سيرة ذاتية - ص: 327
الفصل السابع
في سجن دنيزلي
المدرسة اليوسفية الثانية
20 /أيلول/1943 -15 /حزيران /1944
التُهم كسابقتها:
بدأ أعداؤنا المتسترون يحرّضون علينا بعضاً من المسؤولين وبعضاً ممن يعتدّون بأنفسهم والمغرورين من العلماء والمشايخ الصوفية، فأصبحوا الوسيلة في جمعنا في تلك المدرسة اليوسفية سجن دنيزلي مع طلاب النور القادمين من عدة ولايات.1
أما التهمة الموجهة، فهي كسابقاتها:
تأليف جمعية سرية، وتحريض الشعب على الحكومة العلمانية، ومحاولة قلب نظام الحكم، ثم تسمية مصطفى كمال بــ الدجال و السفياني.2
وهكذا ساقونا إلى سجن دنيزلي وزجّوني في ردهة كبيرة ذات عفونة ورطوبة شديدتين فوق ما فيها من برودة شديدة، فاعتراني حزن وألم شديدان من جراء ابتلاء أصدقائي الأبرياء بسبـبي فضلاً عن الحزن النابع مما أصاب انتشار النور من عطل ومصادرة مع ما كنت أعانيه من الشيب والمرض.. كل ذلك جعلني أتقلب مضطرباً في ضجر وسأم.. حتى اغاثتني العناية الربانية فحوّلت ذلك السجن الرهيب إلى مدرسة نورية، فحقاً إن السجن مدرسة يوسفية، وبدأت رسائل النور بالانتشار والتوسع حيث بدأ أبطال مدرسة الزهراء بكتابة تلـك الرسائـل بأقلامهم الالماسية. حتى أن بطل النور قد استنسخ اكثر من عشرين نسخة من رسالتي الثمرة والدفاع خـلال مدة لم تتجاوز أربعة اشهر، مع ضراوة تلك الظروف المحيطة، فكانت تلك النسخ سبباً للفتوحات في السجن وفي خارجه
_____________________
1
اللمعات/403 وكان عدد طلاب النور المتهمين مع الأستاذ النورسي(126) طالباً وسيقوا معاً الى انقرة ثم الى محكمة الجزاء الكبرى لدنيزلي فسجنها في 25 /10 /1943.ب/10002
T. H. Denizli Hayati
سيرة ذاتية - ص: 328
فحوّل ضررنا في تلك المصيبة إلى منافع وبدّل ضجـرنا وحزنـنا إلى أفراح، مبـدياً مرة أخرى سراً من أسرار الآية الكريمة:
]وعَسى أنْ تَكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكُم[ (البقرة: 216).ثم وُزّع ضدنا بيان شديد اللهجة بناء على التقرير السطحي الخاطئ المقدَّم من قبل الخبراء الأوليين. وشنّ وزير التربية هجوماً عنيفاً علينا، مما حدا بالبعض أن يطالب بإعدامنا بل قد سعوا في الأمر.
وفي هذا الوقت العصيب بالذات جاءتنا العناية الربانية فأسعفتنا ايضاً، إذ بينا ننتظر انتقادات لاذعة عنيفة من خبراء آنقرة إذا بتقاريرهم المتضمنة للإعجاب والتقدير برسائل النور، واذا بهم لم يجدوا من مجموع خمسة صناديق من رسائل النور الاّ بضعة أخطاء لا تتجاوز العشرة. وقد وضّحنا أمام المحكمة واثبتنا كذلك ان هذه الأخطاء التي أوردوها ليست أخطاءً، بل هي الحقيقة بعينها، وان الخبراء هم أنفسهم على خطأ فيما يدّعون، وبيّنا أن في تقريرهم المتكون من خمس أوراق حوالي عشرة أخطاء.1
ولقد قلت لهم: ان هؤلاء الخبراء - الذين لا خبرة لهم على الإطلاق - غير مؤهلين لتدقيق رسائل النور2، لذا فإنني أطالب بتأليف لجنة عليا في آنقرة تتألف من أهل العلم. واذا لزم الأمر فليُستقدم متخصصون، وعلماء من أوروبا لتدقيق هذه الرسائل، فإذا وجدوا فيها أي عنصر يستوجب العقاب، فإنني أرضى بذلك العقاب.
وفعلاً ألفت الحكومة لجنة أخرى من علماء وخبراء قاموا بدراسة وتدقيق جميع رسائل النور، وكانت النتيجة انهم لم يعثروا فيها على أي شيء يكون موجباً للتُهمة.3
وبينما كنا ننتظر التهديد والأوامر المشددّة من الدوائر الرسمية السبع التي أرسلت إليها رسائل (الثمرة والدفاع) كما اُرسلت إلى دائرة العدل جميع الرسائل، ولاسيما تلك الرسائل الخاصة المتضمنة للصفعات الشديدة والتعرض لاهل الضلالة.. اجل بينما كنا ننتظر التهديد العنيف منهم، إذا بتقاريرهم المسلّية وهي
_____________________
1
اللمعات/404-4052
يذكر استاذ الفلسفة بجامعة استانبول نور الدين طوبجو: احالت محكمة الجزاء الكبرى لدنيزلي رسائل الأستاذ النورسي الى لجنة خبراء مشكلة من مدرسين للثانوية احدهما: مدرس الادب التركي والآخر: مدرس التاريخ وكانا ملحدين لا دين لهما اطلاقاً.. N. sahiner Nurs yolu, /1233
T.H.Denizli Hayati
سيرة ذاتية - ص: 329
في منتهى اللين والرقة - الشبيهة بتلك الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء إلينا - وكأنهم يبدون رغبتهم في المصالحة معنا. فأثبت - كل هذا - اثباتاً قاطعاً ان حقائق رسائل النور بفضل العناية الإلهية وكرامتها قد غلبتهم وانتصرت عليهم حتى جعلتهم يقرأونها ويسترشدون بها، وحولت تلك الدوائر الرسمية الواسعة إلى ما يشبه المدارس النورية، وأنقذت كثيراً من الحيارى والمترددين وشدّت من إيمانهم، مما ملأنا بهجة وسروراً هو أضعاف أضعاف ما كنا نعانيه من ضيق وضجر.1
تأليف رسالة الثمرة2
إننا قمنا في ظرف أسبوعين بتأليف رسالة الثمرة للمسجونين، وهي رسالة تلخص أهداف رسائل النور وتبين أسسها وغاياتها. فهي بمثابة رسالة دفاع عن رسائل النور.3
وعندما كنت أصحح الثمار الفردوسية واليوسفية للأبطال الميامين، جلبت انتباهي تلك الرسالة الثمرة حيث بدت لي أهميتها. فصرخت:
لو تضاعفت متاعب السجن كلها مائة ضعف فقد ادّت هذه الرسالة أضعافها من الوظائف، إذ تستقرئ نفسها في شتى الأوساط العامة، وتسوق إلى الإيمان حتى المتعنتين.
أيها الشقاة! يا من تضيّقون عليّ الخناق! اعملوا ما شئتم واقضوا ما انتم قاضون، فلا أهمية لعملكم، كل المصائب التي تنـزل بنا هينة تافهة، بل انها عناية إلهية محضة ورحمتها بعينها.
قلت هذا ووجدت السلوان الكامل.4
إنني أخال ان الرسالة الصغيرة التي اثمرها سجن دنيزلى ستكون دفاعنا الحقيقي والأخير، لأن الخطط المنصوبة للقضاء علينا سابقاً والناشئة من أوهام وشكوك أثيرت ضدنا منذ سنة، قد صممت على نطاق واسع، وهي: العمل لطريقة صوفية.. انهم منظمة سرية.. وأداة لتيارات خارجية.. إثارة المشاعر الدينية
_____________________
1
اللمعات/4052
تأليفاته الأخرى فى سجن دنيزلي:1- الشعاع الثاني عشر (عدد من دفاعاته في محكمة دنيزلي)
2-الشعاع الثاني عشر (رسائل مسلية وموجهة الى طلاب النور)
3-مكاتيب توجيهية الى طلابه يبلغ عددها(120) مكتوباً .ب 2/1114
3
الشعاعات/330 وقد ألّفت المسائل الثمانية الأولى من رسالة الثمرة سنة 1943 أما المسألة التاسعة فقد أُلّفت قي بداية سنة 1944. ب2/10234
الملاحق/ اميرداغ 238
سيرة ذاتية - ص: 330
واستغلالها في سبيل السياسة، والسعي لهدم الجمهورية والتعرض للدولة والإخلال بأمن البلاد.. وأشباهها من الحجج التي لا أساس لها من الصحة. لذا شنوا هجومهم علينا.
فلله الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر، أصبحت خططهم بائرة وباءت بالإخفاق، إذ لم يجدوا في هذا الميدان الواسع وبين مئات من الطلاب ومئات من الرسائل والكتب طوال ثماني عشرة سنة سوى أبحاث في حقيقة الإيمان والقرآن وتحقق الآخرة والسعي للسعادة الأبدية، لذا بدأوا يتحرون عن حجج تافهة جداً ليستروا بها خططهم.
ولكن ازاء احتمال الهجوم علينا باستغفال بعض أركان الحكومة والتغرير بهم وإثارتهم علينا من قبل منظمة ملحدة رهيبة متسترة تعمل حالياً عملاً مباشراً في سبيل الكفر المطلق، فان رسالة الثمرة الواضحة كالشمس والمزيلة للشبهات والأوهام، والراسخة رسوخ الشم العوالي، تكون أقوى دفاع لنا تجاههم، وسوف تسكتهم بإذن الله.
واحسب انها كتّبت لنا لأجل هذا.1
.. وما ان دخل طلاب النور ورسالة الثمرة التي كتبت للمسجونين حتى تاب اكثر من مائتي سجين وتحلّوا بالطاعة والصلاح، وذلك في غضون ثلاثة أشهر أو تزيد. حتى أن قاتلاً لأكثر من ثلاثة أشخاص كان يتحاشى أن يقتل (بقة الفراش). فلم يعد عضواً لا يضر، بل اصبح نافعاً رحيماً للبلاد.
فكان الموظفون المسؤولون ينظرون إلى هذا الوضع بحيرة واعجاب، حتى صرّح بعض الشباب قبل ان يستلموا قرار المحكمة: إذا لبث طلاب النور في السجن فسنحكم على انفسنا وندينها لنظل معهم ونتتلمذ عليهم ونصلح انفسنا بإرشاداتهم لنكون أمثالهم. فالذين يتهمون طلاب النور الذين لهم هذه الخصائص والخصال بالإخلال بالأمن لا محالة قد انخدعوا بشكل مفجع، او خُدعوا، او انهم يستغفلون أركان الحكومة في سبيل الفوضى والإرهاب - من حيث يعلمون او لا يعلمون - لذا يسعون لإبادتنا وإقحامنا في العذاب.
