وبلاهتهم يدبرون ما وسعهم من الدسائس والوسائل للحط من قيمتي والنيل من شخصيتي، وإذ هم يسعون ليحولوا دون توجه الناس نحوي وإقبالهم عليّ، لا يستطيعون ان يحولوا دون فتوحات رسائل النور الإيمانية ولا التهوين من شأنها، بل يعجزون عن ان يجعلوا محبين جدداً يتخلون عن خدمة الإيمان، رغم ما كدّروا من صفاء أذهانهم وقلوبهم.

فلأجل هذه الحقيقة، ولأجل طغيان الأنانية وهيمنتها الواسعة في هذا الزمان، ارفض حسن الظن المفرط بشخصي الذي يفوق كثيراً حدّي وطوقي، لأني كاخوتي، لا أحسن الظن بنفسي، فضلاً عن ان المقام الأخروي الذي منحه اخوتي أخاهم هذا الفقير ان كان مقاماً دينياً حقيقياً، وان كنت اعلم ان نفسي أهلاً له - حاش لله - فهذا دليل على عدمه، ولو كنت أرى نفسي فارغاً عن ذلك المقام يلزم اذاً عدم قبول هداياهم ومنحهم كذلك، وذلك - حسب القاعدة المذكورة في المكتوب الثاني - فضلاً عن ان الذي يرى نفسه صاحب مقام فالأنانية ربما تتداخل في الأمر.1

أغلقتُ منافذ النفس:

اخوتي الأوفياء الصادقين!

جاءني عدد من الأطباء من أركان طلاب النور، حينما اشتدت وطأة المرض عليّ. الاّ أنني لم أفاتح أولئك الصادقين المخلصين حول مرضي الشديد، ولم أتناول علاجاتهم، بل لم أشاورهم أصلاً في شؤون الأمراض التي الـمّت بي رغم ان الآلام كانت تعصرني وأنا في أمسّ الحاجة إليهم. فلما رأوني لا أدير الحديث حول المرض قطعاً، اعتراهم قلق واضطراب. لذا اضطررت إلى بيان حقيقة ذات حكمة. وها أنذا أرسلها إليكم علّها تفيدكم أيضاً.

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/307

 

 

 

سيرة ذاتية- ص: 375

قلت لهم: ان أعدائي المتسترين، ونفسي الأمارة بالسوء، ينقبان معاً - بإيحاء من الشيطان - عن طبع ضعيف عندي وعرق واهٍ في خلقي، ليستحوذوا عليه، ويُخلّوا بسببه بخدمتي الإيمانية المخلصة ويعرقلوا نشر الأنوار.

حقاً! ان أضعف جانب عند الإنسان، واخطر مانع للعمل، إنما هو المرض، لانه إذا اهتم المريض بمرضه كثيراً اشتدت أحاسيس الجسد عليه وسيطرت حتى يجد نفسه مضطراً.. فتُسكت الروحَ والقلب عندئدٍٍَ وتجعل الطبيب كأنه حاكم مستبد، تلجؤه إلى إطاعة توصياته وعلاجاته.

وهذا هو الذي يخلّ بخدمة الإيمان المتسمة بالتضحية والفداء والإخلاص التام.

ولقد حاول أعدائي المتسترون استغلال هذا الجانب الضعيف عندي وما زالوا كذلك يحاولون، كما حاولوا استغلال طبع الخوف والطمع والشهرة الاّ انهم لم ينالوا شيئاً من هذه النواحي، فأدركوا أننا لا نعبأ بشئ من أحكامهم حتى باعداماتهم.

ثم ان هناك خُلقاً ضعيفاً وعرقاً واهياً لدى الإنسان، وهما الاهتمام بهموم العيش والطمع، فقد بحثوا عنهما كثيراً للاستفادة منهما، ولكن لم يجنوا شيئاً بفضل الله من ذلك الجانب الضعيف، حتى خلصوا إلى ان متاع الدنيا الذي يضحون في سبيله بمقدساتهم، تافه لا يساوي شيئاً عندنا. وقد تحقق ذلك عندهم بحوادث كثيرة، حتى انه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا اكثر من مائة مرة استفساراً رسمياً من الإدارات المحلية: بِمَ يعيش؟.

