سيرة ذاتية - ص: 181

الفصل الثاني

في آنقرة

1922 م (1340هـ)

الدعوة إلى آنقرة:

حينما تبدلت نشوة سعيد القديم وابتساماته إلى نحيب سعيد الجديد وبكائه، وذلك في بداية المشيب، دعاني أرباب الدنيا في آنقرة اليها، ظناً منهم أنني سعيد القديم فاستجبت للدعوة.1 حيث أرسل مصطفى كمال رسالتين برقيتين بالشفرة إلى صديقي تحسين بك الذي كان سابقاً والياً على مدينة وان يستدعيني إلى آنقرة لكي يكافئني على قيامي بنشر رسالة الخطوات الست فذهبت إليها،2 سنة 1338(1922م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، الاّ أنني أبصرتُ - خلال موجة الفرح هذه - زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفتُ من أعماق روحي، وصرختُ مستغيثاً بالله العلي القدير ومعتصماً بسور هذه الآية الكريمة،3 من هذا الغول الرهيب الذي يريد ان يتعرض لأركان الإيمان، فكتبت برهاناً قوياً حاداً يقطع رأس تلك الزندقة، في رسالة باللغة العربية واستقيت معانيها وأفكارها من نور هذه الآية الكريمة لإثبات بداهة وجود الله سبحانه ووضوح وحدانيته، وقد طبعتها في مطبعة يَني گون في آنقرة.. الاّ أنني لم ألمس آثار البرهان الرصين في مقاومة الزندقة وإيقاف زحفها إلى أذهان الناس. وسبب ذلك كونه مختصراً ومجملاً جداً، فضلاً عن قلة الذين يُتقنون العربية في تركيا وندرة المهتمين بها آنذاك، لذا فقد انتشرت أوهام ذلك الإلحاد واستشرت في صفوف الناس مع الأسف الشديد...4

 

 

_____________________

1 اللمعات/ 351

2 الشعاعات/419-421

3 المقصود: ]أفي الله شك فاطر السموات والأرض[

4 اللمعات/ 267

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 182

أجل إن الهدف الذي كان يصبو إليه بديع الزمان منذ نعومة أظفاره والأمل الذي كان يحدوه وهو في طريقه إلى آنقرة هو حصول صحوة إسلامية تعم العالم الإسلامي، هذه الروح العظيمة توضحت في مباحثاته مع مئات العلماء في شرقي الأناضول قبل مجيئه إلى استانبول بل توضح اكثر عند قدومه إليها حتى حيّر السياسيين. ولم تغادره هذه المسؤولية الجسيمة والمهمة الثقيلة والشوق الدائم قط. فكان يأمل أن يكون الإعلان عن الحرية والمشروطية في خدمة الشريعة الغراء، ويكون ذلك تباشير سعادة الأناضول والعالم الإسلامي قاطبة، حتى أنه ألقى الخطب في ضوء ذلك الأمل وكتب المقالات بغية تحقيقه، وظهر ذلك أيضاً في مؤلفاته ولاسيما في سنوحات، لمعات وغيرها مما ألفه في تلك المرحلة. وكان لا يتواني من التصريح أن أعظم صوت مدوٍ في المستقبل هو صوت القرآن العظيم.

ولكن سقوط الدولة العثمانية التي أخذت على كاهلها خدمة الإسلام بعد العباسيين، وطوال ما يقرب من ألف سنة هزّ العالم الإسلامي هزاً عنيفاً. فاصبح أعداء الإسلام الألداء مستولين على مركز الخلافة وبدأوا باجتثاث جذور الإسلام من الأعماق. إلاّ أن القدرة الإلهية تجلت بإحسانه سبحانه وتعالى على بديع الزمان ليحمل الراية في مثل هذه الظروف الحالكة الحرجة. فأتى آنقرة أملاً من أن يحظى بشئ لصالح الإسلام من المسؤولين فيها وليقدم معاونته لهم ، إذ كما كانت حرب التحرير حرباً إيمانياً لطرد الأعداء إلى خارج البلاد بعون الهي كان يأمل أن تستند الحكومة الجديدة إلى القرآن مباشرة في دفع عجلة الأمور في البلاد وتجعل وحدة العالم الإسلامي مرتكزاً لها وتظهر الحضارة الإسلامية الكامنة في حقيقة الإسلام بأجلى مظاهرها مادةً ومعنىً ولكن عندما وصل آنقرة واستقبل استقبالاً حافلاْ من قبل المسؤولين - من نواب ووزراء - والأهلين، شاهد ما لم يأمله، حيث لمس عدم الإهتمام بالدين في البرلمان وعدم اكتراثهم بالشعائر الإسلامية. فدعاهم ببيان إلى ضرورة العبادة ولاسيما الصلاة ووزع البيان إلى أعضاء المجلس وقرأه على مصطفى كمال الجنرال كاظم قره بكر.1

كان من تأثير هذا البيان ان استقام على إقامة الصلاة ستون نائباً، حتى ان الغرفة التي كانوا يؤدون فيها الصلاة لم تعد تسعهم فاتخذوا غرفة أوسع منها لإقامة الصلاة.2

 

 

_____________________

1 T.Hayat, ilk hayat‎ . كان وصول الأستاذ أنقرة في 22/11/1922 ووزع البيان في 19/1/1923 وهو محفوظ في سجلات المجلس النيابي الذي تأسس في 23/4/1920

2 T.Hayat, ilk hayat‎

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 183

[وفيما يلي نص البيان]:

 

خطاب إلى مجلس الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم

]إنَّ الصّلوةَ كانت على المؤمنينَ كتاباً مَوقُوتاً[(النساء:103)

يا أيها المبعوثون! إنكم لمبعوثون ليوم عظيم.

أيها المجاهدون! ويا أهل الحل والعقد!

أرجو أن تعيروا سمعاً إلى مسألة يُسديها إليكم هذا الفقير إلى الله في بضع نصائح وفي عشر كلمات:

اولاً: ان النعمة الإلهية العظمى في انتصاركم هذا تستوجب الشكر، لتستمر وتزيد، إذ ان لم تُستقبل النعمة بالشكر تزول وتنقطع. فمادمتم قد أنقذتم القرآن الكريم من إغارة العدو - بفضل الله تعالى - فعليكم اذاً الامتثال بأمره الصريح وهو الصلاة المكتوبة، كي يظل عليكم فيضهُ وتدوم أنواره بمثل هذه الصورة الخارقة.

