سيرة ذاتية - ص: 251

الفصل الخامس

في سجن أسكي شهر

المدرسة اليوسفية الأولى

25/نيسان/1935 - 27/مارت/1936

ان أعداء الإسلام الذين يتربصون الدوائر لكل حركة تمدّ الإيمان والقرآن ما ان شعروا ان رسائل النور تنتشر والإيمان يترسخ في قلوب الناس، حتى دبّروا مكيدة لإلقاء القبض على الأستاذ النورسى وطلاب النور وإتهامهم بتشكيل جمعية سرية، والقيام بأعمال ضد النظام الحاكم ومما يهدم أسسه.. وامثالها من التهم. وعلى إثر هذا أُخذ الأستاذ النورسى وطلابه في 25 نيسان وسيقوا مكبلين أيديهم إلى اسكي شهر لمحاكمتهم..كان رئيس المفرزة السيد روحي مشفقاً على الأستاذ فأمر بفك الأغلال. حتى انه اصبح صديقاً له ولطلاب النور بعد ما أدرك الحقيقة.

وقد أتى وزير الداخلية بنفسه ورئيس الجندرمة في 27 نيسان مع ثلة من مفارز عسكرية مسلحة إلى اسپارطة1، وجهّزوا طول طريق اسپارطة - افيون بالعسكريين الفرسان ووضعوا ولاية اسپارطة وما حولها تحت السيطرة العسكرية.

ومن جهة أخرى بدأ رئيس الحكومة آنذاك (عصمت اينونو) بزيارة تفقدية في مناطق شرقي الأناضول خشية قيام ثورة فيها لاعتقال الأستاذ النورسي. حيث أشاع أعداء الدين المتسترين ان بديع الزمان وطلابه سيُعدمون، بغية إلقاء الرعب والخوف في قلوب الناس. علماً ان بديع الزمان لم يتحرك حركة منافية للنظام والأمن طوال حياته بل كان رائده دوماً الحركة الإيجابية البناءة قائلاً لا يجوز إضرار مئات من الناس بجريرة أفراد قلائل. ولهذا لم تحدث حادثة ولو واحدة رغم جميع المظالم التي نزلت به وبطلابه. بل كان يحث دوماً طلابه على الصبر والثبات والاستمرار في العمل للإيمان وعدم القيام بأي عمل تخريبي، إذ ان مثل تلك الأعمال التخريبية لا يجني منها سوى اللادينيين.

 

 

_____________________

1 انظر الشعاعات/518

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 252

وهكذا اقتيد الأستاذ النورسي ومائة وعشرون من طلابه إلى سجن اسكي شهر ووضعوا في السجن الإنفرادي والتجريد المطلق، وبدأت معاملات التعذيب الرهيب بهم. ولكنه رغم الظروف الشاقة استمر في الإرشاد والتوجيه، فتحول كثير من المسجونين إلى ذوي صلاح وتقوى.

وعلى الرغم من جمع رسائل النور من بيوت الطلاب وإجراء التحريات الدقيقة فان المحكمة لم تعثر على مادة للاتهام، ولكن مع هذا حكمت المحكمة بقناعة الحاكم الشخصية1 على الأستاذ النورسي بالسجن أحد عشر شهراً ، وعلى خمسة عشر من طلاب النور بستة شهور وأُطلق سراح البقية وهم مائة وخمسة طلاب. علماً ان الإتهامات لو كانت حقيقية لكانت عقوبتها الإعدام او الأشغال الشاقة في الأقل. ولأجل هذا فقد اعترض الأستاذ النورسي على قرار المحكمة الجائر الاعتباطي موضحاً ان هذه العقوبة إنما تنـزل على سارق بغل او مختطف بنت، فطالب المحكمة بالبراءة او الإعدام او مائة سنة من السجن.2

 

دفاع الأستاذ النورسي

في محكمة اسكي شهر3

جوابي في المحكمة:

بدهي أن لا يعلم ولا يقدر على رعاية الأصول الرسمية والقوانين من انزوى في الحياة مدة ثلاث عشرة سنة. لذا، أرجو ان تستمعوا إلى إفادتي هذه، بدلاً عن تلك الأسئلة والأجوبة الرسمية. فاني قد استجوبت ثلاث مرات في اسپارطة رسمياً، ولن تترككم إفادتي الطويلة الجديدة هذه حيارى. بل تنير درب تحقيقاتكم بشأني وتجعلها صائبة حقاً، وتنجيكم من التحقيق والتفتيش عما في الكتب الثلاثين التي هي بين أيديكم الآن.

ان هذه هي الحقيقة نفسها، المعروضة على هيئة حكام المحكمة ووزير الداخلية ورئاسة مجلس المبعوثان (البرلمان)، وهي طلب استدعاء وعرض حال يتعلق بالحياة الأبدية لكثير من الناس.

 

 

_____________________

1 قرار محكمة الجزائر الكبرى لأسكي شهر رقم 121 في 19/8/1939 وتصديق محكمة التمييز الأولى رقم2111 في 12/10/1935 (ب 2/832)

2 T. Hayat. Eskiehir Hayat‎

3 هذا الدفاع ترجمة كاملة عن T. Hayat. Eskiehir Hayat‎ وقد تفضل الأخ "عوني عمر" بترجمة القسم الأول منه، جزاه الله خيراً.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 253

أيتها الهيئة الحاكمة المحترمة! لقد اتهموني ببضع مواد فأوقفوني.

المادة الأولى: وقوع إخبار بوجود النية بالسعي للإخلال بالأمن العام عن طريق استغلال الدين بقصد إرجاع الشريعة (الرجعية).

الجواب: اولاً، الإمكان شئ والوقوع شئ آخر. فمن الممكن ان يقتل أي إنسان اناساً كثيرين. فهل يحاكم أحد بتهمة إمكان القتل؟ ومن الممكن ان يحرق عود الكبريت بيتاً كاملاً. فهل يمحى وجود الكبريت بناء على هذا الممكن؟

ثانياً: حاش لله ألف مرة! إن العلوم الإيمانية التي هي شغلنا الشاغل تأبى ان تُستغل لشئ سوى رضا الله. نعم، لن يكون الإيمان الذي هو المفتاح النوراني والقدسي للحياة الأبدية وشمس الحياة الأخروية، آلة بيد الحياة الاجتماعية السياسية الدنيوية، مثلما لا يمكن ان يتبع الشمس آثار القمر!. نعم، فلا توجد مسألة كونية تزيد أهميتها على مسألة سر الإيمان الذي هو اعظم مسألة لهذا الكون واكبر سر في خلقة العالم، حتى تستغل هذه المسألة ،سر الإيمان، آلة من اجلها! حاش لله!

أيتها الهيئة الحاكمة! صدقوني إذ أقول لو كان توقيفي المعذّب هذا يتعلق بحياتي الدنيوية وبشخصي فقط، لأدمت سكوتي كما أنا ساكت منذ عشر سنين، لكن لتعلق توقيفي بالسعادة الأبدية لكثير من الناس وبـرسائل النور التي تفسر وتكشف طلسم الكائنات العظيم، فلن أتخلى عن هذا السر العظيم، حتى لو كان لي مائة رأس ويقطع منها كل يوم رأس. فلئن نجوت منكم، فلا منجى من قبضة الأجل.

أنا رجل عجوز على حافة القبر. انظروا إلى مسألة سر الإيمان المتعلق بالأجل والقبر الذي لا ينجو منهما أحد، وهي مسألة من مئات المسائل العائدة لهذا الطلسم الذي تفسره رسائل النور تلك الرسائل التي تفسر -كرأي العين - الكشف المعظم للقرآن الحكيم الذي هو كشاف طلسم الكائنات.

فيا عجبي! هل تكبر في عين رجل آمن بالأجل والموت كل مسائل الدنيا السياسية العظيمة اكثر منهما، حتى يجعل منهما آلة استغلال لبلوغ مآربه؟.. علماً أن الأجل الذي يقطع الرقاب في كل لحظة وقته غير معلوم.. فإما أنه إعدام ابدي، أو تسريح وتذكرة لرحلة إلى عالم أجمل. والقبر الذي لا يُغلق ابداً، إما باب حفرة للعدم والظلمات الأبدية، أو باب لدنيا أنور وأبقى وخيراً مكثاً.

فان رسائل النور تبدي للعيان بفيض القرآن بدرجة قطعية - مثلما حاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعا - ان هناك حلاً يقينياً وقطعياً، لتحويل الأجل

 

 

سيرة ذاتية - ص: 254

من الإعدام الأبدي إلى وثيقة ترخيص، ولتحويل القبر من حفرة للعدم لا قرار لها إلى بابٍ للجنان. ألا إني اُفدي بلا إحجام سلطنة الدنيا كلها لو ملّكوني إياها، لبلوغ هذا الحل. نعم، هذا ما يفعله كل ذي عقل.

فيا أيها السادة! أي إنصاف يسمح بان ينظر إلى رسائل النور التي تكشف وتوضح مئات المسائل الإيمانية كهذه المسألة، على أنها كتب مُغرضة تُستغل للتيارات السياسية، وكأنها نشريات فاسدة مضرة، حاشاها مائة ألف مرة عن ذلك؟ وأي عقل يرضاه؟ وأي قانون يستلزمه؟

ألا يسأل الجيلُ الآتي مستقبلاً واهلُ الآخرة التي هي المستقبل الحقيقي وحاكم الآخرة ذو الجلال والإكرام هذا السؤال من هؤلاء المسببين؟ نعم يلزم لحكام هذه الأمة المتدينة فطرة في هذا الوطن المبارك ان ينحازوا إلى جانب الدين ويشجعوا التدين من جهة وظيفة الحكم. ثم انهم إن حافظوا على حيادهم إزاء اللادينيين بإسم الجمهورية العلمانية ومبادئها ولم يمسوهم بسوء، فلا ينبغي بداهة أن يتذرعوا بذرائع ليمسوا المتدينين بسوء.

ثالثاً: قبل اثنتي عشرة سنة،دعاني رؤساء آنقرة إليها، تقديراً لجهادي الإنكليز في مؤلفي المسمى الخطوات الست، فذهبت. لكن لم تنسجم أحاسيس الشيخوخة عندي مع أحوالهم وأطوارهم.

قالوا: اعمل معنا. قلت: سعيد الجديد يريد ان يعمل للآخرة. ولن يعمل معكم، لكنه لا يتعقبكم ايضاً.

نعم..لم أتعقب أعمالهم، ناهيكم عن اشتراكي مع من يتعقبهم او الميل إليهم، بل أسفت لهم، لان ذلك صار وسيلة - مع الأسف - لتحويل دهاء عسكري عجيب - كان بالإمكان استعماله لصالح أعراف الملة الإسلامية - إلى نقيض هذه الأعراف إلى حد ما. نعم.. لقد أحسست في رؤساء آنقرة، وفي رئيس الجمهورية خاصة، دهاء عنيداً وكبيراً. فقلت: لا يجوز تحويل هذا الدهاء ضد الأعراف بإثارة شبهاته. فسعيت - لذلك - ان اسحب نفسي من دنياهم ما وسعني الجهد، ولم أخض فيها. فانسحبتُ من السياسة منذ ثلاث عشرة سنة. وقد مر علي عشرون عيداً أمضيته - عدا عيداً او عيدين - عموماً في هذه الغربة، وحيداً كالسجين في غرفتي، لئلا يُتوهم عني اني أخوض في السياسة.

والدلائل التي تدل على عدم تعقبي لأعمال الحكومة وعدم رغبتي في الخوض فيها هي:

الدليل الأول: يعلم اخلائي في قرية بارلا التي كنت فيها لمدة تسع سنين، وفي

 

 

سيرة ذاتية - ص: 255

اسپارطة التي كنت فيها لمدة تسعة اشهر، أني لم اقرأ منذ ثلاث عشرة سنة الجرائد التي هي لسان حال السياسة. عدا ما طرق سمعي مرة بغير رغبتي، أثناء حجزي في اسپارطة، فقرة من تهجم صحفي بعيد جداً عن الإنصاف وبشكلٍ يُنْمي كفراً، على طلبة رسائل النور.

الدليل الثاني: لم يبد علينا أي رشح او علامة للسعي في السياسة مذ أنا في ولاية اسپارطة طوال ثلاث عشرة سنة خلال التحولات العالمية الكثيرة.

الدليل الثالث: هو إعتراف دائرة الولاية ودائرة الشرطة بعدم وجود شئ في كتبي يتعقب سياسة الحكومة، بعد أن دوهم محل إقامتي وإجراء التحري الدقيق على حين غرة وبغير توقع. واخذوا كتبي واكثر أوراقي الخصوصية المتراكمة منذ عشر سنوات. أليس عجيبا ان تكشف اشد الأوراق خصوصية لرجل - مثلي أنا - تعرض ولو لمدة عشرة شهر - وليس عشر سنوات - إلى النفي والتغريب بلا سبب وإلى الظلم بلا رحمة وإلى الترصد والتضييق المعذب، ثم لا تظهر فيها عشر مواد تذرّ في وجوه الظالمين؟

فان قيل: قد كشفنا اكثر من عشرين رسالة لك. اقول:

أتستكثرون علي عشرة رسائل او عشرين او مائة، مرسلة إلى عشرة أخلاء خلال عشر سنوات؟ ألا إنها ليست جريمة وان كانت ألف رسالة ما دام التراسل مسموحاً به وما دامت لا تتعقب دنياكم؟

الدليل الرابع: إنكم ترون ان كتبي المصادرة كلها قد ولّت ظهرها عن السياسة وتوجهت بقوتها كلها إلى الإيمان والقرآن والآخرة، ما عدا رسالتين او ثلاث رسائل ترك فيها سعيد القديم سكوته، واحتد على تعذيب نفر من الموظفين الغادرين. فاعترض على أولئك الموظفين الذين يسيؤون استعمال وظيفتهم وليس على الحكومة، فكتب مشتكياً الظلم. مع ذلك، اعتبرتُ تلك الرسائل خصوصية ولم آذن بنشرها. فانحصرت عند عدد من اخلائي.

ان الحكومة تهتم بالعمل وتترقب الظاهر، ولا يحق لها النظر في القلب والأمور الخفية الخاصة. لذلك يستطيع كل إنسان ان يفعل ما يشاء في قلبه وفي بيته، ويستطيع ان يذم الحكام ولا يرضى عنهم.

فمثلا: كتبت رسالة قصيرة قبل سبع سنوات ومن قبل إحداث الأذان الجديد- أي بالتركية - ازاء تدخل نفر من الموظفين في عمامتي وعبادتي الخاصة وفقاً للمذهب الشافعي. ثم استحدث الأذان بالتركية بعد مدة فقلتُ أن تلك الرسالة خصوصية ومنعتُ نشرها.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 256

ومثلاً: كتبت جواباً عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية عن اعتراض صدر من أوروبا ضد آية الحجاب. وقد سجل الجواب - المسمى رسالة (الحجاب) - قبل اكثر من سنة، مستلاً من رسائلي القديمة، كمسالة من مسائل اللمعة السابعة عشرة، ثم سُميت اللمعة الرابعة والعشرون.. ولقد حجبت رسالة (الحجاب) حتى لا تمس القوانين اللاحقة الجديدة.. ولا ادري كيف حصل خطأ فأُرسلت إلى جهة ما. ثم ان هذه الرسالة جواب علمي ومفحم عن اعتراض المدنية على آية كريمة في القرآن، وان حرية العلم هذه لا يمكن ان تقيد في عصر الجمهورية.!

الدليل الخامس: هو إختياري العزلة والانزواء في قرية بإرادتي منذ تسع سنوات، والانسلاخ عن الحياة الاجتماعية والسياسية ، وعدم مراجعتي اطلاقاً خلال عشر سنوات الدوائر الرسمية متحملاً أنواع العذاب المصبوب عليّ مرات عديدة مثل هذه المرة، كل ذلك لأجل عدم الخوض في السياسة الدنيوية. ولو أني راجعت لكنت اُقيم في استانبول بدلاً عن بارلا مثلما فعل غيري. وربما سبب توقيفي الغادر هذه المرة، هو إثارة والي اسپارطة ونفر من موظفي الحكومة الشكوك لدى وزارة الداخلية، لسخطهم عليّ وثلم عزتهم بعدم مراجعتي إياهم، فجعلوا من الحبة قبةً لحقدهم وعجزهم.

الحاصل: يعلم جميع اخلائي الذين يعرفوني عن كثب، بان الخوض في السياسة، او التعلق بها، بل حتى التفكير فيها يخالف مقصدي الأساس وأحوالي النفسية وخدمتي القدسية الإيمانية. لقد مُنحتُ نوراً لا صولجان سياسة. ان حكمةً من حِكَم حالي هذه هي أنني أعتقد ان الله تعالى جعل في قلبي نفوراً شديداً من السياسة وكرهاً لها، حتى لا يقع كثير من الداخلين في مسلك الوظيفة والمشتاقين جداً إلى الحقائق الإيمانية، في النظر إلى هذه الحقائق بقلق أو بعين منتقصة، وحتى لا يحرموا منها.

المادة الثانية، التي عليها مدار اتهامي:

التواقيع المشاهدة في أواخر رسالة (المعجزات الاحمدية) ورسالة (بقاء الروح والحشر الأعظم). كأنها تواقيع لأفراد جمعية او دراويش طريقة!

الجواب: اني أطمئنكم بكل قوتي، أن لا ذنب لأصحاب تلك التواقيع في هذا العمل. إن كان ذنباً فهو ذنبي أنا. ترى هل هو ذنبٌ ان يوقّع للذكرى رجلٌ استحسن كرامة رآها رأي العين لبحث المعجزات الاحمدية، وعرف التوافقات العجيبة لأحرف الألِف في الكلمة التاسعة والعشرين امضاءً غيبياً لحقانيتها؟ أو

 

 

سيرة ذاتية - ص: 257

رجلٌ زارني ونادراً ما يستطيع زيارتي؟ وهل تسمى جمعية التواقيع التي يوقع في دفاتر الذكرى لدور الضيافة او الأسماء التي تكتب في دفاتر البقالين؟ وهل يعقل عاقل ان يكون أصحاب هذه التواقيع التي ظلت معلقة مثل لوحة - ويمكن ان تقع في يد من يشاء - مدة ثلاث سنوات او أربع في غرفتي في بارلا، افراداً منتمين إلى جمعية سرية؟ ان اكثر أصحاب التواقيع هم من ضيوفي الذين زاروني. ومنهم من لا علاقة له بالسياسة من اخوة الآخرة. فلا تؤذوننا - نحن أصحاب التواقيع - كثيراً. فان أحد اخوتنا الأطهار غاية الطهارة والمستقيم غاية الاستقامة المقدّم المتقاعد المرحوم السيد عاصم قد أستجوب في دائرة استجواب اسپارطة. فعلم إن صَدَق يلحق ضررٌ بأستاذه، وإن كذبَ يلحق عبء ثقيل بشرفة العسكري الطويل المستقيم والنظيف. فدعا ربه: يارب اقبض روحي. فتقبل الله دعاءه وقُبضت روحه لساعته. فمات شهيد الاستقامة، وذهب ضحية الغلط القبيح لمن توهم الخطأ في تعاونٍ على الخير وتصديقٍ لا يمكن ان يعدّه أي قانون في الدنيا ذنباً.

نعم، ان من اقتبس درساً من رسائل النور، يعب شراب الأجل - الذي يعده مذكرة تسريح - بسهولة مثلما يشرب الماء. ولولا أني أفكر في تألم اخوتي الذين يبقون في الدنيا، لدعوت: يارب، اقبض روحي مثلما دعا أخي الكريم الشهم السيد عاصم ...فلله الأمر!

المادة الثالثة، التي هي سبب اتهامي:

ان رسائل النور تقف في القابل سداً أمام مبدأ التحرر للحكومة، وتخل بالأمن العام، بسبب انتشارها بغير إذن حكومي، وتقويتها للمشاعر الإيمانية.

