سيرة ذاتية - ص: 435
الفصل العاشر
السنوات الأخيرة في إسپارطة
ما بعد سجن آفيون إلى سنة 1950:
بعد ان قضى الأستاذ النورسي وطلابه مدة محكوميتهم في سجن آفيون اُفرج عنهم في 20/9/1949 ولكن لم يسمح للاستاذ مغادرة آفيون إلاّ في 2/12/1949 فتوجه إلى اميرداغ برفقة شرطي. للإقامة الاجبارية هناك، فأمضي فيها سنتين.
وفي هذه الفترة ارسل رسائل تهنئة إلى طلابه، وارسل مجموعة كاملة من رسائل النور المصحّحة إلى رئيس الشؤون الدينية بوساطة طالبه مصطفى صونغور.1
رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون الدينية:
باسمه سبحانه
]
وإن من شىء الاّ يسبح بحمده[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حضرة السيد احمد حمدي المحترم!
سأبين لكم حادثة روحية جرت لي:
قبل مدة مديدة كانت فكرة اتباع الرخصة الشرعية - بناء على الضرورة - وترك العزيمة لا ينسجم مع فكري، مثلما سلكتموه انتم وعلماء معكم. فكنت اغضب واحتدّ عليكم وعليهم. واقول: لِمَ يتركون العزيمة متبعين الرخصة؟. لذا ما كنت ابعث اليكم رسائل النور مباشرة.
ولكن قبل حوالي اربع سنوات ورد إلى قلبي، أسف شديد مشحون بالانتقاد. وفجأة خطر على القلب ما يأتي:
_____________________
1
T.H Isparta hayati
سيرة ذاتية - ص: 436
ان هؤلاء الافاضل اصدقاؤك وزملاؤك في المدرسة الشرعية، وفي مقدمتهم السيد احمد حمدي، قد هوّنوا الخطر الداهم - على الإسلام - إلى الربع. وذلك بصرفهم قسماً من الوظيفة العلمية - حسب المستطاع - من امام التخريبات الرهيبة العنيفة، حفاظاً على المقدسات، متبعين الدستور الشرعي اهون الشرين وسيكون عملهم هذا - ان شاء الله - كفارة لبعض نقائصهم وتقصيراتهم التي اضطروا اليها.
فبدأت من ذلك الوقت انظر اليكم وإلى امثالكم نظرة اخوة حقيقية - كالسابق - فأنتم اخوتي في المدرسة الشرعية وزملائي في الدراسة.
وحيث انني كنت اترقب وفاتي من وراء تسميمي هذا،1 عزمت على تقديم مجموعة كاملة اليكم قبل ثلاث سنوات آملاً ان تكونوا الصاحب الحقيقي لـرسائل النور وحاميها بدلاً عني. غير ان المجموعة ليست مصححة ولا كاملة، الاّ انني قمت بشئ من التصحيح لمجموعة كاملة اكثر اجزائها استنسخها- قبل خمس عشرة سنة - ثلاثة طلاب لـرسائل النور لهم شأنهم..
فما كنت اعطي هذه المجموعة النفيسة إلى غيرك، حيث ان كتابتها من قبل هؤلاء الثلاثة الاعزاء جعلتْ قيمتها تعادل عشر مجموعات كاملة. ومقابل هذا فان ثمنها المعنوي ثلاثة امور:
الأول: استنساخ ثلاثين نسخة تقريباً من كل منها بالرونيو بالحروف القديمة ان امكن، والاّ فبالحروف الجديدة، وتوزيعها على شُعب رئاسة الشؤون الدينية في البلاد. بشرط ان يكون أحد اخواننا الخواص مُعيناً على اجراء التصحيح وقائماً بأمره. لان نشر امثال هذه المؤلفات من مهمة رئاسة الشؤونة الدينية.
الثاني: لما كانت رسائل النور بضاعة المدرسة الشرعية وملكها، وانتم أساس المدرسة الشرعية ورؤساؤها وطلابها، فالرسائل اذاً ملككم الحقيقي. فانشروا ما ترتأون منها واجّلوا الأخرى!