ثانياً: لقد أبهجتم العالم الإسلامي بهذا الانتصار، وكسبتم ودّهم وإقبالهم عليكم، ولكن هذا الودّ والتوجّه نحوكم إنما يدومان بالتزام الشعائر الإسلامية؛ إذ يحبكم المسلمون ويودّونكم لأجل الإسلام.

ثالثاً: لقد توليتم قيادة مجاهدين وشهداء في هذا العالم وهم بمثابة أولياء صالحين، فمن شأن أمثالكم من الغيارى السعيُ والجدّ لامتثال أوامر القرآن الكريم لنيل صحبة أولئك النورانيين، والتشرف برفقتهم في ذلك العالم. وإلاّ تضطرون إلى التماس العون والمدد من أبسط جندي هناك، في حين انتم قادة هنا. فهذه الدنيا بما فيها من شهرة وشرف لا تستحق ان تكون متاعاً ترضي كراماً امثالكم، ولاتكون لكم غاية المنى ومبلغ العلم.

رابعاً: ان هذه الأمة الإسلامية مع أن قسماً منهم لا يؤدون الصلاة. الاّ انهم يتطلعون ان يكون رؤساؤهم صالحين أتقياء حتى لو كانوا هم فسقة. بل ان أول ما يبادر أهل كردستان - الولايات الشرقية - مسؤوليهم هو سؤالهم عن صلاتهم. فان كانوا مقيمين لها، فبها ونِعمَت ويثقون بهم، والاّ فسيظل الموظف المسؤول موضع شك وارتياب رغم كونه مقتدراً في أداء واجباته. ولقد حدثت في حينه اضطرابات في عشائر بيت الشباب فذهبتُ لأستقصي أسبابها، فقالوا: ان كان

 

 

سيرة ذاتية - ص: 184

مسؤولنا القائمقام لا يقيم الصلاة ويشرب الخمر، فكيف نطيع أوامر أمثال هؤلاء المارقين من الدين؟ هذا علماً ان الذين قالوا هذا الكلام هم أنفسهم كانوا لا يؤدون الصلاة، بل كانوا قطاع طرق!.

خامساً: ان ظهور اكثر الأنبياء في الشرق واغلب الفلاسفة في الغرب رمزٌ للقدر الإلهي بأن الذي يستنهض الشرق ويقوّمه إنما هو الدين والقلب، وليس العقل والفلسفة.. فمادمتم قد أيقظتم الشرق ونبهتموه، فامنحوهم نهجاً ينسجم مع فطرته. والاّ ستذهب مساعيكم هباءاً منثوراً، أو تظل سطحية موقتة.

سادساً: ان خصومكم وأعداء الإسلام الأفرنج - ولاسيما الانگليـز - قد استغلوا ولا يزالون يستغلون إهمالكم أمور الدين، حتى أستطيع ان اقول: ان الذين يستغلون تهاونكم هذا يضرون بالإسلام بمثل ما يضرّ به أعداؤكم فينبغي لكم باسم مصلحة الإسلام وسلامة الأمة تحويل هذا الإهمال إلى أعمال. ولقد تبيّن لكم كيف لاقى زعماء الإتحاد والترقي نفوراً وازدراءً من الأمة في الداخل رغم ما بذلوه من تضحية وفداء وعزم وإقدام حتى كانوا سبباً - إلى حدٍ ما - في هذه اليقظة الإسلامية، وذلك لعدم اكتراث قسم منهم بالدين وبشعائره، بينما المسلمون في الخارج قد منحوهم التقدير والاحترام لعدم رؤيتهم تهاونهم وإهمالهم في الدين.

سابعاً: على الرغم من تمكن عالم الكفر في الإغارة على العالم الإسلامي منذ مدة مديدة فانه لم يتغلب عليه دينياً مع جميع إمكاناته وقدراته ووسائله الحضارية وفلسفته وعلمه ومبشريّه. فبقيت الفرق الضالة جميعها - في الداخل - أقلية محكومة. لذا ففي الوقت الذي حافظ الإسلام على صلابته ومتانته بأهل السنة والجماعة لن يتمكن تيار بدعي مترشح من الجانب الخبيث للحضارة الأوروبية، أن يجد سبيلاً إلى صدر العالم الإسلامي. أي أن القيام بحركة انقلابية جوهرية لا يمكن ان تحدث الاّ بالانقياد لدساتير الإسلام، والاّ فلا. علماً انه لم يحدث مثل هذه الحركة في السابق، ولو كانت قد حدثت فلقد تلاشت سريعاً وأفلَت.

ثامناً: ليس بالإمكان القيام بعمل إيجابي بنّاء مع التهاون في الدين، حيث اقتربت الحضارة القرآنية من الظهور وأوشكت الحضارة الأوربية الضالة المسؤولة عن ضعف الدين على التمزق والانهيار. أما القيام بعمل سلبي فليس الإسلام بحاجة إليه، كفاه ما تعرض له من جروح ومصائب.

تاسعاً: ان الذين يولونكم الحب قلباً وروحاً، ويثمنون خدماتكم وانتصاراتكم في حرب الاستقلال هذه، هم جمهور المؤمنين، وبخاصة طبقة العوام، وهم

 

 

سيرة ذاتية - ص: 185

المسلمون الصادقون. فهم يحبونكم بجد، ويعتزون بكم بصدق، ويساندونكم بإخلاص، ويقدّرون تضحياتكم، ويمدّونكم بأضخم ما تنبه لديهم من قوة. وانتم بدوركم ينبغي لكم الاتصال بهم والاستناد إليهم اتباعاً لأوامر القرآن الكريم ولأجل مصلحة الإسلام، والاّ فان تفضيل المتجردين من الإسلام والمبتوتي الصلة بالأمة من مقلدي أوروبا المعجبين بها، وترجيحهم على عامة المسلمين منافٍ كلياً لمصلحة الإسلام؛ وسيولي العالم الإسلامي وجهه إلى جهة أخرى طلباً للمساعدة والعون.