الجواب: رسائل النور نور، ولا يتولد ضرر من النور. وقد ألقت بصولجان السياسة جانباً منذ ثلاث عشرة سنة، وتُرسّخ الحقائق القدسية التي هي أسس الحياتين - الدنيا والآخرة -لهذا الشعب وهذا الوطن. وأُشهد جميع الذين قرأوا أجزاءها على نفعها - بغير أي ضرر- لتسعة وتسعين في المائة من هذه الملة المباركة. فليخرج واحد وليدّعي أنه رأى فيها ضرراً!

ثانياً: أنا لا أملك مطبعة ولا عندي كتّاب عديدون، وقد أجد بصعوبة كاتباً واحداً يكتب لي. وليس عندي خط حسن، فإني نصف أمي، ولا أطيق الكتابة أكثر من صفحة في الساعة الواحدة بخطي الناقص الردئ.

وقد ساعدني ذوات محترمون مثل المرحوم السيد عاصم بخطهم الجميل. فكتبوا مذكراتي الحزينة جداً في غربتي كذكرى لي. ثم طلب قراءة هذه الأنوار الإيمانية

 

 

سيرة ذاتية - ص: 258

آخرون وجدوا فيها دواء شافياً لدائهم، فقرأوها. فرأوا بحق اليقين انها ترياق شاف لحياتهم الأبدية، واستنسخوها لأنفسهم. فهل هناك قانون يمنع ذلك؟

ان رسالة (الفهرست) التي وقعت في أيديكم ووضعت تحت نظر التفتيش، تدل على ان كل جزء من رسائل النور تفسّر حقيقة لآية قرآنية. ولاسيما الآيات المتعلقة بالأركان الإيمانية فتفسرها تفسيراً جلياً إلى درجة يفسد خطط الهجوم على القرآن التي أعدها فلاسفة الغرب منذ ألف سنة ويبدد أسسها. ففي الرجاء الحادي عشر من (رسالة الشيوخ)- التي هي بين أيديكم الآن - برهان واحد من آلاف البراهين الإيمانية والتوحيدية. انظروا إليه كأنموذج، وانعموا النظر، فستفهمون إن كانت دعواي صحيحة او خطأ. وايضاً، كانموذج على مدى نفعها للوطن والشعب. لا أظن احداً ينظر بإنصاف إلى (رسالة الاقتصاد) من أجزاء رسائل النور، والرسالة المشحونة بخمسة وعشرين دواء نابعاً من الإيمان (للمرضى) والرسالة المشحونة بستة وعشرين رجاء وسلوى نابعاً من الإيمان للشيوخ، إلا ويرى فيها خزينة ثروة ثمينة للغاية وترياقاً شافياً وضياءً نافعاً لطائفه الفقراء والمرضى والشيوخ الذين هم أزيد من نصف هذه الملة المباركة.

ثم اقول لمساعدتكم في مهمة التحقيق. إن (رسالة الفهرست) فهرست لقسم من الرسائل التي عمرها عشرون عاماً. اصل بعض رسائلها يبدأ من دار الحكمة الإسلامية وايضاً الأرقام التي في (الفهرست) ليست على ترتيب التأليف. مثلاً كُتِبَتْ (الكلمة الثانية والعشرون) قبل (الكلمة الأولى) و(المكتوب الثاني والعشرون) قبل (المكتوب الأول) وامثالها كثير.

ثالثاً: ان أجزاء رسائل النور التي ليست سوى علوم إيمانية، تؤسس الأمن والنظام، ذلك لأن الإيمان الذي هو منبع الخُلُق الحسن والخصال الحميدة ومنشؤها، لن يخلّ بالأمن بل يحققه ويضمنه. أما ما يخل بالأمن فهو عدم الإيمان بسوء خُلُقه وسجيته.

واعلموا أن وزير المستعمرات البريطاني قال قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً : إننا لن نستطيع ان نحكم المسلمين حقاً مادام هذا القرآن في أيديهم. فينبغي ان نسعى لرفعه وتضييعه. ان كلام هذا الكافر العنيد حوّل نظري منذ ثلاثين سنة إلى فلاسفة أوروبا، فأنا اجاهدهم بعد جهاد نفسي، ولا التفت إلى ما في الداخل، إذ أرى النقص والتقصير في الداخل هو نتيجة ضلال أوروبا وإفسادها، لذا احتدّ على فلاسفة أوروبا وألطمهم لطمات تأديب. فلله الحمد، ان رسائل النور خيبت

 

 

سيرة ذاتية - ص: 259

آمال أولئك الكفار العنيدين، مثلما أسكتت تماماً الفلاسفة الماديين والطبيعيين. ولا توجد حكومة في الدنيا، مهما كان شكلها، تمنع محصولاً مباركاً لوطنها ومنجماً عظيماً لقوتها المعنوية مثل هذه الرسائل، أو تحكم على ناشرها. إن الحرية التي يتمتع بها الرهبان في أوروبا ترينا أن أي قانون كان لا يتابع تاركي الدنيا والعاملين بقواهم الذاتية للآخرة والإيمان.

الحاصل: اجزم انه لا قانون في الدنيا يقول بمنع، او يقدر ان يمنع، كتابة الخواطر العلمية بشأن الإيمان الذي هو مفتاح السعادة الأبدية لرجل عجوز، محكوم عليه بالتغريب لمدة عشر سنوات، وممنوع عن الاختلاط بالناس والمراسلة. وان عدم تعرض هذه الخواطر إلى الجرح والانتقاد من قبل أي عالم كان، يثبت انها عين الحق ومحض الحقيقة.

المادة الرابعة لبيان سبب اتهامي وتوقيفي هو: وقوع إخبار عني بتدريس درس الطريقة التي منعتها الدولة.

الجواب:

اولاً: كتبي التي في أيديكم كلها تشهد اني منشغل بالحقائق الإيمانية. ولقد كتبت مرات عديدة في رسائلي ان هذا الزمان ليس زمان الطريقة، بل زمان إنقاذ الإيمان. وكثيرون جداً يدخلون الجنة بغير طريقة، ولكن لا أحد يدخلها بغير إيمان. لذلك ينبغي العمل للإيمان.

ثانياً: أنا موجود في ولاية اسپارطة منذ عشر سنين. فليدّعي إنسان واحد أني علّمته درس الطريقة. نعم.. قد درّست بعض الخواص من اخوة الآخرة دروساً في العلوم الإيمانية والحقائق العالية باعتباري عالماً. ان هذا ليس تعليم طريقة، بل تدريس حقيقة. ثمّ شئ أُنبه إليه: أنا شافعي المذهب، وتسبيحاتي بعد الصلاة تختلف قليلاً عن تسبيحات الأحناف. وايضاً، انشغل في خلوة مع نفسي للاستغفار عن ذنوبي وتلاوة آيات كريمة وما شابه ذلك، ولا استقبل في أثنائها احداً من بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وقبل الفجر. ولا أظن ان أي قانون في الدنيا يمنع هذه الحال.

لمناسبة مسألة الطريقة هذه، يسألني موظف الحكومة والمحكمة: بمَ تعيش؟

الجواب: يعلم اخلائي الذين يتصلون بي اني أعيش - بمشاهدة أهل بارلا التي أقيم فيها منذ تسع سنوات - بأربعين بارة يومياً غالب أيامي أو بمصروف اقل من ذلك، ببركات شدة الاقتصاد وبخزينة القناعة التامة. حتى أني استكفيت بسبع ليرات

 

 

سيرة ذاتية - ص: 260

ورقية في سبع سنوات لحاجات مثل الملبوسات والنعال. ثم، يعلم اخلائي الذين يخدمونني وبشهادة سيرة حياتي التي في أيديكم، أني تعففت طوال عمري عن قبول الهدايا والصدقات من الناس، وجرحت شعور اصدق خلاني برفض هداياهم. فان اضطررت إلى قبول هدية فقد أخذتها بشرط الرد بمثلها. ولقد صرفت اكثر مرتّباتي التي أخذتها في دار الحكمة الإسلامية في طبع الكتب التي صّنفتها في ذلك الوقت. وادخرت القليل منها بقصد الحج. ان تلك النقود القليلة كفتني عشر سنوات ببركات الاقتصاد والقناعة وحفظت ماء وجهي، وعندي حتى الآن بقية من ذلك المال المبارك.

أيتها الهيئة الحاكمة!

لا ينبغي أن تملوا من سماع إفادتي الطويلة هذه. لأن ما يقرب من ثلاثين من الكتب قد أدخلت ضمن أوراق مذكرة التوقيف. فهذه الإفادة الطويلة تعد قصيرة للغاية قياساً بأوراق اتهامي. أنا أجهل القوانين بسبب انعزالي عن سياسة الدنيا منذ ثلاث عشرة سنة. وتشهد سيرة حياتي أني ترفّعت عن الخداع في الدفاع عن نفسي. لقد بينتُ حقيقة الحال كما هي. وانتم لكم وجدانكم، وتعلمون وجه إنفاذ القوانين بغير غدر. فاحكموا بشأني.

واعلموا ان بعض الموظفين غير الكفوئين، نظروا في شأني بالنظارات المكبرة وجعلوا من الحبة قبة ضمن ألاعيب إعداد الأرضية لإنفاذ قوانين التحرر الجديدة، بسبب عدم كفاءتهم، او أوهامهم، أو من قبيل إظهار ذريعة الذئب للحمل، او الحصول على الرتب، او التزلف للحكومة. وألحقوا بنا اضراراً تبلغ آلاف الليرات. وأملنا فيكم هو: ان تروا ان ما ظنوه قبة إنما هو حبة بقدرتكم وكفاءتكم. أعنى ان تقلبوا النظارات المكبرة وتنظروا من طرفها الآخر.

ثم لي رجاء: ان قيمة كتبي التي صودرت تزيد على ألف ليرة عندي. فأعيدوها إليّ. لقد أعلن مدير مكتبة آنقرة في الصحف بفخر وشكر عن قبول قسم مهم منها في المكتبة قبل اثنتي عشرة سنة. وأريد - بموافقة هيئتكم التي تتحكم في حياتي الآن - ان تعطوا صورة من إفادتي هذه إلى المدعي العام لغرض إقامة الدعوى على من تسببوا في إيقاع الأذى والضرر بي، وصورة إلى وزارة الداخلية وصورة إلى مجلس المبعوثان (البرلمان).

إلى أنظار حضرة المحقق والهيئة الحاكمة:

أضيف ثلاث مواد إلى إفادتي السابقة:

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 261

المادة الأولى: إن ما يحيّرنا ويدهشنا للغاية، ويجعلنا نحس بوجود كيد، ومن قبيل الالتزام بإيجاد سبب للاتهام من العدم - هو سؤالهم وبإصرار يوحي بوجود جمعية او تنظيم فعلاً، فيقولون: من أين تجدون المال لتأسيس هذا التنظيم؟.

الجواب:

اولاً: وأنا اسأل هؤلاء السائلين: هل توجد وثيقة او أمارة على تأسيسنا لجمعية سياسية، وهل وجدوا دليلاً او حجة على تشكيلنا لتنظيم بالمال، حتى يصرون على السؤال إلى هذا الحد؟ أنا موجود في ولاية اسپارطة منذ عشر سنوات تحت الرقابة الشديدة. ولست وحدي الذي يقابل بالمقت افتراء الذين يتهمون رجلاً لا يقابل احداً إلا خادماً او خادمين اوضيفاً او ضيفين في عشرة ايام، غريباً، وحيداً، ضجراً من الدنيا، كارهاً السياسة اشد الكره، ومشاهداً بصورة متكررة الضرر والعقم الذي جنته الجمعيات السياسية المعارضة القوية بنتيجة ردود الأفعال، ورافضاً الجمعيات والتحركات السياسية في أهم فرصة سانحة وسط قومه والآلاف من أحبائه بعدم الاشتراك فيها، ومُوَليّاً عن السياسة كالهارب من الشيطان لعدّه الإيمان التحقيقي خدمةً قدسيةً للغاية لا يجوز أن تُفسد بأي ثلمة وأن إضعافها بالغرض السياسي جناية، ومتخذاً لنفسه (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة) دستوراً منذ عشر سنوات، وواجداً الحيلة في ترك الحيلة، وعصبي المزاج يفشي أسراره بغير تحسّب، واستطاع ان يخفي جمعية مثل هذه عشر سنوات عن موظفي ولاية اسپارطة الحساسين والجساسين! إن الذي يقول لمثل هذا الرجل: توجد جمعية مثـل هذه، وأنت تدير دولاب كيد سياسي! لا يقابل إلا بالمقت، بل يشاركني في المقت أهل ولاية اسپارطة ومن يعرفني جميعاً، وربما كل ذي عقل ووجدان، قائلين : إنكم تتهمونه زوراً وبهتاناً.

ثانياً: إن قضيتنا الإيمان، ولنا إخاء مع تسع وتسعين بالمائة من أهل هذه البلاد واهل اسپارطة بالاخوة الإيمانية. بينما الجمعية، اتفاق الأقلية من بين الأكثرية. فلا ينتظم في جمعية تسعة وتسعون رجلاً مقابل رجل واحد. ان من يشيع ذلك إنما يشيعه بنية تحقير هذا الشعب المبارك المتديّن، ولا يكون إلا عديم الإنصاف والدين، متوهماً الجميع - حاشا لله - مثله بلا دين.

ثالثاً: إن رجلاً مثلي احب بجد الشعب التركي، ووقّر الشعب التركي كثيراً من جهة نيله لثناء القرآن، وساند هذا القوم بقوة لحمله راية القرآن، وخدم فعلاً الشعب التركي بقدر ألف قومي تركي وبشهادة ألف تركي، واختار هذه الغربة

 

 

سيرة ذاتية - ص: 262

مرجحاً ثلاثين او أربعين شاباً تركيا طيباً على ثلاثين ألف ممن لا يقيمون الصلاة من أهل مدينته، وحافظ على العزة العلمية بكرامة أهل العلم، ودرّس الحقائق الإيمانية بأوضح وجه، هل تستكثرون عليه أو هل من ضرر أن يكون له اخوةُ آخرةٍ وطلاب ليسوا عشرين او ثلاثين بل مائة او ألف، خلال عشر سنوات وربما عشرين او ثلاثين عاماً، مرتبطين بإخلاص معه في الإيمان والحقيقة والآخرة فقط؟ وهل يُجيز أهل الوجدان والإنصاف إنتقاصهم؟ وهل ينظر إليهم كجمعية سياسية؟

رابعاً: ان أهل الإنصاف يعرفون كم بعيد عن الإنصاف الذين يقولون من أين المال الذي تعيش به وتقيم به جمعية لرجل أقام حاله بمائة ليرةٍ ورقيةٍ أثناء عشر سنوات، وصرف أحياناً أربعين بارةً فقط في اليوم، ولبس سبع سنين عباءةً مرقعةً بسبعين رقعة.

المادة الثانية: لقد جلبوني جبراً من بارلا إلى اسپارطة، بتدبير مثيل مزيف لحادثة مَنَمَنْ، وارهاب الشعب، وخداع الحكومة بدسيسة تيسير تطبيق القوانين التحررية ، بالزعم الماكر ان ذلك يساعد في تنفيذ قوانينها التحررية ولكنهم رأوا اني لا أُستغل آلةً في مثل هذه الفتن، ولا أميل إلى أي مسعى عقيم يضر بالوطن والامة والدين، ولما فهموا ذلك بدّلوا خططهم. فاستفادوا من شهرتي الكاذبة التي لا اعجب بها، فألبسوني مثيلاً موهوماً للحادثة المظلومة المعروفةبـمنمن بمؤامرات لا تخطر على بالنا. فالحقوا اضراراً جسيمة بالأمة والحكومة وبكثير من أفراد الشعب الأبرياء الموقوفين. ولما ظهر كذبهم عياناً، يسعون الآن في إيجاد حجج كما يختلق الذئب الحجج لافتراس الحمل، لخداع موظفي العدل. فأنا أذكّر موظفي العدل بحاجتهم إلى عظيم الدقة والحذر من جهة حقوقي المدنية. انهم هم الذين يجب أن يُتهموا إذ يتزلفون لبعض أركان الحكومة بإحداث حادثة صغيرة بتهييج الضعفاء الأبرياء السذج، تحت قناع جمعية وهمية، إفتراءً وزوراً، ثم يخدعون الحكومة بإظهار الحبة قبةً مثل الشياطين، ويتسببون في سحق كثير من الأبرياء ، ويضرون البلد ضرراً كبيراً، ويلقون أوزارهم على كاهل الآخرين. ان مسألتنا هذه هي هكذا تماماً.

المادة الثالثة: ان المحاكم - بلا ريب - اكثر دوائر الدولة المكلفة بالمحافظة على حريتها بأعظم قدر، واستقلالها عن المؤثرات الخارجية ما أمكنها، وحيادها والنظر بعيداً عن الأحاسيس والأهواء ما استطاعت. فاستناداً إلى الحرية التامة للمحاكم، من حقي ان أدافع بحرية على هذه الصورة عن حقوق حريتي.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 263

نعم، ففي كل المحاكم قضايا بشأن الأموال والأنفس. فإذا إحتدّ حاكم لسبب ما وقتل قاتلاً، يكون الحاكم قاتلاً ايضاً. إذن، ان لم يتحرر موظفو العدل عن الأحاسيس والأهواء والمؤثرات الخارجية تحرراً تاماً، فثمّ احتمال ان يخوضوا في آثام غليظة ضمن عدالةٍ شكليةٍ.

ثم ان للجناة ولمن لا ظهير لهم وللمعارضين حقاً ايضاً. وللتحرى عن حقهم هذا، يبحثون عن مرجع محايد غاية الحياد.

وانه شئ يقلب جوهر العدل إلى ظلمٍ، ويوحي إلى الانحياز من وجهة العدل، هو التعبير الذي يطلق عليّ بتسميتي وفي كل مرة: سعيد الكردي، مع ان اسمي سعيد النورسي هنا وفي اسپارطة في التحقيقات وذكرهم إياي بأني كردي. وبهذا يوقظون حساً ضدي عند إخوتي في الآخرة يتعلق بالحمية القومية، فضلاً عن أن هذا تغيير لمجرى المحكمة وماهية عدالتها تغييراً تاماً .

نعم، رغم وجود وقائع تاريخية كثيرة وبالألوف عن ان الشرط الأول للعدل هو نظر الحاكم والمحكمة بغاية الحياد والبراءة من شائبة الانحياز، مثل جلوس سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في زمن خلافته في المحكمة سوية مع يهودي، وحضور كثير من السلاطين في محاكم العدل مع عوام الناس، اقول لأولئك الذين يريدون ان يضللوا العدالة بإلقاء ظلال البعد عن التحضر عليّ :

أيها السادة!

قبل كل شئ أنا مسلم، وولدت في كردستان. لكني خدمت الترك، وان تسعاً وتسعين من خدماتي النافعة حصلت للترك، وامضيت معظم عمري بين الترك، وأخلص إخواني واصدقهم ظهروا من الترك، واستطيع ان اُشهد الفاً من شباب الترك الحقيقيين الشهمين، باني خدمت الملة التركية اكثر من ألف من هؤلاء الذين يظهرون أنفسهم محبين لقوميتهم وينعتونني بالكردي، حيث أن حب الترك وتأييدهم اكثر من الملل الأخرى هو من مقتضيات خدمتي القدسية، خدمة القرآن، لأنهم أشد أبطال الجيوش الإسلامية شجاعة.