فنحن نقول لهؤلاء:
مادام الموت لايُقتل والقبر لايُغلق بابه، وقوافل البشرية في دار ضيافة الدنيا تغيب وتتوارى فيما وراء التراب بسرعة مذهلة.. فلا مناص أننا سنفترق في اقرب
_____________________
1
الشعاعات/363-364
سيرة ذاتية - ص: 331
وقت، وسترون جزاء ظلمكم جزاءً رهيباً، وفي الأقل ستذوقون الموت الذي هو تسريح من الحياة عند أهل الإيمان المظلومين، ستذوقونه إعداماً ابدياً لكم، فالأذواق الفانية التي تكسبونها بتوهمكم الخلود في الدنيا ستنقلب إلى آلام باقية مؤلمة دائمة..
ان حقيقة الإسلام التي ظفرت بها هذه الأمة المتدينة وحافظت عليها بدماء مئات الملايين من شهدائها الذين هم بمرتبة الأولياء وسيوف أبطالها المجاهدين يطلق عليها اليوم - مع الأسف - أعداؤنا المنافقون المتسترون اسم الطريقة الصوفية احياناً، ويظهرون الطريقة الصوفية التي هي شعاع واحد من أشعة تلك الشمس المنيرة انها الشمس نفسها ليموهوا على بعض الموظفين السطحيين. مطلقين على طلاب النور الذين يسعون بجد ونشاط لإبراز حقيقة القرآن وحقائق الإيمان اسم أهل الطريقة الصوفية1 اوجمعية سياسية ولا يبغون من ورائها الاّ التشويه والتحريض علينا. فنحن نقول لهؤلاء ولكل من يصغي إليهم قولتنا التي قلناها أمام محكمة دنيزلي العادلة:
ان الحقيقة المقدسة التي افتدتها ملايين الرؤوس فداءٌ لها رأسنا ايضاً، فلو اشعلتم الدنيا على رؤوسنا ناراً فلن ترضخ تلك الرؤوس التي افتدت الحقيقة القرآنية ولن تسلم القيادة للزندقة ولن تتخلّى عن مهمتها المقدسة بإذن الله.
وهكذا فلا أستبدل بسنة واحدة من شيخوختي التي أنشأت حوادثُها اليأسَ والأعباء الثقيلة والتي أسعفها السلوان النـزيه النابع من الإيمان والقرآن، مع ما فيها من معاناة وضيق، عشر سنوات بهيجة سارة من حياة شبابي. وبالأخص إذا كان كل ساعة من ساعات التائب المقيم لفرائضه في السجن بحكم عشر ساعات له من العبادة، وان كُل يوم يمرّ بالمريض وهو مظلوم يجعل صاحبه يفوز بثواب عشرة ايام خالدة، فكم يكون مثل هذه الحياة مبعث شكر وامتنان لله ،لمثلي الذي يترقب دوره وهو على شفير القبر.
نعم، فهذا هو الذي فهمته من ذلك التنبيه المعنوي، فقلت: شكراً لله بلا نهاية.. وفرحت بشيخوختي ورضيت بالسجن. حيث ان العمر لا يتوقف بل يمضي مسرعاً، فان مضى باللذة والفرح فانه يورث الحزن والأسى؛ لان زوال اللذة يورث الألم، وان مضى مشبعاً بالغفلة خاوياً من الشكر فانه يترك بعض آثار الآثام ويفنى هو ويمضي. ولكن إذا مضى العمر بالعناء والسجن، فلكون زوال الألم
_____________________
1
ذلك لأن الطرق الصوفية كانت يومئذ محظورة في نظر القانون. فاتهامهم بالطريقة الصوفية كان الغرض منها ادانتهم قانونياً.
سيرة ذاتية - ص: 332
يورث لذةً معنوية، وأن مثل هذا العمر يعدّ نوعاً من العبادة؛ لذا يظل باقياً من جهة، فيجعل صاحبه يفوز بعمر خالد بثمرات خالدة خيّرة، ومن جهة أخرى يكون كفّارة للذنوب السابقة وتزكية للأخطاء التي سببت السجن. فمن زاوية النظر هذه على المسجونين الذين يؤدون الفرائض أن يشكروا الله تعالى ضمن الصبر.1
إلى أخي العزيز الحافظ علي!
لا تهتم لمرضك، نسأله تعالى ان يرزقك الشفاء. آمين. فانك رابح غانم كثيراً، لان كل ساعة من العبادة في السجن بمثابة اثنتي عشرة ساعة. فان كنت محتاجاً إلى الدواء فلديّ بعضه لأرسله إليك. علماً ان وباءً خفيفاً منتشر في الأوساط. ففي اليوم الذي اذهب فيه إلى المحكمة أتمرض بلاشك.. ولعلك أصبحت معيناً لي في ذلك فأخذت شيئاً من مرضي، كما كانت تحدث بطولات خارقة سابقاً، فيتمرض أحدهم بدلاً من أخيه او يموت بدلاً منه.2
استشهاد الحافظ علي:
ثم دسّ الأعداء المتسترون السُّم في طعامي3 ونقل بطل النور الشهيد الحافظ علي على إثرها إلى المستشفى بدلاً عنى، ومن ثم ارتحل إلى عالم البرزخ ايضاً عوضاً عني، مما جعلنا نحزن كثيراً ونبكى بكاءً حاراً عليه.
لقد قلت يوماً - قبل نزول هذه المصيبة بنا - وأنا على جبل قسطموني. بل صرخت مراراً: يا إخواني لا تلقوا اللحم أمام الحصان ولا العشب أمام الأسد بمعنى: لا تعطوا كل رسالة أياً كان حذراً من أن يتعرضوا لنا بسوء. وكأن الأخ الحافظ علي قد سمع بهاتفه المعنوي كلامي هذا (وهو على بعد مسيرة سبعة ايام). فكتب اليّ - في الوقت نفسه - يقول: نعم يا أستاذي.. انها من إحدى كرامات رسائل النور وخصائصها أنها لا تعطي الحصان اللحم ولا الأسد العشب، بل تعطى الحصان العشب و الأسد اللحم! حتى أعطى ذلك العالِم رسالة الإخلاص، وبعد سبعة ايام تسلمنا رسالته هذه، وبدأنا بالعدّ والحساب فعلمنا انه قد كتب تلك العبارة الغريبة نفسها في الوقت الذي كنت ارددها من فوق جبل قسطموني.
_____________________
1
اللمعات/400-4022
الشعاعات/3833
هذه هي المرة الثالثة لتسميم الأستاذ النورسي، أما الأولى فبلقاح الجدري والثانية كانت شديدة جداً (كما في الشعاعات/387)
سيرة ذاتية - ص: 333
فوفاة بطل معنوي مثل هذا البطل من أبطال النور، والمنافقون يسعون لإدانتنا وإنزال العقوبة بنا، علاوة على قلقي المستمرّ من أخذهم إياي بأمر رسمي إلى المستشفى لمرضي الناشئ من التسمم.. في هذا الوقت وجميع هذه المضايقات تحيط بنا، إذا بالعناية الإلهية تأتي لإمدادنا؛ فلقد أزال الدعاء الخالص المرفوع من قبل إخواني الطيبين خطر التسمم. وهناك أمارات قوية جداً تدل على أن ذلك البطل الشهيد منهمك في قبره برسائل النور، وانه يجيب بها عن أسئلة الملائكة. وان بطل دنيزلي حسن فيضي (تغمده الله برحمته) وأصدقاءه الأوفياء سيحلون محله فيقومون بمهمته في خدمة النور سراً.. وان أعداءنا قد انضموا إلى الرأي القائل بضرورة إخراجنا من السجن خوفاً من سعة انتشار الرسائل بين المساجين وسرعة استجابتهم لها ليحولوا بيننا وبين السجناء وقد حوّل تلاميذ النور تلك الخلوة المزعجة إلى ما يشبه كهف أصحاب الكهف، أولئك الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى، أو ما يشبه مغارات المنـزوين من الزهاد، وسعوا بكل اطمئنان وسكينة في كتابة الرسائل ونشرها.. كل ذلك أثبت ان العناية الإلهية كانت تمدّنا وتغيثنا.
ولقد خطر للقلب: ما دام الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان وامثاله من الأئمة المجتهدين قد أوذوا بالسجن وتحملوا عذابه، وان الإمام احمد بن حنبل وامثاله من المجاهدين العظام قد عذّبوا كثيراً لاجل مسألة واحدة من مسائل القرآن الكريم. وقد ثبت الجميع أمام تلك المحن القاسية وكانوا في قمة الصبر والجلد، فلم يُبد أحدهم الضجر والشكوى، ولم يتراجع عن مسألته التي قالها. وكذا علماء عظام كثيرون وأئمة عديدون لم يتزلزلوا قط أمام الآلام والأذى الذي نزل بهم، بل صبروا شاكرين لله تعالى، مع أن البلاء الذي نزل بهم كان أشدّ مما هو نازل بكم، فلابد أن في أعناقكم دَين الشكر لله تبارك وتعالى شكراً جزيلاً على ما تتحملونه من العذاب القليل والمشقة اليسيرة النازلة بكم في سبيل حقائق عديدة للقرآن الكريم مع الثواب الجزيل والأجر العميم.1
عزاء جميل وفي أنسب وقت:
اخوتي الأعزاء الأوفياء!
لكل مصيبة نقول:
]إنّا لله وإنّا إليهِ راجِعون[ (البقرة: 156)اعزّي نفسي واعزّيكم واعزّي رسائل النور. ولكني أهنئ المرحوم الحافظ علي وأهنئ مقبرة دنيزلي لان أخانا الرائد الذي أدرك حقيقة رسالة الثمرة
_____________________
1
اللمعات/405-407
سيرة ذاتية - ص: 334
علم اليقين، قد ترك جسده في القبر، صاعداً كالملائكة إلى النجوم وعالم الأرواح، لاجل الارتقاء إلى مقام عين اليقين وحق اليقين، وخلد إلى الراحة والسكون متسرحاً عن وظيفته التي ادّاها حق الأداء.
نسأل الله الرحمن الرحيم أن يكتب في سجل أعماله حسنات بعدد جميع حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة. آمين.