ثم ان طلب الشهرة والتطلع إلى المراتب، عرق ضعيف في الإنسان وجانب واهٍ فيه، فقد أمرت - السلطات - ان يُستغل ذلك العرق الضعيف عندي، فقاموا بالإهانات والتحقير والتعذيب المؤلم الجارح للشعور. ولكنهم - بفضل الله - لم يوفقوا إلى شئ، وأدركوا ادراكاً قاطعاً ان ما يتطلعون إليه - لحد العبادة - من الشهرة الدنيوية نفهمها رياءً واعجاباً بالنفس مضرّاً بالإنسان. وان ما يولون من اهتمام بالغ نحو حب الجاه والشهرة الدنيوية لا يساويان عندنا شروى نقير، بل نعدّهم بهذه الجهة بلهاء مجانين.

ثم ان ما يعدّ فينا - من حيث خدمتنا - جانباً ضعيفاً وعرقاً لا يقاوم، مع انه - من حيث الحقيقة - جانب مقبول لدى الناس كلهم، بل يتلهفون إلى إدراكه والظفر به، هذا الجانب هو كون الشخص يحرز مقاماً معنوياً ويعرج في مراتب الولاية، وينال تلك النعمة لنفسه بالذات. فهذا الجانب رغم انه لا ضرر فيه البتة،

 

 

سيرة ذاتية - ص: 376

وليس له غير النفع، الاّ انه في زمان قد استولت فيه الأنانية وطغت فيه الأثرة واستهدفت المنافع الشخصية حتى انحصر شعور الإنسان في إنقاذ نفسه.. اقول ان القيام بخدمة الإيمان في هذا الزمان - تلك الخدمة التي تستند إلى سر الإخلاص وتأبى ان تستغل لأي شئ كان - تقتضي عدم البحث عن مقامات معنوية شخصية، بل يجب الاّ تومئ حتى حركات المرء إلى طلبها والرغبة فيها، بل يلزم عدم التفكير فيها أصلاً. وذلك لئلا يفسد سر الإخلاص الحقيقي.

ومن هنا أدرك الذين يسعون لاستغلال هذا الجانب الضعيف لديّ باني لا أتحرى خارج خدمة النور ما يتحراه كل إنسان من كشف وكرامات وخوارق ومزايا أخرى روحية فرجعوا خائبين من هذا الجانب.

تحياتنا إلى إخواننا فرداً فرداً.. ونسأله تعالى برحمته الواسعة ان يجعل ليلة القدر المقبلة بمثابة ثمانين سنة من العبادة لكل طالب من طلاب النور ونستشفع بحقيقة تلك الليلة في دعواتنا هذه.1

 

رسائل إلى المسؤولين

محاورة مع وزير العدل و الحكام:

أيها السادة!

لِمَ تنشغلون بنا وبرسائل النور دون داع او سبب. اني ابلّغكم قطعاً بالآتى:

إنني ورسائل النور لا نبارزكم بل حتى لا نفكر فيكم. بل نعدّ ذلك خارج وظيفتنا، لأن رسائل النور وطلابها الحقيقيين يؤدون خدمة جليلة للجيل المقبل الذي سيأتي بعد خمسين سنة ويسعون لإنقاذهم من ورطة جسيمة، ويجدّون في إنقاذ هذه البلاد والآمة من خطر عظيم، فمن ينشغل بنا الآن سيكون رميماً في القبر في ذلك الوقت. بل لو افترض ان عملنا - الذي هو لتحقيق السعادة والسلامة - مبارزة معكم فلا ينبغي أن يمسّ الذين سيكونون تراباً في القبر.

ان إظهار أعضاء الإتحاد والترقي شيئاً من عدم المبالاة في الحياة الاجتماعية وفي الدين وفى السجايا القومية ادّى إلى ظهور الأوضاع الحالية بعد ثلاثين سنة تقريباً من حيث الدين والأخلاق والعفة والشرف. فالأوضاع الحاضرة ستنعكس على الجيل الآتي لهذه الأمة - البطلة المتدينة الغيورة على شرفها - بعد خمسين سنة. ولا يخفى عليكم ما ستؤول إليه السجايا الدينية والأخلاقية الاجتماعية.