واُشهد كذلك الثلاثين او الأربعين كتاباً - المحفوظة لدى الهيئة الحاكمة - خصوصاً رسائل (الاقتصاد والشيوخ والمرضى) منها، التي تخدم أربعة أخماس الشعب التركي من أهل المصائب والفقراء والمرضى والشيوخ واهل العبادة والتقوى بقدر ألف داعية إلى القومية التركية، ليست متداولة في أيدي الكرد، بل في أيدي الشباب الترك. اقول - بعد الاستئذان من الهيئة الحاكمة - للظالمين الملحدين الذين

 

 

سيرة ذاتية - ص: 264

ألقوا بنا في هذا البلاء وخدعوا بعض أركان الحكومة وحاكوا المؤامرات تحت ستار القومية:

أيها السادة! هل من القومية ان يُلقى في هذا البلاء - كمن ارتكب جنايةً كبيرةً - اكثر من أربعين من خيرة شباب الترك ومن اعظم شيوخهم وقاراً بسبب مادة لم تثبت بحقي، وإن ثبتت لا تُعدّ جريمةً، وان عُدّتْ جريمةً فأنا المسؤول عنها وحدي؟ بلى... إن من بين الذين تعرضوا إلى عذاب الحجز هذا بغير سبب ذواتٌ هم مدار الفخر لشباب الترك. فهل من القومية ان يُسحب مثل هؤلاء من بين أهليهم وأولادهم كالجناة ويلقى بهم في هذا البلاء لاني أحسست من بعيد بقيمة أحدهم فسلّمت عليه مجرد سلام، او أرسلت أليه رسالة إيمانية. اقول، فأنا الذي من ملة غير متحضرة ومن غير ملتكم في نظركم،لا استبدل واحداً من الموقوفين الشباب الشهمين والشيوخ الموقرين بمائة شخص من ملتي . وان فيهم من تركت من أجله منذ خمس سنين الدعاء على الظالمين الذين يظلمونني منذ عشر سنوات. وان فيهم من رأيت فيه بكمال الإعجاب والتقدير أنقى نماذج الخصال السامية متمثلةً في هؤلاء الترك النجباء. وقد فهمت سر تفوق الملة التركية بهم. واقول مشهداً وجداني وامارات كثيرة، باني لو كان لي انفساً بعدد هؤلاء الموقوفين الأبرياء، او استطعت ان اصب المشقات التي أصابتهم جميعاً على نفسي، فقَسَماً كنت أرضى وبكل فخر أن أحل محلهم. وان شعوري هذا نحوهم نابع من قيمتهم الذاتية، وليس لفائدة شخصية لي.لأن منهم من تعرفت عليه حديثاً، وأن منهم من استفاد مني، وأصابني منه ضرر. ولكن لو لحق بي منهم ألف ألف ضرر وضرر، فلا تقل قيمتهم في نظري.

فيا أيها الظالمون الملحدون الذين يدّعون القومية التركية!

هل القومية قهر وإذلال هؤلاء الذوات وهم مدار فخر الترك بأوهن وأوهى الحجج بسبب كردي مثلي - حسب تعبيركم -؟ هل هذه وطنية؟ هيا.. أحيل ذلك إلى وجدانكم الظالم!.

لقد أخلَت المحكمة العادلة سبيل أكثرهم إذ علمت براءتهم. فان كان ثمّ جرم فهو جرمي. وهم، لسجيتهم السامية، قاموا طلباً لرضا الله بنية خالصة بإشعالي الصغيرة، أنا الشيخ الغريب الكبير في السن، مثل إشعال الموقد، وجلب الماء، وطبخ الطعام، وتبييض رسالة خاصة بي، وكذلك وقعوا تطييباً لخاطري من اجل التذكر على أواخر رسالتين من رسائلي تعدّان بمثابة دفتر خواطر.فيا ترى هل في الدنيا قانون او أصول او مصلحة يؤاخذ عليه هؤلاء الرجال بمثل هذه الحجج الواهية!

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 265

التتمة الثانية لدفاعي

أيتها الهيئة الحاكمة!

قد تجدون في بياناتي الآتية ما لاجدوى فيها لمهمتكم. لكن هذه المسائل تتعلق بعموم البلاد بل الدنيا كلها. فلستم وحدكم تسمعون، بل أولئك ايضاً يسمعون حُكماً ومعنىً. ثم ترون سوء الانتظام في بياناتي، ذلك بسبب سلبي حقاً مهماً من حقوقي. ان خطي غير جميل، وقد رجوت كثيراً ان تعطوني كاتباً يكتب لي في هذه القضية التي هي قضية حياة وممات،كي أستكتب دفاعاً عن نفسي. لكن لم اُعط كاتباً بل منعوني بظلم عظيم حتى من التكلم حوالي شهرين من الزمن. لذلك لم أتمكن من كتابة منتظمة بخطي الناقص والمشوش للغاية.

وآخر بياناتي هو الآتي:

لنفرض- فرضاً محالاً- وكما وقع في إخبار المفسدين، ان رسائل النور لا تتوافق مع بعض سياسات الحكومة وبعض قوانينها، او تتخالف معها؛ وأنها قناعات سياسية مغايرة وأفكار مختلفة، وان عموم الرسائل لا تبحث في الإيمان بل في السياسة. فإذا قُبلت فرية جلية مثل هذه فرضاً، اقول جواباً:

لما كانت الحرية في أوسع حالها هي الجمهورية، وأن الحكومة قد رضيت بأكثر صور الجمهورية تحرراً نظاماً لها، فان من البدهي ان القناعات العلمية والأفكار الصائبة الحقيقية والقطعية وغير القابلة للرفض، لا يمكن لحرية الجمهورية ان تتسلط على تلك الحرية العلمية بإستبداد، بشرط عدم إخلالها بالأمن، ولا يمكن ان تعد تلك الحرية جريمة. نعم.. هل توجد حكومة في الدنيا كلها يجتمع شعبها على قناعة سياسية واحدة فقط؟ لنفرض اني قد كتبت قناعتي السياسية في خفاء لنفسي، ثم أطلعتُ عليها بعض اخلائي الخواص، فلم اسمع بقوانين تعد ذلك جريمة. والواقع ان رسائل النور تبحث في نور الإيمان، ولم تسقط في ظلمة السياسة، ولا تتردى إليها.

فان قال مَن لا دين له وجاهلٌ لماهية الجمهورية العلمانية: إن رسائلك تبعث تياراً دينياً قوياً، فتعارض مبادئ الجمهورية اللادينية.

الجواب: نحن نعلم ان الجمهورية العلمانية للحكومة هي فصلُ الدين عن الدنيا. ولا يَقْبَل أن تكون العلمانية رفضاً للدين وانسلاخاً عن الدين تماما إلا احمقٌ لا دين له وفي غاية الحمق. نعم. لا يوجد شعب في العالم يعيش بلا دين، والأتراك - كشعب ممتاز في كل العصور - أينما كانوا في أقطار الأرض إلا وهم مسلمون.

 

 

سيرة ذاتية - ص: 266

بينما عموم العناصر الإسلامية فيهم زمرة - ولو صغيرة - ليسوا مسلمين. إن إتهام كذابين لا دين لهم ولا ملة، لملةٍ مباركةٍ تديّنت بالدين بصدقٍ وحقيقةٍ، وأرست مفاخرها الملية على وجه الأرض بملايين المصادر الدينية وكتبتها بسيوفها كشعب هو الجيش الشجاع لهذا الدين منذ ألف سنة، بأنه سوف يرفض الدين او يكون بلا دين، إنما يرتكبون جريمة يستحقون بها عقاباً في الدرك الأسفل من النار. والواقع ان رسائل النور لا تبحث في الدين بدائرته الواسعة التي تحيط بقوانين الحياة الاجتماعية ايضاً. بل موضوعها الاصلُ وهدفُها هو البحث في الأركان العظيمة للإيمان الذي هو اللب الخاص للدين وأسمى أقسامه.

ثم إن أكثر من أتوجه إليهم هي نفسي، وبعدها فلاسفة أوروبا، وفي تصوري ان الشياطين وحدهم يتوهمون الضرر من مثل هذه المسائل القدسية بشرط الصحة، غير ان ثلاثة رسائل او أربعة، توجهت نحو نفر من الموظفين بشكل شكاوى انتقاديةٍ. لكن هذه الرسائل لم تكن من أجل مبارزة الحكومة ونقدها، بل ضد موظفين ظلموني واساؤوا استعمال وظيفتهم. وحتى لا تكون مصدراً لسوء الفهم، منعتُ نشر تلك الرسائل فيما بعد باعتبارها خاصة بي. إن أكثر الرسائل الأخرى ألّفت منذ أربع سنوات او خمس، ومنها ما ألّفت قبل ثماني سنوات او عشر، وبعضها قبل ثلاث عشرة سنة.إلا أن(رسالة الاقتصاد ورسالة الشيوخ والمرضى ) فقط الّفتها السنة الماضية. ومع ذلك، يطمئن ويصدّق من يملك ذرة إنصاف ويحقق في الرسائل بحياد: إن الرسائل لا تخالف قوانين الحكومة ولا تخل بالأمن ولا تضلل الشعب، بل ينبغي ان تنال التشجيع والتقدير من الحكومة. ولو فرضنا انها تخالف وجهة نظر الحكومة في نقاط كثيرة ، فبموجب قانون العفو المنشور اخيراً، الذي يعفو عن مثل هذه الجرائم لما قبل 28 / 7 / 1933، أدّعي ألاّ محل لمتابعة هذه الرسائل قانوناً، واطلبُ دفعَ الظلم عنا فوراً واعادة الرسائل.

فان قال سكران ثمل ومن لا وجدان له ويتلقى كنه الإنسانية في اسوأ وأدنى درجات الحيوانية، ويتوهم الدنيا خالدة دائمة، ويتخيل الإنسان باقيا لا يموت: ان رسائلك كلها تعطي درساً ايمانياً قوياً جداً، وتصرف النظر عن الدنيا، وتُحوّله نحو الآخرة. أما نحن، فيمكن ان نعيش في هذا العصر بالتوجه إلى الحياة الدنيا بكل قوتنا واهتمامنا وعقلنا. لان ديمومة الحياة والحذر من الأعداء صار صعبا في الوقت الحاضر.

الجواب: ان دروس الإيمان التحقيقي، مع توجيهها الأنظار إلى الآخرة، تُعلّم ان

 

 

سيرة ذاتية - ص: 267

الدنيا مزرعةٌ للآخرة وسوقٌ ومعملٌ لها، وتدفع إلى السعي الحثيث في الحياة الدنيا، ثم انها تُكسب القوة المعنوية المنهارة في غياب الإيمان قوةً، وتسوق اليائسين الساقطين في العطالة واللامبالاة إلى الشوق والهمة وتحثهم إلى السعي والعمل. فهل يرضى الذين يريدون ان يحيوا في هذه الدنيا بوجود قانون يمنع دروس الإيمان التحقيقي الذي يضمن لذة الحياة الدنيوية والشوق للعمل والقوة المعنوية للصمود بوجه مصائب الدنيا الكثيرة، وهل يمكن ان يوجد قانون مثل هذا؟

فان قال قائلٌ يتظاهر بالغيرة والحمية، جاهلٌ بالأسس الحقيقية لإدارة الشعب وأمن البلاد: نحن نرقبك باحتمال حصول شغب بقوة الرسائل، من جهة استناد من يريد إفساد الأمن واضطراب الإدارة إلى رسائلك، او انك تهمل الحذر وتعترض على الإدارة الحاضرة.

الجواب: ان من دَرسَ رسائل النور، لن يخوض في فتن تهدر دماء أبرياء كثيرين وتضيّع حقوقهم، ولن يقترب بأي وجه من فتن تكرّر فشلها وضررها. وان عشر فتن في هذه السنوات العشر، لم يشترك فيها عُشر طلاب رسائل النور، بل لم يشترك فيها واحد منهم، إنما يدل على ان الرسائل ضدها وأنها مدار تحقيق الأمن والنظام. واعجبي! أيهما اسهل من جهة الإدارة وحفظ الأمن، ألف رجل مؤمن أم عشرة رجال بلا دين لا يضبطهم ضابط؟ نعم. إن الإيمان بفيض الخصال اللطيفة، يمنح حسّ الرحمة والميلَ إلى الحذر من إلحاق الضرر. أما إهمالي للحذر، فان ولاية أهل اسپارطة يعلمون اني في السنوات الثلاث عشرة الأخيرة أبذل ما في وسعي وطاقتي لعدم لفت نظر الحكومة وعدم الخوض معها وعدم التدخل في أمورها مفضلاً العيش الألطف في الخلوة والانزواء عن الناس وفي المشقة وفي اجتناب السياسة.

يا عديمي الإنصاف الذين ساقوني إلى هذا البلاء! يبدو أنكم غضبتم وحنقتم لاني لم أتحرك ضد الأمن العام، وأوقفتموني بدافع عدائكم للسكون. نعم، الذين يريدون إفساد الأمن والسكون واضطراب الإدارة ضللوا الحكومة بشأني وشَغلوا العدالة بغير طائل فأوقفوني . وينبغي على الهيئة الحاكمة، وعلى رأسها المدعي العام، ان تفتح دعوى عليهم، ليس من أجلنا، بل باسم البلاد.

فان قيل: لستَ موظفاً. ويلزم ان تحترم الشعب وان لا تُدرّس دروساً دينية مثل موظفٍ. وتوجد دائرة رسمية تعطي دروساً دينية، ويلزم ان تحصل على موافقتها.

الجواب:

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 268

اولاً: ليس عندي مطبعة او كتّابٌ يقومون بوظيفة النشر.فشؤوننا خاصة بنا. وضمن قاعدة حرية الاعتقاد، حرية الشؤون الخاصة، ولاسيما إن كانت إيمانية ووجدانية .

وثانياً: ان توظيف حكومة الإتحاد والترقي إياي بالاتفاق، بوظيفةٍ في دار الحكمة الإسلامية لإثبات الحقائق الإسلامية ازاء أوروبا واعطاء دروس للشعب، وتعيين الرئاسة الدينية في ولاية وان إياي واعظاً هناك، وتداول اكثر من مائة رسالة لي في أيدي العلماء حتى الآن وعدم تعرضها للانتقاد، يثبت أني صاحب حق في التدريس للشعب.

وثالثاً: لو أغلق باب القبر وصار الإنسان خالداً لا يموت، لصارت الوظائف عسكرية وادارية ورسمية فحسب. ولكن مادام ثلاثين ألف شاهد يومياً في الأقل يُمضون بتوابيتهم على دعوى الموت حق، فلابد من وجود وظائف إيمانية أهم من الوظائف العائدة للدنيا. فـرسائل النور توفى بهذه الوظائف بأمر القرآن. وما دام القرآن الذي هو آمررسائل النور وحاكمها وقائدها، يحكم ثلاثمائة وخمسين مليوناً مصدراً إليهم أوامره، ويدفع أربعة أخماسهم إلى الدعاء والالتجاء إلى أبواب الرحمة الإلهية خمس مرات يومياً في الأقل، ويستقرئ أوامره القدسية والسماوية بخشوع في المساجد والجماعات والصلوات كلها، فلابد ان تقوم رسائل النور، التي هي تفسير حقيقي له ونور من شمسه وموظف من موظفيه، بهذه الوظيفة الإيمانية، بإذن الله، دون تعريضها إلى الصدمات. إذن، أهل الدنيا واهل السياسة في غنى عن مبارزتها، بل هم بحاجة شديدة إلى الإفادة منها.

نعم. توجد أجزاء كثيرة لـرسائل النور مثل (الكلمة التاسعة والعشرين) التي تكشف طلسم الكائنات المغلق وتفتح أسرار: من أين، وإلى أين المصير ؟ و(الكلمة الثلاثين ) التي تكشف السر الغلق لتحولات الذرات، و(المكتوب الرابع والعشرين) الذي يحل ويكشف الطلسم العجيب للخلاّقية العامة والفعاليةالدائمة في فناء الكائنات وزوالها، و(المكتوب العشرين) الذي يكشف ويحل ويوضح اعمق وأهم سرٍ للتوحيد ويبرهن يُسرَ الحشر البشري بيُسر إحياء ذبابة، واللمعة الثالثة والعشرين المسماة (رسالة الطبيعة) التي تزلزل وتخرّب أساس الفكرِ الكفري لِعبّادِ الطبيعة. ان من يطالع هذه الرسائل بدقة يؤمن ويصدق ان عالِماً او اديباً او استاذاً جامعياً لو يكشف واحدة من هذه الأسرار فقط، وفي أي حكومة من الحكومات، يُكرّمُ بمكافأة او جائزة!

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 269

لا ينبغي أن يُظن ان بياناتي تفصيلٌ خارج الموضوع. فان اكثر من مائة رسالةٍ من رسائل النور هي ضمن الأوراق التحقيقية لقضيتي، والهيئة الحاكمة مكلّفة بتدقيقها، وأنا مُلزمٌ بالإيضاح والإجابة من جهة تعلقها بالقرآن والعالم الإسلامي والمستقبل. وهناك حاجة إلى بيان احتمالٍ ولو بعيدٍ يتعلق بمسألتنا، إذ ان الوضوح التام لأي مسألة لا يتم إلا ببيان الاحتمالات كلها البعيدة والقريبة وكالآتي:

إذا قال نفر من الشقاة الذين اتخذوا اللادينية والكفر مسلكاً لهم، وحلّوا في بعض أركان الحكومة تحت ستار مقصدٍ سياسي فضللوها، او دخلوا سلك الوظائف وارادوا محو رسائل النور بالدسائس، واسكاتي بالتهديد: لقد مضى زمن التعصب - على القديم- وينبغي نسيان الماضي والتوجه نحو المستقبل بكل قوتنا، ولا نرغب في تدريسك الديني والإيماني القوي بصورته الرجعية.

الجواب:

اولاً: ما يُظنّ انه الماضي قد صار مستقبلاً، بل هو المستقبل الحقيقي. ونحن إليه سائرون.

ثانياً: لقد ارتبطت رسائل النور بالقرآن الكريم من جهة كونها تفسيراً له. والقرآن حقيقةٌ جاذبةٌ كالجاذبية العمومية التي تربط الأرض بالعرش. ولا يطيق الذين يحكمون في آسيا مبارزة تفسير للقرآن مثل رسائل النور، بل يصالحونها، ويفيدون منها، ويحمونها.

أما سكوتي، فان كانت رؤوس كثيرة لأهل العزة قد اُفتديت في سبيل اكتشافٍ عاديٍ ولإتباع فكرٍ سياسي لا أهمية له ومن اجل كرامةٍ دنيويةٍ، ففي سبيل ثروةٍ تُشترى بها الجنةُ العظيمة، واكسير حياة يُكسِبُ الحياة الأبدية، وكشفياتٍ تُذهل الفلاسفة جميعاً، لو ملكتُ رؤوساً بعدد ذرات بدني، واقتضى ان افتديها، لفديتها بلا تردد. ثم ان إسكاتي بالتهديد او الإزالة، سيجعل ألف لسانٍ ينطق بدل لسانٍ واحد. ورجائي في الله ان يُنطقَ الرحيم الكريم ذو الجلال آلاف الألسن بدل لساني الواحد الساكتِ، برسالة النور التي وقرتْ في الأرواح عبر عشرين سنةٍ الماضية.

مسألة تافهة إلاّ أنني سُئلت عنها كذنب كبير:

يقولون: انك لا تضع القبعة على رأسك ولاتنـزع عمامتك في المحكمة وأمثالها من الدوائر الرسمية، بمعنى انك ترفض تلك القوانين، علماً أن رفضها يوجب عقوبة شديدة.

الجواب: ان ردّ القوانين شئ، وعدم العمل بها شئ آخر مغاير عنه تماماً. فان

 

 

سيرة ذاتية - ص: 270

كانت عقوبة الأول الإعدام، فعقوبة الآخر يوم واحد من السجن او غرامة نقدية قدرها ليرة واحدة، او إنذار أو توبيخ.

فأنا لا اعمل بتلك القوانين، ولست مكلفاً بها، لأنني أعيش عيش الإنزواء، فهذه القوانين لا تسرى إلى معكتف المنـزوين.