وينـزل شآبيب رحمته بعددها على روحه... آمين.
ويجعل القرآن الكريم ورسائل النور مؤنسين لطيفين له في القبر.. آمين.
ويحسن إلى مصنع النور بعشرة عاملين بدلاً منه.. آمين.. آمين.. آمين.
أما انتم فيا اخوتي اذكروه في أدعيتكم، كما اذكره أنا، مستعملين ألف لسان عوضاً عن لسانه، راجين من رحمته تعالى ان يكسبه ألف حياة والف لسان بدلاً عما فقده من حياة واحدة ولسانٍ واحد.
ويا اخوتي الأعزاء الأوفياء!
نحمد الله سبحانه وتعالى بما لا يتناهى من الحمد والشكر، على ما يسّر لنا من نيل شرف المقام الرفيع لطلبة العلوم وأعمالهم الجليلة بوساطتكم في هذا الزمان العجيب والمكان الغريب.
ولقد ثبت بوقائع عديدة بمشاهدة أهل كشف القبور، ان طالب علم جاد تواق للعلوم عندما يتوفى أثناء تحصيله لها، يرى نفسه - كالشهداء - حياً يُرزق ويزاول الدرس. حتى ان أحد أهل كشف القبور المشهورين قد راقب كيفية إجابة طالب علم متوفي في أثناء دراسته لعلم الصرف والنحو، لأسئلة المنكر والنكير في القبر، فشاهد انه عندما سأله الملك: من ربك؟ أجاب: مَن: مبتدأ، ربك : خبره، وذلك على وفق علم النحو، يحسب نفسه انه مازال في المدرسة يتلقى العلم.
فبناء على هذه الحادثة: فاني اعتقد ان المرحوم الحافظ علي منهمك برسائل النور كما كان دأبه في الحياة، وهو على هيئة طالب علم يتلقى ارفع علم واسماه، وقد تسنّم مرتبة الشهداء حقاً ويزاول نمط حياتهم.
وبناء على هذه القاعدة أدعو له في أدعيتي، وادعو لمثيله (محمد زهدي) و(الحافظ محمد) قائلاً:
يارب سخر هؤلاء إلى يوم القيامة لينشغلوا بحقائق الإيمان واسرار القرآن ضمن رسائل النور بكمال الفرح والسرور... آمين. ان شاء الله.1
_____________________
1
الشعاعات/384-385
سيرة ذاتية - ص: 335
مقتطفات من دفاع الأستاذ النورسي
في محكمة دنيزلي
السيد الرئيس!
لقد تم اتخاذ ثلاثة أسس في قرار المحكمة:
المادة الأولى: الجمعية.
إنني اُشهد جميع طلاب النور الموجودين هنا وجميع من تحدثوا وتقابلوا معي وجميع من قرأوا او استنسخوا رسائل النور، وتستطيعون ان تسألوا انتم منهم بانني لم اقل لأي أحد: أننا سنشكل جمعية سياسية او طريقة نقشبندية، بل كنت أقول دائماً: أننا نحاول إنقاذ إيماننا، ولم يجر بيننا حديث خارج عموم أهل الإيمان وخارج الجماعة الإسلامية المقدسة التي يربو عدد أفرادها على ثلاثمائة مليون مسلم، ولم نجد لأنفسنا مكاناً خارج ما أطلق القرآن الكريم عليه اسم حزب الله الذي يجمع تحت ظل اخوة الإيمان جميع أهل الإيمان. ولأننا حصرنا جهدنا في خدمة القرآن فلاشك أننا من حزب القرآن ومن حزب الله فان كان قرار الإتهام يشير إلى هذا فإننا نقر بذلك بكل خلجة من خلجات أرواحنا وبكل فخر واعتزاز. أما ان كان يشير إلى معانٍ أخرى فإننا لا نعلم عنها شيئاً.
المادة الثانية: ان قرار الإتهام يعترف - استناداً إلى تقرير وشهادة شرطة قسطموني - بان رسالة الحجاب و رسالة الهجمات الست وذيلها وجدت داخل صناديق مغلقة ومسمّرة وتحت أكوام الحطب والفحم. أي لم تكن معدة للنشر ابداً. وقد مرت من تدقيق ونقد محكمة اسكي شهر وأدّت إلى إصدار عقوبة خفيفة لي. ولكن الادعاء العام الذي اخذ بعض الجمل من هذه الرسائل واعطى لها مفهوماً ومعاني غير صحيحة، يريد ان يرجع بنا تسع سنوات إلى الوراء وان يحمّلنا مسؤولية جديدة حول تهمة سبق وان عوقبنا من اجلها.
المادة الثالثة: وردت في قرار الإتهام وفي مواضع عدة عبارات أمثال (يمكن ان يخل بأمن الدولة). أي تم وضع الاحتمالات والإمكانات محل الوقائع الثابتة. وأنا أقول: ان من الممكن ومن المحتمل ان يقوم كل شخص باقتراف جريمة القتل، فهل يمكن إدانة كل شخص وتجريمه على أساس الاحتمال؟.1
_____________________
1
الشعاعات/334 -335
سيرة ذاتية - ص: 336
أيها السادة!
إنني أؤكد لكم ان الذوات الموجودين هنا إما لا تربطهم رابطة مع رسائل النور او هناك مجرد رابطة بسيطة معها، مع ان لي العديد من الاخوة الحقيقيين بكل معاني الاخوة التي تستطيعون تصورها. ولي على درب الحقيقة العديد من الأصدقاء الواصلين للحقيقة.
إننا أيها السادة على يقين تام لا يتزعزع بان الموت بالنسبة لنا - بسر القرآن الكريم - ليس اعداماً ابدياً بل تذكرة تسريح.. بينمايعد هذا الموت بالنسبة لمعارضينا وبالنسبة للسائرين في درب الضلالة موتاً اكيداً واعداماً ابدياً (ان لم يكن يؤمن بالآخرة ايماناً لا شبهة فيه).. او ان هذا الموت يعد بالنسبة إليه سجناً انفرادياً ابدياً ومظلماً (ان كان يؤمن بالآخرة ولكنه منغمس في حياة السفاهة والضلالة).
إنني أسألكم: أتوجد في هذه الدنيا مسألة اكبر من مسألة الموت؟.. أهناك مسألة إنسانية أهم واكبر من هذه المسألة؟ فكيف إذن يمكن ان تستغل هذه المسألة من اجل شئ آخر؟.. ومادام من المستحيل ان يكون هناك شئ آخر أهم من هذه المسألة، إذن فلِمَ انتم منشغلون بنا هكذا؟
إننا لا ننظر إلى اشد عقوبتكم واقصاها الا انها تسريح وتذكرة سفر إلى عالم النور، لذا فإننا ننتظرها بثبات كامل.. ولكننا نعلم علم اليقين ان الذين وقفوا ضدنا واصدروا الأحكام ضدنا سيلقون عن قريب عقابهم بالإعدام الأبدي وبالسجن الإنفرادي، ذلك العقاب المرعب.. إننا موقنون من ذلك وكأننا نشاهدهم في عذابهم هذا كما نشاهدكم انتم في هذا المجلس.. إننا نشاهدهم هكذا ونتألم كثيراً من الناحية الإنسانية من أجلهم. وأنا على أتم استعداد لإثبات هذه الحقيقة المهمة والبرهنة عليها وإفحام اكبر المنكرين لها وإلزام اشد المتمردين عليها.. وأنا على اتم استعداد لقبول أي عقاب كان ان لم أقم بهذا الإثبات أوضح من الشمس في رابعة النهار وأمام اكبر علمائكم وفلاسفتكم وليس فقط أمام المختصين من هذه اللجنة الذين لا يملكون أي نصيب من العلم ومن الاختصاص، انهم مشبعون بالحقد ولا علم لهم بالمعنويات ولا يهتمون بها...
والخلاصة ان أمامكم طريقين: إما ان تطلقوا الحرية الكاملة لرسائل النور او تحاولوا - ان استطعتم - ان تغلبوا الحقائق الواردة فيها وتقضوا عليها.
إنني لم اكن حتى الآن أفكر فيكم ولا في دنياكم، وما كان في نيتي ان أتفكر فيهما في المستقبل، ولكنكم اضطررتموني إلى هذا، وربما كان هذا ضرورياً لتنبيهكم وإيقاظكم، ولعل القدر الإلهي هو الذي ساقنا إلى هذا. أما نحن فان مرشدنا هو
سيرة ذاتية - ص: 337
الدستور القائل (مَن آمن بالقدر أمِن من الكدر) لذا فقد عقدنا العزم على تحمل جميع صنوف مضايقاتكم بكل صبر.1
اجل نحن جمعية، تلك الجمعية التي لها ثلاثمائة وخمسون مليوناً من الأعضاء في كل عصر. وهم يؤكدون كمال احترامهم وصادق ارتباطهم وتعلقهم بمبادئ تلك الجمعية المقدسة - بإقامة الصلاة - خمس مرات يومياً، ويتسابقون في مدّ يد العون والمساعدة بعضهم إلى بعض، سواء بدعواتهم الشخصية عن ظهر الغيب، أم بمكاسبهم المعنوية الوفيرة وفق الدستور الإلهي
:]إنّما المؤمِنون أخوةٌ[(الحجرات: 10).وهكذا فنحن أعضاء في تلك الجمعية المقدسة العظمى اذاً، أما وظيفتنا ضمن نطاق هذه الجمعية فهي: تبليغ الحقائق الإيمانية التي يتضمنها القرآن الكريم إلى طلاب الحق والإيمان على اصح وأنزه وجه، إنقاذاً لأنفسنا وإياهم من الإعدام الأبدي وبرزخ السجن الإنفرادي السرمدي.
أما الجمعيات الدنيوية المؤسسة على الدسائس والأحابيل السياسية فلا علاقة لنا بها من قريب او بعيد بل نترفع عنها.2
لو كانت لدينا رغبة في التوجه إلى الأمور الدنيوية، لما كان الصوت الصادر منا مثل طنين الذباب، بل لكان صوتاً هادراً كدويّ المدافع.
