سيرة ذاتية - ص: 303
الفصل السادس
في منفى قسطموني
المدرسة النورية الثانية
1936-1943م
مدرسة نورية ثانية:
عندما ساقوني منفياً إلى قسطموني بعد أن أكملت سنة محكوميتي في سجن اسكي شهر1 و أنا الشيخ الهرم، مكثت موقوفاً هناك في مركز الشرطة حوالي ثلاثة اشهر. ولا يخـفى عليكم مدى الأذى الذي يلحق بمثلي في مثل هذه الأماكن، وقد انعزل عن الناس، ولا يتحمل البقاء حتى مع أصدقائه الأوفياء، ولا يطيق أن يبدل زيّه الذي اعتاد عليه.2
فبينما كان اليأس يحيط بي من كل جانب، إذا بالعناية الإلهية تغيث شيخوختي، إذ اصبح أفراد الشرطة المسؤولون في ذلك المخفر بمثابة أصدقاء أوفياء، حتى كانوا يخرجونني متى شئت للاستجمام والتجوال في سياحة حول المدينة وقاموا بخدمتي كأي خادم خاص، فضلاً عن أنهم لم يصروا عليّ بلبس القبعة مطلقاً.
ثم دخلتُ المدرسة النورية التي كانت مقابل ذلك المخفر في قسطموني3 وبدأت بتأليف الرسائل، وبَدأ كل من فيضي وأمين وحلمي وصادق ونظيف وصلاح الدين وأمثالهم من أبطال النور4 يداومون في تلك المدرسة لاجل نشر الرسائل
_____________________
1
في 27/ 3/ 19362
حيث اُكره الناس على لبس القبعة والزي الأوروبي بعد صدور (قانون القيافة).3
بيت صغير يقع أمام المخفر مباشرة، لكي يكون تحت المراقبة الدائمة، كان البيت مؤلفاً من طابقين: الطابق الأرضي مخزن للوقود، أما الطابق الثاني فكان مكوناً من غرفتين، وكان بديع الزمان يدفع إيجار هذا البيت بنفسه.4
هؤلاء الطلاب تعارفوا مع الأستاذ النورسي وعملوا لرسائل النور بعد سنتين من نفي الأستاذ الى قسطموني أي سنة 1938 إلا أمين چاير وهو من اشراف العشائر الكردية في الولايات الشرقية، و من بين المنفيين الى قسطموني، نصب له زاوية صغيرة لعمل الشاي للناس فاشتهر بـ"امين چايجي" هداه إخلاصه الى التعرف على الأستاذ النورسي. كان المحور في نشر الرسائل.. لازم الأستاذ النورسي في اغلب اوقاته في قسطموني. ثم سجن معه في سجن دنيزلي، توفي رحمه الله في "وان" عام 1967 حيث مسقط رأسه. وقد تعارف مع الأستاذ بهذه الوسيلة:"في أحد الايام وقع بصري على رجل عليه ملامح الوقار والعلم، فتوجهت نحوه وبعد السلام عليه سألته:
- من اين انت؟ أجابني:
- لا تقترب مني فرجال الشرطة يراقبونني، أخشى ان يصيبك منهم أذى.
وكان ما في هذا اللقاء من صدق واخلاص كافيين في جذبي اليه، والبحث عنه في كل مكان في المدينة، حتى وجدته في مركز الشرطة الكائن في السوق. وعرفت بعد ذلك انه يصعد احياناً الى قلعة (قسطموني) واحد افراد الشرطة يتعقبه.
فذات يوم جاءني شرطي ودعاني الى القلعة حيث الأستاذ هناك، وعندما التقينا قال للشرطي:
- اخي، ان هذا الرجل من معارفي، فلو سمحت لنا ان نتحدث معاً.. ابتعد الشرطي عنا وبدأ الأستاذ يشرح لي وضعه وظروفه الصعبة واعتلال صحته من اثر السم الذي دس له في الطعام. ثم قال انه محتاج الى شئ من السكر والشاي وما الى ذلك من الحوائج. وقال:
- انهم لا يسمحون لأحد من الناس ان يراني. فأنا أريد أن أقول للمفوض بأنني ارغب في بيع فراشي لكي يكون هذا البيع وسيلة اتصال بيني وبينك الى ان تحل هذه المعضلة. فمد يده الى جيبه واخرج ثلاث ليرات ذهبية ووضعها في يدي وقال:
- ان هذه الليرات الذهبية من بقايا ايام الحرب العالمية الأولى، كنت احتفظ بها منذ سنوات طويلة. فخذها واصرفها حسب احتياجاتي. قلت له:
- ان حالتي المعاشية جيدة ولا احتاج الى نقودك. فأجابني بقوله:
- انني لا اقبل شيئاً دون مقابل.
فأخذت القطع الذهبية وبدلت إحداها في السوق الى النقود المتداولة الحالية، وفي اليوم التالي ناداني المفوض وقال: ان هذا الأستاذ يريد ان يبيع فراشه. فهل تشتري فراشه؟ فأجبته: نعم.
ثم قال: كيف تعرف هذا الرجل؟ ومن اين؟ اجبت: انه أحد معارفي السابقين وكثيراً ما كان يرى بعضنا البعض الآخر.
وبعدما أبديت رغبتي واستعدادي لشراء الفراش اخدني الشرطي الى المركز لمقابلة الأستاذ وهو في الطابق الثاني. فرأيت الفراش وقدّرته بثمن خمس وعشرين ليرة واجّرته للاستاذ مرة أخرى فقلت:
- على شرط أن يدفع لي ثمن المبيت عليه يومياً.
وهكذا اصبحت بواسطة هذا الفراش اذهب الى المركز يومياً بحجة استلام الاجرة، فآخذ معي ما يحتاجه الأستاذ من ضروريات" ذكريات عن سعيد النورسي/46 عن
Son sahitler 2/96
سيرة ذاتية - ص: 304
وتكثيرها، وأبدوا في مذاكراتهم العلمية القيّمة التي أمضوها هناك جدارة تفوق ما كنت قضيتها ايام شبابي مع طلابي السابقين.1
العلوم تعرّف بالخالق:
جاءني فريق من طلاب الثانوية في قسطموني2 قائلين:
_____________________
1
اللمعات/4022
في تلك السنوات الحالكة مُسح مفهوم (الاله) ومسخت فكرة (الخالق) من الاذهان، وكانت معاول الهدم تهدم الإيمان بالله في نفوس الجيل الجديد، وتثير الحيرة فيها. يتحدث "عبد الله يكن" عن حيرته هذه عندما كان طالباً في المدرسة المتوسطة، فيقول بان مدرسيه لم يكونوا يتحدثون مطلقاً عن (الله) فكان يذهب هو وصديق له يدعى "رفعت" لزيارة بديع الزمان:"كنا أنا وصديقي رفعت نزوره على الدوام، فكان يتحدث معنا عن اهمية الإيمان، وعن وحدانية الله، وان الانسان لم يخلق للعيش بدون ضوابط، وكنا نحسّ في أعقاب كل زيارة بأننا قد ولدنا من جديد، وكانت نفوسنا تطفح بالسعادة المعنوية وبالبشر والفرح".ش/331
سيرة ذاتية - ص: 305
عرّفنا بخالقنا، فإن مدرسينا لا يذكرون الله لنا !.
فقلت لهم:
إن كل علم من العلوم التي تقرأونها يبحث عن الله دوما، ويعرّف بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فاصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين..
فمثلا: لو كانت هناك صيدلية ضخمة، في كل قنينة من قنانيها أدوية ومستحضرات حيوية، وضِعت فيها بموازين حساسة، وبمقادير دقيقة؛ فكما أنها ترينا أن وراءها صيدلياً حكيماً وكيميائياً ماهراً،كذلك صيدلية الكرة الأرضية التي تضم اكثر من أربعمائة ألف نوع من الأحياء - نباتا وحيوانا - وكل واحد منها في الحقيقة بمثابة زجاجة مستحضرات كيماوية دقيقة، وقنينة مخاليط حيوية عجيبة فهذه الصيدلية الكبرى تُري حتى للعميان صيدليّها الحكيم ذا الجلال، وتعرّف خالقها الكريم سبحانه بدرجة كمالها، وانتظامها، وعظمتها، قياسا على تلك الصيدلية التي في السوق، على وفق مقاييس علم الطب الذي تقرأونه..