تنبيه: على الرغم من أن محاكم اسپارطة و اسكي شهر و وزارة الداخلية قد صادرت كتبي الخاصة - المتراكمة منذ عشر سنوات - ورسائلي الخاصة، فانهم مازالوا ينقبون عمّا اتهمونا به من وجود منظمة سرية، واعترفوا بانهم لم يعثروا على شئ قط، رغم جميع تدقيقاتهم الصارمة.

فأنا أقول:

أيها السادة! عبثاً ترهقون أنفسكم. إن كان ما تبحثون عنه موجوداً، فعدم استطاعتكم العثور عليه طوال هذه المدة يعني أن وراء هذا الأمر قوة لا تُقهر ودهاء لا يُغلب ولا يُصد. فلا مناص لكم الاّ مصالحته. وإلاّ أما يكفيكم إلحاق الضرر بالكثيرين من الأبرياء ، بما يمسّ غيرة الله، فيكون وسيلة لنـزول المصائب أمثال الغلاء والقحط والوباء؟ علماً أن من هو مثلي عصبي المزاج يبوح بأخفى أسراره إلى الغرباء دون تحسب، وقد دافع أمام المحكمة العسكرية العرفية دفاع الرجال الأبطال، والذي يضطر في الشيخوخة إلى التحرز واتخاذ الحيطة والحذر -وفق مسلكه - عن الحوادث المجهولة العاقبة... اقول ان اتهام هذا الرجل بإقامة تنظيم سرى - لا يمكن كشفه قط - سذاجة في منتهى البلاهة، أو كيد مدبّر بلا شك.

أطالب حقاً لي من الهيئة الحاكمة!

ان ما صودر من كتبي تفوق قيمتها - عندي - اكثر من ألف ليرة، حيث أن قسماً منها قبلته مكتبة آنقرة بكل اعتزاز وامتنان قبل اثنتي عشرة سنة، ولاسيما ما هو إيماني أخروي خالص كـ(المكتوب التاسع عشر) و(الكلمة التاسعة والعشرون) فلهما أهميتهما لديّ، فهما حصيلة حياتي وكل ما املك من ثروة معنوية، ذلك لأنهما يبينان قسماً من عشرة أقسام من إعجاز القرآن بياناً واضحاً. فضلاً عن أنني إستكتبتهما مذهبّتين خاصتين لنفسي. علاوة على نسخة من رسالة الشيوخ - من بين ثلاث او أتربع نسخ - ولما لم يكن في هذه الرسائل شئ يخص الدنيا فأطالب بكل كياني إعادة هذه الرسائل والرسائل العربية التي تخص ذكريات شيخوختي، فتلك الكتب أُنسي وسلواني وأصدقائي في هذه الدنيا التي أثقلت كاهلي بخمسة أصناف من الإغتراب، حتى لو كنت في السجن او القبر.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 271

فحرماني من تلك الكتب يعني دفعي إلى غربة لا يمكن ان تطاق. فاحذروا الآهات والزفرات التي تنطلق نتيجة هذه المضايقات الثقيلة المرهقة.

أطالب رئيس المحكمة وأعضاءها بحق مهم:

وهو: انني لست وحدي موضوع البحث في هذه القضية كي تُحل ببراءتي بعد إطلاعكم على حقيقة الحال؛ ذلك لأن الشخص المعنوي لأهل العلم والتقوى قد اُسقط عليه ظل الإتهام لدى الشعب، وأصبحت الحكومة ايضاً تنظر إليهم نظر المرتاب وعدم الاطمئنان. مما يلزم أهل العلم والتقوى ان يعرفوا كيف يتجنبون محاولات مضرة مخلّة. لذا اطلب نشر دفاعي الذي كتبت القسم الأخير منه مطبوعاً بالحروف الجديدة، كي لا ينخدع أهل العلم والتقوى بالمؤامرات ولا يتقربوا إلى محاولات فيها ضرر وخطورة ، ولينجو الشخص المعنوي من التهمة لدى الشعب. ولتطمئن الحكومة كذلك من أهل العلم والتقوى ويزال سوء الفهم ولا تتكرر أمثال هذه الحوادث المضرة التي تلحق الأضرار بالحكومة والشعب والوطن.

* * *

حكاية أوردتها في لائحة الإعتراض:

لقد بينت هذه الحكاية في لائحة الإعتراض، وهي تصوّر حال غربتي وعدم النصير، وعدم السؤال عنه من أحد قط، ولو برسالة منذ أربعة شهور والمعزول عن الناس، وهو يقتحم قضية مصيرية بين الموت والحياة. فضلاً عن تنفير الناس عنه ببث الإشاعات المغرضة. والحكاية هي:

اُبتلي سلطان في غابر الزمان بداء لا دواء له إلاّ دم طفل. فأعطى والدٌ طفله قرباناً مقابل ثمن، بناء على فتوى الحاكم. ولكن الطفل بدأ يضحك أمام المجلس بدلاً من البكاء والاستنجاد، فقيل له:

- لِمَ لا تستغيث! ولا تشكو بل تضحك؟

فأجابهم:

- إذا ابتلى الإنسان ببلاء فإن أول ما يلتجئ إليه هو والده، ثم إلى الحاكم، ثم إلى السلطان. فوالدي يبيعني لاُذبح، والحاكم يصدر قراره بقتلي، وها هو السلطان ينتظر دمي. فهذه الحالة العجيبة الغريبة والقبيحة المنفرة والتي لم يشاهد مثلها لا تقابل إلاّ بالضحك.

وهكذا يا سيد شكري قايا1 أصبحنا نحن كذلك بمثابة ذلك الطفل، فبينما

 

_____________________

1 والدليل على مدى انخداع شكري قايا بالاوهام الواهية ومدى حقده الدفين هو:انه يأتي بنفسه من انقرة مع مئة من رجال الجندمة (الدرك) وخمسة عشر من رجال الشرطة، لأجل دفع شخص غريب مثلي مع ثلة من اخوانه المساكين الى المحكمة. وكأن ما في "اسپارطة" من قوة الجندرمة وفرقة من الجيش غير كافية للغرض. مما ولّد جوّاً من الارهاب والقلق لدى الناس.

ان هذه المهمة يمكن ان يؤديها شرطي واحد، لكنه بفعله هذا خسر الشعب ألفين أو ثلاثة آلاف ليرة، إذ صرف لنقل الابرياء - الذين اُخليت سبيلهم - من "اسپارطة" الى "اسكي شهر" خمسمائة ليرة فضلاً عن تعريضهم الى ألوف الاضرار، علاوة على زعزعة موقعهم الاجتماعي لدى الناس.

فهذه الاوضاع تبين مدى إلحاقه الضرر بإدارة الداخلية وبأمن البلاد وبسعى الشعب المسكين. ففي الوقت الذي تحتاج الداخلية الى النظام والامن والسكون.. فان إحداث قضية كبيرة من لاشئ والتسبب في اضرار جسيمة وجعل الحبة مئة قبة واجراء امور غير قانونية باسم القانون، يجعلنا ندّعي ان شخص شكري قايا قد ارتكب جرماً قانونياً كبيراً فنشكوه الى وزير الداخلية شكري قايا.(المؤلف)

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 272

يقتضي ان نعرض وضعنا إلى والي المدينة الذي يمثل الحكومة، ثم إلى عدالة المحكمة، ثم إلى وزارة الداخلية لبيان الظلم الواقع علينا وتخليصنا من أيدي الظالمين، إذا بنا نشاهد ان وزير الداخلية - الذي هو آخر مرجع يستمع إلينا - هو المبتلى بداء الغرور فيطلب دمنا ويريد القضاء علينا بحجج واهية تافهة، سائراً على خطأ كبير بإضفائه لون الحقيقة للأوهام التي لا أصل لها قطعاً .

ونحن بدورنا نشكو شخص شكري قايا إلى وزير الداخلية شكري قايا. فان كانت هذه المحكمة تريد الحفاظ على الحرية التامة حقاً ولا ترضخ أمام الضغوط اياً كانت وتحكم وفق ما في وجدان الهيئة من الشعور بالعدل، كنا أول من يقيم الدعوى على شخص شكري قايا لو نعلم انهم يستمعون إلينا، ذلك لانه منذ سنة والجواسيس يرفعون التقارير اليومية عنا إليه وبناء على طلبه اليومي او - في الأقل - الأسبوعي. وبذلك لفت أنظار الجواسيس وأفراد الأمن إلينا واعدّنا للذبح كما تعدّ الأضحية.

وفي الوقت الذي لا ينبغي لهيئة الحكومة ان تفكر في شئ سوى العدالة - وهم حقاً متمسكون بها- إلاّ انهم لم يتحملوا ضغط السيد شكري قايا، لذا لا يخلون سبيلنا بل يماطلون.

أما الوالي وأفراد الأمن للحكومة المحلية بولاية اسپارطة فكان واجبهم الوجداني حماية الموقوفين الأبرياء من اسپارطة - اكثر من غيرهم - والسعي لإخلاء سبيلهم بسرعة، الاّ انهم - بخلاف ذلك - يسعون للقضاء عليهم بالتجويع ولاسيما الفقراء المحتاجين منهم، فقطعوا عنهم الأرزاق المقررة لهم بناء على معاذير تافهة باطلة.

فهذه الحالة التي تثير أقصى درجات البكاء، نقابلها بالضحك - لا بالشكوى - بمثل ضحك ذلك الطفل، محيلين قضيتنا إلى الله العزيز الجبار ومتوكلين عليه.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 273

مقدمة اُلحقت مؤخراً للدفاع الأخير:

لقد اُخطر على قلبي فجأة في اليوم الثالث من الحمّى الشديدة الثقيلة عليّ، من جراء التسمم. فمنعتني من تناول شئ خلال ثلاثة ايام الاّ كأساً من لبن وكأساً من حليب، فكتبت تلك الخاطرة - تبركاً - كمقدمة لدفاعي في المحكمة، فان كانت فيها شدة ونقص فتعود إلى مرضي، وقد حاولت أن أبيّن الحقيقة صائباً ما وسعنى ذلك واُظهرها كما هي بهذا القدر حيث انني اضطررت إلى الدفاع عن مائة شخص، مع الإرهاق الذي أصاب الدماغ والبؤس الذي نعانيه والأحوال المزعجة التي نعايشها.

إن قصدي من أسلوبي الذي ينطوي على مبارزة منظمةٍ سرية رهيبةٍ في جميع صفحات دفاعي هي الآتي:

ان الحكومة الجمهورية التي قبلت فصل الدين عن الدولة لا ينبغي لها ان تتعرض للمتدينين بسبب دينهم كما لا تتعرض للملحدين بسبب إلحادهم.

وكذا أريد أن أميّز حكومة الجمهورية التي ينبغي ان تكون حيادية وهي متحررة، عن المنظمات السرية الرهيبة المنحازة للإلحاد والتي تحيك المؤامرات وتستغفل موظفي الحكومة. فأريد ان تظل الحكومة بعيدة كل البعد عن هذه المنظمات. فأنا - في الحقيقة- إنما أجاهد أولئك المتآمرين الذين تسلل منهم إلى وظائف الدولة، فهؤلاء يتعقبون بجد المتدينين، ولديهم تهمتان جاهزتان، يلصقونهما بالمتدينين الذين يحقدون عليهم، ويسعون لاستغفال الحكومة بهما.

إحداها: الرجعية التي تعني عدم الميل إلى إلحادهم.

والأخرى: استغلال الدين أداة للسياسة، بمعنى اتباع هذه الحكومة الإسلامية الإلحاد حاشا ثم حاشا.1

نعم، ان الحكومة الجمهورية لاتروّج أفكار تلك المنظمات السرية المفسدة المضرة للوطن والشعب ولا تنحاز إليها بلاشك. بل مقتضى قانون الجمهورية منعها، إذ الانحياز إلى أمثال هؤلاء المفسدين لا يحقق تنفيذ الأسس الحقيقية للجمهورية حيث يضاددها. فعلى الحكومة ان تظل حَكَماً عدلاً بيننا وبين أولئك المفسدين. فأيّ منا كان ظالماً ومتعدياً فلتحكم بيننا بالعدل.

نعم لا ينكر ان الكفر والإيمان يتصارعان منذ بدء الخليقة وسيبقيان هكذا إلى

 

_____________________

1 اي انهم يقولون "ان سياسة الحكومة هي الإلحاد، وفق نظرهم وان خدمتنا لتحقيق الإيمان بـ"رسائل النور" المترشحة من نصوص القرآن الحكيم، سياسة تخالف سياسة الحكومة. فيفترون افتراءً عظيماً جداً.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 274

يوم القيامة. فكل من يقف على كنه قضيتنا هذه يدرك ان الهجوم الذي شُن علينا تعدٍّ صارخ من الكفر على المتدينين مباشرة، ليس الاّ.

ان ظهور اكثر الفلاسفة والحكماء من الغرب وأوروبا وبعثة اكثر الأنبياء في الشرق وآسيا رمز من القدر الإلهي، ان المهيمن على آسيا هو الدين. ولاشك ان الحكومة الجمهورية التي هي في مقدمة آسيا ستستفيد من هذه الناحية الفطرية لآسيا. وتجعل قاعدتها في الحياد تميل إلى جهة التدين اكثر من ميلها إلى الكفر.

المادة الثانية: ربما تطرح مسألة، وهي وجود مسائل في أجزاء رسائل النور تعارض القانون. فهذه الجهة تخص المحكمة. ولكن الرسائل نفسها تضم اكثر من مائة من الكشفيات المعنوية فينبغي صيانة حق الكاشف وعدم ضياع حق كشف واحد منها. ذلك لان هذه الكشفيات لها أهميتها لدى أهل الحقيقة واهل العلم والأدباء، فلا يمكن ان يتملك أحد كشف الكاشف، واذا ما ادّعى تملكه فعلى الكاشف ان يقيم عليه الدعوى. وهذا قانون جار في الدول كلها.

ان رسائل النور التي ارغب في نشرها باستحصال موافقة الحكومة في المستقبل، قد سعيت منذ ما يقرب من ثلاثين سنة على تأليفها وكشفها، فهي نتيجة مساعي وثمرة تدقيقاتي ومجاهداتي الفكرية وتحرياتي الجارية في منابع مختلفة منذ خمسين سنة، فهي تظهر مائة من الكشفيات المعنوية الحاوية على ألوف من الحقائق، كل ذلك في أجزاء يفوق عددها على المائة رسالة. لذا فطرح خمس عشرة نقطة منها - لا توافق بعض القوانين - وجعلها في صورة اتهام، تهيئ المجال لسرقتها وتملكها من قبل الآخرين. حيث يسبب ضياع هذه الحقائق وضياع حقوقي المتعلقة بها. ومن هنا فاني أطالب - قبل كل شئ - بصيانة حقي باسم الحقيقة والحقوق وارجو ان تكون هذه أول جهة تنظر إليها محكمتكم العادلة.

ان الحقائق التي تتضمنها رسائلي المصادرة نتيجة توهمها أداة جرم يجب ان تكون بين يديّ، لأنها مصدر إثباتي تجاه أهل العلم والفلسفة ومحققي الدراسات الأكاديمية، فأطلب إعادتها لي لإجراء تثبيت الكشفيات والمناظرات العلمية التي فيها. وحتى لو حكمتم عليّ فلا تكون تلك الرسائل محكومة. ولابد أن تكون رفيقتي في السجن. ولاشك أن المحكمة العادلة تترفع عن الإنصات إلى أقوال الحاقدين والذي يخدش كرامة المحكمة وشرفها وعدالتها وستجعل ان شاء الله مؤامراتهم عقيمة بائرة.

فأنا لا اقول باسمي وحده، بل باسم الحقيقة السامية التي ترتبط بها حقائق كثيرة وحقوق أبرياء كثيرين مستنداً إلى ان المحكمة لا تعرف مقاماً أسمى من إحقاق الحق

 

 

سيرة ذاتية - ص: 275

والعدل. بل ان إنقاذ العدالة والبعد عن أي تأثير خارجي هو مقتضى العدالة التي تنفذها. فينبغي الإسراع في دفع هذه الأوهام الباطلة بإعلان الحرية لرسائل النور.

المادة الثالثة:

يفهم من الذنب الموهوم الذي يسند إلينا استلزام محكوميتي، حيث يراد أن يمسنا ظاهر المادة 1631 من قانون الجزاء وعموميتها، وبتعبيرها العام من دون أخذ القيود الاحترازية بنظر الاعتبار. رغم أن دفاعاتي المسجلة في المضابط الرسمية لديكم تضم أجوبة حقيقية قاطعة لما اُسند إلينا. فتُنتقد وتُعاقب رسائل النور بسبب عشر او خمس عشرة نقطة بدلاً من أن تُكافأ وتقدّر حق قدرها لاحتوائها على مائة من الكشفيات المعنوية ومئات من الحقائق المهمة وهي في اكثر من مائة جزء.

أليس من حقي أن أطالب بحقي هذا، وحق حرية رسائل النور؟ بل هذا أمر ضروري.

المادة الرابعة:

إن الذين يهاجمونني إلى الآن ويثيرون الحكومة علينا، أصحاب أغراض وأحقاد بلاشك. إذ ما تركوا باباً إلاّ وطرقوه لاجل ضربنا. فبدأوا اولاً بـأننا أصحاب طريقة صوفية ولم يعثروا على شئ، ثم تأسيس جمعية ثممعارضة قوانين الانقلاب وتشكيل تنظيمات سرية معارضة للدولة والقيام بنشريات دون إذن حكومي.. وامثالها من الإتهامات الكثيرة، ومع هذا لم يجدوا شيئاً لإدانتنا. وفي النهاية يريدون سحب مادة قانونية علينا - بما لا يقبله عاقل ولا يعطي لهم الحق منصف - من دون اعتبار بقيودها الاحترازية، مستفيدين من عمومية ظاهرها.

نعم لا يقبل من له ذرة من عقل وله ذرة من إنصاف في الدنيا كلها المادة التي سنبحثها بل سيقول حتماً انه افتراء وبهتان محض؛ تلك هي:

إن سعيداً الكردي يستغل الدين لاجل السياسة فالدلائل التي تفند هذا الزعم تبلغ اكثر من عشرين دليلاً وما يقرب من عشرة منها أدرجت في المضابط الرسمية لدفاعاتي. اذكر أحد الأدلة فقط بشهادة مئات الشهود:

بمشاهدة أهالي قرية بارلا التي مكثت فيها تسع سنوات، وبشهادة اخلائي في اسپارطة التي أقمت فيها تسعة اشهر، وبإشهاد اخلائي الذين يعرفوني عن كثب، اني لم اقرأ ولم استمع ولم اطلب أية جريدة التي هي لسان حال السياسة منذ ثلاث

 

_____________________

1 ينص هذا القانون على معاقبة كل من سعى لاقامة دولة دينية في تركيا او استغل الشعور الديني في هذا السبيل، وهو القانون الذي اتكأت عليه جميع الحكومات لضرب الحركات الإسلامية في تركيا.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 276

عشرة سنة. بل لم ارغب في الاطلاع على الجرائد التي تطرقت إلى وقائع يظن أن لها مساساً مع شخصي وتثير الفضول لدى الناس، ولم اقرأها ولم استقرئها. أيقال لسعيد انه يجعل الدين أداة للسياسة والذي يعني أن الدين الحق الذي آمن به وهو الحقيقة السامية المقدسة والإيمان الحقيقي يجعله آلة للسياسة، أي آلة لمقصد دنئ عقيم تضيع فيه حقوق الكثيرين، لمقصد مختلط فيه الإثم الكثير، بماذا؟ بـرسائل النور التي تبينت بعد التدقيقات العميقة التي أجرتها الحكومة، انها متوجهة للآخرة والإيمان وإلى الحقيقة لا غير فيما عدا خمس عشرة مادة فيها.. ألا يفهم من يتفوه بهذا الكلام أنه أبعد من العقل والوجدان؟ فلا ريب أن المحكمة العادلة ستدفع بمثل هذه الأوهام الباطلة والاسنادات الظالمة وتحق الحق في حقنا.