اجل ان رجلاً دافع بكل شدة وصلابة دفاعاً مؤثراً ودون خوف او وجل أمام المحكمة العرفية العسكرية التي انعقدت بسبب أحداث 31 مارت، وفي مجلس المبعوثان دون ان يبالي بغضب مصطفى كمال وحدّته.. كيف يُتهم هذا الشخص بأنه يدير سراً خلال ثماني عشرة سنة ودون ان يشعر به أحد مؤامرات سياسية؟ ان من يقوم بمثل هذا الإتهام لاشك انه شخص مغرض.3
لا يجوز التهجم على رسائل النور بحجة وجود قصور في شخصي او في أشخاص بعض إخواني، ذلك لان رسائل النور مرتبطة بالقرآن مباشرة، والقران مرتبط بالعرش الأعظم. إذن فمن ذا يجرأ ان يمد يده إلى هناك، وان يحل تلك الحبال القوية؟ ثم ان رسائل النور لا يمكن ان تكون مسؤولة عن عيوبنا وعن قصورنا الشخصي، لا يمكن هذا ولا يجوز ان يكون ابداً، حيث ان بركتها المادية والمعنوية وخدماتها الجليلة لهذه البلاد قد تحققت بإشارات ثلاث وثلاثين آية قرآنية وبثلاث
_____________________
1
الشعاعات/3292
الشعاعات/3683
الشعاعات/423
سيرة ذاتية - ص: 338
كرامات غيبية للإمام علي رضى الله عنه وبالإخبار الغيبي للشيخ الگيلاني قدس سره. وإلا فان هذا البلد سيواجه خسائر واضراراً مادية ومعنوية لا يمكن تلافيها.
وسيرتد كيد الأعداء الخفيين لرسائل النور من الملاحدة إلى نحورهم وستفشل بإذن الله الخطط الشيطانية التي يحوكونها والحملات التي يشنونها عليها. ذلك لان طلبة النور ليسوا مثل الآخرين، فبعون الله تعالى وعنايته لا يمكن تشتيتهم ولا حملهم على ترك دعوتهم ولا التغلب عليهم. ولو لم يكن القرآن مانعاً عن الدفاع المادي فان طلبة النور - الذين كسبوا محبة جماهير هذه الأمة وتقديرها، هذا التقدير الذي يُعد شيئاً حيوياً جداً في الأمة - والذين هم متواجدون في كل مكان، لن يشتركوا في حادثة جزئية كحادثة الشيخ سعيد او حادثة (منمن) إذ لو وقع عليهم - لا سمح الله - ظلم شديد إلى درجة الضرورة القصوى وهوجمت رسائل النور فان الملاحدة والمنافقين الذين خدعوا الحكومة سيندمون لا محالة ندماً شديداً..
والخلاصة انه مادمنا لا نتعرض لدنيا أهل الدنيا، فيجب عليهم الا يتعرضوا لآخرتنا ولا لخدماتنا الإيمانية.1
ثم إني رغم مقاساتي سنة واحدة من العقاب النازل بي حول رسالة الحجاب التي عثروا عليها تحت أكوام الحطب والوقود، وقد استنسخت هذه السنة ونشرت.. نراهم يريدون إدانتنا بها.
ثم إنني لما اعترضت بكلمات قاسية على ذلك الشخص المعروف الذي تولى رئاسة الحكومة بآنقرة 2، فلم يقابلني بشئ، بل آثر الصمت. الاّ ان بعد موته ظهرت حقيقةُ حديث شريف خطأه -كنت قد كتبته قبل أربعين سنة - فتلك الحقيقة والانتقادات التي كانت فطرية وضرورية واتخذناها سرية، وعامة غير خاصة على ذلك الشخص قد طبقها المدعى العام بحذلقة على ذلك الشخص، وجعلها مدار مسؤولية علينا.
فأين عدالة القوانين التي هي رمز الأمة وتذكارها وتجل من تجليات الله سبحانه، وأين خاطر شخص مات وانقطعت علاقته بالدولة؟
ثم إننا جعلنا حرية الوجدان والعقيدة التي اتخذتها حكومة الجمهورية أساساً لها، مدار استناد لنا. ودافعنا عن حقوقنا بهذه المادة، ولكن اتخذتها المحكمة مدار مسؤولية وكأننا نعارض حرية الوجدان والعقيدة.
_____________________
1
الشعاعات/424-4252
المقصود مصطفى كمال
سيرة ذاتية - ص: 339
وفى رسالة أخرى انتقدتُ سيئات المدنية الحاضرة وبينت نواقصها، فاسند اليّ في أوراق التحقيق شئ لم يخطر ببالي قط، وهو إظهاري بمظهر من يرفض استعمال الراديو1 وركوب القطار والطائرة . فأكون مسؤولا عن كوني معارضاً للرقى الحضاري الحاضر.!..
واغرب من جميع ما ذكر هو: ان الطائرة والقطار والراديو التي تعتبر من نعم الله العظيمة وينبغي ان تقابل بالشكر لله، لم تقابلها البشرية بالشكر فنـزلت على رؤوسهم قنابل الطائرات.
والراديو نعمة إلهية عظيمة بحيث ينبغى ان يكون الشكر المقدم لأجله في استخدامه جهازاً حافظاً للقرآن الكريم يُسمع البشرية جمعاء. ولقد قلت في الكلمة العشرين ان القرآن الكريم يخبر عن خوارق المدنية الحاضرة، وبيّنا فيها عند حديثنا عن إشارة من إشارات آية كريمة، بأن الكفار سيغلبون العالم الإسلامي بوساطة القطار. ففي الوقت الذي أحث المسلمين إلى مثل هذه البدائع الحضارية فقد جعلها بعض المدعين العامين لمحاكم سابقة مدار اتهام لنا وكأنني أعارض هذه الاختراعات.
ثم ان أحدهم قال: ان رسالة النور نابعة من نور القرآن الكريم، أي إلهام منه، وهى وارثة، تؤدى وظيفة الرسالة والشريعة. فاورد المدعى العام معنى خطأ فاضحاً ببيانه ما لا علاقة له اصلاً وكأن رسالة النور رسول وجعلوا ذلك مادة اتهام لي.
ولقد أثبتنا في عشرين موضعاً في الدفاع وبحجج قاطعة: أننا لا نجعل الدين والقرآن ورسائل النور أداة ووسيلة لكسب العالم اجمع، ولا ينبغى ان تكون وسائل قطعاً. ولا نستبدل بحقيقة منها سلطنة الدنيا كلها. ونحن في الواقع هكذا. وهناك ألوف من الامارات على هذه الدعوى...
فما دام الأمر هكذا فنحن نقول بكل ما نملك: حسبنا الله ونعم الوكيل.2
أيها السادة!
إنني مقتنع تماماً - نتيجة شواهد ودلائل عديدة - بان الهجمات التي تُشن علينا ليس مبعثها الزعم القائل بأننا نستغل الشعور الديني للإخلال بالأمن الداخلي.. كلا، ولكن ذلك الهجوم - الذي يتم تحت ذلك الغطاء الزائف - يتم في سبيل
_____________________
1
لأجل تقديم الشكر لله تجاه نعمة الراديو، وهى نعمة الهية عظمى، فقد قلت: "ان ذلك يكون بتلاوة الراديو للقرآن الكريم كي يُسمع ذلك الصوت الندي الى العالم اجمع فيكون الهواء بذلك قارئاً للقرآن الكريم" - المؤلف.2
الشعاعات/430-432
سيرة ذاتية - ص: 340
الكفر والزندقة ويستهدف إيماننا وإنهاء مساعينا وخدماتنا في سبيل هذا الإيمان ومن اجل إقرار الهدوء.. ونحن نملك أدلة وبراهين عديدة على هذا. ولنقدم هنا برهاناً واحداً فقط على ذلك:
لقد قرأ عشرون ألف فرد عشرين ألف نسخة من رسائل النور في ظرف عشرين سنة، ورضوا بها وتقبلوها. ومع ذلك لم تقع حادثة واحدة مخلة بالأمن من قبل طلاب رسائل النور. ولم تسجل المراجع الرسمية أية حادثة من هذا القبيل، كما لم تستطع المحكمة السابقة ولا المحكمة الحالية العثور على مثل هذه الحادثة، علماً بان نتائج مثل هذه الدعاية القوية والمنتشرة بكثرة كان لابد لها من الظهور في ظرف عشرين يوماً بشكل حوادث ووقائع.
إذن فان القانون رقم (163) ليس إلاّ غطاء كاذباً وزائفاً يشهر ضد حرية الضمير وحرية الوجدان والعقيدة، وقانوناً مطاطاً يراد منه ان يشمل كل المتدينين وكل الناصحين والدعاة، ولا يريد أهل الإلحاد والزندقة الاّ القيام باستغفال بعض المسؤولين الحكوميين لضربنا وتحطيمنا.
وما دامت هذه هي الحقيقة فإننا نصرخ بكل قوتنا:
أيها البائسون الذين سقطوا في درك الكفر المطلق.. يا من بعتم دينكم بدنياكم!.. اعملوا كل ما تستطيعون عمله، ولتكن دنياكم وبالاً عليكم.. وستكون.. أما نحن فقد وضعنا رؤوسنا فداءً للحقيقة القدسية التي تفتديها مئات الملايين من الأبطال برؤوسهم.. فنحن متهيئون وجاهزون لاستقبال كل أنواع عقوباتكم.. بل حتى إعدامكم.
ان وضعنا وحالنا خارج السجن - تحت هذه الظروف - أسوأ مائة مرة من حالنا داخله، ولا يبقى بعد هذا الإستبداد المطلق الموجه إلينا أي نوع من أنواع الحرية.. لا الحرية العلمية ولا الحرية الوجدانية ولا الحرية الدينية.. أي لا يبقى أمام أهل الشهامة واهل الديانة وأمام مناصري الحرية ومحبيها من سبيل الا الموت او الدخول إلى السجن.
أما نحن فلا يسعنا الا ان نقول:
]إنّا لله وإنّا إليه راجعون[ ونعتصم بربنا ونلوذ به.1_____________________
1
الشعاعات/331
سيرة ذاتية - ص: 341
إلى السيد علي رضا رئيس المحكمة المحترم
!لكي أستطيع الدفاع عن حقوقي فإنني أتقدم بطلب وبرجاء مهم:
إنني لا اعرف الحروف الجديدة، كما ان خطي في الحروف القديمة غير جيد، ثم انهم منعوني من لقاء الآخرين ومواجهتهم. أي أنني أكاد أكون في عزلة كاملة او في سجن انفرادي.. إلى درجة انهم سحبوا مني ورقة اتهام الادعاء العام بعد ربع ساعة فقط من إعطائها لي. كما أنني لا أستطيع من الناحية المالية الاستعانة بمحام. وما قدمت لكم دفاعي الا بعد مشقة كبيرة، ولم استطع ان احصل على نسخة من هذا الدفاع بالحروف الجديدة الا بصورة سرية. وكنت قد أمليت كتابة رسالة الثمرة (التي هي بمثابة دفاع عن رسائل النور وبمثابة خلاصة مسلكها) لكي أقدمها إلى الادعاء العام وارسل منها نسخة او نسختين إلى الجهات الرسمية في آنقرة. ولكنهم سحبوها منى ولم يعيدوها اليّ. بينما كانت الجهات العدلية في محكمة اسكى شهر قد قامت بإرسال آلة طابعة إليّ في السجن، فاستطعنا كتابة بضع نسخ من دفاعي بالحروف الجديدة، كما قامت المحكمة نفسها بالكتابة ايضاً...