الثالث: ليُطبع المصحف الشريف الذي يبين التوافقات في لفظ الجلالة، بالصورة الفوطوغرافية لتشاهد لمعة الاعجاز في التوافقات. ويرجى عدم طبع التعاريف التركية حول التوافقات الموجودة في البداية مع المصحف الشريف، بل الافضل طبعها في كراس مستقل باللغة التركية او تترجم ترجمة امينة إلى العربية.2
_____________________
1
وهذه المرة هي الخامسة عشرة من التسميم، وبعد ان شافاه الله منه قام بترجمة الخطبة الشامية من العربية الى اللغة التركية مع اضافات عليها. (ب3/1412).2
الملاحق - اميرداغ 2/328ـ329
سيرة ذاتية - ص: 437
رسالة صونغور من آنقرة إلى الأستاذ:
باسمه سبحانه
]
وإن من شىء الاّ يسبح بحمده[حضرة الفاضل استاذي العزيز المشفق المبارك المحبوب!
لقد سلّمت رسالتكم الغراء إلى حضرة السيد احمد حمدي رئيس ديوان الشؤون الدينية، مع مجموعة من الرسائل. فوضعها بفرح بالغ في مكتبته الخاصة وقال: سأعطي - ان شاء الله - هذه المجموعة إلى اخوتي الخاصين لقراءتها، وسنحاول - على هذه الصورة - طبعها تدريجياً وقد قال ايضاً - يا سيدي ويا استاذي المحبوب: انه سيعمل حسب ما ورد في رسالتكم الكريمة، الاّ انه لا يمكن نشر هذه المجموعات دفعة واحدة في الوقت الحاضر، الاّ انني سأُقرؤها اخوتي الخواص وننشرها حسب اهتمام الناس بها والطلب عليها، وباذن الله سأسعى لنشرها على أفضل ما يكون.
صونغور1
سنة 1950
2برقية إلى رئيس الجمهورية
جلال بايار
رئيس الجمهورية
نهنئكم وندعو الله تعالى ان يوفقكم لخدمة الإسلام والوطن والامة.
عن طلاب النور
سعيدالنورسي.3
_____________________
1
الملاحق- اميرداغ2/3272
اراد حزب الشعب الجمهوري الحاكم - باقتراب الانتخابات العامة - استمالة الشعب بجانبه بالسماح لفتح مدارس تحفيظ القرآن واداء تكبيرات العيد باللغة العربية وفتح كلية الالهيات في انقرة. الاّ ان الشعب لم ينخدع بهم لكثرة مظالمهم وتعديهم الفظيع على الدين فأدلى بصوته في الانتخابات للحزب الديمقراطي المعارض. فتولى الديمقراطيون الحكم في 16/5/1950 باغلبية ساحقة في الانتخابات 396 نائباً مقابل 68 نائباً من حزب الشعب الجمهوري، وقامت الحكومة الجديدة باجراءات لصالح الإسلام نذكر منها:1- رفع الحظر عن اداء الاذان باللغة العربية. واصبح الاذان يرفع اعتباراً من 16/6/950 بالوجه الشرعي
2- اصدار قانون العفو العام في 14/7/950
3- رفع الحظر عن اذاعة القرآن الكريم والبرامج الدينية في الراديو في 5/8/950
4- وضع دروس الدين رسمياً في المدارس الابتدائية في 21/10/950
5- غلق معاهد القرى التي كانت تدّرس الإلحاد في 10/8/52
6- وضع دروس الدين رسماً في المدارس المتوسطة في 13/9/56 (ب3/1403)
3
الملاحق - اميرداغ2/333 وقد أملى الأستاذ بديع الزمان هذه البرقية على طالبه زبير كوندوزآلب ثم إلتفت إليه قائلاً:أتدري لِمَ اُرسل برقية التهنئة هذه؟ وسكت الطالب، فوضّح الأستاذ:
سيقول الجمهوريون للديمقراطيين: صحيح ان سعيداً ليس معنا فهو ليس معكم كذلك، بل له هدف آخر يستهدفه، ويخدعونهم بهذا الكلام ويدفعونهم الى استعمال قوة الدولة التي في ايديهم ضد المتدينين وضد طلاب النور. ولكن ما ان يتسلم الديمقراطيون برقية التهنئة حتى يقولوا لهم: ان سعيداً صديق لنا. وعندها لاتستغل قوة الدولة على غير وجهها الصائب” ش/382.