_____________________

1 الملاحق - أميرداغ 1/310

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 377

سيلطخ قسم من الجيل الآتي ذلك الماضي المجيد لهذه الأمة المضحية منذ ألف سنة، بلطخات رهيبة قد تقضي عليه بعد خمسين سنة.

لذا فان إنقاذ قسم من هذا الجيل من ذلك التردي المريع بتزويده بالحقائق التي تحتويها رسائل النور تعد افضل خدمة لهذه الأمة ولهذا الوطن. فنحن لا نخاطب إنسان هذا الزمان بل نفكر بإنسان ذلك الزمان.

نعم أيها السادة! على الرغم من ان رسائل النور لا تسدد نظرها الاّ إلى الآخرة ولا تهدف غيرها وليست لها غاية سوى رضا الله وحده وإنقاذ الإيمان، ومسعى طلابها ليس الاّ إنقاذ أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي والسجن الإنفرادي الأبدي، فإنها في الوقت نفسه تقدم خدمة جليلة ايضاً تعود فائدتها للدنيا وإنقاذ هذه الأمة والبلاد من براثن الفوضى و إنقاذ ضعفاء الجيل المقبل من مخالب الضلالة المطلقة، لان المسلم لا يشبه غيره، فالذي يحل ربقته من الدين ليس أمامه الاّ الضلالة المطلقة فيصبح فوضوياً ارهابياً، ولا يمكن دفعه إلى الولاء للإدارة والنظام.

نعم في الوقت الذي نجد خمسين بالمائة ممن تربوا بالتربية القديمة لا يكترثون بالأعراف الشعبية والإسلامية، فانه بعد خمسين سنة يسوق تسعون بالمائة منهم هذا الوطن والأمة - بنفوسهم الأمارة بالسوء - إلى فوضى ضاربة أطنابها. فلا شك ان التفكر في هذا البلاء العظيم ومحاولة التحري عن أسباب لدفعه، هو الذي دفعني قبل عشرين سنة إلى ترك السياسة كلياً وعدم الانشغال مع أناسي هذا الزمان، مثلما دفع رسائل النور وطلابها إلى قطع علاقتهم مع صراعات هذا الزمان. فلا مبارزة معهم ولا إنشغال بهم.

ومادامت هذه هي الحقيقة، فان الواجب الأول لجهاز العدالة ليس اتهامي واتهام طلاب النور، بل القيام بحماية رسائل النور وطلابها، لكونهم يحافظون على اعظم حق من حقوق الأمة والبلاد، فان الأعداء الحقيقيين لهذه الأمة والبلاد يهاجمون رسائل النور ويدفعون أجهزة العدالة - بعد خداعها - لارتكاب افظع المظالم وأبشع الجنايات.1

_____________________

1 الملاحق-أميرداغ 1/233-235

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 378

رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري:

حضرة السيد حلمي اوران!

وزير الداخلية السابق وسكرتير حزب الشعب الجمهوري1 حالياً:

اولاً: في غضون عشرين سنة كتبت إليكم عريضة واحدة فقط - يوم كنت وزيراً للداخلية - الاّ أنني لم أقدمها إليكم لئلا اخلّ بقاعدتي التي أسير وفقها. فان شئت فسأقرأها إليكم أتكلم معكم بصفتكم وزيراً سابقاً للداخلية وسكرتيراً عاماً للحزب. فاسمحوا لي بالكلام لساعة او ساعتين، إذ الذي لم يتكلم مع الحكومة منذ عشرين عاماً لو تكلم عشر ساعات مع ركن من أركان الحكومة وباسمها ولمرة واحدة، فهو قليل.

ثانياً: أجدني مضطراً إلى بيان حقيقة لكم لكونكم سكرتير الحزب حالياً، والحقيقة هي:

ان هذا الحزب الذي تقوم أنت بمهمة سكرتاريته عليه مهمة أمام الشعب وهي:

ان الأمة التركية ومن معها من اخوة الدين الحاملين لراية الإسلام منذ ألف سنة جعلوا الأمة الإسلامية قاطبة ممتنة لها ببطولتها وصانوا الوحدة الإسلامية، و نجّوا البشرية بالقرآن العظيم وحقائق الإيمان من الكفر المطلق والضلال الرهيب. فإن لم تتبنّوا حالياً - ببسالة كالسابق - الحقائق القرآنية والإيمانية، وان لم تقوموا وانتم أهل الغيرة بالحث على الحقائق القرآنية والإيمانية مباشرة بدل قيامكم خطأ في عهد سابق بالدعاية للمدنية الغربية وإضعاف الروح الدينية، فإني أحذركم وأنذركم قطعاً، وأبين ذلك بحجج قاطعة:

ان العالم الإسلامي سينفر من هذه الأمة بدلاً من ان يوليها المحبة بل سيضمر العداوة لأخيه البطل، الأمة التركية، وستقهرون أمام الفوضى والإرهاب الذي يتستر تحت ستار الكفر المطلق الذي يسعى لإبادة العالم الإسلامي، وستكونون سبباً في تشتيت هذه الأمة التركية التي هي قلعة العالم الإسلامي وجيشه البطل، وستمهدون لإستيلاء الغول الوحش، الشيوعية، على هذه البلاد.

نعم ان هذه الأمة البطلة لا تصمد أمام صدمات التيارين الرهيبين الآتيين من الخارج الاّ بقوة القرآن.

_____________________

1 حزب الشعب الجمهوري: اسسه مصطفى كمال سنة 1923 وظل يحكم البلاد بالقوة كحزب واحد دون معارض حتى سنة 1950 حيث لم يحز في الانتخابات سوى 69 نائباً من بين 487 نائباً. من المبادئ الأساس لهذا الحزب العلمانية بمعنى العداء للدين والدعوة الى القومية التركية. أسس المعاهد القروية ومدارس الريف في ارجاء البلاد لتخريج المعلمين لتعليم الإلحاد.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 379

فلا يصد هذا التيار الجارف، تيار الكفر المطلق والإستبداد المطلق وإشاعة السفاهة وإباحة أموال الناس، الاّ الأمة التي امتزجت روحها بحقائق الإسلام واصبحت جزءاً من كيانها، تلك الأمة التي تعتزّ بالإسلام مجداً لماضيها.

وسيوقف هذا التيار بإذن الله قيام أهل الغيرة والحمية لهذه الأمة ببث روح الحقائق القرآنية - الموغلة في عروق هذه الأمة - وجعلها دستور حياتها بدلاً من نشر التربية المدنية الغربية.

أما التيار الثاني: فهو استمالة العدو مستعمراته في العالم الإسلامي وربطهم به رباطاً وثيقاً، وذلك بزعزعة ثقتهم بمكانة هذه البلاد ومنـزلتها المركزية للعالم الإسلامي، بعد وصمها باللادينية والإلحاد، والذي يفضي إلى انفصام العلاقة المعنوية بينها وبين العالم الإسلامي، وقلب روح الاخوة التي يحملها العالم الإسلامي تجاه هذه الأمة إلى عداء.. وغيرها من أمثال هذه الخطط الرهيبة التي حازوا بها شيئاً من النجاح لحد الآن. ولكن لو استرشد هذا التيار وبدّل خطته الرهيبة هذه وعامل الدين الإسلامي بالحسنى داخل البلاد، مثلما يلاطف العالم الإسلامي، فانه يغنم كثيراً ويكون ممن حافظ على إنجاز أته، وعندئذٍ تنجو الأمة والبلاد من كارثة مدمرة.

فلو سعيتم انتم الذين تتولون مقام سكرتارية أهل الحمية والقومية، للحفاظ على الأسس التي تسحق المقدسات الدينية وتعمم المدنية الغربية، ونسبتم الحسنات الحاضرة وحسنات الانقلاب إلى إجراءات قلة من الأشخاص الذين قاموا باسم الانقلاب وأحلتم النقائص المريعة والسيئات الجسيمة إلى الأمة، فعندئدٍ تعممون إذن ما ارتكبه أشخاص قلة من سيئات إلى ملايين من السيئات. فتخالفون آذن آمال هذه الأمة المتدينة البطلة وتجافون جيش الإسلام، وتعارضون آذن الأمة جميعاً وتديرون ظهركم إلى ملايين الأبطال الميامين الذين نالوا شرف الشهادة، فتعذبون أرواحهم الطيبة وتحطون من شأنهم و تهونون من شرفهم.