ان الأصابع التي تحارب رسائل النور من خلف الأستار هي الأصابع الأجنبية التي تحاول تحطيم وكسر الود والمحبة والاخوة التي يكنها العالم الإسلامي نحو هذه الأمة في هذا الوطن. هذه المحبة والاخوة التي تعد اكبر قوة لهذه الأمة. لذا فلكي يتم تحطيم هذه المحبة وهذه الاخوة وتبديلها وتغييرها إلى بغض ونفور فان هناك أصابع تحاول استغلال السياسة وجعلها آلة ووسيلة لتشجيع الإلحاد والكفر المطلق، وهي بذلك إنما تقوم بعملية خداع للحكومة. وقامت مرتين بعملية تضليل للعدالة عندما تقول لها: ان طلاب رسائل النور يستغلون الدين من اجل السياسة وان هناك احتمالاً ان يتضرر من ذلك أمن البلد..1
السيد رئيس المحكمة!
ارفق لكم طياً صورة من دفاعي الذي قدمته كعريضة إلى المراجع الرسمية في آنقرة وإلى رئيس الجمهورية، وكذلك الرسالة الجوابية التي أرسلتها رئاسة الوزارة، مما يظهر مدى قبولها واهتمامها بعريضتي. وقد أدرجت في دفاعي هذا الأجوبة القاطعة التي ردت على بيان الادعاء العام المملوء بالتهم التي لا أساس لها من الصحة وبالأوهام التي لا مبرر لها. كما يوجد في هذا الادعاء كثير من الأقوال
_____________________
1
الشعاعات/332-334
سيرة ذاتية - ص: 342
المبنية على مضابط الشرطة المغرضة والسطحية والتي عارضها تقرير الخبراء، وقد سبق وان قدمت اعتراضاتي عليها والتي يمكن تلخيصها بالآتي:
كما ذكرت لكم سابقاً فانه عندما أرادت محكمة اسكي شهر تجريمي حسب المادة رقم 163 قلت لها:
لقد وافق 163 نائباً من نواب البرلمان للحكومة الجمهورية البالغ عددهم مائتي نائب (أي بنفس عدد المادة 163) على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لإنشاء دار الفنون - الجامعة - في مدينة وان. وان موافقتهم هذه والاهتمام الذي أبدته حكومة الجمهورية نحوي يعني إسقاط التهمة الموجهة اليّ حسب المادة 163
عندما قلت هذا للمحكمة قامت اللجنة الاستشارية لتلك المحكمة بتحريف ما قلته وادعت ان 163 نائباً اجروا تحقيقاً حول سعيد وطالبوا بمحاكمته!.
وهكذا، واستناداً إلى أمثال هذه التهم الباطلة لتلك اللجنة الاستشارية يحاول الادعاء العام جعلنا مسؤولين أمام هذه التهم، بينما جاء بالإجماع قرار الهيئة المختصة ذات المستوى الرفيع من العلم التي تشكلت بقرار من المجلس النيابي وحول أليها تدقيق رسائل النور ما يأتي:
لا توجد فيما كتبه سعيد او طلاب النور أية دلائل او امارات صريحة حول استغلال الدين او المقدسات وجعلها أداة ووسيلة للإخلال بأمن الدولة او التحريض على ذلك ولا على محاولة القيام بتشكيل جمعية ولا أية نيات او مقاصد سيئة، ولم نجد في رسائل تخاطب طلاب النور وخطاباتهم أية نيات سيئة ضد الحكومة ولا أية مقاصد لتشكيل جمعية او طريقة صوفية. وقد تبين انهم لا ينطلقون في حركتهم من هذا المنطلق.
كما قررت هذه الهيئة المختصة وبالإجماع كذلك على ما يأتي:
ان تسعين بالمائة من رسائل النور لم تبتعد قيد أنملة عن مبادئ الدين وأسسه ولا عن مبادئ العلم والحقيقة، وقد كتبت بإخلاص وبتجرد. ومن الواضح تماماً ان هذه الرسائل لا تنوي استغلال الدين ولا القيام بتشكيل جمعية ولا محاولة الإخلال بأمن الدولة، كما ان الرسائل المتبادلة بين طلاب النور، او بين طلاب النور وبين سعيد النورسي تحمل هذا الطابع ايضاً. وباستثناء بعض الرسائل السرية (لا يتجاوز عددها عشر رسائل) التي لم تتطرق إلى مواضيع علمية. بل تحمل طابع الشكوى والألم، فقد كتبت جميع رسائل النور إما لشرح آية او لتوضيح معنى حديث شريف وبيانه. كما ان معظم رسائل النور كتبت لتوضيح الحقائق الدينية
سيرة ذاتية - ص: 343
والإيمانية، وحول عقائد الإيمان بالله وبرسوله واليوم الآخر. ولكي تتوضح هذه الحقائق بشكل افضل انتهجت رسائل النور أسلوب ضرب الأمثال وإيراد القصص، وقدمت رأيها العلمي وإرشاداتها ونصائحها الأخلاقية ضمن مناقب حميدة وتجارب في الحياة وقصص ذات عبر، ولا تحتوي هذه الرسائل على أي شئ يمكن ان يمس الحكومة او المراجع الرسمية.
لذا فإننا في الحقيقة متأثرون جداً من قيام الادعاء العام بإهمال تقرير هذه الهيئة العلمية المتخصصة ذات المستوى المرموق وتركه جانباً، والتوجه إلى التقرير القديم الناقص والمشوش والمضطرب، ثم بناء اتهاماته الغريبة استناداً إليه. لذا فان من الطبيعي ان نرى هذا غير لائق بعدالة هذه المحكمة التي نسلم بها وبإنصافها...
ولكي يجد مقام الادعاء فرصة لغمز الدروس الاجتماعية لرسائل النور قال:
ان الوجدان هو مقام ومكان الدين، فالدين لا يرتبط بالحكم ولا بالقانون، إذ عندما ارتبط بهما في السابق ظهرت الفوضى الاجتماعية.
وأنا اقول:
ان الدين ليس عبارة عن الإيمان فقط، بل العمل الصالح ايضاً هو الجزء الثاني من الدين، فهل يكفي الخوف من السجن او من شرطة الحكومة لكي يبتعد مقترفو الكبائر عن الجرائم التي تسمم الحياة الاجتماعية كالقتل والزنا والسرقة والقمار ويمتنعوا عنها؟ إذن يستلزم ان نخصص لكل شخص شرطياً مراقباً لكي ترتدع النفوس اللاهية عن غيها وتبتعد عن هذه القذارات. ورسائل النور تضع مع كل شخص في كل وقت رقيباً معنوياً من جهة العمل الصالح ومن جهة الإيمان، وعندما يتذكر الإنسان سجن جهنم والغضب الإلهي فانه يستطيع تجنب السوء والمعصية بسهولة...
كلمتي الأخيرة:
] حسبنا الله ونعم الوكيل[1***
أيها السادة !.
السيد رئيس المحكمة !
أرجو ان تنتبهوا وتعوا جيداً بان إصدار أي حكم بمعاقبة طلاب النور ليس الا خدمة مباشرة للكفر والإلحاد، وليس الا اتهاماً للحقائق القرآنية وللحقائق الإيمانية التي سار على هداها كل عام ثلاثمائة مليون مسلم منذ ألف وثلاثمائة سنة، أي هو
_____________________
1
الشعاعات/335-339
سيرة ذاتية - ص: 344
محاولة لسد الجادة الكبرى وإغلاق الطريق القويم المؤدي إلى الحقيقة وإلى سعادة الدارين لما يقرب من ثلاثمائة مليار مسلم1، مما سيجلب نفور هؤلاء واعتراضهم، ذلك لان سالكي هذه الجادة وهذا الطريق يدعو فيه الخلف للسلف ويعينه بحسناته وبدعواته ثم ان هؤلاء - الواقفين موقف العداء للإيمان - سيكونون سبباً في إثارة مشكلة كبيرة في هذا الوطن، فإذا وقف أمامكم يوم القيامة ويوم المحكمة الكبرى ثلاثمائة مليار خصم وسألوا منكم:
لماذا سمحتم لكتب إلحادية ولكتب تهاجم الإسلام بصراحة أمثال كتاب تاريخ الإسلام للدكتور دوزي2 وامتلأت بها مكاتبكم وسمحتم بقراءتها بكل حرية ولطلابها بتشكيل الجمعيات حسب قوانينكم؟ ولماذا لا تتعرضون ابداً للإلحاد ولا للشيوعية ولا للفوضى ولا للمنظمات المفسدة العريقة ولا للطورانية العنصرية مع انها تتعارض مع سياستكم؟ وتتعرضون لأشخاص لا علاقة لهم قطعاً بالسياسة، بل همهم الوحيد سلوك طريق الإيمان والطريق القويم للقرآن الكريم، يقرأون رسائل النور التي تبحث عن الحق والحقيقة لأنها التفسير الحقيقي للقرآن، لكي يخلصوا وينقذوا أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي ومن السجن الإنفرادي. هذا في الوقت الذي لا توجد لهم أية علاقة او ارتباط بأية جمعية سياسية؟ ولكنكم تتعرضون لهم لأنكم تتوهمون ان الصداقة والاخوة في الله التي تربط ما بين قلوبهم كأنها ناشئة بسبب ارتباطهم بجمعية معينة، لذا قمتم ومازلتم تقومون باتهامهم وبالحكم عليهم بقانون عجيب.. فلماذا؟
إن قالوا لكم هذا فماذا ستجيبون؟ ونحن ايضاً نستفسر عن هذا ونسألكم عنه.