سيرة ذاتية - ص: 438
واجاب رئيس الجمهورية بالبرقية الآتية:
بديع الزمان سعيد النورسي - اميرداغ
اسعدتنا تهانيكم القلبية كثيراً اشكركم شكراً جزيلاً
جلال بايار1
بشارة اعادة الاذان الشرعي:
.. مع غلبة رسائل النور وظهورها ظهوراً معنوياً كاملاً يحاول ملحدو الماسونيين وزنادقة الشيوعيين ان يستهولوا صغائر الأمور، فيحولوا دون حرية نشر رسائل النور. حتى انهم سببوا تأجيل محكمتنا - لهذه المرة ايضاً - لخمسة وثلاثين يوماً. واحدثوا ضجة ومشادة مع محامينا، ليمنعوا اعادة مصحفنا الشريف. الاّ ان العناية الإلهية جعلت جميع خططهم عقيمة بائرة حيث ان رسائل النور في استانبول وآنقرة تستقرئ نفسها للشباب بشوق كامل وترشدهم إلى الصواب. حتى ادّت الغلبة المعنوية هذه إلى ارسال البرقيات من قبل مئات الشباب المثقفين تعبيراً عن تهانيهم وشكرانهم إلى رئيس الوزراء الذي سعى لإعادة الاذان المحمدي على الوجه الشرعي.2
سنة 1951
برقية من الفاتيكان
الفاتيكان 22 شباط 1951
مقام الپاپوية الرفيع
السكرتير الخاص
رئاسة القلم الخاص رقم 232247
سيدي! تلقينا كتابكم المخطوط الجميل ذوالفقار بوساطة وكالة مقام الپاپوية
____________________
1
ش/3822
الملاحق - أميرداغ/334
سيرة ذاتية - ص: 439
باستانبول، وتم تقديمه إلى حضرة البابا الذي رجانا أن نبلغكم بالغ سروره من هذه الالتفاتة الكريمة منكم، ودعواته من الله عز وجل ان يشملكم بلطفه وفضله. ونحن ننتهز هذه الفرصة لنبلغكم احتراماتنا.
التوقيع
رئاسة سكرتارية الفاتيكان.1
إلى السيد رئيس الجمهورية واعضاء مجلس الوزراء - آنقرة:
نحن طلاب النور اصبحنا هدفاً لما لا مثيل له من ضروب التعذيب والاهانة طوال عشرين سنة، فصبرنا تجاه ذلك حتى اتى المولى الكريم بكم لمعاونتنا.
ونقدم محكمة التمييز ومحكمة دنيزلي شاهدين على عدم وجود أي سبب كان لتلك الاهانات منذ خمس وعشرين سنة حيث لم تتمكن ثلاث محاكم من وجدان السبب، لا حقيقة ولا قانوناً بعد تدقيقاتهم في مائة وثلاثين كتاباً والوف المكاتيب.
وعلى الرغم من انني تركت السياسة منذ ثلاثين سنة، فانني اقدم تهانيّ إلى رئيس الجمهورية وإلى مجلس الوزراء الذين تولوا رئاسة الاحرار، واقرن التهنئة بالافصاح عن حقيقة وهي الآتية:
ان الذين يغيرون علينا ويعذبوننا في المحاكم قالوا: ربما يستغل طلاب النور الدين في سبيل اغراض سياسية! ونحن قلنا ونقول لأولئك الظالمين في دفاعاتنا ونسند قولنا باُلوف الحجج:
اننا لا نجعل الدين أداة للسياسة، فليس لنا غاية الاّ رضاه تعالى، ولن نجعل الدين أداة لا للسياسة ولا للسلطة ولا للدنيا برمتها. هذا هو مسلكنا.