فعلى الرغم من أن الجهل بالقوانين لا يشكل عذراً لدى الأكثرية، فان من كان في قرية نائية، تحت الترصد والمراقبة، وفي بلد غير بلده، عازفاً عن الدنيا، ومقيماً اجبارياً منفياً هناك، وتتوالى عليه الازعاجات باستمرار، لاشك أن جهله بالقوانين يشكل عذراً لدى المنصفين.

فذاك الرجل هو أنا، فلم أكن اعلم أية مادة قانونية التي يؤاخذوني بها بوهم خاطئ. بل لم اكن أستطيع التوقيع بالحروف الجديدة. وقد لا ألتقي احداً طوال عشرة ايام سوى من يعينني في أموري الخاصة، فالجميع يهربون من أن يمدّوا اليّ يد التعاون. علاوة على ذلك لا أتمكن من توكيل محام يدافع عني. وقد اتخذت دستور إنما الحيلة في ترك الحيلة دستوراً طوال حياتي، فمازلت أقول الصدق والحق والحقيقة والصواب في المحاكمات. وبناء على ما ذكر فمن مقتضى العدالة النظر بالتسامح إلى تعابيري التي لا توافق القوانين الحاضرة والأصول الرسمية في دفاعاتي او في عدد من رسائل النور.

إن النقاط التي ظلت مجملة في دفاعاتي موضّحة في رسالة الإعتراض على لائحة الادعاء، وما جاء في الإعتراض من مواد مجملة موضحة في الدفاعات، فالواحدة تكمل الأخرى.

إن ما تضمنته المادة 163 مع القيود الاحترازية من معنى، وما قصد بها واضع القانون هو: ألاّ يكون مبعثاً للإخلال بالأمن. وحيث أنه ليس هناك إشارة ولا أمارة ولا ترشح يومئ إلى الإخلال بالأمن، لا فيّ ولا في رسائلي، فهذه المادة إذن لا علاقة لها بقضيتنا اطلاقاً وليس هناك جهة تستلزم العقوبة. وقد أثبتنا هذا اثباتاً قاطعاً كما في المضابط الرسمية. لذا لا يليق بجلال العدالة إبراز هذه المادة القانونية

 

 

سيرة ذاتية - ص: 277

ومؤاخذتنا بها بتأثير الأوهام المذكورة في البداية.

فأنا أطالب ببراءتي وأقول كلمتي الأخيرة :

]حسبنا الله ونعم الوكيل[

]فان تولوا فقل حسبي الله لا اله الاّ هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم[

***

اعتراض على لائحة الادعاء:

أيتها الهيئة الحاكمة ويا أيها المدعي العام!

إن كل مادة وردت في لائحة الادعاء العام حول سبب اتهامي أجيب عنها في دفاعاتي المسجلة في المضابط الرسمية لدى دائرة التحقيق. ودفاعي الأخير البالغ خمساً وثلاثين صفحة أقدمه بدلاً من الإعتراض، ولكن لاجل أن ألفت نظر العدالة والإنصاف إلى نقطة مهمة أقول:

أي إنصاف أو وجدان يقبل إتهامي بمحاولة الإخلال بالأمن والنظام، رغم عدم وجود أية أمارة أو ترشّح حول الإخلال بالأمن والنظام منذ عشر سنوات صادر مني، وأنا المظلوم وتحت المضايقات في ولاية اسپارطة؟

فلو فسّر وجه تنفيذ المادة القانونية 163 بحقنا فيجب ان يشمل اولاً رئاسة الشؤون الدينية، وجميع الأئمة والخطباء والوعاظ، لأننا مشتركون معهم في الإرشاد والتوجيه إلى الحياة الدينية. إذ لو فسّر هذا المفهوم الخطأ الواضح، أي ان الإرشاد الديني يخل بالأمن والنظام الداخلي فعندئذ يصبح شاملاً للجميع.

نعم ان لي جهة تفوق عليهم وهي إيضاح الحقائق الإيمانية ايضاحاً قاطعاً لا شبهة فيه ولا ريب. ولو فرض - فرضاً محالاً - ورود اعتراض على أهل الدين عموماً فان هذه الحالة تكون وسيلة لإنقاذنا من الإعتراض.

انه بلا شك لا يليق بنظر العدالة إلقاء عشرين من الأبرياء في السجن وجعلهم في حالة بؤس وشقاء بعيدين عن أهليهم وذويهم وعن مساعيهم وشغلهم، بسببـي أنا، وبناء على مادة لم يثبت منها شئ عليّ بعد إجراء التحقيقات بشأني إلى هذا الحد، بل حتى لو ثبت فلا يشكل ذنباً من وجهة نظر العدالة الحقة، وحتى لو كان ذنباً فأنا المسؤول عنه. نعم فلقد تضرر ضرراً بالغاً - بالتوقيف والحجز - كثيرون جداً من الأبرياء بسبب أدنى علاقة معي.

ورد في لائحة الادعاء حول نفيي ما ينمّ عن الاشتراك في حوادث الشرق (الشيخ سعيد). فأنا أجيب:

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 278

إنني نفيت من قبيل الأخذ بالحيطة والحذر ليس الا،ّ وتوجد تفاصيل حول الموضوع في سجلي لدى الحكومة. فلقد كنت آنذاك - وكما هو الآن - منـزوياً عن الناس. إذ لما كنت وحيداً فريداً في مغارة على جبل، مع خادم، أخذوني وفرضوا عليّ الإقامة الإجبارية لمدة عشر سنوات، تسع منها في قرية وسنة واحدة في اسپارطة. وفي النهاية ابتلوني بهذه المصيبة.

***

لائحة الادعاء الثالثة:

وردت الفقرة الآتية في اللائحة:

حينما كان في بارلا أنشأ علاقات مع الناس، البعيد والقريب، وضمن منهم المعونات المادية والمعنوية، وبدأ نشاطه مؤلفاً رسائل عدة سماها رسائل النور واستكتب جزءاً جزءاً منها بالتتابع وكثّرها بنسخ كثيرة ونشرها بصورة خفية بدلالة رجاله وبوسائل شتى حتى نشرها في كل من انطاليا وآيدن وميلاس واغريدر ودينار ووان وأمثالها من المناطق، ووضع على بعض هذه الرسائل التي تؤثر في الأمن الداخلي انها رسائل سرية خاصة او شبه خاصة، وبهذا أظهر ما كان يستهدفه من هذه الرسائل...

اقدم الجواب الآتي القاطع الواضح، مع الدفاع الأخير المسجل في المضابط الرسمية والبالغ خمساً وثلاثين صفحة، على صورة رسالة اعتراض فأقول:

حاشا ومائة ألف مرة حاشا لله.. لا ولن اجعل علم الإيمان أداة لشئ قط سوى مرضاة الله. ولا يحق لأحد كائناً من كان ان يجعله.. وقد ألفت مائة وخمساً وعشرين رسالة تحت اسم رسائل النور خلال عشرين سنة.. والتي عليها رسائل خاصة سرية ثلاثة منها؛ وجعلناها خاصة لئلا تكون مدار غرور ورياء.

والآن اضطر إلى نزع ستار السرية عن تلك الرسائل فأقول:

ان إحدى تلك الرسائل الخاصة هي الكرامة الغوثية. والثانية الكرامة العلوية والثالثة رسائل تخص الإخلاص. والرسالتان في الكرامة عبارة عن إشارات الإمام على رضى الله عنه والشيخ الگيلاني قدس سره إلى تقدير خدمتي القرآنية وتثمينها بما يفوق حدي مائة مرة. أما الرسالة الخاصة بسر الإخلاص فهي تنجي - بإذن الله - من الرياء والغرور والأنانية وهي تخص اخوتي الخواص.

فما علاقة هذه الرسائل بالأمن الداخلي حتى تكون موضع اتهام.

أما القسم الثاني من الرسائل الخاصة فهو بضع رسائل كتبتها قبل تسع سنوات

 

 

سيرة ذاتية - ص: 279

عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية رداً على اعتراضات أوروبا والهجوم الكفري السافر لـعبد الله جودت1 ورسالتين كتبتهما على صورة شكوى من التعدي الظالم الشنيع عليّ من قبل بعض الموظفين. وهما مذكورتان في دفاعي.

وبعد تأليف هذه الرسائل الأربع بمدة، منعتُ نشرها لئلا تمس قوانين التحرر وشؤون الحكومة بأي شكل من الأشكال، وقلت انها رسائل خاصة. فانحصرت في واحد او اثنين من اخوتي الخواص. ودليلي: هو عدم وجود هذه الرسائل في أي مكان كان رغم تحرّياتكم الكثيرة. إلاّ أنكم حصلتم على (الفهرست )لجميع الرسائل، وفي ضوئها استلزم استيضاح هذه النقاط. وقد أجبت عنها وسُجلت في مضابطكم الرسمية.

ترد في لائحة الادعاء أسماء مناطق عديدة ومحاولتي نشر رسائل النور بوساطة رجالي هناك. اقول جواباً:

اني أعيش غريباً وبلا نصير في قرية نائية، ولا أجيد الكتابة، يتجنب الناس عن معاونتي لكوني تحت المراقبة والترصد الدائم. فكم هو خلاف الحقيقة إطلاق الكلام جزافاً : انه يحاول النشر وتعميم الرسائل ..لإرسالي بعض الخواطر الإيمانية إلى عدد محدود جداً من أحبتي- كذكرى جميلة - لا يتجاوزون خمسة أشخاص؟ .. قدّروا الموقف.. إذن فكيف يقال: انها نشرياتٌ إرسال رسالة او رسالتين إيمانيتين إلى صديق في وان علماً أنني انشغلت بالتدريس هناك خمس عشرة سنة ونلت توجه الناس وإقبالهم عليّ اكثر من حدّي بكثير .لاشك اني لا أستطيع النشر حيث لا مطبعة لي ولا كتّاب ولا أجيد الكتابة، ولكن رسائل النور لها جاذبية تنتشر بنفسها. الاّ الكلمة العاشرة التي تخص (الحشر) قد طبعناها، قبل إقرار الحروف الجديدة، وحصل عليها مسؤولو الحكومة والنواب والولاة، ولم يعترض أحد منهم عليها. ونشرت بثمانمائة نسخة. ولمناسبة انتشارها حصل بعض الناس على رسائل مشابهة لها من الرسائل الإيمانية الأخروية الخالصة، ولا جرم قد انشرحتُ بهذا الانتشار الذي حصل بنفسه، ودون اختيارنا. وقد كتبت تقديري هذا على صورة حث في بعض مكاتيبي الخاصة، وبنتيجة التحريات الدقيقة منذ ثلاثة شهور عثروا على كتبي لدى خمسة عشر او عشرين شخصاً في هذه البلاد الواسعة. ترى كيف

 

_____________________

1 (1869-1930) أسس جريدة الاجتهاد في جنيف 1904 ثم في القاهرة1905 ثم في استانبول1911 له مؤلفات كثيرة في الدفاع عن الفكر المادي والدعوة الى التغريب ترجم كتاب تاريخ الإسلام لدوزي الى التركية ،كان من المؤسسين لجمعية محبي الانكليز. ولكثرة استهزائه بالدين أحدثت الصلاة على جنازته نقاشاً في الصحافة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 280

تكون نشريات وجدان رسائل لدى عشرين من أصدقاء مَن قضى ثلاثين سنة من عمره في التأليف والنشر؟ وكيف يقال انه يستهدف شيئاً وراء هذه النشريات؟

ايها السادة:

لو كنت ابتغي دنياً او سياسة لكانت علاقتي تظهر بمائة ألف شخص وليس بخمسة عشر او عشرين شخصاً.

وعلى كل حال ففي دفاعي لديكم تفاصيل اكثر وإيضاح بخصوص هذه النقطة.

***

جاء في لائحة الادعاء إعتراض على حقيقة وهي الجواب العلمي وفي غاية الوضوح على اعتراض المدنية الحديثة حول الآيتين الجليلتين ]للذكر مثل حظ الأنثيين[(النساء:11)]فلأمه السدس[ (النساء:11) علماً ان تلك الحقيقة وردت في جميع التفاسير.

وورد في لائحة الادعاء - نقلاً من (الفهرست) ايضاً - انتقاد العبارة الآتية: لا تحل الترجمة محل الألفاظ القرآنية والأذكار المأثورة.

هذه المسألة حدثت قبل ثماني سنوات وهي حقيقة علمية لا تقبل الإعتراض قطعاً. ولكن الحكومة بعد مدة طويلة قبلت - حسب بعض متطلبات الوقت الحاضر - ترجمتها. فكيف تستعمل إذن تلك الحقيقة العلمية ضدي؟

ورسالة شكوى عبارة عن أربع نقاط لم اسلّمها لأحد من الناس. ولهذا لم يعثر عليها، تبحث عن التعدي الظالم الوحشي على مسجدي من قبل مدير الناحية وثلة من أصدقائه، وسوء تصرف القائمقام ومأموريه معه.

وورد في لائحة الادعاء: بحث في التوافقات اللطيفة ان عدد سطور (رسالة الحشر) يوافق تاريخ تأليفها، وتاريخ إعلان الجمهورية اللادينية العلمانية التي تفصل الدين عن الدنيا والذي هو أمارة إنكار الحشر... وهذا يعني: انه من المحتمل ان يُظهر أهل الضلالة والإلحاد إنكار الحشر مستفيدين من حياد الجمهورية التي لا تتعقب الدين ولا الكفر، وتظل على الحياد. وليس في ذلك اعتراض على الحكومة، بل إشارة إلى حياد الحكومة.

نعم، لقد أخرست (الكلمة العاشرة) بنسخها الثمانمائة أهل الضلالة، فلم يطيقوا أن يخرجوا أضغانهم، فدفنت إنكارهم الحشرَ في قلوبهم ولم تُتح لهم فرصة كي ينطقوا به، فكمّت أفواههم ببراهينها الدامغة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 281

نعم، إن (الكلمة العاشرة) التي تبحث عن ركن إيماني عظيم وهو الحشر أصبحت كالسور الفولاذي حول الإيمان. وأسكتت أهل الضلالة. فلاجرم أن الحكومة الجمهورية قد سُرّت ورضيت بها حتى تناقلتها أيدي المسؤولين الكبار بحرية تامة..

أيتها الهيئة الحاكمة!

لو كان هدف رسائل النور الدنيا او قُصد بها قصداً دنيوياً لكانت عشرات الألوف من مواضع النقد في مائة وعشرين رسالة تلفت إليها الأنظار.. فهل يجوز منع بستان طيب وإدانة صاحبه بوجود خمس عشرة فاكهة مُرة بالنسبة لكم من بين مائة وعشرين ألف فاكهة طيبة لذيذة.. اُحيل ذلك إلى وجدانكم العادل.

ولقد بينتُ في دفاعي الأخير أنني منذ ثلاثين سنة أجبتُ ومازلت أجيب على اعتراضات فلاسفة أوروبا ومن يعمل على حسابهم في داخل البلاد من الملحدين الذين يحيكون مؤامرات المكر السئ. فكل من يدقق رسائلي يدرك ان مخاطبي فيها بعد نفسي هم أولئك.

والآن أسألكم:

بأي صورة تكون اللطمات العلمية التي اُنزلها على فلاسفة أوروبا وأضرت بها وجه كل ملحد يعمل لحساب الأجانب، أنها ضد الحكومة؟ إننا لا نستوعب هذا، إذ كيف يكون هذا الأمر ضد الحكومة بل لا نورد إحتمالاً له قط! بل نرى ان حكومة الجمهورية الداعية إلى الحرية ترحب بهذه اللطمات العلمية المحقة، ترحب بها باسمها وباسم القانون، فلا تعتبرها مواد مسؤولية واتهام.

اعتذار: كتب هذا الإعتراض خلال ثلاثة ايام بعد تبليغ لائحة الإدعاء، ففي اليوم الأول أتت اللائحة متأخرة وقرئت حتى المساء. وفي اليوم الثاني تُرجم القسم الأعظم منها. فكتب هذا الإعتراض الطويل بسرعة حيث لم أجد مجالاً لكتابتها الاّ حوالي ست ساعات.

ولما كنت قد مُنعت من الاختلاط بالناس، فاني اجهل القوانين والأصول الرسمية الحاضرة - كما ورد في دفاعي - لذا فهذا الإعتراض الذي كتبته في خلال أربع او خمس ساعات سيكون غير منتظم ومشوشاً بلا شك، أرجو ان تنظروا له بنظر التسامح.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 282

الدفاع الأخير

المقدم إلى حاكم الجزاء

باسمه سبحانه

دفاع عن الإتهامات الواردة في اثنتي عشرة صفحة الخاصة بي، من بين قرار الإتهام البالغ ستين صفحة.

ان الأجوبة القاطعة عن المواد المذكورة في قرار الإتهام موجودة في دفاعي المسجل لدى المضابط الرسمية لديكم. وابرز هذا الدفاع الأخير البالغ تسعاً وعشرين صفحة مع رسالة الإعتراض البالغة تسع عشرة صفحة تجاه هذا القرار الباطل و الإتهامات الموهومة.

فهذان الدفاعان يردّان ويفنّدان بصورة قاطعة جميع نقاط المؤاخذة وأسس الإتهامات الواردة في قرارات حكام التحقيق، ويبينان أن تلك القرارات باطلة لا أصل لها اطلاقاً. وسأبين هنا في خمس عُمدات من اين اُستغفل الذين اتهمونا، ومن أين اقتبسوا هذه المؤاخذة الباطلة علينا وما مستند هذا القرار؟..

العُمدة الأولى:

جواباً على الإتهام الباطل الذي لا اصل له اطلاقاً وهو أنني ورسائل النور نعارض دساتير الحكومة وضدّ نظامها ونخلّ بالأمن الداخلي وحجتهم الخمس عشرة فقرة التي وردت في بضع أجزاء من رسائل النور البالغة مائة وعشرين جزءاً.

فأنا اقول:

لقد قبلت حكومة الجمهورية قسماً من قوانين المدنية التي هي الملك المشترك لأوروبا- بناء على إلجاءات الوقت الحاضر فقط - لذا كيف يقال لدفاعاتي العلمية في سبيل إحقاق الحقائق القرآنية تجاه الجزء القاصر من تلك المدنية - وليس النافع منها - انها تعارض دساتير الحكومة وتخالف نظامها او انها حركة ضد الأعمال الانقلابية للحكومة؟

ترى هل تتنـزل هذه الحكومة لتكون محامية دفاع عن الجزء القاصر من مدنية أوروبا؟ فهل هدف الحكومة منذ زمن طويل هو قوانين ذلك الجزء القاصر من المدنية المخالفة للإسلام؟ فأين إتخاذ طور المعارض للحكومة وأين الدفاع عن الحقائق القرآنية دفاعاً علمياً تجاه قوانين المدنية القاصرة. ألا يعد حقداً ظاهراً ووهماً باطلاً واضحاً اتهامي بان له قصد المعارضة لقوانين الانقلاب ومخالفة دساتير

 

 

سيرة ذاتية - ص: 283

الحكومة والنظام فيما كتبته - قبل ثلاثين سنة - من الحقائق القدسية للآيات الكريمة:

]للذكر مثل حظ الانثيين[ ]فلأمه السدس[ ]يا أيها النبي قل لأزواجك..[ (الأحزاب:59) ]فانكحوا ما طاب لكم[ (النساء:3) إلى آخر الآيات الكريمة، تجاه اعتراض فلاسفة أوروبا وتعديهم. تلك الآيات التي فسّرها المفسرون في ملايين تفاسيرهم منذ ألف وثلاثمائة سنة والتي تزخر المكتبات بها في الوقت الحاضر.