ان الذين استغفلوكم وضللوا المراجع العدلية وشغلوا الحكومة بنا بما يجلب الضرر للامة وللوطن هم المعارضون لنا من الملحدين والزنادقة والمنافقين، فهؤلاء خدعوكم وشغلوا الحكومة عندما أطلقوا اسم الجمهورية على الإستبداد المطلق واسم النظام على الارتداد المطلق واسم المدنية على السفاهة الصرفة واسم القانون على ما وضعوه من أمور قسرية واعتباطية وكفرية، فآذونا وضيقوا علينا ووجهوا ضرباتهم نحو حكم الإسلام وحكم الأمة خدمةً للأجنبي...3
_____________________
1
المقصود عدد المسلمين عبر العصور2
دوزى: (1820 - 1883م) هو رينهارت بيتر آن دوزي، مستشرق هولندى من اصل فرنسى، بروتستانتى المذهب، مولده ووفاته فى ليدن، درّس فى جامعاتها نحو ثلاثين عاماً. وكان من اعضاء عدة مجامع علمية قرأ آداب اللغات الاوروبية ثم انصرفت عنايته الى العربية، اشهر آثاره (معجم دوزي) فى مجلدين بالعربية والفرنسية، و(تاريخ الإسلام) من فجره حتى عام 1863 كتبه بالهولندية وترجم الى التركية (الاعلام للزركلى 38/3 باختصار) .3
الشعاعات/339-341
سيرة ذاتية - ص: 345
أيها السادة !
لكوني لا أتستطيع ان اعرف شيئاً عن الحياة الاجتماعية الحالية، ونظراً للاتجاه الذي يسير فيه مقام الادعاء العام، وإصراركم على إصدار قرار بالحكم عليّ تحت ذريعة اتهامي بتشكيل جمعية، مع أنني قد أجبت على هذه التهمة ونفيتها بإجابات قاطعة وببراهين دامغة، كما ان اللجنة الاستشارية التي تشكلت في آنقرة من أهل العلم والاختصاص نفت ذلك ايضاً بالإجماع، وإذ أنا في حيرة حول إصراركم على هذه المسألة خطر إلى قلبى هذا المعنى:
مادامت الصداقة والميل إلى التجمع الأخوي، والجمعية الأخروية هي من أسس الحياة الاجتماعية وضرورة من ضرورات الفطرة الإنسانية، ومن أهم الروابط واكثرها ضرورة بدءاً من حياة العائلة والقبيلة ووصولاً إلى حياة الأمة وإلى الحياة الإسلامية والإنسانية، ونقطة استناد وأنس لكل إنسان تجاه ما يلاقيه في الكون من مصاعب لا يستطيع مواجهتها وحده، وللتغلب على جميع العوائق والموانع المادية والمعنوية التي تحاول إعاقته عن القيام بإيفاء واجباته الإسلامية والإنسانية، ومع ان الصداقة والاخوة التي يجتمع عليها طلاب النور تخلو من أي جانب سياسي، بل هي اخوة صادقة وخالصة ووسيلة إلى خير الدنيا والسعادة في الآخرة، لأنهم يجتمعون في دروس الإيمان والقرآن في ظل صداقة خالصة وزمالة مخلصة في طريق الحق، وهم متساندون ضد ما يضر بالأمة وبالوطن، لذا فقد كان من الواجب ان يكونوا محط تقدير واعجاب وهم يجتمعون هذه الاجتماعات الإيمانية. وأما من يعطي انطباعاً ومعنى جمعية سياسية لهذه الاجتماعات فهو إما مخدوع خداعاً كبيراً، او هو فوضوي غدار يخاصم الإنسانية خصاماً وحشياً ويعادي الإسلام معاداة نمرودية، ويخاصم الحياة الاجتماعية بأسوأ أسلوب من الأساليب الفوضوية، أي يحارب الوطن والأمة والنفوذ الإسلامي والمقدسات الدينية محاربة المرتدين والمتمردين اللدودين. او هو زنديق خناس يعمل لحساب الأجنبي ويحاول قص شريان حياة هذه الأمة او إفسادها فيستغفل الحكومة ويضلل المراجع العدلية، لكي ينجح في تحويل أسلحتنا المعنوية (التي استعملناها حتى الآن ضد الفراعنة وضد الفوضويين) نحو وطننا، او إلى كسر وتحطيم هذه الأسلحة.1
أيها السادة !
هناك منظمة سرية تعمل منذ حوالي أربعين سنة لحساب الأجنبي لإفساد هذه الأمة باسم الكفر والإلحاد، وتحاول تمزيق هذا الوطن، وذلك بالهجوم على حقائق
_____________________
1
الشعاعات/341-342
سيرة ذاتية - ص: 346
القرآن وحقائق الإيمان بكل الوسائل وبكل الطرق. وهذه الفئة السرية المفسدة تتشكل في أشكال مختلفة.1
نماذج من رسـائل من سجن دنيزلي
فوائد دخولنا السجن:
اخوتي الأعزاء الأوفياء!
أهنئ ليلتكم المباركة التي مرت، ليلة القدر، مع العيد السعيد المقبل، أهنئكم بكل ما املك، وأودعكم امانةً إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى وحدانيته جلّ وعلا.
ومع أنني لا أراكم بحاجة للسلوان فمضمون (من آمَنَ بالقَدرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ) كافٍ ويغني، الاّ أنني اقول:
لقد شاهدت شهود يقين السلوان الكامل الذي يبعثه المعنى الإشاري للآية الكريمة: ]واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإنّكَ بِأعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ[ (الطور: 48) وذلك:
بينما كنت أتأمل في قضائنا شهر رمضان المبارك براحة وطمأنينة مع نسيان هموم الدنيا، إذا بهذه الحادثة الرهيبة التي لا تطاق، تحل بنا، والتي لم تخطر على بال، فاشهدها شهود عيان انها محض العناية الإلهية لي، ولرسائل النور، ولكم، ولشهر رمضاننا ولإخوتنا.
وفيما يخصني من فوائدها الكثيرة اذكر بضع فوائد منها فقط:
أولاها: انها دفعتني إلى السعي المتواصل في شهر رمضان بانفعال شديد وجدية صارمة والتجاء قوي وتضرع رقيق، متغلباً على المرض.
ثانيتها: ان الرغبة كانت شديدة في لقاء كل منكم وقريباً منكم في هذه السنة ايضاً، فقد كنت أرضى بهذه المعاناة والمشقات التي أتحملها ازاء لقاء واحد منكم والمجئ إلى اسپارطة.
ثالثتها: ان جميع الحالات المؤلمة تتبدل فجأة ودفعة، سواء في قسطموني أو في الطريق أو هنا وبصورة غير معتادة وبخلاف رغبتي وتوقعي، بحيث تشاهد ان يد عناية ربانية وراء الأحداث، حتى تجعلنا ننطق بـ: الخير فيما اختاره الله وتستقرئ رسائل النور - التي أفكر فيها دوماً - حتى الغارقين في الغفلة المتسنّمين وظائف دنيوية مرموقة فاتحة ميادين عمل جديدة في ساحات أخرى.
_____________________
1
الشعاعات/342
سيرة ذاتية - ص: 347
انه ازاء آلام كلٍ منكم وحسراته، المتجمعة عليّ والتي تمسّ عطفي ورقتي إليكم كثيراً، فضلاً عن آلامي، و وقوع هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك الذي كل ساعة منه في حكم مائة ساعة، يجعل كل ساعة من تلك الاثوبة المائة بمثابة عشر ساعات من العبادة، حتى يبلغ الألف ساعة من العبادة.
ثم ان الذين درسوا رسائل النور من أمثالكم المخلصين وفهموها حق الفهم، وأدركوا ان الدنيا فانية عابرة، وأنها ليست الاّ متجراً موقتاً، والذين ضحّوا بكل ما يملكون في سبيل إيمانهم وآخرتهم، واعتقدوا ان المشقات الزائلة التي يعانونها في هذه المدرسة اليوسفية لذائذ دائمة وفوائد خالدة، قد بدّلت - هذه الفوائد - التألم لحالكم والبكاء عليكم النابع من العطف الشديد، إلى حالة تهنئة وتقدير لثباتكم، فقلت بدوري: الحمد لله على كل حال سوى الكفر والضلال.
فأمثال هذه الفوائد التي تخصني، هناك فوائد تخصكم، وتخص اخوتنا، وتخص رسائل النور، وشهرنا المبارك، شهر رمضان، بحيث لو رفع الحجاب، لحملتكم تلك الفوائد على القول: يارب لك الحمد والشكر، حقاً ان هذا البلاء النازل بنا عناية بحقنا. وأنا مطمئن من هذا ومقتنع به.
لا تعاتبوا - يا اخوتي - الذين اصبحوا السبب في وقوع الحادثة. ان هذه الخطة الرهيبة الواسعة قد حيكت منذ مدة مديدة، الاّ انها جاءت مخففة معنى وستزول بسرعة بإذن الله فلا تتألموا بل استرشدوا بالآية الكريمة:
]
وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ[(البقرة: 216).1أقل المشاق في سبيل أعظم غاية:
مع تهنئتي لكم بعيدكم السعيد مرة أخرى، اقول: لا تتأسفوا على عدم اللقاء فيما بيننا لقاءً ظاهرياً، فنحن في الحقيقة معاً دائماً. وستدوم هذه المعية في طريق الأبد بإذن الله. وإنني على قناعة من ان الاثوبة الأبدية التي تكسبونها في عملكم في سبيل الإيمان والفضائل والمزايا الروحية والمباهج القلبية التي تحصلون عليها تزيل الغموم والضجر التي تنتابكم موقتاً في الوقت الحاضر.
نعم، انه لم يحصل لحد الآن نظير طلاب النور بمعاناتهم اقل مشاق في سبيل أعظم عمل مقدس. نعم ان الجنة غالية ليست رخيصة، وان إنقاذ الإيمان من قبضة الكفر المطلق الذي يمحي الحياتين معاً له أهميته البالغة في هذا الوقت، وحتى لو وقع شئ من المشاق، فينبغي ان يجابه بالشوق والشكر والصبر، إذ لما كان خالقنا الذي
_____________________
1
الشعاعات/348-350
سيرة ذاتية - ص: 348
يستخدمنا في هذه الخدمة ويدفعنا إليها، رحيم وحكيم. فعلينا إذن ان نستقبل كل مصيبة تنـزل بنا بالرضى والسرور والالتجاء إلى رحمته تعالى والاطمئنان إلى حكمته.1
وسائل الأعداء لتشتيت الاخوة:
اخوتي الأعزاء الأوفياء!
ان ثباتكم وصلابتكم تبطل جميع خطط الماسونيين والمنافقين وتجعلها بائرة عقيمة.