عاشراً: ان كان في طريق تسعة احتمالات للهلاك، واحتمال واحد فقط للنجاة، فلا يسلكها الاّ مجنون طائش لا يبالي بحياته.. ففي أداء الفرائض الدينية نجاة بتسع وتسعين بالمائة، علما انه لا يستغرق - هذا الأداء - الاّ ساعة واحدة في اليوم، مقابل ما قد يمكن ان يكون احتمال ضرر واحد فقط يصيب الدنيا ومن حيث الغفلة والكسل. بينما إهمال الفرائض وتركها فيه احتمال تسع وتسعين بالمائة من الضرر مقابل واحد بالمائة من احتمال النجاة من حيث الغفلة والضلالة.. فيا ترى أي مسوّغٍ وأيّ مبرر يمكن ابتداعه في ترك الفرائض الذي يصيب ضرره الدين والدنيا معاً؟ وكيف تسمح حمية الفرد ونخوته بذلك التهاون؟

ان تصرفات هذه القافلة المجاهدة من أعضاء هذا المجلس العالي بالغة الأهمية، إذ إنها سوف تُقلّد.. فالأمة إما أنها تقلّد أخطاءهم او تنتقدها، وكلاهما ملئ بالأضرار والأخطار. لذا فأن تمسكهم بحقوق الله وتوجههم لأداء الفرائض يتضمن حقوق العباد ايضاً.

ان عملاً جاداً لا ينجز مع أولئك الذين يرضون بأوهام براقة نابعة من سفسطة النفس ووسوسة الشيطان ويصمّون آذانهم عن البلاغ المبين والبراهين الساطعة بالتواتر والإجماع.. ألا إن الحجر الأساس لهذا الانقلاب العظيم يجب ان يكون متيناً صلداً.

ان الشخصية المعنوية لهذا المجلس العالي قد تعهدت معنى السلطنة بما تتمتع به من قوة، فان لم يتعهد - هذا البرلمان - معنى الخلافة وكالةً ايضاً ولم يقم بامتثال الشعائر الإسلامية ولم يأمر الآخرين بالقيام بها، أي إذا اخفق في تقديم معنى الخلافة ولم يستوف حاجة الأمة الدينية - هذه الأمة التي لم تفسد فطرتها والمحتاجة إلى الدين اكثر من حاجتها لوسائل العيش - والتي لم تَنس حاجتها الروحية تحت كل ضغوط المدنية الحاضرة ولهوها، فإنها تضطر إلى منح معنى الخلافة إلى ما

 

 

سيرة ذاتية - ص: 186

ارتضيتموه - تماماً - من اسم ولفظ. فتمنح له القوة والإسناد ايضاً لإدامة ذلك المعنى. والحال ان مثل هذه القوة التي ليست بيد المجلس ولا تأتي عن طريقه تسبب الانشقاق، وشق عصا الطاعة يناقض أمر القرآن الكريم الذي يقول:

]واعتَصموا بِحَبلِ الله جَميعاً ولا تَفرَّقوا[ (آل عمران: 103)

ان هذا العصر عصر الجماعة، إذ الشخصية المعنوية - التي هي روح الجماعة - اثبت وامتن من شخصية الفرد. وهي اكثر استطاعة على تنفيذ الأحكام الشرعية. فشخصية الخليفة تتمكن من القيام بوظائفها استناداً إلى هذه الروح المعنوية. ان الشخصية المعنوية تعكس روح العامة فان كانت مستقيمة فان إشراقها وتألقها يكون أسطع وألمع من شخصية الفرد، أما ان كانت فاسدة فان فسادها يستشري وفق ذلك. فالشر والخير محددان في الفرد، بينما لا يحدهما حدود في الجماعة. فإياكم ان تمحقوا المحاسن التي نلتموها تجاه الخارج بإبدالها شروراً في الداخل.

انتم اعلم بأن أعداءكم الدائمين وخصومكم يحاولون تدمير شعائر الإسلام، مما يستوجب عليكم إحياء هذه الشعائر والمحافظة عليها. وإلاّ فستُعينون - بغير شعورٍ منكم - العدو المتحفز للانقضاض عليكم.

ان التهاون في تطبيق الشعائر الدينية يفضي إلى ضعف الأمة، والضعف يُغرى العدو فيكم ويشجعه عليكم ولا يوقفه عند حدّه.

حسبنا الله ونعم الوكيل.. نعم المولى ونعم النصير.1

 

* * *

مع مصطفى كمال:

على الرغم من قراءة البيان إلى النواب الاّ أنه سبّب نقاشاً مع مصطفى كمال.. حيث قال له أمام ما يقرب من ستين نائباً:

- إننا لا شك بحاجة إلى عالم قدير مثلك، فقد دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك السديدة، فاستجبتم الدعوة، إلا ان أول عمل قمتم به هو كتابة أمور حول الصلاة فبذرتم الخلاف فيما بيننا.

فأجابه أجوبة شافية ثم قال له محتداً مشيراً بإصبعه إليه :

- پاشا.. پاشا.. ان أعظم حقيقة في الإسلام - بعد الإيمان - هي الصلاة، والذي لا يصلي خائن، وحكم الخائن مردود.

 

 

_____________________

1 المثنوي العربي النوري / 200-204

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 187

فاضطر الباشا إلى كظم غيظه وإلى إعطاء بعض الترضية له.1

فقد عرض عليّ - مصطفى كمال - تعييني في وظيفة الواعظ العام في الولايات الشرقية براتب قدره ثلاثمائة ليرة في محل الشيخ السنوسي2 وذلك لعدم معرفة الشيخ اللغة الكردية. وكذلك تعييني نائباً في مجلس المبعوثان (المجلس النيابى) وفي رئاسة الشؤون الدينية مع عضوية في دار الحكمة الإسلامية، وكان يريد بذلك إرضائي وتعويضي عن وظيفتي السابقة..