[ثم يستطرد في ذكر الأمثلة إلى ان يقول:]
ومثلاً: لو كان هناك كتاب، كتب في كل سطر منه كتاب بخط دقيق، وكُتب في كل كلمة من كلماته سورة قرآنية، وكانت جميع مسائله ذات مغزى ومعنى عميق، وكلها يؤيد بعضها البعض، فهذا الكتاب العجيب يبين بلا شك مهارة كاتبه الفائقة، وقدرة مؤلفه الكاملة. أي أن مثل هذا الكتاب يعرّف كاتبه ومصنّفه تعريفا يضاهي وضوح النهار، ويبين كماله وقدرتَه، ويثير من الإعجاب والتقدير لدى الناظرين إليه ما لا يملكون معه الا ترديد: تبارك الله سبحان الله ما شاء الله! من كلمات الاستحسان والإعجاب؛ كذلك هذا الكتاب الكبير للكون الذي يُكتب في صحيفة واحدة منه - وهي سطح الأرض - ويُكتب في ملزمة واحدة منه - وهي الربيع - ثلاثمائة ألف نوع من الكتب المختلفة وهي طوائف الحيوانات وأجناس النباتات كل منها بمثابة كتاب.. يُكتب كل ذلك معا ومتداخلة بعضها ببعض دون اختلاط، ولا خطأ، ولا نسيان، وفي منتهى الانتظام والكمال بل يُكتب في كل كلمة منه - كالشجرة - قصيدة كاملة رائعة، وفي كل نقطة منه - كالبذرة - فهرس كتاب كامل. وان هذا مشاهد وماثل أمامنا، ويُرينا بالتأكيد وراءه قلماً سيالاً يسطر. فلكم ان تقدروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كل كلمة منه معان جمة وحكم شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسم - وهو العالم - إلى بارئه سبحانه وإلى كاتبه جل وعلا، قياسا إلى ذلك
سيرة ذاتية - ص: 306
الكتاب المذكور في المثال. وذلك بمقتضى ما تقرأونه من علم حكمة الأشياء او فن القراءة والكتابة، وتناولوه بمقياس اكبر، وبالنظرة الواسعة إلى هذا الكون الكبير وبذلك تفهمون كيف يعرّف الخالق العظيم بـالله اكبر وكيف يعلّم التقديس بـسبحان الله وكيف يحبّب الله سبحانه إلينا بثناء الحمد لله.
وهكذا فان كل علم من العلوم العديدة جداً، يدل على خالق الكون ذي الجلال - قياسا على ما سبق - ويعرّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويعلّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته. وذلك بما يملك من مقاييس واسعة، ومرايا خاصة، وعيون حادة باصرة، ونظرات ذات عبرة.
فقلت لأولئك الطلبة الشباب: ان حكمة تكرار القرآن الكريم من:
]خلقَ السمواتِ والأرض[و]ربّ السموات والأرض[ إنما هي لأجل الإرشاد إلى هذه الحقيقة المذكورة، وتلقين هذا البرهان الباهر للتوحيد، ولأجل تعريفنا بخالقنا العظيم سبحانه. فقالوا: شكراً لربنا الخالق بغير حد، على هذا الدرس الذي هو الحقيقة السامية عينها، فجزاك الله عنا خير جزاء ورضي عنك.1سعاة بريد النور:
بقي بديع الزمان في قسطموني ثماني سنوات استمر خلالها في مراسلة طلابه بشتى الوسائل متخطّياً العيون المترصدة لحركاته، إذ كانت رسائله تنقل سراً، ثم تستنسخ باليد ثم توزع على القرى، والنواحي، والمدن القريبة، فتشكلت بهذا سعاة بريد النور الذين كان واجبهم ينحصر في نقل الرسائل من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، كما انتظمت وقويت مسألة إستنساخ الرسائل، فهناك بعض الطَلبة الذين استنسخوا وحدهم أكثر من ألف رسالة، وبهذه الطريقة اُستنسخت رسائل النور كتابة باليد ستمائة ألف نسخة. وانتشرت في أرجاء تركيا تدريجياً منتصرة على جيوش الظلام، ومعلنةً بأنه لا يمكن إطفاء نور الإسلام ابداً.
جمعت الرسائل التوجيهية التي تشمل نواحي دقيقة في فقه الدعوة إلى الله، ومسائل إيمانية دقيقة، تحت عنوان ملحق قسطموني.2
_____________________
1
الشعاعات/2572
T,H, Kastamonu Hayati بلغ عدد المكاتيب المسلية والتوجبهبة الملحقة التي بعثها الأستاذ النورسي من قسطموني الى طلابه في اسپارطة وغيرها من المدن (275 )مكتوباً، منها العامة والخاصة. ب/2/844
سيرة ذاتية - ص: 307
نماذج من الرسائل التوجيهية
نتائج دنيوية في العمل للنور:
اخوتي الأعزاء الصادقين!
أهنئكم بالعيد السعيد واثمن خدماتكم الجليلة وادعوه تعالى ان يوفقكم فيها واشكر خالقي الرحيم شكراً لا يتناهي إذ جعل من اخوة ثابتين مضحين من أمثالكم مالكين لرسائل النور وناشرين لها. فكلما تذكرتكم امتلأت روحي انشراحاً وقلبي فرحاً، فلا تكون مغادرتي الدنيا موضع أسف، بل أنظر إلى الموت كصديق، لدوام حياتي ببقائكم أنتم، فانتظر أجلي دون قلق واضطراب.
ليرضَ الله عنكم ابداً... آمين. آمين.
مثلما يشعر اغلب العاملين من طلاب رسائل النور نوعاً من الكرامة والإكرام الإلهيين، يشعر أخوكم هذا العاجز بأغلب أنواعها وأنماطها، وذلك لشدة حاجته إليها.
وطلاب النور الموجودون في هذه المناطق يعترفون مقسمين بالله: أننا كلما انشغلنا في خدمة النور وجدنا السعة في المعيشة والانشراح في القلب، وفرحاً غامراً يملأ كياننا. إنني كذلك أشعر بهذا في كياني كله شعوراً تاماً بحيث تسكت نفسي الأمارة وشيطاني ايضاً محتارين أمام تلك البداهة.1
وظيفة المنتسب إلى رسائل النور:
ان أهم وظيفة للمنتسب إلى رسائل النور، كتابتها، ودعوة الآخرين إلى كتابتها، وتعزيز انتشارها. فالذي يكتبها أو يستكتبها، يكسب عنوان طالب رسائل النور، فيغنم بهذا العنوان حظًا من مكتسباتي المعنوية، ومن دعواتي الخيرة وتضرعاتي التي ادعوها كل أربع وعشرين ساعة بمائة مرة بل يزيد احياناً. فضلاً عن ذلك يكسب حظاً من مكتسبات معنوية لألوف من إخواني البررة ومن دعواتهم الطيبة التي يدعون الله بها.
وعلاوة على ذلك فانه بكتابته الرسائل التي هي بمثابة أربعة أنواع من عبادة مقبولة يكسبها بأربعة وجوه.. إذ يقوي إيمانه.. ويسعى لإنقاذ إيمان غيره من المهالك.. وينال التفكر الإيماني الذي يكون بمثابة عبادة سنة احياناً كما ورد في الأثر ويدفع غيره إلى هذا التفكر.. ويشترك في حسنات أستاذه الذي لا يجيد الخط
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/113
سيرة ذاتية - ص: 308
ويقاسي من الأوضاع الشديدة ما يقاسي بمعاونته له..
نعم، يستطيع ان يكسب أمثال هذه الفوائد الجليلة.1
صداقة الأبطال:
أخي فيضي!2
ان كنت ترغب ان تكون مثيل أبطال ولاية اسپارطة، عليك أن تشبههم وتكون مثلهم تماماً. فلقد كان معنا في السجن3 شيخ عظيم ومرشد مرموق ذو جاذبية من أولياء الطريقة النقشبندية - رحمه الله - جالَسَ ما يقرب من ستين من طلاب النور طوال أربعة اشهر وحاورهم محاورات مغرية لجلبهم إلى الطريقة، الاّ انه لم يتمكن الاّ على ضم واحدٍ منهم إلى صفه، وبصورة مؤقتة. أما الباقون فقد ظلوا مستغنين عنه وهو الولي الصالح، إذ كفتهم الخدمة الإيمانية الرفيعة التي تقدمها رسائل النور، واطمأنوا بها. ولقد فقه أولئك الأبطال بقلوبهم الواعية ورأوا ببصيرتهم النافذة الحقيقة الآتية:
ان خدمة رسائل النور هي إنقاذ الإيمان، أما الطريقة والمشيخة فهي تكسب المرء مراتب الولاية. وان إنقاذ إيمان شخص من الضلال أهم بكثير واجزل ثواباً من رفع عشرة من المؤمنين إلى مرتبة الولاية؛ حيث أن الإيمان بمنحه للإنسان السعادة الأبدية يضمن له ملكاً أوسع من الأرض كلها. أما الولاية فإنها توسّع من جنة المؤمن وتجعلها أسطع وابهر. وكما ان رفع مرتبة إنسان اعتيادي إلى سلطان، أعظم من رفع عشرة من الجنود إلى مرتبة القائد، كذلك الثواب اعظم واجزل في إنقاذ إيمان إنسان من الضلالة، من رفع عشرة من الناس إلى مرتبة أولياء صالحين. فهذا السر الدقيق هو الذي أبصرته القلوب النفاذّة لإخوانك في اسپارطة، وان لم تره عقول قسم منهم. ولهذا فضّلوا صداقة شخص ضعيف مذنب مثلي، على صداقة أولياء عظام بل على مجتهدين ان وجدوا.