نعم يا اخوتي، لا داعي للإخفاء، ان أولئك الزنادقة قد قاسوا رسائل النور وطلابها بالطرق الصوفية ولا سيما بالطريقة النقشبندية. فقد شنوا هجومهم علينا بالخطط نفسها التي غلبوا بها أهل الطرق الصوفية أملاً بأن يفرّقونا ويهوّنوا من شأننا. فقد استعملوا:
اولاً: وسائل التنفير والتخويف وإبراز أعمال أسيء استعمالها في المسلك.
ثانياً: إشهار وإعلان نقائص وتقصيرات أركان ذلك المسلك ومنتسبيه.
ثالثاً: ان الوسائل التي استعملوها تجاه الطريقة النقشبندية والطرق الأخرى، وهي إشاعة الفساد بالفلسفة المادية، ونشر سفاهة حضارتها الفتانة، وتذليل متعها المخدرة المسمومة لتحطيم عرى التساند وأواصر الاخوة فيما بينهم مع الحط من شأن أستاذهم ومرشدهم بالإهانات، وتهوين شأن مسلكهم لديهم بإيراد دساتير العلم والفلسفة.. هذه الوسائل والأسلحة هي التي يستعملونها لدى هجومهم علينا ايضاً.. الاّ انهم انخدعوا، لان مسلك (رسائل النور) قد أسس على الإخلاص التام، وترك الأنانية، واستشعار الرحمة الإلهية في زحمة الأعمال ومشقاتها، وتحرى اللذائذ الباقية وتذوقها في ثنايا الآلام العابرة، وإظهار الآلام المبرحة في لذائذ السفه نفسها، وبيان ان مدار اللذة الخالصة غير المتناهية في الدنيا ايضاً هو في الإيمان. فضلاً عن قيامها بتعليم الحقائق، وتفهيم المسائل التي تعجز الفلسفة أياً كانت ان تبلغها.لذا ستخيب آمالهم، وتبوء خططهم بالإخفاق بإذن الله، وسيجابهون بأن مسلك رسائل النور لا يقاس مع الطرق الصوفية. ويبهتون.2
سيرحب بكم أهل الحقيقة:
اخوتي الأعزاء الصدّيقين !
_____________________
1
الشعاعات/352-3532
الشعاعات/357-358
سيرة ذاتية - ص: 349
ان الذين اجتازوا الامتحان الشديد في هاتين المدرستين اليوسفيتين - القديمة والجديدة1 - ولم يتزعزعوا، ولم يدعوا درسهم الإيماني، ولم يتخلوا عن صفة الطالب مهما كانت الظروف، ولم تنل من معنوياتهم هذه الكثرة الهائلة من الهجمات.. ان هؤلاء يرحب بهم الملائكة والروحانيون، كما سيرحب بهم أهل الحقيقة والجيل المقبل. فأنا مقتنع بهذا، ولكن الضيق المادي شديد لوجود المرضى والفقراء المساكين فيما بينكم. فتجاه هذا الأمر، ليكن كلٌ منكم مسلياً لكلٍ من أولئك، وقدوة حسنة له في الصبر والأخلاق، وأخاً شفيقاً عليه في التساند واللطف، ومخاطباً ذكياً ومجيباً عن أسئلته في أثناء الدرس الإيماني، ومرآة صافية لانعكاس السجايا الفاضلة.. وعندئذٍ تجدون المضايقات قد ولّت واضمحل السأم وتلاشى الضجر. نعم! هكذا أتصور الأمر وأتسلى به يا اخوتي يا من أحبهم أكثر من روحي.
سأرسل لكم يوماً جبة مولانا خالد (قدس سره)2 والتي عمرها مائة وعشرون سنة. فكما انه قد ألبسنيها فأنا بدوري سأرسلها إليكم متى شئتم، ليلبسها كلًٌ منكم باسمه.3
حكمة القدر الإلهي في سَوقنا إلى السجن:
اخوتي الأعزاء الأوفياء!
ان حكمة واحدة لعدالة القدر الإلهي في سوقنا إلى المدرسة اليوسفية لـدنيزلي هو حاجة المسجونين فيها وأهاليها وربما موظفيها ومأموري دائرة العدل، إلى رسائل النور وإلى طلابها اكثر من أي مكان آخر. وبناءً على هذا فقد دخلنا امتحانا عسيرا بوظيفة إيمانية وأخروية، إذ ما كان الاّ واحداً او اثنين من كل عشرين او ثلاثين مسجوناً يؤدون صلاتهم ويوفون حقها من تعديل الأركان، ولكن ما ان دخل أربعون او خمسون طالباً من طلاب النور وكلهم يؤدون صلاتهم اداءً تاماً دون استثناء إلاّ كان لهم درساً بليغاً وارشاداً فعلياً بلسان الحال، بحيث يزيل هذا الضيق والضجر والرهق بل قد يحببه. فمثلما يرشد طلاب النور إلى هذا الأمر بأفعالهم وأحوالهم، نأمل من رحمته تعالى ان يجعلهم بما يحملون من إيمان
_____________________
1
المقصود: سجن "اسكى شهر" و "دنيزلى".2
هو ابو البهاء ضياء الدين المشهور بمولانا خالد الشهرزوري (1190 - 1242هـ) مجدد عصره، من ائمة الطريقة النقشبندية، فاق علماء عصره فى العلم والتقوى، ربّى كثيراً من الأولياء. تلقى الدرس من عبدالله الدهلوى. توفى فى الشام. وجبته هذه ورثتها السيدة "آسيا" واحتفظت بها حتى اهدتها الى أحد طلاب النور فى "اسپارطة" ليسلّمها هدية الى الأستاذ النورسى الذى احتفظ بها حتى وفاته.3
الشعاعات/ 360
سيرة ذاتية - ص: 350
تحقيقي في قلوبهم، قلعة حصينة، ينقذون بها أهل الإيمان من سهام شبهات أهل الضلال.
انه لا ضير مما يفعله أهل الدنيا من منعنا عن مخاطبة الآخرين ولقائهم؛ إذ لسان الحال أبيَن من لسان المقال واكثر تأثيراً منه.
فما دام دخول السجن هو لأجل التربية، فإن كانوا يحبون الأمة حقاً فليسمحوا بلقاء المسجونين مع طلاب النور كي يحصلوا في شهر واحد بل في يوم واحد على التربية المرجوة حصولها في اكثر من سنة. وليصبح أولئك المسجونون افراداً نافعين للبلاد والعباد وينقذوا مستقبلهم وآخرتهم.
لو كان عندنا رسالة مرشد الشباب لكانت تنفع كثيراً. نسأل الله ان ييسر دخولها هنا.1
لو رفع الحجاب:
إخواني الأعزاء الصديقين!
تذكرت اليوم ما جرى من الحوار المعروف لديكم حول الشيخ ضياء الدين بيني وبين أخي الكبير المرحوم الملا عبد الله. ثم فكرت فيكم. وقلت في قلبي:
ان الذي يظهر ثباتاً إلى هذه الدرجة في هذا الزمان الذي قلما يثبت فيه أحد، هؤلاء الأتقياء المخلصون والمسلمون الجادون الذين لا يتزعزعون في دوامة هذه الأحوال المحرقة المؤلمة، أقول: لو رفع الحجاب - حجاب الغيب - وبدا لي كل منهم في درجة الأولياء الصالحين بل حتى لو ظهر في مرتبة القطبية فلا يزيد شئ في نظري عنهم ولا أغير ما أوليهم من اهتمام وعلاقة ما أوليه في الوقت الحاضر الاّ قليلاً، وكذلك لو بدوا لي اشخاصاً اعتياديين من العوام، فلا أنقص أبداً مما امنحهم في الوقت الحاضر من قيمة كريمة ومنـزلة رفيعة.
هكذا قررت، ذلك لأن خدمة إنقاذ الإيمان في مثل هذه الأحوال الصعبة والشروط القاسية هي فوق كل شئ.
فالمقامات الشخصية والمزايا التي يضفيها حسن الظن على الأشخاص تتزلزل وتتصدع في مثل هذه الأحوال المضطربة المزعزعة فيقل حسن الظن وبدوره المحبة، زد على ذلك ان صاحب الفضيلة والمزية يشعر بضرورة التصنع والتكلف والوقار المصطنع كي يحافظ على مكانته في نظرهم.
فشكراً لله بما لا يتناهى من الشكر، أننا لا نحتاج إلى مثل هذه التكلفات المصطنعة الباردة.2
_____________________
1
الشعاعات/3612
الشعاعات/362
سيرة ذاتية - ص: 351
ستسطع الأنوار:
اخوتي!
على الرغم من ان هذا الوضع - السجن - قد سبب نوعاً من التوجس والخيفة ازاء رسائل النور لدى الموالين - للحكومة - ولدى قسم من الموظفين، الاّ انه سبّب في المعارضين جميعاً ولدى أهل الدين والموظفين ذوي العلاقة اهتماماً واشتياقاً نحوها.
لا تقلقوا يا اخوتي ستسطع تلك الأنوار.1
تكاتفوا تعاونوا:
اخوتي الأعزاء!
عندما كنت اقرأ ورداً عظيماً في هذا اليوم، يوم الجمعة، وردتم بخاطري وقلتم بلسان الحال: ماذا سنعمل لننجو من هذا البلاء؟، فورد إلى قلبي ما يلي:
تكاتفوا، تعاونوا، يداً بيد في تساند رصين، لان تحرز البعض من الآخر وتجنبه عن (رسائل النور) وعني، وردّه الأنوار ورفضه لها، والتزلف للقوى الخفية التي تريد ازهاقنا.. لا يأتي بشئ سوى الضرر.
فأنا أطمئنكم يا اخوتي: انه لو كنت اعلم ان تبرئتكم مني تنجيكم من البلاء لكنت اسمح لكم بتحقيري وإهانتي واغتيابي، أصفحها لكم. ولكن القوة الخفية التي تريد سحقنا تعرفكم جيداً ولا تنخدع بمثل هذه الأمور بل تتشجع بسحق اكثر كلما رأت ضعفكم وانسحابكم من الميدان، ثم ان مسلكنا هو الخلة والاخوة فلا سبيل فيه للأثرة وحب الذات والحسد. فعليكم النظر إلى مزايا (رسائل النور)، وليس إلى نقائص وتقصيرات كثيرة لشخص ضعيف مثلي2
مجالسة الإخوان:
ان لقاء الأصدقاء ومجالسة الإخوان منبعٌ ثرٌ للسلوان، لما يعاني منه الإنسان من سرعة تبدل هذه الحياة الدنيا، ومن زوالها وفسادها، ومن فنائها وفناء متعها التي لا تجدي شيئاً، ومن صفعات الفراق والافتراق التي تنـزلها بالإنسان..