ولكني عندما لاحظت ان قسماً مما جاء من الأخبار في المتن الأصلي لرسالة الشعاع الخامس3 ينطبق على شخص شاهدته هناك، فقد اضطررت إلى ترك تلك الوظائف المهمة، إذ اقتنعت بان من المستحيل التفاهم مع هذا الشخص او التعامل معه او الوقوف أمامه، فنبذت أمور الدنيا وأمور السياسة والحياة الاجتماعية، وحصرت وقتي في سبيل إنقاذ الإيمان فقط...4

ولما سألني بعض الموظفين المرموقين:

لماذا لم تقبل ما عرضه عليك مصطفى كمال حول جعلك واعظاً عاماً ومسؤولاً عن عموم كردستان والولايات الشرقية بدلاً عن الشيخ السنوسي براتب قدره ثلاثمائة ليرة ذلك لأنك لو كنت قبلت هذا العرض منه لكنت سبباً في إنقاذ أرواح مئات الآلاف من الرجال الذين ذهبوا ضحية الثورة.5

قلت لهم جواباً على سؤالهم هذا:

بدلاً من قيامي بإنقاذ عشرين او ثلاثين سنة من الحياة الدنيوية لهؤلاء الرجال، فان رسائل النور كانت وسيلة وسبباً لإنقاذ ملايين السنين للحياة الأخروية لمئات الآلاف من المواطنين، أي انها قامت بعمل يكافئ أضعاف تلك الخسارة بآلاف المرات، فلو أنني قبلت ذلك العرض لما ظهرت رسائل النور التي تحمل في طياتها سر الإخلاص والتي لا تكون تابعاً لأي أحد ولا وسيلة استغلال لأي شئ كان. حتى

 

_____________________

1 الشعاعات/505 ،487

2 الشيخ السنوسى: عمل واعظاً دينياً فى الولايات الشرقية وكان له دور بارز فى اصدار فتوى الجهاد ضد الانكليز أثناء الاحتلال .

3 المقصود الأحاديث الشريفة الواردة حول الدجال والسفياني.

4 الشعاعات/419-421

5 حدثت في الولايات الشرقية (كردستان) عدة ثورات، كان أهمها الثورة التي قادها أحد مشايخ الصوفية الكردية "الشيخ سعيد پيران (الپالوي)" ضد سياسة مصطفى كمال المعادية للإسلام التي اندلعت في 13/ 2/ 1925 فاسنغلت السلطة الموقف فأصدر المجلس النيابي قانون إقرار السكون فاُخمدت جميع الثورات ومنها هذه الثورة فاُعدم قائد الثورة وسبعةً وأربعين ممن معه فى29/ 6/ 1925 ثم تتابعت الاعدامات.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 188

إنني قلت لأصدقائي المحترمين في السجن:

لو ان الحكام الموجودين في آنقرة الذين آلمتهم صفعات رسائل النور الشديدة فحكموا عليّ بالشنق، ثم استطاعت رسائل النور ان تنقذ إيمانهم وان تنقذهم من الإعدام الأبدي، فاشهدوا بانني اصفح عنهم من كل قلبي.1

وحيث انه أدرك الفتنة التي بدأت تعم العالم الإسلامي، والتي استعاذت منها الأمة منذ ألف وأربعمائة سنة وشاهد من هم مسعرو نارها.. تناقش مع مصطفى كمال في أحد الأيام طوال ساعتين وافهمه أن القيام بإزالة الشعائر الإسلامية ابتغاء الحصول على شهرة لدى أعداء الإسلام دمار وأيّ دمار لهذه الأمة وفساد للبلاد والعباد، فإن كان لابد من انقلاب فليكن بالاستناد إلى القرآن الكريم وجعله دستوراً للدولة الحديثة...2

من أقواله في المحاكم بحق مصطفى كمال:

إننا لسنا مع زعيم اصدر حسب هواه أوامر باسم القانون ونفذها بقوة لتحويل جامع اياصوفيا إلى دار للأصنام، وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات، لسنا معه فكراً ولا موضوعاً، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية. ولا نجد انفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا.3

ولما اعترضت بكلمات قاسية على ذلك الشخص المعروف الذي تولى رئاسة الحكومة بآنقرة، لم يقابلني بشئ، بل آثر الصمت. الاّ ان بعد موته أظهرت حقيقةُ حديث شريف خطأه -كنت قد كتبته قبل أربعين سنة - فتلك الحقيقة والانتقادات التي كانت فطرية وضرورية واتخذناها سرية، وعامة غير خاصة على ذلك الشخص قد طبقها المدعى العام بحذلقة على ذلك الشخص، وجعلها مدار مسؤولية علينا.

فأين عدالة القوانين التي هي رمز الأمة وتذكارها وتجل من تجليات الله سبحانه من محاباة شخص مات وانقطعت علاقته بالحكومة.4

انه ضروري جداً لصالح الأمة ولنفع البلاد ان تحافظ الحكومة عليّ حفاظاًً تاماً وتمدّ يد المعاونة اليّ. الاّ انها تضيق الخناق عليّ، مما يومئ إلى ان الذين يحاربونني هم

 

_____________________

1 الشعاعات/343

2 T.Hayat, ilk hayat‎ يمكن مراجعة المثال اللطيف الذي أورده الأستاذ لمصطفى كمال في المكتوبات/533-535

3 الشعاعات/ 468، 487

4 الشعاعات/ 430

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 189

منظمة الزندقة السرية وقسم من منظمة الشيوعية الذين التحقوا بهم، هؤلاء قد قبضوا على زمام الأمر في عدد من المناصب الرسمية المهمة في الدولة ، فيهاجمونني ويجابهونني. أما الحكومة فإما انها لا تعرف بهم او تسمح لهم. ويا ترى أي ذنب وأي جريرة في ان تنتقد او تضمر عدم المحبة لرجل حوّل جامع اياصوفيا الذي هو مبعث الشرف الأبدي لأمة بطلة، والدرة الساطعة لخدماتها وجهادها في سبيل القرآن، وهدية تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات؟.1

ان تعصب المدعي العام لمصطفى كمال وصداقته له - وهو يشغل مثل هذا المقام - ادّى إلى أسئلة واعتراضات غير قانونية وغير ضرورية وخاطئة مما ساقني إلى تقديم هذه الإيضاحات الخارجة عن الصدد، وأنا أبين هنا أحد أقواله كمثال على كلامه المشوب بالمزاج الشخصي الخارج عن القانون.

قال: ألم تندم من قلبك على ما أوردته في الشعاع الخامس؟ ذلك لأنك قمت بإهانته وتحقيره عندما قلت عنه: انه اصبح مثل قربة الماء من كثرة شربه الخمر والشراب؟

وأنا اقول جواباً لتعصبه الذميم والخاطئ تماماً الناشئ من صداقته له:

لا يمكن إسناد شرف انتصار الجيش البطل إليه وحده، ولكن تكون له حصة معينة فقط من هذا الانتصار. فمن الظلم ومن الخروج على العدالة بشكل صارخ إعطاء غنائم الجيش وأمواله وأرزاقه إلى قائد واحد.