فبناء على هذه الحقيقة:
لو ان قطباً من أقطاب الأولياء أو شيخاً جليلاً كالگيلاني، أتى إلى هذه المدينة وقال لك سأرفع مرتبتك إلى مرتبة الولاية في عشرة أيام، وذهبت إليه تاركاً رسائل
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/1142
هو محمد فيضي ولد في قسطموني سنة 1912. لازم الأستاذ ست سنوات في قسطموني وسجن معه سنة 1943 في دنيزلي وسنة 1948 في افيون صاحب تقوى وعلم يشار إليه. توفي سنة 1990 تغمده الله برحمته الواسعة.3
المقصود سجن اسكي شهر
سيرة ذاتية - ص: 309
النور، فلا تستطيع أن تصادق أبطال اسپارطة.1
ورطة المتدينين:
ان هذا العصر العجيب الذي اثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية بما كثّر عليه من متطلبات الحياة وضيق عليه مواردها، وحوّل حاجاته غير الضرورية إلى ضرورية بما ابتلاه من تقليد الناس بعضهم بعضاً، ومن التمسك بعادات مستحكمة فيهم، حتى جعل الحياة والمعاش هي الغاية القصوى والمقصد الأعظم للإنسان في كل وقت.
فهذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجاباً دون الحياة الدينية والأخروية والأبدية، او في الأقل جعلها امراً ثانوياً او ثالثياً بالنسبة له. لذا جوزي الإنسان على خطئه هذا بلطمة قوية شديدة حوّلت دنياه جحيماً لا تطاق. وهكذا يتورط المتدينون ايضاً في هذه المصيبة الرهيبة، ولا يشعر قسم منهم انهم قد وقعوا في الورطة. واذكر مثالاً:
رأيت عدداً من الأشخاص - من أهل التقوى - يرغبون في الدين ويحبون ان يقيموا أوامره كي يوفقوا في حياتهم الدنيوية ويفلحوا في أعمالهم. حتى ان منهم من يطلب الطريقة الصوفية لاجل ما فيها من كرامات وكشفيات. بمعنى انه يجعل رغبته في الآخرة وثمارها تكأة ومرتبة سلم للوصول إلى أمور دنيوية، ولا يعلم هذا ان الحقائق الدينية التي هي أساس السعادة الدنيوية كما هي أساس السعادة الأخروية، لا تكون فوائدها الدنيوية الاّ مرجحة ومشوقة، فلو ارتقت تلك الفائدة إلى مرتبة العلة لعمل البر، فإنها تبطله، وفي الأقل يفسد إخلاصه، ويذهب ثوابه. وقد ثبت بالتجربة ان افضل منقذ من ظلم هذا العصر المريض الغادر المشؤوم ومن ظلماته الدامسة؛ هو النور الذي تشعه رسائل النور بموازينها الدقيقة وموازناتها السديدة. يشهد على صدق هذا أربعون ألف شاهد.
بمعنى ان القريبين من دائرة رسائل النور ان لم يدخلوها ، فهناك احتمال قوي لهلاكهم.2
الحقائق الإيمانية أول المقاصد:
بينما ينبغي ان تكون الحقائق الإيمانية أول مقصد وأسبقه في هذا الزمان وتبقى سائر الأمور في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، وفي الوقت الذي ينبغي ان تكون
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/1322
الملاحق- قسطموني/145
سيرة ذاتية - ص: 310
خدمة الحقائق الإيمانية برسائل النور اجلّ وظيفة وموضع اهتمام ولهفة ومقصودة بالذات، إلاّ ان أحوال العالم الحاضرة ولاسيما الحياة الدنيوية ولاسيما الحياة الاجتماعية والحياة السياسية خاصة وأخبار الحرب العالمية بالأخص - التي هي تجل من تجليات غضب الله النازل عقاباً لضلالة المدنية الحاضرة وسفاهتها - والتي تستميل الناس إلى جانبها وتهيج الأعصاب والعروق حتى تدخل إلى باطن القلب، بل حتى مكّنت فيه الرغبات الفاسدة المضرة بدلاً من الحقائق الإيمانية الرفيعة النافعة. فهذا العصر المشؤوم قد غرز الناس بهذه الأمور ومازال، ولقّحهم بأفكاره ومازال، بحيث جعل العلماء الذين هم خارج دائرة رسائل النور، بل بعض الأولياء ينـزلون حكم الحقائق الإيمانية إلى الدرجة الثانية والثالثة بسبب ارتباطهم بتلك الحياة السياسية والاجتماعية منجرفين مع تلك التيارات، فيولون حبهم للمنافقين الذين يبادلونهم الفكر نفسه، ويعادون من يخالفهم الرأي من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية وينتقدونهم. حتى جعلوا المشاعر الدينية تابعة لتلك التيارات.
فتجاه هذه المهالك العجيبة التي يحملها هذا العصر، فان خدمة رسائل النور والانشغال بها قد اسقطا من عيني التيارات السياسية الحاضرة، إلى درجة لم اهتم في غضون هذه الشهور الأربعة بأخبار هذه الحرب ولم أسأل عنها.
ثم ان طلاب رسائل النور الخواص وهم منهمكون بمهمة نشر الحقائق الإيمانية الثمينة لا ينبغى لهم أن يورثوا الفتور في وظيفتهم المقدسة بمشاهدة لعب الشطرنج للظالمين ولا يعكّروا صفو أذهانهم وأفكارهم بالنظر إلى لعبهم.فلقد وهب لنا سبحانه وتعالى النور والمهمة النورانية، وأعطاهم لعباً مظلمة ظالمة، فهم يستنكفون منا ولا يمدون يد المعاونة إلينا ولا يرغبون فيما لدينا من أنوار سامية. فمن الخطأ التنـزل إلى مشاهدة لعبهم المظلمة على حساب وظيفتنا.
فالأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية التي هي ضمن دائرتنا كافيتان ووافيتان لنا.1
تعديل الشفقة المفرطة:
لما كانت شفقة الإنسان تجلٍ من تجليات الرحمة الربانية، لا ينبغى تجاوز درجة الرحمة الإلهية والمغالاة اكثر من رحمة من هو رحمة للعالمين صلىالله عليه وسلم، فلو تجاوزها وغالى بها فإنها ليست رحمة ولا رأفة قط، بل هي مرض روحي وسقم قلبي يفضي إلى الضلالة والإلحاد.
فمثلاً: ان الإنسياق إلى تأويل عذاب الكفار والمنافقين في جهنم، وما يترتب
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/149
سيرة ذاتية - ص: 311
على الجهاد وامثالها من الحوادث - من جراء ضيق شفقة المرء عن استيعابه وعدم تحملها له - إنكار لقسم عظيم من القرآن الكريم والأديان السماوية وتكذيب له، وهو ظلم عظيم وعدم رحمة في منتهى الجور في الوقت نفسه؛ لان حماية الوحوش الكاسرة والعطف عليها، وهي التي تمزق الحيوانات البريئة، غدر عظيم تجاه تلك الحيوانات البريئة، ووحشية بالغة نابعة من فقدان الوجدان والضمير.
فالتعاطف إذن وموالاة أولئك الذين يبيدون حياة ألوف المسلمين الأبدية ويمحونها، ويسوقون مئات المؤمنين إلى سوء العاقبة بدفعهم إلى ارتكاب الذنوب والخطايا، والدعاء لأولئك الكفار والمنافقين، رحمةً بهم وعطفاً عليهم لينجوا من العقاب الشديد، لاشك انه ظلم عظيم وغدر شنيع تجاه أولئك المؤمنين المظلومين.
وقد أثبتت رسائل النور اثباتاً قاطعاً: ان الكفر والضلالة تحقير عظيم للكائنات وظلم شنيع للموجودات، ووسيلة لرفع الرحمة الإلهية ونزول المصائب والبلايا، حتى وردت روايات من ان الأسماك التي في قعر البحر تشكو إلى الله ظلم الجناة، لسلبهم راحتها.