نعم! قد يقطع إنسان مسافة عشرين يوماً ويصرف مائة ليرة لاجل لقاء أخيه لساعات معدودة.
ففي هذا الزمان العجيب الذي قلما يوجد فيه صديق صدوق، لا تعد هذه
_____________________
1
الشعاعات/3632
T. Hayat, Denizli hayati.
سيرة ذاتية - ص: 352
المشقات والمصاعب التي نزلت بنا مع ضياع الأموال ذات أهمية تذكر ازاء رؤية أربعين او خمسين من الأصدقاء الصادقين والاخوة المخلصين دفعة واحدة طوال شهرين من الزمان، ومجالستهم ومحاورتهم في سبيل الله، والتسلي بهم وتسليتهم تسلية حقيقية. فأنا شخصياً كنت أرضى بهذه المصاعب والمشقات رجاء رؤية واحد من اخوتي هنا فحسب بعد فراقي عنهم عشر سنوات.
اعلموا ان الشكوى اعتراض على القدر والشكر تسليم له.1
تضاعف الثواب:
إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء!
لما كنتم قد ارتبطتم بـرسائل النور نيلاً لثواب الآخرة، واداءً لنوع من العبادة، فلا شك ان كل ساعة من ساعاتكم - تحت هذه الشروط والأحوال الصعبة - تصبح في حكم عبادة عشرين ساعة، والعشرين ساعة من العمل في خدمة القرآن والإيمان - لما فيها من جهاد معنوي - تكسب أهمية مائة ساعة، والمائة ساعة التي تمضي في لقاء مجاهدين حقيقيين من اخوة طيبين - كل منهم يعادل في الأهمية مائة شخص - وعقد أواصر الأخوة معهم، وإمدادهم - بالقوة المعنوية - والاستمداد منهم، وتسليتهم والتسلي بهم، والاستمرار معهم في خدمة الإيمان السامية بترابط حقيقي وثبات تام، والانتفاع بسجاياهم الكريمة، وكسب أهلية الطالب في مدرسة الزهراء بالدخول في مجلس الامتحان هذا، في هذه المدرسة اليوسفية، وأخذ كل طالب قسمته المقسومة له قَدَراً، وتناوله رزقه المقدّر له فيها، نيلاً للثواب.. تستوجب الشكر على مجيئكم إلى هنا، والتجمل بالصبر وتحمل جميع المشقات والمضايقات مع التفكر في الفوائد المذكورة.2
الإكثار من الدعوات:
اخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء الثابتين!
ابيّن حالة من أحوالي لكم لا لأجعلكم تتألمون عليّ ولا لتحاولوا اخذ التدابير المادية اللازمة، بل لأستفيد من إكثار دعواتكم حسب قاعدة توحيد المساعي المعنوية، وللاستزادة من ضبط النفس وأخذ الحذر والتحلي بالصبر والتحمل والحفاظ على ترابطكم الوثيق.
ان ما أقاسيه هنا من عذاب وعنت في يوم واحد، ما كنت أقاسيه في شهر في
_____________________
1
الشعاعات/3652
الشعاعات/365
سيرة ذاتية - ص: 353
سجن اسكى شهر. لقد سلط الماسونيون الرهيبون عليّ ماسونياً ظالماً، كي يجدوا مبرراً من قولي: كفى إلى هذا الحد النابع من حدّتي وشدة غضبي إزاء تعذيبهم إياي، فيستغلوا هذا القول ويجعلوه سبباً لتعدياتهم الجائرة ويستروا تحته أكاذيبهم.
إنني أصبر شاكراً، واعدّه أثراً خارقاً من آثار إحسان إلهي، وقررت الاستمرار على الصبر والشكر. فما دمنا مستسلمين للقدر الإلهي، وهذه المضايقات التي نشعر بها تعدّ وسيلة لكسب ثواب اكثر ونيل أجر أكبر، وذلك بمضمون القاعدة: خير الأمور أحمزها1 لذا نعتبرها من هذه الناحية نعمة معنوية.
ثم ان المصائب الدنيوية الزائلة تنتهي بالأفراح والخيرات على الأكثر. ونحن مقتنعون قناعة تامة بحق اليقين أننا قد نذرنا حياتنا على حقيقة جليلة اسطع من الشمس، وجميلة كجمال الجنة، وحلوة لذيذة كلذة السعادة الأبدية. لأجل ذلك ما ينبغي ان يصدر منا الشكوى قط بل تدفعنا هذه الأحوال الصعبة إلى ان نقول: نحن في جهاد معنوي نعتز به ونشكر ربنا الكريم الذي تفضل به علينا.2
الأخذ بالحذر:
اخوتي الأعزاء الصادقين!
إنني محظوظ وشاكر لله بوجودي قريباً منكم وفي بناية واحدة (من السجن)، رغم أنني لا أقابلكم وجهاً لوجه. واحياناً يخطر إلى قلبي اخذ تدابير لازمة دون اختيارٍ مني. فمثلاً:
لقد أرسل الماسونيون إلى الزنزانة المجاورة لنا سجيناً جاسوساً وكذاباً. ولما كان التخريب سهلاً - ولا سيما في مثل هؤلاء الشباب الطائشين -علمت ان الزنادقة يسعون لبث الفساد وهدم الأخلاق ازاء قيامكم بالإرشاد والإصلاح، لما لمست من هذا المدعو أذى مؤلماً وإفساده أولئك الشباب.
فيا اخوتي! تجاه هذا الوضع يلزم- بل في غاية الضرورة - اخذ الحذر الشديد، وعدم إبداء مشاعر الاستياء من المسجونين السابقين قدر الإمكان، وعدم فسح المجال ليستاءوا منكم والحيلولة دون حدوث التفرقة والثنائية، مع التحلي بضبط النفس والتجمل بالصبر.
ويلزم على إخواننا المحافظة على قوة التساند والاخوة وذلك بإبداء التضحية وترك الأنانية والتواضع قدر الإمكان.
_____________________
1
اي اقواها واشدها (انظر كشف الخفاء 1/155).2
الشعاعات/367
سيرة ذاتية - ص: 354
ان الانشغال بأمور الدنيا يؤلمني، فاعتمد على فطنتكم لأنني لا أستطيع التوجه إليها من غير اضطرار.1
سنصمد تجاه الويلات:
اخوتي!
لقد اصبح ضرورياً بيان مسألة أخطرت صباح هذا اليوم إزاء كل احتمال:
كثيراً ما تحرى نفسي وشيطاني منذ عشرين عاماً الحقائق التي استنبطناها من القرآن، والتي هي أشبه بالشمس او النهار لا تقبل أي شك او ريب او تردّد قائلين: ما رأي الفلاسفة المتزندقة تجاه هذا وما مستندهم؟
ولما لم يجد نفسي وشيطاني ثلمة او نقصاً، سكتا. واعتقد ان الحقيقة التي أسكتت نفسي وشيطاني الحساسين جداً والعاملين معاً، قادرة على حمل اشد الناس تمرداً على الصمت والسكوت ايضاً.
وما دمنا نعمل من أجل حقيقة هي من أهمّ الحقائق وأجلّها، وأشدها ثبوتاً ورسوخاً؛ ولا يمكن تقييمها أو تقديرها بأي قيمة مادية مهما كانت، ويهون بذل النفس والروح والصديق والحبيب، بل الدنيا بأسرها في سبيل تحققها، فلابد اذاً من ان نصمد بكمال المتانة والصبر تجاه جميع الويلات والمحن التي قد تنـزل بنا، وان نواجه بصدر رحب جميع مضايقات الأعداء. إذ من المحتمل جداً ان يُحرَّكَ ضدنا مشايخ أو علماء متظاهرون بالتقوى، مخدوعون بأنفسهم أو بتحريض غيرهم لهم.. وتجاه موقف كهذا، لابد لنا من المحافظة على وحدتنا وتساندنا، وعدم تضييع الوقت معهم في الجدل والنقاش الفارغ.2
خاطرة أخيرة من دنيزلي:
على الرغم من صدور قرار البراءة وإعادة الكتب المصادرة من محكمة دنيزلي،3 منع الأستاذ النورسي من السفر، لحين وصول الأمر من آنقرة فظل هذه الفترة في فندق شهر ما يقرب من شهرين في دنيزلي واخوته طلاب النور سافر كل إلى بلده.4فكنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق شهر
_____________________
1
الشعاعات/3712
الشعاعات/3723
قرار المحكمة بالبراءة بالاجماع برقم 199/136 في 16/6/1944 مع اعادة جميع الكتب المصادرة أما قرار تصديق التمييز لقرار محكمة دنيزلي بالبراءة فهو برقم 30005/2193 في 30/12/1944 وتحت عدد 2019 فاصبحت بموجبه رسائل النور قضية محكمة.4
T. Hayat, Emirdag hayati.
سيرة ذاتية - ص: 355
عقب إطلاق سراحنا من سجن دنيزلي أتأمل فيما حوالي من أشجار الحَوَر (الصفصاف) الكثيرة في الحدائق الغناء والبساتين الجميلة، رأيتها جذلانة بحركاتها الراقصة الجذابة، تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم. فبدت أمامي بأبهى صورة وأحلاها، وكأنها تسبح لله في حلقات ذكر وتهليل.
مسّت هذه الحركات اللطيفة أوتار قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيداً.. فخطر على البال - فجأة - موسما الخريف والشتاء وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال.. وبدأت أتألم على تلك الحَوَر الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألماً شديداً حتى اغرورقت عيناي واحتشدت على رأسي أحزان تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات!.
وبينما أنا في هذه الحالة المحزنة إذا بالنور الذي أتت به الحقيقة المحمدية عليه الصلاة والسلام يغيثني - مثلما يغيث كل مؤمن ويسعفه - فبدّل تلك الأحزان والغموم التي لا حدود لها مسرات وأفراحاً لا حد لها، فبتّ في امتنان أبدي ورضى دائم من الحقيقة المحمدية التي أنقذني فيض واحد من فيوضات أنوارها غير المحدودة، فنشر ذلك الفيض السلوان في أرجاء نفسي وأعماق وجداني..1
وجاء الأمر بنفيه إلى قضاء اميرداغ - رغم البراءة وتصديق محكمة التمييز - فسافر إليها في شهر آب 1944 وظل في أحد الفنادق أسبوعين لحين إيجار غرفة له، كان يدفع إيجارها.2
_____________________
1
الشعاعات/3152
T.Hayat, Emirdag hayati.