وكما قام ذلك المدعي العام البعيد عن الإنصاف باتهامي لكوني لا احب ذلك الشخص ذا العيوب الكثيرة، إلى درجة انه وضعني موضع الخائن للوطن، فإنني اتهمه ايضاً بعدم حبه للجيش، ذلك لانه عندما يعطي إلى صديقه ذاك كل الشرف وكل المغانم المعنوية فانه يكون بذلك قد جرد الجيش من الشرف، بينما الحقيقة هي وجوب توزيع الأمور الإيجابية والحسنات والافضال على الجماعة وعلى الجيش، أما الأمور السلبية والتقصيرات والتخريبات فيجب توجيهها إلى القيادة وإلى الرأس المدبر وإلى الممسك بزمام الأمور. ذلك لان وجود أي شئ لا يتحقق الا بتحقق جميع شرائطه وأركان وجوده، والقائد هنا شرط واحد فقط من هذه الشروط. أما انتفاء أي شئ وفساده فيكفي له عدم وجود شرط واحد او فساد ركن واحد فقط. لذا يمكن عزو ذلك الفساد إلى الرأس المدبر وإلى الرئيس لان الحسنات

 

_____________________

1 الشعاعات/ 488

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 190

والأمور الجيدة تكون عادة إيجابية ووجودية. فلا يمكن حصرها على من هم في رأس الدولة. بينما السيئات والتقصيرات عدمية وتخريبية ويكون الرؤساء هم المسؤولون عنها. ومادام هذا هو الحق وهو الحقيقة، فكيف يمكن ان يقال لرئيس عشيرة قامت بفتوحات: أحسنت يا حسن آغا؟ واذا غُلبت تلك العشيرة، وجّهت إلى أفرادها الإهانة والتحقير؟.. ان مثل هذا التصرف يكون مجانباً للحق تماماً ومعاكساً له.

وهكذا فان ذلك المدعي العام الذي قام باتهامي قد جانب الحق والحقيقة وجانب الصواب، ومع ذلك فهو بزعمه قد حكم باسم العدالة.1

أما قضية الصفعة الموجهة من رسائل النور إلى مصطفى كمال فقد عرفتْ بها ست محاكم وكذلك المراجع الرسمية في آنقرة فلم يعترضوا عليها واصدروا قرارهم بتبـرئتنا وأعادوا لنا جميع كتبنا ومن ضمنها الشعاع الخامس. ثم ان قيامي بإظهار سيئاته ليس الا من اجل صيانة كرامة الجيش. أي ان عدم محبة شخص فرد ليس إلاّ من أجل كيل الثناء إلى الجيش بكل حب.2

ولو فرضنا ان قائداً رهيباً وعبقرياً استطاع بذكائه ان ينسب لنفسه جميع حسنات الجيش، وان ينسب سيئاته وسلبياته الشخصية للجيش، فانه يكون بذلك قد قلل عدد الحسنات التي هي بعدد أفراد الجيش إلى حسنة شخص واحد، وعندما نسب سيئاته وأخطاءه إلى الجيش يكون قد كثّر هذه السيئات بعدد أفراد الجيش، وهذا ظلم مخيف ومجانب للحقيقة، لذا فقد قلت للمدعي العام في إحدى محاكماتي السابقة عندما هاجمني لكوني وجهت صفعة تأديب لذلك الشخص عندما قمت قبل أربعين سنة بشرح حديث نبوي، قلت للمدعى العام: حقاً إنني أقلل من شأنه بإيراد أخبار من الأحاديث النبوية، إلاّ أننى أقوم في الوقت نفسه بصيانة شرف الجيش وحفظه من الأخطاء الكبيرة، واما أنت فتقوم بتلويث شرف الجيش الذي يعد حامل لواء القرآن، وقائداً مقداماً للعالم الإسلامي، وتلغي حسناته لأجل صديق واحد لك. فخضع ذلك المدعى العام للإنصاف، بإذن الله، ونجا من الخطأ.3

ومع ان الرئيس الكبير حرض بعض أفراد وزارة العدل وموظفيها مدفوعاً إلى

 

_____________________

1 الشعاعات/ 419 - 420

2 الشعاعات/ 454

3 الشعاعات/ 447

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 191

ذلك بأوهامه وبحقده الشخصي، الا ان رسائل النور بُرئت من تهمة تشكيل اية جمعية وأية طريقة صوفية1.

[وقال في المحكمة أيضاً]:

اجل ان رجلاً دافع بكل شدة وصلابة دفاعاً مؤثراً ودون خوف او وجل أمام المحكمة العرفية العسكرية التي انعقدت بسبب أحداث 31 مارت، وفي مجلس المبعوثان دون ان يبالي بغضب مصطفى كمال وحدّته.. كيف يتهم هذا الشخص بأنه يدير سراً خلال ثماني عشرة سنة ودون ان يشعر به أحد مؤامرات سياسية؟ ان من يقوم بمثل هذا الإتهام لاشك انه شخص مغرض.2

مادام مصطفى كمال نفسه لم يستطع ان يكسر هذا العناد، ومادامت محكمتان ومحافظ ثلاث ولايات لم تكسره فمن انتم حتى تحاولوا مثل هذه المحاولة العقيمة، ولماذا تحاولون هذا عبثاً مع انها لا تأتي بخير للامة ولا لهذه الحكومة؟.3

[وفي رسالة له إلى طلابه:]

ان في تأخير مسألتنا هذه خير، والخير فيما اختاره الله. لأن محبة ذلك الرجل الميت الرهيب يُلقّن في جميع المدارس والدوائر الحكومية وفي أو ساط الشعب عامة. وستؤثر هذه الحالة تأثيراً أليماً وفجيعاً جداً في العالم الإسلامي وفي المستقبل.4

إعتراضه على مصطفى كمال وعدم مودّته له:5

ان السبب الأساس لهجوم الحاقدين عليّ هو انهم يسحقونني متذرعين بمودّتهم وموالاتهم لمصطفى كمال. وأنا اقول لأولئك الحاقدين:

لقد قلت في حق شخص مات وانتهى أمره وانقطعت علاقته بالحكومة:

انه سيظهر في آخر الزمان شخص يلحق الأضرار بالقرآن الكريم. قلته قبل ثلاثين سنة استنباطاً من حديث شريف. ثم اظهر الزمان أن ذلك الرجل هو مصطفى كمال. وان الحاقدين الذين يوالونه يعذبونني بحجج واهية منذ عشرين سنة، حيث إنني لا اُسند إلى مصطفى كمال - خلافاً للحقيقة - مجد وشرف انتصارات الجيش الذي تحدّى العالم ببطولته وتفانيه في الحق منذ خمسمائة سنة.