وقد تحقق لدى اعدائنا، انهم على الرغم من تدقيقاتهم المغرضة طوال ثلاث سنوات في ثلاثة اكياس مليئة بالكتب والمكاتيب لا يستطيعون ادانتنا، بل لا يجدون مبرراً للاحكام الاعتباطية التي حكمونا بها. وحيث انهم لم يجدوا أي شئ علينا فسخت محكمة التمييز ذلك الحكم. فنحن لا نجعل الدين أداة للسياسة بل نتخذ السياسة آلة للدين وفي مصالحة ووئام معه عندما نجد انفسنا مضطرين اضطراراً قاطعاً إلى ان ننظر إلى السياسة تجاه الذين يجعلون السياسة المستبدة أداة للالحاد، إضراراً للبلاد والعباد، فعملنا يحقق رابطة اخوية لثلاثمائة وخمسين مليونا مع اخوانهم في هذه البلاد.
_____________________
1
الملاحق- اميرداغ 2/346
سيرة ذاتية - ص: 440
حاصل الكلام
:اننا سعينا لأجل اسعاد هذه الأمة والبلاد بجعل السياسة أداة للدين وفي وئام معه تجاه أولئك الذين جعلوا السياسة المستبدة آلة للالحاد وعذّبونا..1
نصيحة للاخوة الديمقراطيين...
إن أمضى اسلحة عبيد العهد الماضي من الماسونيين الذين هدروا الدين والإيمان والارواح في البلاد أثناء حكم الدكتاتورية والرئاسة الفردية وهم في انفاسهم الاخيرة، الموجهة ضد الديمقراطيين، هي السعي في اظهارهم وكأنهم اقل ديناً مما كانوا عليه. ويتلبس نفر منهم بازياء التدين فيشيعون بان الديمقراطيين لن يفوا بوعودهم للشعب في اطلاق الحريات الدينية. ويتهم نفر آخر منهم الديمقراطيين بحماية الرجعية الدينية لصدهم عن معاضدة حرية الدين وتوجههم إلى تخريب الدين والمؤسسات الدينية وفرض الشدة على أهل الدين.
ان تصرف الحزب الديمقراطي بحزم ضد الشيوعيين منذ استلامه للسلطة، واطلاق حرية الأذان المحمدي بصورته الشرعية وكسبه محبة الشعب لهذا السبب وحصوله على قوة تعدل قوته عشرين ضعفاً، اقلق حزب الشعب الجمهوري غاية القلق.
نحن نثق بان الديمقراطيين لن يقعوا في الفخ لانهم يدركون ان هذا الوضع الذي وقع فيه أولئك كان بسبب سياسة العهد الماضي الظالمة ضد أهل الدين وضد جماعة النور، أهل القرآن.
ان الشعار المعلن للنظام السابق معلوم للجميع. وينبغي للديمقراطيين، ما داموا يريدون البقاء، ان يتخذوا سياسة مناقضة لذلك الشعار مناقضة تامة: وهي التشدد ضد الشيوعية من جهة، وحماية الدين واهل الدين من جهة أخرى. انهم ملزمون بسلوك هذا السبيل في وضوح وجرأة. وان أي بادرة ضعف كان او بادرة فتور بهذا الشأن، يوقعهم في شراك حزب الشعب الجمهوري.
نحن، طلاب النور لا نشتغل في السياسة قطعاً. واملنا الوحيد ضمان حرية الدين في الوطن، ورفع الظلم والتضييق الواقع منذ ربع قرن على الدين واهله وجماعة النور، أهل القرآن. وننصح الاخوة الديمقرطيين ألاّ ينخدعوا بحيل النظام السابق الشيطانية ومصائدهم، وألاّ يخوضوا في الضلالة التي خاضوها، وألاّ يستخفوا بروح
_____________________
1
الملاحق - أميرداغ/333-334
سيرة ذاتية - ص: 441
الشعب وارادته مثلما استخفوا. وليمضوا بعزم في الطريق السليم الذي سلكوه ازاء الشيوعية والدين.