ولهذا فالذي يرأف ويعطف على تجرع الكافر صنوف العذاب في النار، يعني أنه لا يرأف ولا يعطف على أبرياء لا يحصيهم العد ممن هم أليق بالرأفة وأجدر بالعطف بل ولا يشفق عليهم، بل يظلمهم ظلماً فاضحاً.
ولكن هناك أمر آخر وهو:
ان البلاء عندما ينـزل بالمستحقين له، يُبتلى به الأبرياء ايضاً. وعندها لا يمكن عدم الرأفة بهم. الاّ ان هناك رحمة خفية لأولئك الأبرياء المظلومين الذين تضرروا من ذلك البلاء النازل بالجناة.
ولقد كنت - في وقت ما في الحرب العالمية الأولى - أتألم كثيراً من المظالم والقتل الذي يرتكبه الأعداء تجاه المسلمين ولاسيما تجاه أطفالهم وعوائلهم، وكنت أتعذّب عذاباً يفوق طاقتي - لما فيّ من شفقة مفرطة ورأفة متزايدة - وحينها ورد على القلب فجأة الآتي:
ان أولئك الأبرياء المقتولين يُستشهدون ويصبحون أولياء صالحين، وان حياتهم الفانية تُبدل إلى حياة باقية، وان أموالهم الضائعة تصبح بحكم الصدقة فتبدل إلى أموال باقية. بل حتى لو كان أولئك المظلومون كفاراً فان لهم من خزينة الرحمة الإلهية مكافآت بالنسبة لهم كثيرة - مقابل ما عانوا من البلاء في الدنيا - بحيث لو رفع ستار الغيب فان ما ينالونه من رحمة ظاهرة يدفعهم إلى ان يلهجوا بـ: الشكر لله والحمد لله.
عرفت هذا، واقتنعت به قناعة تامة، ونجوت بفضل الله من الألم الشديد الناشئ
سيرة ذاتية - ص: 312
من الشفقة المفرطة.1
مصير الأبرياء من الكفار في البلايا:
لقد مسّ مسّاً شديداً مشاعري وأحاسيسي المفرطة في الرأفة والعطف ما أصاب الضعفاء المساكين من نكبات وويلات ومجاعات ومهالك من جراء هذه الطامة البشرية التي نزلت بهم وفي هذا الشتاء القارس... ولكن على حين غرة نُبّهتُ إلى:
ان هذه المصائب وامثالها ينطوي تحتها نوع من الرحمة والمجازاة - حتى على الكافر - بحيث يهوّن تلك المصيبة، فتظل هينة بسيطة بالنسبة إليهم. واصبح هذا التنبيه مرهماً شافياً لإشفاقي المؤلم على الأطفال والعوائل في أوروبا وروسيا، رغم أنني لم أتلق شيئاً عن أوضاع الدنيا وأخبار الحرب منذ بضعة أشهر.
نعم، إن الذين نزلت بهم هذه الكارثة العظمى - التي ارتكبها الظالمون - إن كانوا صغاراً وإلى الخامسة عشرة من العمر، فهم في حكم الشهداء، من أي دين كانوا. فالجزاء المعنوي العظيم الذي ينتظرهم يهوّن عليهم تلك المصيبة.
أما الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر، فان كانوا أبرياء مظلومين، فلهم جزاء عظيم ربما ينجيهم من جهنم، لأن الدين - ولاسيما الإسلام - يُستر بستار اللامبالاة في آخر الزمان، وان الدين الحقيقي لسيدنا عيسى عليه السلام سيحكم ويتكاتف مع الإسلام. فيمكن القول بلا شك ان ما يكابده المظلومون من النصارى المنتسبين إلى سيدنا عيسى عليه السلام والذين يعيشون الآن في ظلمات تشبه ظلمات الفترة وما يقاسونه من الويلات تكون بحقهم نوعاً من الشهادة. ولاسيما الكهول واهل النوائب والفقراء والضعفاء المساكين الذين يقاسون النكبات والويلات تحت قهر المستبدين والطغاة الظالمين.
وقد بلغتني من الحقيقة: ان تلك النكبات والويلات كفارة بحقهم من الذنوب المتأتية من سفاهات المدنية وكفرانها بالنعم ومن ضلالات الفلسفة وكفرها، لذا فهي أربح لهم مائة مرة.
وبهذا وجدتُ السلوان والعزاء من ذلك الألم المعذب النابع من العطف المتزايد، فشكرتُ الله شكراً لا نهاية له.
أما أولئك الظالمون الذين يسعّرون نار تلك الفتن والنكبات، أولئك السفلة من شياطين الأنس والجبابرة الطغاة الذين ينفذونها اشباعاً لمنافعهم الشخصية، فهم يستحقون ذلك العذاب المهين، فهو بحقهم عدالة ربانية محضة.
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/123
سيرة ذاتية - ص: 313
ولكن ان كان الذين يقاسون تلك النكبات هم ممن يهرعون إلى نجدة المظلومين ويكافحون في سبيل تحقيق راحة البشرية والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية. فلابد ان النتائج المعنوية والأخروية لتلك التضحيات الجسام كبيرة جداً بحيث تجعل تلك الويلات بحقهم مدار شرف واعتزاز لهم بل وتحببها إليهم.1
خدمتنا تسعى لإنقاذ النظام والأمن:
جاءني موظف مسؤول، له علاقة معنا ومع السياسة ومنشغل بمراقبتنا كثيراً فقلت له:
إنني لم أراجعكم منذ ثماني عشرة سنة، ولم اقرأ صحيفة واحدة من الصحف، وها قد مرت ثمانية شهور لم أسأل ولو مرة واحدة ما يحدث في العالم، ولم اعر سمعي إلى الراديو الذي يُسمع هنا منذ ثلاث سنوات. كل ذلك كي لا يلحق ضرر معنوي بخدمتنا السامية.
والسبب في ذلك هو:
ان خدمة الإيمان وحقائق الإيمان هي اجلّ من كل شئ في الكون. فلا تكون أداة لأي شئ كان. فان خدمة القرآن الكريم قد منعتنا كلياً من السياسة. حيث ان:
أهل الغفلة والضلالة في هذا الزمان الذين يبيعون دينهم للحصول على حطام الدنيا ويستبدلون بالألماس القطع الزجاجية المتكسرة، يحاولون اتهام تلك الخدمة الإيمانية بأنها أداة لتيارات قوية خارج البلاد وذلك للتهوين من شأنها الرفيع.
فأنتم يا أهل السياسة والحكومة! لا تنشغلوا بنا بناءً على الظنون والأوهام، بل عليكم ان تذللوا المصاعب لنا وتسهّلوا الطريق أمامنا. لأن خدمتنا تؤسس الأمن والاحترام والرحمة فتسعى لإنقاذ النظام والأمن والحياة الاجتماعية من الفوضى والإرهاب. فخدمتنا ترسي ركائز وظيفتكم الحقيقية وتقويها وتؤيدها.2
زمان الجماعة:
ان هذا الزمان - لأهل الحقيقة - زمان الجماعة، وليس زمان الشخصية الفردية وإظهار الفردية والأنانية. فالشخص المعنوي الناشئ من الجماعة ينفذ حكمه ويصمد تجاه الأعاصير. فلأجل الحصول على حوض عظيم، ينبغي للفرد إلقاء
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/1462
الملاحق- قسطموني/159
سيرة ذاتية - ص: 314
شخصيته وأنانيته التي هي كقطعة ثلج في ذلك الحوض وإذابتها فيه. والاّ ستذوب حتماً تلك القطعة من الثلج، وتذهب هباءً وتفوت الفرصة من الاستفادة من ذلك الحوض أيضاً.
انه لمن العجب وموضع الأسف إذ بينما يضيّع أهل الحق والحقيقة القوة العظمى في الاتفاق بالاختلاف فيما بينهم، يتفق أهل النفاق والضلالة للحصول على القوة المهمة فيه - رغم اختلاف مشاربهم - فيغلبون تسعين بالمائة من أهل الحقيقة مع انهم لا يتجاوزون العشرة بالمائة.1
التقوى والعمل الصالح:
لقد فكرت - في هذه الأيام - في أسس التقوى والعمل الصالح، اللذين هما اعظم أساسين في نظر القرآن الكريم بعد الإيمان.
فالتقوى: هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات. والعمل الصالح: هو فعل المأمور لكسب الخيرات.
ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار - الأخلاقي والروحي - وبإثارة هوى النفس الأمارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها.. تصبح التقوى أساساً عظيماً جداً بل ركيزة الأسس، وتكسب أفضلية عظيمة حيث انها دفع للمفاسد وترك للكبائر، إذ ان درء المفاسد أولى من جلب المنافع قاعدة مطردة في كل وقت.