فلو لم يكن الأمر متعلقاً بهذه المحكمة لما كنت أرى الأمر يستحق الدفاع والجواب.

ويا عجبي كيف توخذ دفاعاتي العلمية انها ضد الحكومة؟ علماً انها تجاه الملحدين والمفسدين الذين يضمرون إضرار هذا الوطن والشعب والذين يعملون على حساب المنظمات الملحدة الأوروبية فينثرون بذور الإلحاد والاختلاف والفساد بوساطة جمعيات الروم والأرمن؟ وكيف تومى دفاعاتي العلمية معنى التعرض للحكومة؟ وأي إنصاف يرضى ان يملّك الإلحاد على الحكومة ومن ثم يسند الإتهام عليه؟ وأي وجدان يرضى وأي إنصاف يقبل عدّ دفاعاتي العلمية الغالبة على المفسدين الملحدين منذ عشرين سنة انها استغلال الدين للسياسة وتحريض الناس على الإعتراض على الحكومة؟ وكيف يملّك الإلحاد على بعض دساتير الحكومة علماً ان الأسس المتينة للحكومة الجمهورية هي ضد أمثال هؤلاء الملحدين.

نعم إنني أعلن للدنيا قاطبة وليس لهذه المحكمة وحدها، أنني دافعت ومازلت أدافع عن الحقائق الإيمانية المقدسة تجاه فلاسفة أوروبا ولاسيما الملحدين منهم وبالخاصة أولئك الذين يجعلون السياسة أداة للإلحاد ويخلون - ضمناً - بالأمن والنظام.

إنني اعلم أن الحكومة الجمهورية حكومة إسلامية لا تفسح المجال للتيارات الإلحادية المضرة بالوطن والشعب وقد قبلت ضمن إلجاءات الزمان الحاضر بعض القوانين المدنية.

إنني لا أوجّه كلامي هذا إلى حكام التحقيق الذين يؤدون واجبهم، بل أوجّهه إلى الملحدين الظالمين الذين اُستند إلى أقوالهم في قرار الإتهام. واقول:

إنني اتهمكم بأنكم تريدون استغلال السياسة في سبيل الإلحاد، تجاه اتهامكم إياي باني استغل الدين للسياسة. لأنني اثبت بمائة دليل قاطع ان هذه فرية فاضحة وباطل لا أساس له من الصحة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 284

كان فيما مضى سلطان خبّ، يقترف مظالم كثيرة باسم العدل. قال له عالم فاضل يوماً: أيها الحاكم! أنت تظلم رعيتك باسم العدل. لان رؤيتك المتسمة بالخب والانتقاد تجمع السيئات المتفرقة عبر الزمان وتتصورها في آن واحد. فتعاقب صاحبها بعقاب أليم. ثم تجمع سيئات القوم الناجمة من أفراده المتفرقين، مرة واحدة - برؤيتك الناقدة المتسمة بالخب - وتحذر كل فرد من أفراد ذلك القوم، وتنفر منهم جميعاً وتنـزل ضربة ظالمة عليهم. فإنك بلاشك تغرق في ما تبصقه في ظرف سنة واحدة لو خرج منك في يوم واحد. والعلاج المر الذي تستعمله في أوقات متفرقة إذا استعمله عدد من الأفراد في يوم واحد ربما يؤدي إلى موتهم.. وهكذا فبينما الأمر يقتضي ستر السيئات المتخللة بين المحاسن، فانك لا تفكر بالمحاسن المزيلة للسيئات في رعيتك، بل تجمع - برؤيتك الخب - السيئات كلها وتعاقب عليها عقاباً أليماً.. ويستمع السلطان إلى ذلك العالم الجليل، فينجو من الظلم.

ان قوة خفية تريد الحكم عليّ بالادانة، واشعر انها تحاول بشتى الوسائل ان تجد حججاً ومعاذير مهما كانت لجعلي محكوماً، كمن يجمع الماء من ألف وادٍ بل أغرب من دعوى الذئب للحمل.

فمثلاً يرددون هذه الكلمة منذ ثلاثة شهور: أن سعيداً الكردي يستغل الدين للسياسة. وأنا اقسم بجميع المقدسات أن لو كان عندي ألف سياسة لكنت فديتها للحقائق الإيمانية. فكيف أجعل الحقائق الإيمانية أداة لسياسة الدنيا؟ فمع أنني فنّدت هذا الإتهام في مائة موضع الاّ انهم لا يزالون يرددون النقرات نفسها. بمعنى انهم يريدون بالاستلزام ان يجعلوني مسؤولاً مهما كلف الأمر. وأنا بدوري اتهم الظالمين الملحدين الذين يحاولون العمل ضدنا أنهم يستغلون السياسة للإلحاد. فهم يحاولون ستر هذا المعنى - وهو موضع اتهامهم - باتهامي أن سعيداً يستغل الدين للسياسة.

فمادام الأمر هكذا، وهم يريدون الحكم عليّ مهما كلف الأمر فأنا اقول لاهل الدنيا قاطبة: إنني أترفع ولا اتنـزل لأجل سنة او سنتين من عمر الشيخوخة هذا.

العمدة الخامسة: عبارة عن أربع نقاط:

النقطة الأولى: الكلمات تُحرف عن مواضعها في القرار، إذ يستخرج منها التعريض. علماً ان الكلمة لا يقصد بها ذلك، والحال ان هدف رسائل النور مخالف تماماً لما يذكرونه. فالتعاريض غير المقرونة بقصد كلماتها بل حتى التصاريح لابد ان يُنظر إليها بنظر العفو والتسامح. والمثال الآتي مقياس لإيضاح هذه النقطة:

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 285

إني استهدف قصداً معيناً واسعى راكضاً إليه، واذا بي اصطدم برجل كبير دون اختيار مني و وقع الرجل إلى الأرض، فاعتذرت منه قائلاً: يا سيدي أرجو المعذرة فاني اصطدمت بك دون قصد وأنا في طريقي إلى ما اذهب إليه، فلاشك ان الرجل سيعفو عني ولا يتألم مني. بينما لو وضعت اصبعاً في أذنه بقصد الازعاج فسيسخط عليّ بلاشك لعدّه العمل إهانة وتحقيراً مقصوداً.

نحن لا نقصد الاصطدام بكم في أثناء سيرنا نحو هدفنا، ولكن لو اصطدمت كلماتٌ قوية في رسائل النور في أثناء حركتها العلمية الفكرية بكم فلابد ان يكون ذلك موضع العفو والتسامح حيث ان هدف رسائل النور الإيمان والآخرة.

***

لقد تعرضت إلى ظلم لا مثيل له:

وهو الآتي: على الرغم مما بينته في دفاعي الأخير، وفي اعتراضاتي الثلاثة بدلائل قاطعة بعشرين وجه أن المادة 163 لاتمسني اطلاقاً، وكذا ما بينته في رسائلي البالغ عددها مائة وعشرين رسالة المؤلفة خلال عشرين سنة - ولم يجدوا فيها الاّ اقل من عشرين كلمة لا تروق لهم - وكذا ما وضّحته في دفاعاتي العلمية التي كتبتها في أوقات مختلفة تجاه فلاسفة أوروبا الكفرة وتلامذتهم الملحدين، وهي رسائل نافعة قيمة أخروية، بمناسبة كوني عضواً في دار الحكمة الإسلامية لم توافق عشر او خمس عشرة كلمة منها من بين مئات الألوف من الكلمات، بعض المواد للقانون المدني الذي قُبل بعد مدة طويلة تحت إلجاءات الزمان... مع كل هذا تُطلب محكوميتي، وتصادر المتداول من رسائل النور البالغ عددها مائة وعشرين رسالة والحاوية على كشفيات معنوية مهمة. فضلاً عن رفض جميع دعاواي ودفاعاتي العلمية المنطقية القانونية لدى المحكمة بصورة غير قانونية وبدون ذكر الأسباب الموجبة.

ان المادة القانونية 163 التي تنص على الذين يستغلون الشعور الديني للإخلال بالأمن، لابد ان يكون لها تفسير، حيث انها واسعة شاملة جداً. إذ لها قيود احترازية. وإلاّ فهذه المادة وهذا المعنى الواسع كما يُدينني يدين جميع أهل الدين وفي مقدمتهم رئاسة الشؤون الدينية والائمة والخطباء والوعاظ، ولئن كان يشملني هذا المعنى الشامل لهذه المادة مع ما قدمت في اكثر من مائة صفحة من الدفاعات القاطعة الحقيقية يشمل ايضاً كل ناصح يرشد إلى الخير. بل يشمل كل إنسان تحت حكمه. وينبغي ان يكون الآتي هو معنى هذه المادة القانونية:

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 286

انه لصد الذين يتبعون سياسة معارضة (للحكومة) تحت ستار التعصب ويعيقون الرقي الحضاري.

ولقد أثبتنا ان هذه المادة بهذا المعنى لا تمسنا اطلاقاً بدلائل قاطعة كثيرة جداً.

نعم لا يمكن ان تكون هذه المادة بهذا المعنى الذي لا تفسير له ولا حدود ولا قيود احترازية، حيث تكون عند ذلك ملائمة لكل حاقد أن يتهم بها من يشاء من الناس.

إنني أعيش تحت النظارة والمراقبة المستديمة منذ عشر سنوات، وقد ألفت خلال عشرين سنة التي خلت مائة وعشرين رسالة، لم يعثروا على أمارة واحدة فيها تخل بالأمن، لا فيّ ولا في رسائل النور بعد إجراء تحقيقات عميقة.. فضلاً عن أنني اثبت بعشرين وجه، واُشهد الذين يعرفونني عن كثب بأنني استعذت بالله من السياسة استعاذتي من الشيطان، ولم أتدخل في أمور الدنيا متخذاً العمل للإيمان اعظم هدف لي من الحياة.. وعلى الرغم من كل هذا نراهم يشيعون ان سعيداً يستغل الدين للسياسة ويحاول الإخلال بالأمن محاولين بذلك ان تشملني المادة 163 ليدينوني بها.

ان هذه حادثة عدلية لم يُر مثلها، واعتقد انها تمس كرامة المحاكم والعدلية وشرفها في الدنيا بأسرها.

ان إظهار الحكام العظام والقواد الصناديد الانقياد التام في محاكم صغيرة يدل على أن للمحاكم كرامتها وشرفها الذي لا يثلمه شئ. لذا أدافع عن حقوقي بكل حرية اعتماداً على هذا الشرف الرفيع للمحكمة واقول: هل يحكم على مائة وخمسة عشر كتاباً بريئاً نافعاً بمصادرة المتداول منها، لان فيها رسالتين تضمان خمس عشرة كلمة تورث الوهم والشكوك لدى نظر الحالة الحاضرة بينما يسمح بنشر مقالة بعد رفع الرقابة عنها بضع كلمات تشتبه انها مضرة. علماً أن عشرين كتاباً منها ألف في أوقات متباينة، وان قسماً مهماً منها قبلته مكتبة آنقرة باعتزاز وضمته بين كتبها.

فلا شك ان هذا العمل يمس شرف العدلية على الأرض قاطبة ولا ريب ان محكمة التمييز ستصون هذا الشرف والكرامة.

من بين المسائل العشر او الخمس عشرة، هناك مسألتان مهمتان توجهت إليها الانتقادات بكثرة وأصبحتا السبب في مؤاخذة الكتب الأخرى.

والمسألتان هما الآيتان الكريمتان ]للذكر مثل حظ الأنثيين[ ]فلأمه السدس[ فهاتان المسألتان هما أولى المسائل التي اُدان بهما، أنا وكتبي.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 287

فقد كتبت باللغة العربية والتركية - منها مطبوعة وغير مطبوعة - منذ حوالي أربعين سنة رسائل اتخذت فيها إعجاز القرآن أساساً، فأسقطت اعتبار النقاط التي تخالف المدنية القرآن الكريم واثبت إعجاز القرآن الكريم بعجز المدنية الدنية كما أطلقت عليها والمليئة بالسيئات والأضرار وليست المدنية النافعة .

لقد تناولت - قبل مدة - مواد القانون المدني التي تخص الإرث والمخالفة للآيتين المذكورتين وأظهرت من الأدلة القاطعة ما يلزم اعتى فلاسفتهم. وقد كتبت هذه المسألة تجاه المدنية والفلاسفة، ودافعت عنها قبل قبول حكومة الجمهورية لقسم من المواد من القانون المدني بإلجاءات الزمان، وبينت ان القرآن الكريم قد صان باهتمام بالغ حقوق المرأة التي ضاعت في القرون الأولى والوسطى.

والآن تعرض بياناتي في هاتين المسألتين كأنها مخالفة لقانون الحكومة الجمهورية، فيدينونني بالمادة 163 من القانون. وأنا بدوري اقول إلى المحكمة العليا وللعدلية:

استناداً إلى ما حكم به واتفق عليه ثلاثمائة وخمسون ألف تفسير لدستور الهي هو الحق والحقيقة واحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليوناً من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية خلال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وتوقيراً لجميع أجدادنا، ذكرت الآيتين الكريمتين قبل خمس عشر سنة وقبل عشر سنين وقبل تسع سنوات في كتابين اثنين لي، إظهاراً لإعجاز القرآن الكريم لملاحدة أوروبا. والآن يحكم علي بسبب مسألة او مسألتين كهذه بسجن لا يمكن ان تدوم في ظروفه الحياة مع اعتلالي الصحي، وكأنه يُحكم عليّ بالإعدام، كما حكم على مائة وخمس عشرة رسالة من رسائلي. ان هذا القرار الظالم لابد ان ترفضه العدالة إن كانت على الأرض عدالة، ولابد ان يُردّ هذا الحكم ويُنقض.

ان اكثر ما يحيرنا ويوقعنا في اليأس هو:

إننا لا نقول الاّ الصدق مهما كلف الأمر، حيث لا جواز لكذب في مذهبنا بأية جهة كانت، حتى ولو على انفسنا. لذا اقول تجاه القرار المتخذ بحقي، بناء على أوهام وإخباريات لا تستند إلى حقيقة، وجعل الحبة قبة في اسپارطة:

إنني دافعت عن نفسي في مائة وعشرين صفحة أوردت فيها الدلائل القاطعة القوية المنطقية، واثبت ان لا تماس لي بهذا القانون قطعاً، ولكن اُتخذ القرار من دون النظر إلى دفاعاتي ودلائلي، ومُزج تأريخ التأليف وتاريخ الاستنساخ بل وتاريخ إرسالي رسالة إلى شخص. مزج بعضها مع بعض في مغلطة واضحة. ونُظر إلى العمل الذي تم خلال عشرين سنة وكأنه تم في سنة واحدة. والأمر نفسه كرر في

 

 

سيرة ذاتية - ص: 288

قرار حكام التحقيق، وفي لائحة الادعاء العام، وفي القرارالاخير للمحكمة التي حكمت علينا دون الاخذ لدفاعاتنا الحقة بنظر الاعتبار.

إنني منتظر بلهفة رفع هذا الحيف والإجحاف والظلم فوراً والذي ترتعد منه فرائص أهل الحق والحقيقة وإعلان براءة رسائل النور، انتظر هذا من المحكمة التي هي أعلى مقام للعدلية وارفعه. وان لم تعر المحكمة سمعاً وهي ارفع مقام للعدلية لندائي هذا الحق القوي - فرضاً محالاً - اقول من شدة يأسي:

أيها الظالمون الملاحدة يا من اصطنعتم هذه الحادثة ودفعتموني في هذا البلاء دفعاً، مادمتم قد عقدتم العزم على إعدامي بأي شكل كان، فلِمَ إذن دبرتم الأمر بيد العدلية التي تحافظ على حقوق المظلومين الضعفاء ومكرتم المكر السئ واختلقتم المؤامرات الدنيئة التي تجرح شرف العدلية وتثلم كرامتها؟ كان عليكم ان تجابهوني مباشرة قائلين برجولة: نحن لا نريد وجودك في هذه الدنيا.

ان المسألة التي انشغل بها حكام التحقيق طوال ما يقرب من أربعة اشهر مع استجواب مائة وسبعة عشر شخصاً والتحقيق معهم، نظرت إليها محكمة الجزاء الكبرى في يوم ونصف اليوم نظراً في غاية السطحية، غاضة عن النقائص والأخطاء. ولاسيما ما ادّعيته بأني سأثبت وأوضح في أثناء مواجهتي للهيئة الأكاديمية حول الكشفيات المعنوية في رسائل النور ودفاعاتي العلمية التي لا تجرح، إلاّ انهم استعجلوا بالحكم فحكموا بنظر سطحي عابر. مما يدل على انهم لا يبغون الحق والعدل، فحكموا بهذا القرار الخاطئ جداً ولا صواب فيه إطلاقاً من الوجهة القانونية. مما يوجب النقض والتدقيق.

النتيجة: تبين من تدقيق أوراق الحضور في المحكمة ومطالعتها ولاسيما رسائلي المصادرة المطبوعة وغير المطبوعة. ان جميع اعتراضاتي العلمية والقانونية والمنطقية لم تؤخذ بنظر الاعتبار، ورفضت مباشرة بمطالعة شخصية اعتباطية سواءً من قبل حكام التحقيق او المحكمة من دون ذكر الأسباب الموجبة ومن دون دليل وقانون. وان رسائلي التي تدافع عن الحقوق الإسلامية التركية منذ ثلاثين سنة تجاه فلاسفة أوروبا والقسم السفيه من المدنية والتي كشفت طلسم الكائنات وأسرارها والحاوية على الكشفيات المعنوية قد صودرت. فضلاً عن أنني عوقبت بعقاب جسماني رغم اعتلال صحتي التي لا تتحمل ذلك.

فسواء الأسباب التي أوردتها أعلاه او الإعتراضات التي قدمتها إلى الادعاء العام او الإعتراض النهائي الذي قدمته تحريرياً في الجلسة الأخيرة للمحكمة والحاوية على

 

 

سيرة ذاتية - ص: 289

خمس عُمَد، او في دفاعي الأخير الذي وضحت فيه المسألة بتفصيل علمي وقانوني وأوردت النقائص القانونية التي تصادف عند التدقيق.. كل ذلك يستلزم بصورة واضحة جداً وصريحة جداً أنني قد غُدرت في هذا الحكم. ولهذا انتظر من هيئتكم إظهار العدالة بنقض هذا الحكم أتوكل على الله وألتجئ إليه قائلاً: ]وأفوض أمري إلى الله والله بصير بالعباد[(غافر:44)

***

ان الصفحات السبع من مائة ونيف من الصفحات التي هي مجموع دفاعاتي، مع انها قُرئت عدة مرات في المحكمة وسُجلت في سجلات المحاكم، الاّ ان لائحة التصحيح الآتية لم تقرأ ولم تسجل في المضابط الرسمية، حيث ان أوراقنا لم تأت بعد من محكمة التمييز فلا شك انها ستُدوّن في السجلات في وقت قريب.

***

عريضة مقدمة إلى مجلس الوزراء

يا أهل الحل والعقد!