 

 

_____________________

1 الشعاعات/ 438

2 الشعاعات/ 423

3 الشعاعات/ 345

4 الشعاعات/ 394

5 ذيل العريضة المقدمة الى رئيس الجمهورية اضطررت الى كتابتها (المؤلف)

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 192

نعم، وكما اثبتّ في المحكمة: ان الشرف والحسنات والغنائم المادية والمعنوية تسند إلى الجماعة وتوزع عليهم، بينما تسند الذنوب والإجراءات الخاطئة إلى الرئيس. ففي ضوء هذه القاعدة الحقيقية، فان أمجاد الجيش والشرف الذي أحرزه بانتصاراته - ولا سيما الضباط الأشاوس الذين تولوا إدارته - لا تسند إلى مصطفى كمال. وانما الأخطاء والذنوب والنقائص هي التي تُسند إليه وحده. فالذين يتهمونني بعدم محبتى له انما يقومون بإهانة كرامة الجيش وثلم شرفه، لذا انظر إلى هؤلاء انهم خونة الامة؛ واني على استعداد لإثبات هذه الحقيقة لأولئك العنيدين الموالين له كما أثبتّها أمام المحكمة:

إنني اكنّ حباً لأفراد وضباط الجيش المقدام الذين يعدون بالملايين والذين هم جيش هذه الأمة الطيبة وأسعى لصيانة عزته وكرامته وتوقيره ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. بينما معارضيّ الحاقدون الذين يواجهونني يهوّنون ضمناً من شأن ملايين الأفراد بل يعادونهم في سبيل محبة شخص واحد.

نعم، لقد أدركنا بأمارات عديدة، ان الذي يحرّض الحاقدين عليّ بالهجوم، هو معارضتي لمصطفى كمال، وعدم مودّتي له. أما الأسباب الأخرى فهي حجج واهية ومجرد اختلاق. ولهذا اضطررت إلى ان اقول لأولئك المعارضين:

لقد استدعاني مصطفى كمال إلى آنقرة لاجل تكريمي وجعلي واعظاً عاماً لجميع الولايات الشرقية. فذهبت إلى آنقرة، الاّ ان المواد الثلاث الآتية جعلتني أتخلّى عن محبته ومودته. فعانيت العذاب طوال عشرين سنة في حياة الانزواء ولم أتتدخل في أمورهم الدنيوية.

المادة الأولى:

لقد أظهر بأفعاله انه هو الذي اخبر عنه الحديث الشريف الوارد حول ظهور شخص في آخر الزمان يسعى للإضرار بالأعراف الإسلامية. وفسرت هذا الحديث الشريف قبل ست وثلاثين سنة، ثم ظهر معناه مطابقاً في هذا الشخص. وله إيضاح في المادة الثالثة في دفاعاتي أمام المحكمة.

المادة الثانية:

ان وجود شئٍ ما وتعميره وحياته، قائم بوجود جميع أركان ذلك الشئ او شروطه، بينما عدمه وتخريبه وموته يكون بفساد شرط واحد. هذه قاعدة حقيقية حتى أصبحت مضرب الأمثال في ألسنة الناس: التخريب اسهل من التعمير.

فبناء على هذه القاعدة الرصينة فان النقائص الفاضحة والدمار الرهيب الظاهر

 

 

سيرة ذاتية - ص: 193

نابعة من أخطاء ذلك القائد. أما الانتصارات الباهرة فهي صادرة من بطولة الجيش. فبينما ينبغي ان تُسند السيئات إليه وتُمنح الحسنات إلى الجيش، الاّ ان الأمر اصبح بخلاف هذا كلياً، إذ تُسند حسنات الجماعة إلى من في رأس الأمر ويسند شر ذلك الشخص إلى الجماعة. وهذا ظلم شنيع.

المادة الثالثة:

ان إسناد حسنات الجماعة وانتصارات الجيش إلى القائد الأمر، وإعطاء ذنوب ذلك الأمر إلى الجماعة بأكملها يعني التهوين من شأن ألوف الحسنات وجعلها حسنة واحدة، وجعل الخطأ الواحد ألوف الأخطاء. إذ كما ان فوجاً من الجيش لو قتلوا عدواً شرساً فان كل فرد من أفراد ذلك الفوج يُمنحون مرتبة المجاهد، ولكن لو أعطيت تلك الرتبة إلى آمرهم فقط فان ألف رتبة من رتب المجاهد تنـزل إلى رتبة واحدة فقط. فلو حصلت جريمة قتل نتيجة خطأ ارتكبه قائد ذلك الفوج ثم أُسندت هذه الجريمة إلى الفوج كله، فان تلك الجريمة الواحدة تتضاعف وتكون في حكم ألوف الجرائم، فيصبح ألف جندي مثلاً مسؤولين عنها، ومستحقين العقاب عليها.

كذلك الأمر هنا، فان الأخطاء الجسيمة واضحة أمام الأعين، فان لم تسند إلى ذلك الرجل الميت الذي ارتكبها، وأحيلت إلى جيش عظيم كريم اظهر جهاده في سبيل إحقاق الحق في العالم اجمع وصدّق بسيوفه ودمائه شهادة عزته وكرامته وإعلائه لراية القرآن منذ خمسمائة سنة بل منذ ألف سنة، فان تلك الذنوب تزداد إلى الألوف بعدد أركان ذلك الجيش. فيلطخ الماضي المجيد لذلك الجيش ويشوهه تشويهاً رهيباً مسوّداً تاريخه بلون قاتم مما يجعل جيش هذا العصر مسؤولاً ويذوب خجلاً أمام الجيش البطل للعصور السابقة. وكذلك لو أسندت الانتصارات الباهرة والمفاخر المستحصلة الحاضرة إلى رجل واحد فإنها تبقى جزئية، وتصبح الحسنات والمجاهدات التي هي بعدد الأركان والأفراد في حكم شخص واحد. وينطفئ ذلك الضياء الساطع ويزول ولا يصبح كفارة للذنوب.