وحيث ان التيارات المدمرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت، فقد أصبحت التقوى اعظم أساس واكبر سد لصد هذا الدمار الرهيب. فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن الله، إذ التوفيق إلى عمل خالص مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جداً.
ان عملاً صالحاً ولو كان قليلاً يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة والظروف العصيبة.
ثم ان هناك نوعاً من عمل صالح ضمن التقوى نفسها، لان ترك الحرام واجب والقيام بالواجب ثوابه اكثر من كثير من السنن والنوافل.
ففي مثل هذه الأزمان التي تهاجم الذنوب والسيئات الإنسان من كل جانب يكون اجتنابُ أثمٍ واحد مع عمل قليل، بمثابة ترك لمئات من الآثام - التي تترتب على ذلك الإثم - وقيام بمئات من الواجبات.
هذه النقطة جديرة بالاهتمام، ولا تحصل الا بالنية الخالصة وبالتقوى وقصد
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/163
سيرة ذاتية - ص: 315
الفرار من الآثام والذنوب، ويغنم المرء بها ثواب أعمال صالحة نشأت من عبادة لم يصرف فيها جهداً.
ان أهم وظيفة تقع على عاتق طلاب النور خدام القرآن الكريم، في هذا الوقت هي:
اتخاذ التقوى أساساً في الأعمال كلها، ثم التحرك وفقها أمام تيار الدمار الرهيب المهاجم والآثام المحيطة بهم، إذ يواجه الإنسان ضمن أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة مئات من الخطايا في كل دقيقة، فالتقوى هي التي تجعل - دون ريب - الإنسان كأنه يقوم بمئات من الأعمال الصالحة، وذلك باجتنابه تلك المحرمات.
من المعلوم ان عشرين شخصاً في عشرين يوماً لا يستطيعون بناء عمارة واحدة في حين يستطيع ان يهدمها شخص واحد في يوم واحد.
لذا فالذي يقوم بالهدم والدمار ينبغي ان يقابَل بعشرين ممن يبنون ويعمرون تلك النواحي، بيد أننا نرى العكس. فالألوف من الهدامين لا يقابلهم الا معمر واحد وهو رسائل النور.
لذا فمقاومة خدام القرآن الكريم وحدهم تلك التخريبات المريعة إنما هي عمل خارق جداً. فلو كانت هاتان القوتان المتقابلتان على مستوى واحد من القوة، لكنت ترى في التعمير والبناء - الروحي والأخلاقي - خوارق وفتوحات عظيمة جداً.
ولنضرب مثلاً واحداً فقط:
ان أعظم ركيزة في الحياة الاجتماعية هي: توقير الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير. الا أننا نرى ان هذا الأساس قد تصدع كثيراً. حتى إننا نسمع اخباراً مؤلمة جداً، وحوادث مفجعة جداً تجاه الآباء والأمهات، تقع من جراء خراب هذا الأساس الراسخ.
ولكن بفضل الله فان الرسائل القرآنية أينما حلت قاومت الدمار، وحالت دون تهدم هذا الأساس الاجتماعي المتين، بل حاولت تعميره.
فكما يعيث ياجوج وماجوج في الأرض الفساد بخراب سد ذي القرنين، فان فساداً أبشع من فساد ياجوج وماجوج قد دبّ في العالم وأحاطه بظلمات الإرهاب والفوضى وعمت الحياة والأخلاق مظالم شنيعة وإلحاد شنيع.. فظهر الفساد في البر والبحر، نتيجة تزلزل السد القرآني العظيم، وهو الشريعة المحمدية الغراء.
سيرة ذاتية - ص: 316
لذا فان الجهاد المعنوي لطلاب النور ضد هذا التيار الجارف يعدّ - بإذن الله - جهاداً عظيم الثواب ، إذ فيه قبس من جهاد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين يثابون بعمل قليل ثواباً عظيماً.
فيا اخوتي الأعزاء:
في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذه الأحداث الجسام، فان اعظم قوة لدينا - بعد قوة الإخلاص - هي قوة الاشتراك في الأعمال الأخروية إذ يكتب كل منكم في دفتر أعمال اخوته حسنات كثيرة مثلما يرسل بلسانه الإمداد والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها.
وان أخاكم الفقير والعاجز هذا السعيد الذي اشتدت عليه غارات الهجوم من كل جهة، هو أحوج ما يكون إلى مساعدتكم في هذه الأشهر الثلاثة المباركة، وفي هذه الأيام المشهودة.
ولا استبعد هذا منكم قط، فانتم أهل لهذا السعي، وانتم الأبطال الأوفياء المشفقون على حال أخيكم، وأنا اطلب منكم هذا الإمداد المعنوي بكل جوارحي ومن صميم روحي.
وبدوري سأشرك الطلاب في دعواتي وحسناتي المعنوية، بل ربما أدعو لكم في اليوم اكثر من مائة مرة باسم طلاب النور، بشرط الالتزام بالإيمان والوفاء، وذلك دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.1
لمَِ ننشغل بالرسائل وحدها؟
يقولون: ان سعيداً لا يقتني كتباً أخرى لديه، بمعنى انه لا تعجبه تلك الكتب بل لا تعجبه حتى كتب الإمام الغزالي فلا يجلب إليه مؤلفاته.
فبهذه الكلمات العجيبة التي لا معنى لها يكدّرون أذهان الناس. ألا ان الذين يروجون مثل هذه الإشاعات إنما هم أهل الزندقة، ولكن يجعلون العلماء الساذجين وبعضاً من أهل التصوف وسيلة لذلك.
ونحن نقول تجاه هذا:
حاش لله مائة مرة حاش لله... ان مهمة رسائل النور وطلابها هي الحفاظ على مسلك أستاذهم حجة الإسلام الإمام الغزإلى، والذود عنه ما وسعهم وإنقاذه من هجمات أهل الضلالة.. وهو أستاذي الوحيد الذي يربطني بالإمام علي رضي الله عنه، ولكن في زمانهم لم يكن هجوم الزندقة الرهيبة- كما في هذا العصر- يزعزع
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/168
سيرة ذاتية - ص: 317
أركان الإسلام. لذا فالأسلحة التي استعملها أولئك العلماء المحققون الأجلاء، والمجتهدون العظام حسب عصورهم في المناظرات والمناقشات العلمية والدينية لا يُحصل عليها بسرعة، بل يحتاج إلى وقت، ولا تُقهر أعداء هذا الزمان قهراً تاماً. الاّ ان رسائل النور باستلهامها القرآن المبين قد وجدت أسلحة يمكن الحصول عليها بسرعة، وهى قوية نافذة، وفي الوقت نفسه تمزق العدو وتجعلهم شذر مذر، لذا لا تُراجع مصانع أسلحة أولئك الافذاد السامين الميامين. لان القرآن الكريم الذي هو مصدرهم جميعاً ومنبعهم ومرجعهم وأستاذهم قد اصبح استاذاً كاملاً لرسائل النور. فضلاً عن ذلك فالوقت ضيق ونحن ضعفاء، فلا نجد متسعاً من الوقت كي نستفيد من تلك الآثار النورانية، علاوة على ذلك فان هناك مئات الأضعاف من أمثال طلاب رسائل النور ينشغلون بتلك الكتب وهم يؤدون تلك الوظيفة ونحن أودعناها لهم. والاّ - حاش وكلاّ- فنحن نحب تلك الآثار الطيبة الميمونة لأساتذتنا السامين أولئك بقدر ما نحب أرواحنا وكياننا، ولكن لكل منا دماغ واحد ويد واحدة ولسان واحد، وتجاهنا ألوف المتعدين والوقت ضيق. وحيث أننا شاهدنا آخر سلاح أوتوماتيكي أمامنا وهو براهين رسائل النور، اضطررنا إلى الاكتفاء بذلك السلاح والاعتصام به.1
أسس العمل مع المعترضين:
لما كان أولياء الله الصالحون لا يمكنهم ان يعرفوا الغيب - إن لم يلهمهم الله سبحانه تعالى - حيث لا يعلم الغيب الاّ الله؛ لذا فان اعظم ولي صالح لا يستطيع ان يطلع على حقيقة وواقع الحال عند ولي آخر، بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته، وما حدث فيما بين بعض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، خير دليل على هذا. وهو يعنى ان وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهما على الآخر، فان ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنـزلتها الاّ إذا كان هناك أمر يخالف مخالفة كلية لظاهر الشريعة. لذا:
اتباعاً لدستور الآية الكريمة:
]والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس[(آل عمران: 134).وحفاظاً على إيمان المؤمنين من التصدع، وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم أو رؤسائهم.