وكذا لو نُسبتْ تلك الحسنات التي أحرزتْ بهمة الأمة وقوة الجيش إلى أولئك القلة القليلة من الانقلابيين، تنحصر ملايين الحسنات في بضع حسنات فقط فتتضاءل وتزول، فلا تكون كفّارة لأخطاء فاحشة.

ثالثاً: لا شك ان لكم معارضين في جهات كثيرة داخلية وخارجية، وحيث اني لا انـظر ولا اهتم بأحوال الدنيا والسياسة، فلا اعرف تلك الأمور. ولكن لأنهم ضايقوني كثيراً في هذه السنة فاضطررت ان أنظر إلى سبب هذه المضايقة، فعلمت

 

 

سيرة ذاتية - ص: 380

ان معارضةً قد ظهرت. فلو وجدتْ هذه المعارضة زعيماً كفوءاً لها وانطلقت إلى الميدان باسم الحقائق الإيمانية لغلبتكم وانتصرت عليكم في الحال، ذلك لان تسعين بالمائة من هذه الأمة مرتبطة روحاً وقلباً بالأعراف الإسلامية منذ ألف سنة، وحتى لو انقادت ظاهراً إلى ما يخالف فطرتها فإنها لا ترتبط به قلباً.

ثم ان المسلم يختلف عن أفراد الأمم الأخرى، إذ لو تخلّى عن دينه فلا يكون الاّ ارهابياً فوضوياً لا يقيده شئ اياً كان، بل لا يمكن إدارته بأيٍ من وسائل التربية والإدارة الاّ بالإستبداد المطلق والرشوة العامة. وهناك حجج كثيرة تثبت هذه الحقيقة وأمثلة كثيرة عليها اختصرها محيلاً الأمر إلى فطنتكم.

لا ينبغي لكم ان تتخلّفوا عن الدول الاسكندنافية التي شعرت بحاجتها الشديدة إلى القرآن الكريم في هذا العصر، بل عليكم ان تكونوا قدوة لها ولأمثالها من الدول. فلو أسندتم ذنوب الانقلاب التي حصلت حتى الآن إلى بضعة أشخاص، وسعيتم لتعمير الدمار - ولاسيما بحق الأعراف الدينية - التي نجمت عن ظروف الحرب العالمية وانقلابات أخرى، لقلّدكم سعيكم هذا شرفاً عظيماً في المستقبل ولأصبح كفارة لذنوبكم العظيمة وتكونون اهلاً لصفة أهل الحمية والغيرة على الأمة، لما تقدمون من خدمة للامة والوطن.

رابعاً: مادام الموت لا يُقتل وباب القبر لا يُغلق، وانتم ستهرعون إلى القبر كأي إنسان آخر، وان ذلك الموت الذي لا مناص منه إعدام ابدي لأهل الضلالة، لا تبدّله مائة ألف من الدعوات الوطنية وحب الدنيا والإنجازات السياسية، الاّ القرآن الكريم الذي يبدل ذلك الإعدام الأبدي إلى تذكرة تسريح لأهل الإيمان، كما أثبتت ذلك رسائل النور الموجودة بين أيديكم والتي لم يعارضها أي فيلسوف ولا أي ملحد كان، بل هي التي جذبت إلى حظيرة الإيمان كل من قرأها من الفلاسفة بدقة وإنعام. وحتى في ظروف هذه السنين الأربع لم يملك الفلاسفة والعلماء الخبراء ولا محاكمكم الأربع إلاّ الإعجاب بها وتقديرها وتصديقها، فلم يعترضوا عليها لحججها الرصينة في إثبات الحقائق الإيمانية فضلاً عن أنها لا ضرر يرد منها لهذا الوطن والأمة، بل إنها سد قراني - كسد ذي القرنين - أمام التيارات الرهيبة المهاجمة. ولي مائة ألف شاهد على هذا من الأمة التركية ولاسيما من الشباب المثقف.

فلأجل هذه الأسباب المذكورة فإن واجبكم الأساس هو تبنّي أفكاري هذه التي طرحتها لكم بجد واهتمام. فانتم تستمعون دائماً إلى الكثيرين من الدنيويين السياسيين، فيلزم الاستماع - ولو قليلاً - إلى ضعيف عاجز مثلي واقف على شفير القبر يبكي على حال المواطنين ويتكلم معكم في سبيل الآخرة.1

_____________________

1 الملاحق-أميرداغ 1/304-307