فلأجل هذه الأسباب تركت مودّة ذلك الرجل، وكسبت مودة ذلك الجيش الذي خدمت في صفوفه خدمة فعلية مؤثرة، وفي زمان دقيق حرج، وسعيت برسائل النور للمحافظة على شرف ذلك الجيش الذي هو أسمى ألف مرة من أي شخص كان.1

 

 

_____________________

1 الملاحق -اميرداغ 2/ 319

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 194

حالته الروحية في آنقرة:

ذات يوم من الأيام الأخيرة للخريف، صعدت إلى قمّة قلعة آنقرة، التي أصابها الكبر والبلى اكثر مني، فتمثّلت تلك القلعة أمامي كأنها حوادث تأريخية متحجرة، واعتراني حزن شديد واسى عميق من شيب السنة في موسم الخريف، ومن شيبي أنا، ومن هرم القلعة، ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية، ومن وفاة سلطنة الخلافة،1 ومن شيخوخة الدنيا. فاضطرتني تلك الحالة إلى النظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل، أنقب عن نور، وابحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنت أحسّ به من أكثف الظلمات التي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم المتداخل المحيط.2

فحينما نظرت إلى اليمين الذي هو الماضي باحثاً عن نور ورجاء، بدت لي تلك الجهة من بعيد على هيئة مقبرة كبرى لأبي وأجدادي والنوع الإنساني، فأوحشتني بدلاً من ان تسلّيني .

ثم نظرت إلى اليسار الذي هو المستقبل مفتشاً عن الدواء، فتراءى لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضاً من ان يؤنسني.

ثم نظرت إلى زمني الحاضر بعد ان امتلأ قلبي بالوحشة من اليمين واليسار، فبدا ذلك اليوم لنظري الحسير ونظرتي التأريخية على شكل نعش لجنازة جسمي المضطرب كالمذبوح بين الموت والحياة.

فلما يئست من هذه الجهة ايضاً، رفعت رأسي ونظرت إلى قمة شجرة عمري، فرأيت ان على تلك الشجرة ثمرة واحدة فقط، وهي تنظر اليّ، تلك هي جنازتي، فطأطأت رأسي ناظراً إلى جذور شجرة عمري، فرأيت ان التراب الذي هناك ما هو الاّ رميم عظامي، وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معاً وامتزجا، وهما يُداسان تحت الاقدام، فأضافا إلى دائي داء من دون ان يمنحاني دواءً.

ثم حوّلتُ نظري على مضض إلى ما ورائي، فرأيت ان هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في أودية العبث وتنحدر في ظلمات العدم، فسكبتْ هذه النظرة السمَّ على جروحي بدلاً من ان تواسيها بالمرهم والعلاج الشافي.

 

 

_____________________

1 حيث أٌلغى المجلس النيابي الأول السلطنة في 1/ 11/ 1922 أي قبل مجئ الأستاذ الى انقرة بسنة أما إلغاء الخلافة فقد أقره المجلس النيابي الثاني في 3/3/1924.

2 وردت هذه الحالة الروحية على صورة مناجاة الى القلب باللغة الفارسية، فكتبتها كما وردت، ثم طبعت ضمن رسالة (حَباب) في أنقرة. - المؤلف.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 195

ولما لم أجد في تلك الجهة خيراً ولا أملاً، ولّيت وجهي شطر الأمام ورنوت بنظري بعيداً، فرأيت ان القبر واقف لي بالمرصاد على قارعة الطريق، فاغراً فاه، يحدق بي، وخلفه الصراط الممتد إلى حيث الأبد، وتتراءى القوافل البشرية السائرة على ذلك الصراط من بعيد. وليس لي من نقطة استناد أمام هذه المصائب المدهشة التي تأتيني من الجهات الست، ولا املك سلاحاً يدفع عني غير جزء ضئيل من الإرادة الجزئية. فليس لي إذن أمام كل أولئك الأعداء الذين لا حصر لهم، والأشياء المضرة غير المحصورة، سوى السلاح الإنساني الوحيد وهو الجزء الاختياري. ولكن لما كان هذا السلاح ناقصاً وقاصراً وعاجزاً، ولا قوة له على إيجاد شئ، وليس في طوقه الاّ الكسب فحسب، حيث لا يستطيع ان يمضي إلى الزمان الماضي ويذبّ عني الأحزان ويسكتها، ولا يمكنه ان ينطلق إلى المستقبل حتى يمنع عنّي الأهوال والمخاوف الواردة منه، أيقنت الاّ جدوى منه فيما يحيط بي من آلام وآمال الماضي والمستقبل.

وفيما كنت مضطرباً وسط الجهات الست تتوالى عليّ منها صنوف الوحشة والدهشة واليأس والظلمة، إذا بأنوار الإيمان المتألقة في وجه القرآن المعجز البيان، تمدني وتضئ تلك الجهات الست وتنورها بأنوار باهرة ساطعة ما لو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وأنواع الظلمات مائة مرة، لكانت تلك الأنوار كافية ووافية لإحاطتها.

فبدّلت - تلك الأنوار - السلسلة الطويلة من الوحشة إلى سلوان ورجاء، وحولّت كل المخاوف إلى انس القلب، أمل الروح الواحدة تلو الأخرى.

نعم، ان الإيمان قد مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالمقبرة الكبرى، وحوّلها إلى مجلس منوّر أنوس وإلى ملتقى الأحباب، وأظهر ذلك بعين اليقين وحق اليقين...

ثم ان الإيمان قد أظهر بعلم اليقين ان المستقبل الذي يتراءى لنا بنظر الغفلة، كقبر واسع كبير ما هو الاّ مجلس ضيافة رحمانية أعدّت في قصور السعادة الخالدة.

ثم ان الإيمان قد حطّم صورة التابوت والنعش للزمن الحاضر التي تبدو هكذا بنظر الغفلة، وأشهدني ان اليوم الحاضر إنما هو متجر أخروي، ودار ضيافة رائعة للرحمن.

ثم ان الإيمان قد بصّرني بعلم اليقين ان ما يبدو بنظر الغفلة من الثمرة الوحيدة التي هي فوق شجرة العمر على شكل نعش وجنازة. انها ليست كذلك، وانما هي

 

 

سيرة ذاتية - ص: 196

انطلاق لروحي - التي هي أهل للحياة الأبدية ومرشحة للسعادة الأبدية - من وكرها القديم إلى حيث آفاق النجوم للسياحة والارتياد.

ثم ان الإيمان قد بيّن بأسراره؛ ان عظامي ورميمها وتراب بداية خلقتي، ليسا عظاماً حقيرة فانية تداس تحت الأقدام، وانما ذلك التراب باب للرحمة، وستار لسرادق الجنة.