وبناء على ما يلزم من إنقاذ الأركان من طلاب النور المخلصين من سَورة
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/192
سيرة ذاتية - ص: 318
الغضب المضرة - مع كونها محقة - على اعتراضات باطلة.
واجتناباً لما يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفتين من أهل الحق بجرح الطائفة الأولى بسلاح الأخرى واعتراضاتها، وتهوين شأن الثانية بدلائل الأولى ثم دحرهما معاً.
على طلبة النور حسب الأسس المذكورة:
الاّ يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور، ولا يقابلوهم بالمثل. بل عليهم ان يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب، مع إظهار روح المصالحة، والإجابة بوضوح عن نقاط الإعتراض، حيث ان الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل شخص لا يريد ان يذيب أنانيته - التي هي كقطعة ثلج بطول قامته - ولا يرغب في تغييرها بل يسوّغ لنفسه ويراها معذورة دائماً. وها هنا ينشأ النـزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله.
ان حادثة الإعتراض في استانبول تومئ إلى ان بعض العلماء المعجبين بمشربهم والأنانيين من المتصوفة وبعض المرشدين وأهل الحق ممن لم يقتلوا نفوسهم الأمارة بالسوء ولم ينجوا من ورطة حب الجاه سيعترضون على رسائل النور وطلابها، حفاظاً على رواج مشربهم ومسلكهم، وتوجّه اتباعهم إليهم. بل هناك احتمال قوي ان تكون المقابلة شديدة.. فعند وقوع مثل هذه الحوادث علينا بالتأني، وضبط النفس، والثبات، وعدم الولوج في العداء، وعدم التهوين من شأن رؤساء الطائفة المعارضة...
فلو افترض - فرضاً محالاً - ان اعتراضاً على رسائل النور ورد حتى من القطب الأعظم ومن مكة المكرمة، فان طلاب رسائل النور يثبتون ولا يتزعزعون، بل يتلقون اعتراض ذلك القطب الأعظم على صورة التفاتة كريمة وتحية وسلام. ويحاولون كسب توجهه وتقبيل يده وإيضاح مدار الإعتراض لأستاذهم العظيم.1
رزق طالب العلم:
لقد اقتنعت قناعة تامة بعد حوالي ألف من التجارب أنه:
في اليوم الذي أكون في خدمة رسائل النور أشعر بانكشاف وانبساطٍ وفرح وبركة في قلبى وفي بدني وفي دماغي وفي معيشتي حسب درجة تلك الخدمة. وقد شعرت من اخوتي الكثيرين - سواءً هنا أم هناك - الحالة نفسها ومازلت أشعر بها،
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/199
سيرة ذاتية - ص: 319
وكثيرون يعترفون قائلين: أننا نشعر بها ايضاً. حتى أنني اعتقد - كما كتبته لكم في السنة الماضية - ان السر في عيشي الكفاف وما يقيم الأود قد كان من تلك البركة.
وهناك رواية عن الإمام الشافعي رضي الله عنه انه قال: أنا ضامن رزق طالب العلم الخالص؛ لان في رزقهم بركة وسعة.
ولما كانت الحقيقة هي هذه وان طلاب رسائل النور قد اظهروا الأهلية التامة لعنوان طالب العلم في هذا الزمان، فلا ينبغي التخلي عن خدمة رسائل النور تجاه هذا القحط والجوع المنتشر. مع إدراك ان افضل علاج لهذا هو الشكر والقناعة والارتباط بصفة الطالب لرسائل النور، وعدم ترك الخدمة بحجة الضرورة لهاثاً وراء متطلبات العيش.1
الحكمة في قراءة الرسائل:
قبل حوالي ثلاثة أيام استمعت إلى الكلمة الثانية والعشرين أثناء تصحيحها. ورأيت ان فيها: ذكراً كلياً، وفكراً واسعاً، وتهليلاً كثيراً، ودرساً ايمانياً قوياً، وحضوراً بلا غفلة، وحكمة سامية، وعبادة فكرية رفيعة وامثالها من الأنوار وأدركت الحكمة في قيام قسم من الطلاب بكتابة الرسائل أو قراءتها أو الاستماع إليها بنية العبادة. فباركت عملهم وصدّقتهم.2
لا تفسحوا المجال للانتقاد:
اخوتى الأعزاء الأوفياء! حذار حذار.. لا تفسحوا المجال لانتقاد بعضكم البعض الآخر فيستغل أهل الضلالة اختلاف مشاربكم وعروقكم الضعيفة وحاجاتكم المعيشية. صونوا آراءكم من التشتت بإقامة الشورى الشرعية بينكم، اجعلوا دساتير رسالة الإخلاص نصب أعينكم دائماً. وبخلاف هذا فان اختلافاً طفيفاً في هذا الوقت يمكن ان يلحق اضراراً بليغة برسائل النور.3
_____________________
1
الملاحق- قسطموني/2012
الملاحق- قسطموني/2183
الملاحق- قسطموني/212
سيرة ذاتية - ص: 320
تأليف رسالة الآية الكبرى
1أنموذج من الرسالة 2
نودّ هنا بيان ثلاثة أمثلة عن الأفعال الربانية - من بين الآلاف منها - مما تشير إليها الآيات الثلاث المتصلة بعضها ببعض في سورة النحل، ومع ان كل فعل منها يحتوي على نكات لا حصر لها الاّ أننا نذكر منها هنا ثلاثاً فقط.
الآية الأولى:
]
وأوحى ربُّكَ إلى النَّحلِ أن اتَّخِذي منَ الجبالِ بيوتاً[ (النحل: 68).
_____________________
1
تأليفاته الأخرى في قسطموني:1-الشعاع الثالث (رسالة المناجاة)
2-الشعاع الرابع (الرسالة الحسبية)
3-الشعاع الخامس ( رسالة أشراط الساعة وصفات الدجال والسفياني »تنظيم«)
4-الشعاع السادس (في معاني التشهد و الصلوات)
5-الشعاع الثامن (الكرامة العلوية)
6-الشعاع التاسع (في إثبات الحشر)
7، 8، 9-تبييض الشعاع الأول والثاني ، وتنظيم رسالة "حزب الاكبر النوري" المستخلص من اللمعة التاسعة والعشرين.
2
ويجمل في هذا المقام أن ننقل فقرة من مقدمة الاخ العزيز الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد لرسالة الآية الكبرى. إذ يقول :يتقدم "النورسي" في هدوء ذكي، ليأخذ بيد طالب الحقيقة في جولة رائعة، شاسعة هائلة، كي يفتح له فيها مغاليق عقله وقلبه، ويوقفه أمام لوحة الوجود، وجمالها الأخاذ ومظاهرها البديعة، بادئاً رحلته الكونية من عجائب الآفاق العلوية الى مدهشات الكائنات السفلية، سابراً غورها، واصفاً اتساقها وتوازنها، ولوحاتها الفنية الرائعة، التي تأخذ بالالباب وتضرب على أوتار القلوب، فتوقظ الغافل، وتنير بصيرة الذاهل، وتأخذ بيد الجاهل، الى عالم من حقائق العلم والمعرفة في اطار السببية الحاسمة، والغائية العميقة، والتخطيط الكوني الشامل الجامع الذي يقطع بوجود الخالق العظيم الذي تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن.
كل ذلك باسلوب شاعري خصب، بعيداً عن قيود المصطلحات الكلامية، وجمود المقدمات الفلسفية التي تزيد في الحيرة، دون ان تنقذ في عصرنا هذا عقيدة، او تبني ايماناً، او تدخل اشراق الروحانية الإسلامية المتزنة في كيان الانسان المسلم.
تستهل الرسالة بتنبيه مهم ومقدمة توضح ورطتين تزعزعان اليقين الإيماني وسبل النجاة منهما
وفي الباب الأول: براهين الوجود تبدأ بدلالة السموات والجو وكرة الأرض والبحار والانهار والجبال والصحارى بجميع ما فيها وما عليها وانواع الاشجار والنباتات المسبحات وانواع الحيوانات والطيور وشهادتها على التوحيد واجماع الانبياء بمعجزاتهم و اتفاق الاصفياء ببراهينهم واجماع الأولياء بكشفياتهم وكراماتهم واتفاق الملائكة والعقول المستقيمة والقلوب السليمة وحقيقة الوحي والفرق بين الالهام والوحي وماهية الالهام ودلالات صدق نبوة محمد صلىالله عليه وسلم والقرآن الكريم وبيان عظمته ودلالة الكون بحقيقة الحدوث والامكان وبحقيقة التعاون ودلالة مقام المعرفة الحضورية بحقيقة الفعالية المهيمنة على الكون وبحقيقة التكلم الالهي
وفي الباب الثاني: براهين التوحيد تتضمن حقائق الالوهية المطلقة والربوبية المطلقة و الكمالات والحاكمية المطلقة ثم حقيقة العظمة والكبرياء وظهور الافعال الربانية ظهوراً مطلقاً وحقيقة الايجاد والابداع وكلية الموجودات وظهورها معا والانتظام الاكمل ووحدة المواد ثم حقيقة الفتاحية و الرحمانية و التدبير والادارة و الرحيمية والرزاقية.