لقد تعرضت لظلم يندر وجوده في الدنيا. ولما كان السكوت على هذا الظلم يعدّ استهانة بالحق وعدم احترام له فقد اضطررت إلى إفشاء حقيقة مهمة جداً، فأقول:

إما ان تقوموا بإعدامي وببيان ذنبي الذي استلزم حكماً مقداره مائة سنة وسنة ضمن دائرة القانون وإطاره، أو برهنوا على أنني مجنون وفاقد للعقل، أو أعطوا لرسائلنا ولنا ولأصدقائنا الحرية الكاملة وحاسبوا الذين تسببوا في إيقاع الأذى بنا.1

اجل! لابد ان يكون لكل حكومة قانون واحد، وأصول واحدة، حيث تُعطى العقوبات على أساس ذلك القانون، فإذا لم يكن في قوانين الحكومة الجمهورية ما يبرر إيقاع الأذى الشديد بي وبأصدقائي فان من المفروض ومن الواجب تقديم الترضية الضرورية والتقدير والمكافأة لنا مع إعطائنا كامل الحرية، ذلك لانه لو كانت خدمتي القرآنية تعدّ عملاً عدائياً موجهاً ضد الحكومة فانه يلزم إصدار حكم عليّ بالسجن لمدة مائة سنة وسنة او بالإعدام، وكذلك إصدار عقوبات قاسية على

 

_____________________

1 هذه لائحة لتصحيح الحكم الصادر بحقنا تقدم الى مجلس الوزراء ومجلس النواب ووزارة الداخلية ووزارة العدل، إن لم يرد النقض من محكمة التمييز. فلئن لم اتمكن من أن اُسمع مصيبتي الحقة وحقي الجدير بالاهتمام هذه المراجع، يستوجب عليّ الوداع من هذه الحياة، لانه تضيع بسكوتي ألوف الحقوق مع حقي الشخصي. المؤلف

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 290

الذين ارتبطوا معي في هذه الخدمة بشكل جدي بدلاً من الحكم عليّ بسنة واحدة وعلى أصدقائي بستة اشهر. فان لم تكن خدماتنا هذه موجهة ضد الحكومة، فعليها ان تقابلنا بالتقدير والمكافأة بدلاً من العقاب والسجن والأذى و الإتهام. ذلك لان مائة وعشرين رسالة، أصبحت ترجماناً لهذه الخدمة، واستطاعت ان تتحدى فلاسفة أوروبا وان تهدم كل أسسهم الفكرية وتجعلها اثراً بعد عين.

لاشك ان هذه الخدمة الفعالة والمؤثرة ستؤدي إما إلى نتيجة مخيفة، او إلى ثمرة علمية راقية ونافعة جداً، لذا لا يمكن إصدار قرار بحبسي سنة واحدة وكأننا نلعب لعب الأطفال من اجل ذر الرماد على العيون واستغفال العامة والتستر على مؤامرات الظالمين ضدنا، ذلك لان أمثالي إما ان يصعدوا على المشنقة بكل فخر ويعدموا ، وإما ان يكونوا احراراً في الموقع الذي يستحقونه.

اجل!.. ان اللص الماهر الذي يستطيع ان يسرق الماسات بقيمة آلاف الليرات. ان قام هذا اللص بسرقة قطع زجاجية بقيمة عدة قروش وتم الحكم عليه بنفس الحكم من سرقة الماسات الثمينة، فانه ما من لص او ذي عقل وشعور يفعل ذلك. لان أمثال هذا اللص يكون ذكياً وحاذقاً ولا يتورط في عمل في غاية الحمق والبلاهة.

أيها السادة!

لنفرض أنني كنت مثل ذلك اللص حسب ما تتوهمون، فلماذا اختار ناحية بائسة من نواحي مدينة اسپارطة حيث بقيت منـزوياً فيها مدة تسع سنوات. إذن فبدلاً من توجيه أفكار بضعة من الأفراد المخلصين (الذين تم الحكم عليهم احكاماً خفيفة) نحو معاداة الحكومة والقاء نفسي ورسائل النور - التي هي غاية حياتي وهدفها- إلى الخطر فقد كان من الأفضل لي البقاء في موقع كبير في آنقرة او في استانبول - كما كنت في السابق - وتوجيه الآلاف من الناس نحو الغاية التي ابتغيها، عند ذلك كنت أستطيع ان أتدخل وان أشارك في أمور الدنيا بعزة تليق بمسلكي بدلاً من التعرض لمثل هذه العقوبة التافهة والذليلة.

ولأجل ان أبين مدى الخطأ الذي يقع فيه الذين يريدون دفعي إلى رتبة واطئة لا نفع فيها ولا أهمية لها، فإنني اقول مضطراً مذكراً ببعض أنانيتي وريائي السابقبن وليس من اجل الفخر والمدح:

ان الذين تيسرت لهم رؤية دفاعي الذي طبع تحت عنوان شهادة مدرستين للمصيبة يشهدون انه استطاع بخطبة واحدة جلب ثماني كتائب من الجنود إلى

 

 

سيرة ذاتية - ص: 291

الطاعة في أحداث 31 مارت، وكما كتبت الجرائد آنذاك استطاع بمقالة واحدة في زمن حرب الاستقلال باسم الخطوات الست ان يحول رأى العلماء في استانبول ضد الإنكليز، مما كان له اثر إيجابي كبير في الحركة الملية (الوطنية) وفي جامع اياصوفيا استمع الآلاف إلى خطبته، وفي مجلس المبعوثان (المجلس النيابي) في آنقرة استقبل بتصفيق حار وقام مائة وثلاث وستون نائباً بالموافقة على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لمدرسة دار الفنون (الجامعة)، وعندما دعا إلى الصلاة قابل حدة رئيس الجمهورية في ديوان الرئاسة وردّ عليه دون خوف او وجل1 وعندما كان في دار الحكمة الإسلامية رأت حكومة الإتحاد والترقى بالإجماع انه أوفق شخص لتبليغ الحكمة الإسلامية إلى حكماء أوروبا بشكل مؤثر. أما كتابه إشارات الإعجاز الذي ألفه في جبهات القتال - والذي تمت مصادرته الآن - فقد اعجب به القائد العام أنور باشا اعجاباً كبيراً إلى درجة انه هرع إلى استقباله بكل احترام - وهذا ما لم يفعله مع أحد - وقرر إعطاء الورق اللازم لطبع هذا الكتاب لكي تكون له حصة من شرف تلك الهدية ومن ثوابها، هدية الحرب كما ذُكر جهاد مؤلف الكتاب في الحرب بكل خير وبكل تقدير..

فمثل هذا الرجل لا يستطيع ان يسكت على معاملته بهذه الصورة وكأنه تورط في جرائم تافهة كسرقة بغلة او خطف بنت او نشل جيب، لانه لو سكت لكان هذا وصمة له ولعزته العلمية القدسية ولخدماته وللألوف المؤلفة من أصدقائه الغالين، لانكم عندما تعاقبونه بحبسه سنة واحدة فكأنكم تعاملونه معاملة سارق نعجة او خروف. فبعد قيامكم بوضعه دون أي سبب تحت الإقامة الجبرية وتحت المراقبة مدة عشر سنوات مليئة بالمضايقات وبالآلام، وبعد هذا التعذيب تقومون الآن بحبسه سنة واحدة وبإبقائه تحت الإقامة الجبرية سنة أخرى. وبدلاً من معاناته من تحكم وتجبر شرطي عادي او رجل بوليس سري عادي - وهو الذي لم يتحمل تحكم السلطان - فانه من الأفضل والأولى له ان يُشنق. ولو ان مثل هذا الرجل أراد التدخل في أمور الدنيا ورغب في ذلك، وكانت وظيفته ومهمته المقدسة تسمح له بذلك، إذن لاستطاع ان يقود امراً اعظم بعشرات المرات من حادثة منمن ومن

 

_____________________

1 يطلب سعيد القديم حق الكلام ويقول: لم تسمحوا لي بالكلام منذ ثلاث عشرة سنة والآن يلزم كلامي معهم لانهم يتهمونك بأخذهم إياي تحت النظر ويتوجسون منك خيفة؛ يلزم اظهار الانانية -رغم انها صفة ذميمة - تجاه الانانية المغرورة العنيدة ، ولكن بصورة حقة ودفاعاً عن النفس فحسب وحفاظاً عليها. لذا لا أتكلم مثل سعيد الجديد بالتواضع التام وانكار الذات وبالقول اللين.. وانا بدوري اعطيت له حق الكلام مع اني لا اشترك في انانيته وتمدّحه.(المؤلف)

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 292

ثورة الشيخ سعيد أي لا أسمعكم صوتاً راعداً كدوي المدافع وليس طنيناً كطنين أجنحة الذباب!

اجل!.. إنني اعرض أمام أنظار الحكومة الجمهورية بان ما أتعرض له حالياً من مصائب ومن بلايا هو نتيجة لمؤامرات ولدعايات منظمة بلشفية سرية، فهناك جو من الدعايات العامة الشاملة التي لم يشاهد لها مثيل في السابق وجو من الخوف ومن الإرهاب، والدليل على هذا هو انه ما من أحد من أصدقائي - الذين يبلغ عددهم مائة ألف - استطاع أن يبعث لي رسالة واحدة منذ ستة أشهر ولم يستطع أن يرسل لي تحية او سلاماً. وأصحاب المؤامرات هذه الذين يحاولون خداع الحكومة واستغفالها استطاعوا بتقاريرهم السرية ترتيب تحقيقات واستجوابات وتحريات في كل مكان بدءً من الولايات الشرقية للبلد إلى الولايات الغربية.

إن الخطة التي كان المتآمرون يحيكونها رتبت وكأن هناك حادثة مهمة أعاقب عليها - مع الآلاف من الأشخاص مثلي - عقاباً قاسياً، ولكنها انتهت في الأخير إلى عقوبة تافهة جداً يمكن أن تفرض على أي شخص اعتيادي قام بحادثة سرقة تافهة، إذ أعطيت عقوبة سجن لمدة ستة اشهر لـخمسة عشر من الناس الأبرياء من بين مائة وخمسة عشر شخصاً. فهل هناك شخص يملك شعوراً وعقلاً يقوم بوخز أسد كبير في ذيله وخزة خفيفة بسيف قاطع حاد يحمله في يده فيثيره ضده؟ ذلك لانه لو كان يريد حفظ نفسه من ذلك الأسد او لو كان يريد قتله لاستعمل ذلك السيف القاطع في موضع آخر من ذلك الوحش.

إن قيامكم بإصدار عقوبة خفيفة ضدي يدل على أنكم تتوهمون أنني مثل هذا الرجل. ولو أنني كنت شخصاً يتصرف مثل هذا التصرف البعيد عن العقل وعن الشعور فلماذا ملأتم هذا البلد بطوله وعرضه بجو من الخوف؟ وما الداعي لكل هذه الدعايات التي تستهدف جلب عداء الرأي العام ضدي؟ لقد كان من المفروض أن تتعاملوا معي كتعاملكم مع مجنون عادي فترسلوني إلى مستشفى المجاذيب.

أما لو كنت شخصاً مهماً كأهمية التدابير التي تتخذونها ضدي فليس من العقل ومن المنطق وخز ذلك الأسد او ذلك الوحش في ذيله وإثارته للهجوم عليه، بل عليه أن يحافظ قدر الإمكان على نفسه منه. وهكذا فإنني فضلت حياة الانزواء منذ عشر سنوات باختياري وتحملت من الآلام والمضايقات مالا يتحمله إنسان. ولم أتدخل في أي شأن من شؤون الحكومة ولم ارغب في ذلك اصلاً، ذلك لان مهمتي المقدسة تمنعني من هذا.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 293

يا أهل الحل والعقد!

هل من الممكن لمن استطاع قبل خمس وعشرين سنة - بشهادة جرائد ذلك الوقت - أن يكسب إلى جانب أفكاره ثلاثين ألف شخص بمقالة واحدة كتبها، وجلب نحوه أنظار واهتمام جيش الحركة.وأجاب بست كلمات على أسئلة كبير قساوسة انكلترة الذي أراد الإجابة عليها بستمائة كلمة، والذي كان يخطب في بداية عهد الحرية كأي سياسي متمرس... هل من الممكن الا يوجد في مائة وعشرين رسالة من رسائل هذا الشخص سوى خمس عشرة كلمة تتعلق بالسياسة وبأمور الدنيا؟ أيمكن لأي عقل أن يقتنع بان مثل هذا الرجل يسلك طريق السياسة وله أهداف دنيوية؟ لانه لو كان يهتم بالسياسة وبالتعرض للحكومة لظهر ذلك صراحةً او ايماءً في مائة موضع من مواضع كتاب واحد فقط. ولو كانت غايته توجيه النقد السياسي أما كان بإمكانه أن يجد ما ينقده غير موضوع الحجاب وغير موضوع الميراث وهما من المواضيع ومن الدساتير الموجودة منذ السابق؟

إن أي شخص يملك فكراً سياسياً معيناً يستطيع أن يجد مئات الآلاف من المواضيع التي ينتقدها لنظام هذه الحكومة التي قامت بانقلاب كبير ولا يقتصر على موضوعين معلومين فقط. فهل يمكن حصر الانقلاب الذي قامت به الحكومة الجمهورية على مسألتين صغيرتين فقط؟ ومع أنني لم اقصد توجيه أي انتقاد لها فقد التقطوا كلمتين او ثلاثاً وردت في كتاب او كتابين كتبتهما سابقاً وادّعوا بانني أهاجم نظام الحكومة أهاجم انقلابها. وأنا أسألكم الآن: هل يعقل اشغال البلد بطوله وعرضه ونشر جو من الخوف فيه لمجرد تناولي لمسألة علمية لا تتطلب إصدار أية عقوبة من جرائها مهما كانت صغيرة؟

إن القيام بإصدار عقوبة خفيفة وتافهة في حقي وفي حق بضعة أشخاص من أصدقائي ونشر دعايات مكثفة وشديدة ضدنا في عموم البلد، وإشاعة جو من الخوف والإرهاب بين الناس لكي ينفروهم منا ويبغضونا في أعينهم، وجلب وزير الداخلية شكري قايا قوة كبيرة إلى مدينة اسپارطة لتقوم بمهمة يستطيع القيام بها جندي واحد - وهي القيام بالقاء القبض علي وسجني - وقيام رئيس الوزراء عصمت (اينونو) بزيارة الولايات الشرقية بهذه المناسبة، وكذلك منعي من الحديث والتكلم شهرين كاملين في السجن وعدم السماح لأي أحد بالسؤال عن حالي او إرسال تحية لي وأنا وحيد في هذه الغربة..كل هذا يشير إلى وضع غريب جداً لا معنى له ولا حكمة فيه لا تليق بأية حكومة في الدنيا - علما بان مصدر كلمة

 

 

سيرة ذاتية - ص: 294

الحكومة هو تناول الأمور بالحكمة - وليس فقط بحكومة الجمهورية التي من المفروض انها تراعي القوانين وتحترمها.

إنني أريد حفظ حقوقي في إطار القانون. كما اتهم كل من يخالف القانون ويدوس عليه باسم القانون بأنه يرتكب جناية، ولاشك أن قوانين الحكومة الجمهورية ترفض أعمال هؤلاء الجناة، وآمل أن تعاد لي حقوقي.

سعيد النورسي1

***

من داخل السجن:

يروي المدعي العام لمحكمة الجزاء الكبرى في اسكي شهر سنة 1935: انه يشاهد يوماً الأستاذ في السوق، فيندهش من حيرته، ويتصل بمدير السجن مباشرة ويهدده بقوله:

كيف سمحتم لبديع الزمان بالخروج إلى السوق، فقد شاهدته بنفسي في السوق؟ ويجيبه المدير: عفواً سيدي إن بديع الزمان في السجن ويمكنكم التفضل لرؤيته في السجن الإنفرادي، ويأتي المدعي العام، ويزوران معاً الزنزانة، واذا الأستاذ هناك. تنتشر هذه الحادثة في دوائر العدل وتناقلها الحكام فيما بينهم رغم انهم لا يصدقونها بعقولهم!

وحادثة أخرى مشابهة يرويها مدير سجن اسكي شهر آنذاك وخلاصتها: يطرق سمعه صوت بديع الزمان طالباً الخروج من السجن إلى صلاة الجمعة في (آق جامع)، فيزور زنزانته وقت الصلاة، واذا ببديع الزمان غير موجود، والحراس كلهم في مواضعهم والأقفال على الأبواب. يسرع المدير إلى الجامع المذكور فيرى الأستاذ في الصف الأول وعلى اليمين، يبحث عنه عقب الصلاة فلا يجده، ويعود إلى السجن فوراً فيراه يكبر الله اكبر ويستغرق في السجود. وقد رويت حوادث أخرى من رؤية الأستاذ مراراً في صلاة الفجر جماعة عندما كان في سجن دنيزلي. وهذه الأخبار كلها مروية من مسؤولين كانوا يعادون الأستاذ وليست من محبيه..2

نعم فلقد شاهد المجاهدون في جبهات متعددة من الحرب عالماً جليلاً فاضلاً. وذكروا له مشاهدتهم، فقال: إن بعض الأولياء قد ظهروا بمظهري وادّوا بدلاً منى في موضعى أنا، اعمالاً لأجل إكسابي ثواباً وليستفيد أهل الإيمان من دروسي.

 

 

_____________________

1 الشعاعات /513 - 518

2 T. Hayat. Eskiehir Hayat‎

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 295

ومثل هذا تماماً، فقد شاهدوني في جوامع دنيزلي وأنا نزيل سجنها ، حتى ابلغوا ذلك إلى الجهات المسؤولة وإلى المدير والحرّاس، وقال بعضهم في قلق واضطراب.. من يفتح له باب السجن! فالأمر نفسه يحدث هنا تماماً.

والحال انه بدلاً من إسناد حادثة جزئية خارقة إلى شخصي المقصر جداً فان رسالة ختم التصديق الغيبي تثبت خوارق لرسائل النور وتبينها كاسبةً ثقة أهل الإيمان برسائل النور اكثر بكثير من تلك الحادثة بمائة مرة بل بألف مرة. فضلاً عن تصديق أبطال النور بأحوالهم الخارقة وكتاباتهم الرائعة لمقبولية رسائل النور.1

***

رسائل من سجن اسكي شهر

لطمة رحمة:

اخوتى!

لقد أدركت أن التي نزلت بنا - مع الأسف - هي لطمة رحمة. أدركتها منذ حوالي ثلاثة ايام وبقناعة تامة. حتى أنني فهمت إشارة من الإشارات الكثيرة للآية الكريمة الواردة بحق العاصين لله، فهمتها كأنها متوجهة إلينا وتلك الآية الكريمة هي: ]فلما نسوا ما ذُكّروا به...... أخذناهم[2

 

 

_____________________

1 الشعاعات/529

ونورد هنا خاطرة من السيد " كمال طان أر" حيث يقول:

" كنت طالباً في الصف المنتهي بكلية الحقوق، كان علينا ان نزور المحاكم والسجون. ذهبت الى سجن "اسكي شهر" يوماً لزيارة الأستاذ، وعندما دخلت عليه رأيته جالساً على سجادته منشغلاً بالاوراد عقب الصلاة قبلت يده وقلت له:

- استاذي، يقال انه يظهر على يديكم كثير من الكرامات الغيبية ، بيد اني لم أر أياً من الاحوال الخارقة منكم، فان كانت تلك الاحوال موجودة فعلاً، فأظهروها امامي، ولتمش مسبحتكم هذه مثلاً.

تبسم الأستاذ ، وذكر لي هذه الحكاية ليوضح الأمر:

- كان لأحدهم ولد يحبه كثيراً، فهو وحيده، اخذه - ذات يوم - الى محل المجوهرات ليشتري له بعض الهدايا الثمينة من الالماس والجواهر حسب رغبة ابنه المحبوب، تعبيراً عن شدة حبه له. وكان قد زين صاحب المحل محله بنفاخات ملونة متنوعة على سقف المحل ليلفت نظر الزبائن. وعندما دخل الطفل هذا المحل المزين بالنفاخات لفتت نظره الوانها الجذابة، فقال باكياً:

- ابي! اريد ان تشتري لي من هذه النفاخات .. اريد النفاخات..

- ياصغيري الحبيب، سأشتري لك مجوهرات ثمينة والماسات غالية. ولكن الطفل الحّ في طلب النفاخات..

وبعد ان انهى الأستاذ هذا المثال قال:

- اخي انا لست الا دلالا في محل جواهر القرآن الكريم وخادماً فيه، ولست ببائع نفاخات ملونة، فلا ابيع في محلي نفاخات وليس في محلي وسوقي الا الالماس الخالد للقرآن الكريم، فانا منشغل يااخي بإعلان نور القرآن.