ثم ان الإيمان أراني بفضل أسرار القرآن الكريم ان أحوال الدنيا وأوضاعها المنهارة في ظلمات العدم بنظر الغفلة، لا تتدحرج هكذا في غياهب العدم - كما ظنّ في بادئ الأمر - بل انها نوع من رسائل ربانية ومكاتيب صمدانية، وصحائف نقوش للأسماء السبحانية قد أتمّت مهامها، وأفادت معانيها، وأخلفت عنها نتائجها في الوجود، فأعلمني الإيمان بذلك ماهية الدنيا علم اليقين.

ثم ان الإيمان قد أوضح لي بنور القرآن ان ذلك القبر الذي أحدق بي ناظراً ومنتظراً ليس هو بفوهة بئر، وانما هو باب لعالم النور. وان ذلك الطريق المؤدي إلى الأبد ليس طريقاً ممتداً ومنتهياً بالظلمات و العدم، بل انه سبيل سوي إلى عالم النور، وعالم الوجود وعالم السعادة الخالدة.. وهكذا أصبحت هذه الأحوال دواء لدائي، ومرهماً له، حيث قد بدت واضحة جلية فأقنعتني قناعة تامة.

ثم ان الإيمان يمنح ذلك الجزء الضئيل من - الجزء الاختياري - الذي يملك كسباً جزئياً للغاية، وثيقة يستند بها إلى قدرة مطلقة، وينتسب بها إلى رحمة واسعة، ضد تلك الكثرة الكاثرة من الأعداء والظلمات المحيطة، بل ان الإيمان نفسه يكون وثيقة بيد الجزء الاختياري. ثم ان هذا الجزء الاختياري الذي هو السلاح الإنساني، وان كان في حد ذاته ناقصاً عاجزاً قاصراً، الاّ أنه إذا استعمل باسم الحق سبحانه، وبذل في سبيله، ولأجله، يمكن ان ينال به - بمقتضى الإيمان - جنة أبدية بسعة خمسمائة سنة. مَثَلُ المؤمن في ذلك مثل الجندي إذا استعمل قوته الجزئية باسم الدولة فانه يسهل له ان يؤدي اعمالاً تفوق قوته الشخصية بألوف المرات.

وكما ان الإيمان يمنح الجزء الاختياري وثيقة، فانه يسلب زمامه من قبضة الجسم الذي لا يستطيع النفوذ في الماضي ولا في المستقبل، ويسلمه إلى القلب والروح، ولعدم انحصار دائرة حياة الروح والقلب في الزمن الحاضر كما هو في الجسد، ولدخول سنوات عدة من الماضي وسنوات مثلها من المستقبل في دائرة تلك الحياة، فان ذلك الجزء الاختياري ينطلق من الجزئية مكتسباً الكلية. فكما انه يدخل بقوة الإيمان في اعمق أودية الماضي مبدداً ظلمات الأحزان، كذلك يصعد

 

 

سيرة ذاتية - ص: 197

محلقاً بنور الإيمان إلى ابعد شواهق المستقبل مزيلاً أهواله ومخاوفه.1

الخلاصة:

وهكذا لما أراد مصطفى كمال استمالته ليستفيد من نفوذه في شرقي البلاد، وعرض عليه ان يكون نائباً من البرلمان، مع الإحتفاظ بعضوية دار الحكمة الإسلامية، ويتولى منصب الواعظ العام في شرقي البلاد بدلاً من الشيخ السنوسي مع تخصيص مسكن فاخر - فيلا - له وامثالها من العروضات... فإن بديع الزمان شاهد أوصاف ما ورد في حديث شريف حول أشخاص آخر الزمان (الدجال والسفياني) - والذي أوّله قبل عهد الحرية في استانبول - وتيقن أنه لا يمكن مجابهة أولئك الأشخاص إلاّ بأنوار إعجاز القرآن وليس بمسالك السياسة... لذا ردّ جميع عروضات مصطفى كمال وغادر آنقرة بعد أن بيّن وجهة نظره في الحكومة الجديدة للنواب الذين حضروا لتوديعه وألحّوا عليه بالبقاء في آنقرة متعاوناً مع الحكومة الجديدة.2

 

 

_____________________

1 اللمعات/ 351

2 T.Hayat, ilk hayat‎ وقد غادر انقرة في 25/ 4/ 1923 وكان من بين المودعين كاظم قره بكر ورؤوف اورباي وامثالهم من القواد المعروفين وألحّوا عليه بالبقاء في انقرة وعدم تركها إلا انه لم يوافق على ذلك وردهم رداً جميلاً ب1/ 505 من دفتر ملاحظات زبير كوندوز آلب/ 91

 

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 197

محلقاً بنور الإيمان إلى ابعد شواهق المستقبل مزيلاً أهواله ومخاوفه.1

الخلاصة:

وهكذا لما أراد مصطفى كمال استمالته ليستفيد من نفوذه في شرقي البلاد، وعرض عليه ان يكون نائباً من البرلمان، مع الإحتفاظ بعضوية دار الحكمة الإسلامية، ويتولى منصب الواعظ العام في شرقي البلاد بدلاً من الشيخ السنوسي مع تخصيص مسكن فاخر - فيلا - له وامثالها من العروضات... فإن بديع الزمان شاهد أوصاف ما ورد في حديث شريف حول أشخاص آخر الزمان (الدجال والسفياني) - والذي أوّله قبل عهد الحرية في استانبول - وتيقن أنه لا يمكن مجابهة أولئك الأشخاص إلاّ بأنوار إعجاز القرآن وليس بمسالك السياسة... لذا ردّ جميع عروضات مصطفى كمال وغادر آنقرة بعد أن بيّن وجهة نظره في الحكومة الجديدة للنواب الذين حضروا لتوديعه وألحّوا عليه بالبقاء في آنقرة متعاوناً مع الحكومة الجديدة.2

_____________________

1 اللمعات/ 351

2 T.Hayat, ilk hayat‎ وقد غادر انقرة في 25/ 4/ 1923 وكان من بين المودعين كاظم قره بكر ورؤوف اورباي وامثالهم من القواد المعروفين وألحّوا عليه بالبقاء في انقرة وعدم تركها إلا انه لم يوافق على ذلك وردهم رداً جميلاً ب1/ 505 من دفتر ملاحظات زبير كوندوز آلب/ 91