سيرة ذاتية - ص: 321
نعم، ان النحلة معجزة القدرة الربانية فطرةً ووظيفةً، ويا لها من معجزة عظيمة حتى سميت باسمها سورة جليلة في القرآن الكريم؛ ذلك لأن تسجيل البرامج الكاملة لوظيفتها الجسيمة في رأس صغير جداً لماكنة عسل صغيرة.. ووضع أطيب الأطعمة وألذها في جوفها الصغير وطبخها فيه.. واختيار المكان المناسب لوضع سم قاتل مهدم لأعضاء حية في رميحته دون أن يؤثر في الأعضاء الأخرى للجسم.. لا يمكن أن يتم - كل هذا - الاّ بمنتهى الدقة والعلم، وبمنتهى الحكمة والإرادة، وغاية الموازنة والانتظام؛ لذا لن يتدخل مطلقاً ما لا شعور له ولا نظام ولا ميزان من أمثال الطبيعة الصماء او المصادفة العمياء في مثل هذه الأفعال البديعة.
وهكذا نرى ثلاث معجزات في هذه الصنعة الإلهية، ونشاهد ظهور هذا الفعل الرباني ايضاً فيما لا يحد من النحل في أرجاء المعمورة كافة. فبروز هذا الفعل الرباني وإحاطته بالجميع، وبالحكمة نفسها، والدقة نفسها، والميزان نفسه، وفي الوقت عينه، وبالنمط عينه، يدل على الوحدة بداهة ويثبت الوحدانية.
الآية الثانية:
]
وإنَّ لكم في الأنعام لَعِبرَةً نُسقيكُم مِما في بُطونِهِ من بينِ فَرثٍ ودمٍ لبَناً خالصاً سائغاً للشاربينَ[ (النحل: 66).ان هذا الأمر الإلهي ليتقطر عبراً ودروساً. نعم، ان اسقاء اللبن الابيض الخالص، النظيف الصافي، المغذي اللذيذ، من مصانع الحليب المغروزة في أثداء الوالدات. وفي مقدمتها البقرة والناقة والمعزى والنعجة، الذي يتدفق بسخاء من بين فرث ودم دون ان يختلط بهما او يتعكر.. وان غرس ما هو ألذ من اللبن وأحلى منه وأطيب واثمن، في أفئدة تلك الوالدات وهو الحنان والشفقة التي تصل حد الفداء والإيثار.. ليحتاج حتماً إلى مرتبة من الرحمة والحكمة والعلم والقدرة والاختيار والدقة مالا يكون قطعاً من فعل المصادفات العشوائية والعناصر التائهة والقوى العمياء، لذا فان تصرف هذه الصنعة الربانية، واحاطة هذا الفعل الإلهي، وتجليها في الحكمة نفسها، والدقة نفسها، والإعجاز نفسه، وفي آن واحد، وطراز واحد، في أفئدة تلك الآلاف المؤلفة من أضراب الوالدات وفي أثدائها، وعلى وجه الأرض كافة، يثبت الوحدة بداهة ويدل على الوحدانية.
الآية الثالثة:
]
ومن ثَمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ تَتَّخذونَ منهُ سكراً ورزقاً حسناً إنَّ في ذلكَ لآيةً لقومٍ يعقلون[ (النحل: 67).
سيرة ذاتية - ص: 322
تلفت هذه الآية الكريمة النظر والانتباه إلى النخيل والأعناب، فتنبه الإنسان إلى: أن في هاتين الثمرتين آية عظيمة لأولي الألباب، وحجة باهرة على التوحيد.
نعم، ان الثمرتين المذكورتين تعتبران غذاءً وقوتاً، وثمرة وفاكهة في الوقت نفسه، وهما منشأ كثير من المواد الغذائية اللذيذة، رغم ان شجرة كل منهما تنمو في تراب جامد، وتترعرع في ارض قاحلة. فكل منهما معجزة من معجزات القدرة الإلهية، وخارقة من خوارق الحكمة الربانية. وكل منهما مصانع سكر وحلويات، ومعامل شراب معسّل، وصنائع ذات ميزان دقيق حساس وانتظام كامل، ومهارة حكيمة، وإتقان تام، بحيث ان الذي يملك مقدار ذرة من عقل وبصيرة يضطر إلى القول: ان الذي خلق هذه الأشياء هكذا، هو الذي أوجد الكائنات قاطبة؛ لأن ما نراه أمام أعيننا - مثلاً - من تدلي ما يقارب عشرين عنقوداً من العنب، من هذا الغصن الصغير النحيف، كل عنقود منه يحمل ما يقارب المائة من الحبات اللطيفة واللباب المعسلة، وكل حبة من تلك الحبات مغلفة بغلاف رقيق لطيف ملوّن زاهٍ، وتضم في جوفها الناعم نوى صلدة حاملة لتواريخ الحياة ومنهاجها.. نعم، ان خلق كل هذا وغيره في جميع العنب وامثاله - وهي لا تعد ولا تحصى - على وجه البسيطة كافة، بالدقة نفسها، والحكمة عينها، وإيجاد تلك الصنعة الخارقة المعجزة بأعدادها الهائلة في وقت واحد، وعلى نمط واحد، ليثبت بالبداهة ان الذي يقوم بهذا الفعل ان هو الاّ خالق جميع الكائنات، وان هذا الفعل الذي اقتضى تلك القدرة المطلقة والحكمة البالغة، ليس الاّ من فعل ذلك الخالق الجليل.
نعم ان القوى العمياء والطبيعة الصماء والأسباب التائهة المشتتة، لا يمكن لها ان تمد أيديها وتتدخل في ذلك الميزان الرقيق الحساس، بالمهارة البالغة، والانتظام الحكيم لتلك الصنعة، بل هي تستخدم وتسخّر بأمر رباني في الأفعال الربانية، فهي ذات مفعولية وقبول، بل ليست الاّ ستائر وحجباً مسخرة بيده سبحانه.
وهكذا فكما تشير هذه الآيات الثلاث إلى حقائق ثلاث، وتدل كل منها على التوحيد بثلاث نكات، فهناك ما لايُحد من الأفعال الربانية وما لا يحد من تجليات التصرفات الربانية، تدل متفقة على الواحد الأحد وتشهد شهادة صادقة على ذات الواحد الأحد ذي الجلال والإكرام.1
فقرة من رسالة المناجاة
يَا رَبَّ العالمين! يَا إله الأولين والآخِرين! يَا رَبَّ السَّمواتِ والأرضين!
_____________________
1
الشعاعات/199-201
سيرة ذاتية - ص: 323
لقد علمتُ بتعليم الرّسُولِ الأكرم صلى الله عليه وسلم وبدرس القُرآن الحكيم وآمنت:
...بأن الرَّسُول الأكرم صلى الله عليه وسلم - في المُقدمة - مستنداً إلى مئات من معجزاته الباهرة، والقرآن الكريم مستنداً إلى آياته الجازمة، ثم جميع الأنبياء عليهم السلام وهم ذوو الأرواح النيرة، وجميع الأولياء وهم أقطاب ذوي القلوب النورانية، وجميع الأصفياء وهم أرباب العقول المُنورة.. يبشرون الجن والأنس بالسعادة الأبدية وينذرون الضالين بجهنم - وهم يؤمنون بهذا ويشهدون عليه - إستناداً إلى ما ذكرته مراراً وتكراراً من الوعد والوعيد في جميع الكتب السماوية والصحف المُقدسة، وإعتماداً على صفاتك وشؤونك القُدسية كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، ووثوقاً بعزة جلالك وسلطان ربوبيتك، ويبشرون بكشفياتهم ومشاهداتهم وبعقيدتهم الراسخة بعلم اليقين.
يَا قَادرُ يَا حَكيمُ! يَا رَحمَنُ يَا رَحيمُ! يَا صَادِقَ الوَعدِ الكريم! يَا قَهَّارُ يَاذا الجَلالِ ويَاذا العِزَّةِ وَالعَظمَةِ والجَلالِ!..