ففهمت ما يقصده الأستاذ وادركت خطأي". ذكريات عن سعيد النورسي/37 Son ھahitler 2/67.

2 نص الآية الكريمة : ]فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مُبلسون[ (الانعام:44)

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 296

أي: لما نسي الذين ذُكّروا بالنصائح، ولم يعملوا بمقتضاها.. اخذناهم بالمصيبة والبلاء.

نعم، لقد كُتّبنا مؤخراً رسالة تخص سر (الإخلاص) وكانت حقاً رسالة رفيعة سامية، ودستوراً اخوياً نورانياً، بحيث أن الحوادث والمصائب التي لا يمكن الصمود تجاهها الاّ بعشرة الآف شخص، يمكن مقاومتها - بسر ذلك الإخلاص - بعشرة أشخاص فقط. ولكن أقولها آسفاً: إننا لم نستطع وفي المقدمة أنا، أن نعمل بموجب ذلك التنبيه المعنوي، فأخذتنا هذه الآية الكريمة - بمعناها الإشاري - فابتلي قسم منا بلطمة تأديب ورحمة، بينما لم تكن لطمة تأديب لقسم آخر بل مدار سلوان لهم، وليكسبوا بها لأنفسهم الثواب.

نعم، إنني لكوني ممنوعاً عن الاختلاط منذ ثلاثة شهور لم استطع أن اطلع على أحوال إخواني الاّ منذ ثلاثة أيام، فلقد صدر - مالا يخطر ببالي قط - ممن كنت احسبهم من اخلص إخواني اعمالٌ منافية لسر الإخلاص. ففهمت من ذلك أن معنىً اشارياً للآية الكريمة ]فلما نسوا ما ذكّروا به....[ اخذناهم يتوجه إلينا من بعيد.

إن هذه الآية الكريمة التي نزلت بحق أهل الضلال مبعث عذاب لهم، هي لطمة رحمة وتأديب لنا؛ لتربية النفوس وتكفير الذنوب وتزييد الدرجات. والدليل على أننا لم نقدر قيمة ما نملك من نعمة إلهية حق قدرها هو: أننا لم نقنع بخدمتنا القدسية برسائل النور المتضمنة لأقدس جهاد معنوي، ونالت الولاية الكبرى بفيض الوراثة النبوية، وهى مدار سر المشرب الذي تحلى به الصحابة الكرام. وان الشغف بالطرق الصوفية آلتي نفعها قليل لنا في الوقت الحاضر، واحتمال إلحاقها الضرر بوضعنا الحالي ممكن،قد سُدّ أمامه بتنبيهي الشديد عليه.. والاّ لأفسد ذلك الهوى وحدتنا، وادّى إلى تشتت الأفكار الذي ينـزل قيمة الترابط والتساند من ألف ومائة وأحد عشر الناشئة من اتحاد أربعة آحاد، ينـزلها إلى قيمة أربعة فحسب، ويؤدّى إلى تنافر القلوب الذي يبدّد قوتنا إزاء هذه الحادثة الثقيلة ويجعلها أثراً بعد عين.

أورد الشيخ سعدى الشيرازى1 صاحب كتاب كلستان ما مضمونه:

لقد رأيت أحد المتقين من أهل القلب في زاوية - التكية - يزاول السير والسلوك، ولكن بعد مضى بضعة ايام شاهدته في المدرسة بين طلاب العلوم الشرعية، فسألته: لِمَ تركت الزاوية التي تفيض بالأنوار وآتيت إلى هذه المدرسة؟

 

_____________________

1 السعدي "شيخ مصلح الدين" من شعراء الصوفية الكبار، ومن أرقهم تعبيراً، ولد في مدينة "شيراز"، قدم بغداد استكمالاً لدراساته في علوم الدين في المدرسة النظامية، كان من مريدي الشيخ عبدالقادر الگيلاني، قضى ثلاثين سنة من عمره في الاسفار ونظم الشعر، وكتابه "كلستان" مشهور.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 297

قال: هؤلاء النجباء ذوو الهمم العالية يسعون لإنقاذ الآخرين مع إنقاذهم لأنفسهم، بينما أولئك يسعون لإنقاذ أنفسهم وحدها إن وفّقوا إليها. فالنجابة وعلو الهمة لدى هؤلاء، والفضيلة والهمة عندهم، ولأجل هذا جئت إلى هنا. هكذا سجّل الشيخ سعدى خلاصة هذه الحادثة في كتابه كلستان.

فلئن رُجّحت المسائل البسيطة للنحو والصرف التي يقرأها الطلاب مثل: نصر نصرا، نصروا.. على الأوراد التي تُذكر في الزوايا، فكيف برسائل النور الحاوية على الحقائق الإيمانية المقدسة في آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر. ففي الوقت الذي ترشد رسائل النور إلى تلك الحقائق بأوضح صورة واكثرها قطعية وثبوتاً حتى لأعتى المعاندين المكابرين من الزنادقة وأشد الفلاسفة تمرداً، وتلزمهم الحجة، كم يكون على خطأ من يترك هذه السبيل او يعطّلها او لا يقنع بها ويدخل الزوايا المغلقة دون استئذان من الرسائل تبعاً لهواه! ويبين في الوقت نفسه مدى كوننا مستحقين لهذه الصفعة، صفعة الرحمة والتأديب.1

لم نفقد شيئاً يُذكر:

اخوتي الأوفياء الأعزاء

فيما مضى، كان مريدون كثيرون جداً ينتمون إلى شيخ جليل، في بلد من البلدان، فقلقت منهم رجالات الدولة فيها، خوفاً من تعرضهم لأمور السياسة، فأرادوا تشتيت جماعة الشيخ. فقال لهم: ليس لي الاّ مريد واحد ونصف مريد، لا غير، وان شئتم نقيم عليهم التجربة والاختبار.

نصب الشيخ خيمة في ضاحية من ضواحي المدينة، ودعا الألوف من مريديه إلى هناك ثم أمر بقوله: سوف أجري امتحاناً، فمن كان حقاً مريدي ويطيع أمري فسيمضي إلى الجنة. فدعاهم إلى الخيمة واحداًِ إثر واحد، الاّ انه ذبح خروفاً بطريقة خفية. وبدا للمريدين كأنه ذبح أحد مريديه الخواص وارسله إلى الجنة. وما أن رأى ألوف المريدين جريان الدم من الخيمة إلى الخارج تراجعوا عنه ولم يسمعوا لأمره، بل رفضوه وأنكروا عليه، الاّ رجلاً واحداً قال: ليكن رأسي فداء له، فذهب إليه، ثم أعقبته امرأة. أما الآخرون فتفرقوا عنه. فقال ذلك الشيخ لرجال الدولة: ها قد شاهدتم أن لي مريداً ونصف مريد!

أما نحن فنشكره تعالى ألف شكر وشكر، إذ لم تفقد (رسائل النور) الاّ طالباً ونصف طالب في امتحان اسكي شهر ومحاكماتها، بخلاف ذلك الشيخ - في

 

_____________________

1 اللمعات/430

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 298

السابق - حيث انضم إلى الطلاب عشرة آلاف شخص بدلاً من الواحد والنصف الضائع، وذلك بفضل الله ثم همة وجهود أبطال اسپارطة وحواليها.

وبإذن الله لن يضيع الكثيرون في هذا الامتحان، بهمة أبطال شرقي البلاد وغربيها، بل نضم بدلاً من الضائع الواحد عشرة أشخاص.1

تنبيه في حكاية صغيرة:

كانت لعجوز ثمانية أبناء. أعطت لكل منهم رغيفاً دون أن تستبقي لها شيئاً. ثم ارجع كل منهم نصف رغيفه إليها. فأصبحت لديها أربعة أرغفة، بينما لدى كل منهم نصف رغيف.

اخوتي إنني اشعر في نفسي نصف ما يتألم به كل منكم من آلام معنوية وانتم تبلغون أربعين، إنني لا أبالي بالآمي الشخصية. ولكن اضطررت يوماً فقلت: أهذا عقاب لخطأي واُعاقب به فتحريت عن الحالات السابقة. فشاهدت انه ليس لدي شئ من تهييج هذه المصيبة وإثارتها، بل كنت اتخذ منتهى الحذر لأتجنبها.

بمعنى أن هذه المصيبة قضاء إلهي نازل بنا.. فلقد دبّرت ضدنا منذ سنة من قبل المفسدين فما كان بطوقنا تجنبها، فلقد حمّلونا تبعاتها فلا مناص لنا مهما كنا نفعل.

فـلله الحمد والمنة أن هوّن من شدة المصيبة من المائة إلى الواحد.

بناء على هذه الحقيقة: فلا تمنّوا عليّ بقولكم: إننا نعاقب بهذه المصيبة من جرائك. بل سامحوني وادعوا لي.

ولا ينتقدن بعضُكم بعضاً. ولا تقولوا: لو لم نفعل كذا لما حدث كذا.. فمثلاً إن اعتراف أحد إخواننا عن عدد من أصحاب التواقيع (على الرسائل) أنقذ الكثيرين. فهوّن من شأن الخطة المرسومة في أذهان المفسدين الذين يستعظمون القضية. فليس في هذا ضرر، بل فيه نفع عام عظيم. لأنها أصبحت وسيلة لإنقاذ الكثيرين من الأبرياء .

فيا اخوتي!! لا يستاء بعضكم من بعض قائلاً: إن أخي هذا لم ينصفني او أجحف بحقي.. فهذا خطأ جسيم في هذه الحياة وفي اجتماعنا هذا. فلئن أضرك صاحبك بدرهم من الضرر، فانك باستيائك منه وهجرك إياه تلحق أربعين درهماً من الأضرار. بل يحتمل إلحاق أربعين ليرة من الأضرار برسائل النور. ولكن ولله الحمد فان دفاعاتنا الحقة القوية والصائبة جداً قد حالت دون أخذ أصدقائنا إلى الاستجواب واخذ افاداتهم المكررة، فانقطع دابر الفساد. والاّ لكان الاستياء الذي

 

_____________________

1 الشعاعات /377

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 299

وقع بين الاخوة يلحق بنا اضراراً جسيمة. كسقوط قشة في العين او سقوط شرارة في البارود.1

]ولايحيق المكر السئ الاّ بأهله[

إن الأيدي المرفوعة لإخواني الأبرياء إلى العلي القدير كأنها كانت تزود مدفعاً ثقيلاً بالعتاد، فصُوبت على الذين أرادوا الكيد بنا وانفلقت على رؤوسهم. ولم نصب بأذى الاّ بعض الجروح الطفيفة المورثة للثواب. فينبغي لنا الشكر والسرور والفرح حيث أن هذا المدفع كان يُزوّد من قبلهم منذ سنة. فنجاتنا بفضل الله خارقة. لذا لا تغدو الحياة الباقية ملكنا. لأن المفسدين قد خططوا إنهاء حياتنا كلياً. بمعنى أن حياتنا - بعد اليوم - يجب آن نجعلها وقفاً للحق والحقيقة وليست لأنفسنا، ونسعى دوماً لرؤية وجه الرحمة واثرها وذاتها في كل شئ فنظل شاكرين لا شاكين.2

عدم هجر الرسائل:

اخوتي!

لقد دافعتُ دفاعات عديدة عن طلاب النور بما يليق بهم من دفاع، وسأقولها بإذن الله في المحكمة وبأعلى صوتي، وساُسمع صوت رسائل النور ومنـزلة طلابها إلى الدنيا بأسرها. الاّ أنني أنبهكم إلى ما يأتي:

إن شرط الحفاظ على ما في دفاعي من قيمة، هو عدم هجررسائل النور بمضايقات هذه الحادثة وامثالها، وعدم استياء الأخ من أستاذه، وعدم النفور من إخوانه مما يسببه الضيق والضجر، وعدم تتبع عورات الآخرين وتقصيراتهم.

إنكم تذكرون ما أثبتناه في (رسالة القدر): أن في الظلم النازل بالإنسان جهتين وحكمين.

الجهة الأولى: للإنسان. والأخرى: للقدر الإلهي

ففي الحادثة الواحدة يظلم الإنسان فيما يعدل القدر وهو العادل.

فعلينا أن نفكر - في قضيتنا هذه - في عدالة القدر الإلهي والحكمة الإلهية اكثر مما نفكر في ظلم الإنسان.

نعم! إن القدر قد دعا طلاب النور إلى هذا المجلس. وان حكمة ظهور الجهاد المعنوي قد ساقتهم إلى هذه المدرسة اليوسفية التي هي حقاً ضجرة وخانقة، فصار

 

_____________________

1 اللمعات/432

2 T. Hayat. Eskiehir Hayat‎

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 300

ظلم الإنسان وسيلة لذلك.

ولهذا، إياكم أن يقول بعضكم لبعض: لو لم افعل كذا لما اعتقلت.1

في الشاشة المعنوية:

كنت في أحد ايام عيد الجمهورية جالسا أمام شباك سجن اسكي شهر الذي يطل على مدرسة إعدادية للبنات.. وكانت طالباتها اليافعات يلعبن ويرقصن في ساحة المدرسة وفنائها ببهجة وسرور، فتراءت لي فجأة على شاشة معنوية ما يؤول إليه حالهن بعد خمسين سنة. فرأيت: أن نحواً من خمسين من مجموع ما يقارب الستين طالبة يتحولن إلى تراب ويعذبن في القبر. وان عشرة منهن قد تحولن إلى عجائز دميمات بلغن السبعين والثمانين من العمر، شاهت وجوههن وتشوه حسنهن، يقاسين الآلام من نظرات التقزز والاستهجان من الذين كنّ يتوقعن منهم الإعجاب والحب، حيث لم يصنّ عفتهن ايام شبابهن!.. نعم رأيت هذا بيقين قاطع، فبكيت على حالهن المؤلمة بكاء ساخناً أثار انتباه البعض من زملاء السجن، فأسرعوا إلى مستفسرين.

فقلت لهم: دعوني الآن وحالي... انصرفوا عني...2

وعندما كنت انظر من نافذة السجن، إلى ضحكات البشرية المبكية، في مهرجان الليل البهيج، انظر إليها من خلال عدسة التفكر في المستقبل والقلق عليه، انكشف أمام نظر خيالي هذا الوضع، الذي أبينه:

مثلما تشاهد في السينما أوضاع الحياة لمن هم الآن راقدون في القبر، فكأنني شاهدت أمامي الجنائز المتحركة لمن سيكونون في المستقبل القريب من أصحاب القبور.. بكيت على أولئك الضاحكين الآن، فانتابني شعور بالوحشة والألم. راجعت عقلي، وسألت عن الحقيقة قائلاً: ما هذا الخيال؟ قالت الحقيقة:

إن خمسة من كل خمسين من هؤلاء البائسين الضاحكين الآن والذين يمرحون في نشوة وبهجة سيكونون كهولاً بعد خمسين عاماً، وقد انحنت منهم الظهور وناهز العمر السبعين. والخمسة وأربعين الباقية يُرمّون في القبور.

فتلك الوجوه الملاح، وتلك الضحكات البهيجة، تنقلب إلى أضدادها. وحسب قاعدة كل آتٍ قريب3 فان مشاهدة ما سيأتي كأنه آتٍ الآن تنطوي على

 

_____________________

1 اللمعات/429

2 الشعاعات/247

3 رواه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً، وروى البيهقي في الأسماء والصفات عن ابي شهاب مرسلاً ( كشف الخفاء 2/ 114)

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 301

حقيقة، فما شاهدته اذاً ليس خيالاً.

فما دامت ضحكات الدنيا المتسمة بالغفلة مؤقتة ومعرضة إلى الزوال، وهي تستر مثل هذه الأحوال المؤلمة المبكية. فلابد أن ما يسرّ قلب الإنسان البائس العاشق للخلود، ويفرح روحه الولهان بعشق البقاء، هو ذلك اللهو البرئ والمتعة النـزيهة وأفراح ومسرات تخلد بثوابه، ضمن نطاق الشرع، مع أداء الشكر باطمئنان القلب وحضوره بعيداً عن الغفلة. ولئلا تقوى الغفلة في النفوس في الأعياد، وتدفع الإنسان إلى الخروج عن دائرة الشرع، ورد في الأحاديث الشريفة ترغيب قوي وكثير في الشكر وذكر الله في تلك الأيام. وذلك لتنقلب نعم الفرح والسرور إلى شكر يديم تلك النعمة ويزيدها، إذ الشكر يزيد النعم ويزيل الغفلة.1

تأليف الشعاع الأول:2

في سجن اسكي شهر وفي وقت رهيب حيث كنا أحوج ما نكون إلى سلوان قدسي خطر على القلب ما يأتي:

انك تبين شهوداً من كلام الأولياء السابقين على أحقية رسائل النور وقبولها بينما بمضمون الآية الكريمة ]ولا رطب ولا يابسٍ إلاّ في كتاب مبين[(الأنعام: 59). فان صاحب الكلام في هذه المسألة هو القرآن الكريم. فهل يقبل القرآن الكريم ويرضى بـرسائل النور؟ وكيف ينظر إليها؟

واجهتُ هذا السؤال العجيب، واستمددت من القرآن الكريم، واذا بي اشعر في ظرف ساعة ان رسائل النور فرد داخل ضمن كلية المعنى الإشاري الذي يمثل طبقة واحدة من طبقات التفرعات للمعنى الصريح لثلاث وثلاثين آية كريمة، وعرفت قرينة قوية لدخولها في ذلك المعنى وتخصيصها، فشاهدت قسماً منها بشئ من الوضوح وقسماً آخر مجملاً. فلم تبق في قناعتي أية شبهة وشك ووهم ووسوسة. وأنا بدوري دوّنتُ قناعتي القاطعة تلك واعطيتها إلى اخوتى الخواص على شرط سريتها على نية الحفاظ على إيمان أهل الإيمان بـرسائل النور. فنحن لا نقول في تلك الرسالة: ان المعنى الصريح للآية الكريمة هو هذا، ليقول العلماء:

 

_____________________

1 اللمعات/446

2 تأليفاته الأخرى في سجن "اسكي شهر":

1-اللمعة السابعة والعشرون (دفاعه أمام محكمة أسكي شهر)

2-اللمعة الثامنة والعشرون (رسائل مسلية الى إخوانه في السجن)

3-اللمعة التاسعة والعشرون (رسالة التفكر الإيماني الرفيع والمعرفة التوحيدية السامية كتبها باللغة العربية)

4-اللمعة الثلاثون (في شرح الإسم الأعظم : الفرد، الحي، القيوم، الحكم، العدل، القدوس)

5- الشعاع الثاني (حول التوحيد ومعاني قل هو الله أحد)

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 302

فيه نظر! ولم نقل فيها: ان كلية المعنى الإشاري هي هذه. بل نقول: ان تحت المعنى الصريح للآية الكريمة طبقات متعددة من المعاني، إحدى هذه الطبقات هي المعنى الإشاري والرمزي. فهذا المعنى الإشاري ايضاً هو كليّ، له جزئيات في كل عصر. فـرسائل النور فردٌ في هذا العصر من أفراد كلية طبقة المعنى الإشاري ذاك. وقد جرى بين العلماء منذ القدم دستور حساب الجمل والجفر - حساب الأبجدية - لإيجاد القرائن والحجج، فهذا الطرز من الحساب لا يخدش الآية الكريمة ولا يجرح معناها الصريح، بل قد يكون وسيلة لبيان إعجاز القرآن وعظمة بلاغته. فلا اعتراض على هذه الإشارات الغيبية، إذ الذي لا يستطيع إنكار ما لا يعد ولا يحصى من استخراجات أهل الحقيقة من الإشارات القرآنية التي لا تحصى، ما ينبغى له أن ينكر هذا بل لا يمكنه ذلك.1

_____________________

1 الملاحق- قسطموني/179