عن طلاب النور
صادق و صونغور و ضياء1
أول زيارة حرة إلى أسكي شهر
:بعد أن قضى الأستاذ في اميرداغ سنتين سافر إلى أسكي شهر في 29/11/951 واستقر في فندق يلدز ما يقارب الشهر ونصف الشهر وبعث إلى طلابه الرسالة الآتية:
الحقيقة هي التي تتكلم
لقد أثبتت رسائل النور انه قد تنبثق عدالة من بين طيات الظلم. أي قد يتعرض أحدهم إلى الظلم وإلى الحيف فتصيبه نكبة، وقد يحكم عليه بالحبس ويرمى به في غياهب السجون.. لاشك ان مثل هذا الحكم ظلم واضح، ولكنه قد يكون سبباً لتجلي العدالة وظهورها، ذلك لأن القدر الالهي قد يستخدم الظالم لتوجيه العقوبة إلى شخص استحقها بسبب آخر، وهذا نوع من أنواع تجلي العدالة الإلهية.
وانا الآن أفكر.. لِمَ اُساق من محكمة إلى محكمة، ومن ولاية إلى ولاية، ومن مدينة إلى أخرى طوال ثمانية وعشرين عاماً؟ وما التهمة الموجهة اليّ من قبل من ارتضوا لأنفسهم معاملتي بكل هذا التعذيب الظالم؟ أليست هي تهمة استغلال الدين في سبيل السياسة؟ ولكن لِمَ لا يستطيعون اثبات ذلك؟.. ذلك لأنه لا يوجد أي شئ من هذا القبيل في الحقيقة وفي الواقع. فهذه محكمة تقضي الشهور والسنوات في محاولة الحصول على أي دليل يدينني فلا تستطيع، واذا بمحكمة أخرى تسوقني للتحقيق وللمحاكمة تحت التهمة نفسها وتقضي بدورها مدة في هذه المحاولة وفي الضغط عليّ وتعرضني لأنواع شتى من التعذيب، وعندما لا تحصل على أية نتيجة تتركني، واذا بمحكمة ثالثة تمسك بخناقي هذه المرة.. وهكذا انتقل من مصيبة إلى مصيبة، ومن نكبة إلى أخرى. لقد انقضى ثمان وعشرون سنة من عمري على هذا المنوال، واخيراً ايقنوا من عدم وجود أي نصيب من الصحة للتهم المسندة اليَّ؛ واني أتساءَل:
_____________________
1
T.H.Emirdag Hayati
سيرة ذاتية - ص: 442
سواء أكان ذلك قصداً أو وهماً فانني أعلم علم اليقين عدم وجود أية علاقة لي بهذه التهمة، كما ان جميع أهل الانصاف يعرفون بانني لست بالرجل الذي يستغل الدين لغاية سياسية، بل ان الذين وجّهوا اليّ هذه التهمة يعرفون ذلك في قرارة نفوسهم.
اذن فما السبب في اصرارهم على اقتراف هذا الظلم في حقي؟ ولماذا بقيت معرضاً على الدوام لهذا الظلم والتعذيب مع كوني بريئاً ودون أي ذنب؟ ولماذا لم استطع التخلص من هذه المصائب؟ ألم تكن هذه الأحوال مخالفة للعدالة الإلهية؟
لقد بحثت عن أجوبة لهذه الاسئلة خلال ربع قرن من الزمن فلم اُوفق في ذلك. ولكني الآن عرفت السبب الحقيقي في قيامهم بظلمي وتعذيـبي. وانا أقول وكلي أسف:
ان ذنبي هو اتخاذي خدماتي القرآنية وسيلة للترقي المعنوي والكمالات الروحية. والآن بدأتُ افهم هذا وأحسه تماماً، وانا اشكر الله تعالى آلاف المرات لانه طوال سنوات طويلة وضعت موانع معنوية وقوية جداً خارج ارادتي لكي لا اتخذ خدماتي الإيمانية وسيلة للترقيات المادية والمعنوية أو من أجل الخلاص من العذاب ومن جهنم أو حتى من أجل سعادتي الأبدية أو من أجل أية غاية أخرى.