إنك مقدس مطلق، وأنت متعال منـزّه مطلق عن أن توصِم بالكذب كلَّ هذا العدد من أوليائك الصادقين ووعودك العديدة وصفاتك الجليلة وشؤونك المُقدسة.. فتحجب ما تقتضيه جازماً سلطنة ربوبيتك، وترد مالا يحد من أدعية ودعوات صادرة مما لا يعد من عبادك المقبولين الذين أحببتهم وأحبوك وحببوا أنفسهم إليك بالإيمان والتصديق والطاعة… فأنت منـزّه، وأنت متعال مطلق مستغن عن تصديق أهل الضلالة والكفر الذين يتعرضون لعظمة كبريائك في إنكارهم الحشر، ويتسببون في التجاوز على عزة جلالك ويمسون هيبة ألوهيتك ورأفة ربوبيتك بكفرهم وعصيانهم وبتكذيبهم إياك في وعدك.
فأنا أقدس عدالتك وجمالك ورحمتك غير المُتناهية - بلا حد ولانهاية - وأنزهها عن هذا الظلم والقبح غير المتناهيين وأرغب أن أتلو بعدد ذرات وجودي الآية الكريمة:
]سُبحَانه وتعالى عما يقولونَ علُوّاً كبيراً[(الإسراء: 43). بل إن رسلك الصادقين - أولئك الذين هم دعاة سلطنتك الحقيقيون - يشهدون ويبشرون ويشيرون بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين إلى خزائن رحمتك الأخروية وكنوز آلائك في عالم البقاء، وتكشف تجليات أسمائك الحُسنى تجلياً تاماً خارقاً في دار السعادة، ويرشدون عبادك المُؤمنين بأن أعظم شعاع لإسم الحقّ الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها هو: حقيقة الحشر الكبرى.1_____________________
1
الشعاعات/65-66
سيرة ذاتية - ص: 324
السَوق إلى إسپارطة فدنيزلي:
لقد خبأتُ بعض الرسائل الخاصة والمجموعات المهمة ولاسيما التي تبحث عن دجّال المسلمين (السفياني) وعن كرامات رسائل النور، خبّأتها تحت أكوام من الحطب والفحم لأجل أن تنشر بعد وفاتي، او بعد أن تصغي آذان الرؤساء وتعي رؤوسهم الحقيقة ويرجعوا إلى صوابهم. كنت مطمئن البال من هذا العمل، ولكن ما ان داهم موظفو التحريات ومعاون المدعي العام البيت واخرجوا تلك الرسائل المهمة المخبوءة من تحت أكوام الفحم والحطب، ساقوني إلى سجن إسپارطة 1 وأنا أعاني من اعتلال صحتي ما أعاني. وبينما كنت متألماً بالغ الألم ومستغرقاً في التفكير حول ما أصاب رسائل النور من أضرار، إذا بالعناية الربانية تأتي لأغاثتنا جميعاً حيث بدأ المسؤولون الذين هم في أمسّ الحاجة إلى قراءة تلك الرسائل المخبوءة القيمة، بدأوا بدراستها بكل اهتمام ولهفة، فتحولت تلك المحافل الرسمية إلى ما يشبه المدارس النورية، إذ انقلب النقد والجرح عندهم إلى نظرة الإعجاب والتقدير. حتى انه في (دنيزلي) قرأ الكثيرون سواء من المسؤولين او غيرهم - دون علمنا - رسالة الآية الكبرى المطبوعة بسرية تامة فازدادوا ايماناً واصبحوا سبباً لجعل مصيبتنا كأن لم تكن.2
الشعاع الخامس سبب المحاكمة:
ان الحصول على رسالة كُتب اصلها قبل خمس وعشرين سنة (أي الشعاع الخامس) في مكان بعيد، والتي لم احصل عليها الاّ مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وضُيّعت في الوقت نفسه دفع أشباه العلماء إلى تقلّد طور المنافس، فبثوا الأوهام والشكوك في صفوف دوائر العدل.
وفي الوقت نفسه فقد انعكس خبر طبع رسالة الآية الكبرى بالحروف الجديدة - مع عدم موافقتي- بدلاً من رسالة مفتاح الإيمان3 التي كنت ارغب في طبعها، ووصول نسخٍ منها إلى هنا، انعكس - هذا الخبر - على الدوائر الحكومية،
_____________________
1
داهم أفراد الشرطة بيت الأستاذ ثلاث مرات، الأولى في 31 آب سنة 1943م - و الأستاذ بديع الزمان يعاني من حمى شديدة ،من جراء التسمم. الثانية في 18 ايلول من السنة نفسها ولكنهم لم يعثروا ايضاً إلاّ على بعض الرسائل التي تبحث عن مسائل الإيمان والآخرة والأخلاق. والثالثة في 20 أيلول، وسيق الأستاذ برفقة الشرطة الى "أنقرة" مع مئة وستة وعشرين من طلاب النور جُمّعوا من مختلف المدن، بحجة الحصول على "الشعاع الخامس" الذي يبحث عن الدجال والسفياني.2
اللمعات/4043
كتيب يضم مستلات من كليات رسائل النور..
سيرة ذاتية - ص: 325
فالتبست عليهم إحدى المسألتين بالأخرى.فكأن الشعاع الخامس قد طبع، خلافاً للقوانين المدنية، مما استهول ذلك أرباب الأغراض الشخصية واستعظموه جاعلين من الحبة مائة قبة. حتى زجّونا ظلماً وعدواناً في هذا المعتكف (السجن).
إننا نقول ازاء شكوك أهل الدنيا وأوهامهم:
ان الشعاع السابع- رسالة الآية الكبرى- من أوله إلى آخره بحث في الإيمان، فلقد إلتبس عليكم الأمر وانخدعتم. وان الشعاع الخامس يختلف عنه كلياً وهو رسالة خاصة وسرية للغاية حتى لم يعثر عليها عندنا رغم التحريات الدقيقة. وان اصل هذه الرسالة قد كتب قبل عشرين سنة فنحن لا نرضى بطبعها وحدها بل ولا باراءتها ايضاً إلى أي أحد كان في الوقت الحاضر. فهي رسالة تخبر عن أحداث مستقبلية، وقد صدّقها الواقع هناك، وهي لا تتحدى أحداً.1
_____________________
1
الشعاعات/351 وقد سفّر بديع الزمان الى آنقرة باحدى سيارات النقل العمومية في أواخر شهر رمضان وفي يوم شديد الحر، ولكنه وهو في الطريق لا ينسى ان يؤدي واجب التبليغ والإرشاد إذ يلتفت الى حارسه قائلاً له: "هل يمكن الإيعاز الى السيد السائق بان يوقف السيارة؟ فلا اكراه في الدين ولكن عندي بعض النصائح اريد ان اسديها للركاب".وقّف السائق السيارة والتفت بديع الزمان الى الركاب مخاطباً: ان هذه الليلة ليلة القدر على اغلب الاحتمال، إن ثواب قراءة القرآن الكريم في الأيام الاعتيادية هو عشر حسنات لكل حرف من القرآن وفي ايام رمضان ألف حسنة، اما في ليلة القدر فهو ثلاثون ألف حسنة، فلو عرض احدهم عليكم خمس ليرات ذهبية لقاء عمل ما، اما ترغبون في الحصول عليها؟!
اجاب الركاب: "نعم .. نرغب في ذلك.."
فقال لهم: "اذن فليقرأ كل مسلم منكم الآن سورة (الفاتحة) ثلاث مرات، وسورة (الإخلاص) مرة واحدة وآية الكرسي مرة واحدة، فانها ستكون لكم ذخراً في حياتكم الابدية".
وفي الطريق عندما كان يحين وقت الإفطار تقف السيارة، حيث يفطر الأستاذ بديع الزمان مع الركاب، ويصلي معهم صلاة المغرب.
وفي آنقرة طلبه الوالي "نوزاد طان دوغان" حيث جرت بينهما مشادة حول زيّه، إذ حاول الوالي تبديل زيّه قسراً، فيرد عليه الأستاذ بديع الزمان من انه شخص منـزو، وان قانون الازياء لا يشمله، وان هذه العمامة لاتُرفع إلاّ مع هذا الرأس مشيراً الى عنقه!!.
ومن تجليات القدر الداعية للتأمل ان هذا الوالي الفظ الذي تلفظ بكلمات جارحة مهينة ضد الأستاذ قد إنتحر في (9 تموز سنة 1946) بإطلاق رصاصة على صدغه" ش/340 ويذكر الأستاذ الحادثة نفسه بقوله: "اراد والي انقرة السيد نوزاد ان يتعرض لقيافتي الا انه لم يوفق في مسعاه وبانتحاره نال عقابه بنفسه" ب 2/985 عن ملف دنيزلي مخطوط.