لقد اذهلتني هذه الاحاسيس الداخلية العميقة والخواطر الالهامية، فبينما نرى ان كل فرد له الحق في اكتساب المقامات التي يعشقها، وفي نيل السعادة الأخروية عن طريق الأعمال الصالحة، هذا زيادة على انه لا ينتج أي ضرر لأي أحد، ومع هذا فقد رأيت انني اُمنع - روحياً وقلبياً - من هذه الأحوال ومن سلوك هذا الطريق. وجُعل نصب عيني أن عليّ الا أهتم - بجانب الفوز بالرضى الالهي - الا بواجب خدمة الإيمان. ذلك لأن الزمن الحالي يحتاج إلى اعطاء نوع من الدرس القرآني الذي لا يكون في خدمة أي غرض آخر للذين لم يتوصلوا بفطرة العبودية الموجودة في أنفسهم إلى الحقائق الإيمانية التي هي فوق كل شئ، وإلى الذين هم بحاجة إلى فهم هذه الحقائق وذلك باسلوب مؤثر، بحيث يستطيع إنقاذ الإيمان في مثل دنيا الاضطراب هذه التي اختلطت فيها الأمور، ويستطيع اقناع حتى المعاندين وبعث الطمأنينة في نفوسهم، وبذلك يستطيع قصم ظهر الكفر المطلق والضلال المتمرد والمعاند وبذلك يهب القناعة الكاملة للجميع.
ولا تحصل مثل هذه القناعة في الظروف الحالية الاّ عندما يكون الدين بعيداً عن كونه وسيلة لأية غاية شخصية أو دنيوية أو أخروية، مادية كانت أو معنوية. واذا
سيرة ذاتية - ص: 443
لم يتحقق هذا فان أي شخص يقف تجاه التيار الرهيب - المتولد من المنظمات والجمعيات السرية - ضد الدين عاجزاً مهما بلغ من المراتب المعنوية، لانه لا يستطيع ازالة كل الشكوك والشبهات. ذلك لان نفس الشخص المعاند الأمارة بالسوء الذي يرغب في الدخول إلى حلقة الإيمان ستقول له: ان ذلك الشخص زين لنا هذا بدهائه وبمستواه الرفيع واستطاع بهذا اقناعنا.. يقول هذا ويبقى الشك يساوره.
فلله الشكر الوف الوف المرات ففي طيّ تهمة القيام باستغلال الدين في السياسة قام القدر الالهي - الذي هو العدل المحض - طوال ثمان وعشرين سنة بمنعي من جعل الدين - دون علمي ودون ارادة مني - آلة لأي غرض شخصي، وذلك باستخدام الأيدي الظالمة للبشر في توجيه الصفعات لي وفي تذكيري وتنبيهي.. هذه الصفعات التي كانت عدلاً محضاً وتحذرني قائلة: إياك إياك! ان تجعل الحقائق الإيمانية آلة لشخصك، وذلك لكي يعلم المحتاجون إلى الحقائق ان الحقائق وحدها هي التي تتكلم، ولكي لا تبقى هناك أوهام النفس ودسائس الشيطان، بل لتخرس وتصمت.
هذا هو سر تأثير رسائل النور في اشعال الحماس في القلوب وفي الأرواح كالأمواج في البحار الواسعة. وهذا هو سر تأثيرها في القلوب وفي الأرواح وليس شيئاً غيره. ومع ان هناك آلافاً من العلماء سجلوا الحقائق التي تتحدث عنها رسائل النور في مئات الآلاف من الكتب، والتي هي أكثر بلاغة من رسائل النور، لم تستطع ايقاف الكفر البواح. فاذ كانت رسائل النور قد وفّقت إلى حدّ ما في مقارعة الكفر البواح تحت هذه الظروف القاسية، فقد كان هذا هو سر هذا النجاح.. ففي هذا الموضوع لا وجود لـ سعيد، ولا وجود لقابلية سعيد وقدرته، فالحقيقة هي التي تتحدث عن نفسها..نعم.. الحقيقة الإيمانية هي التي تتحدث.
وما دامت رسائل النور تؤثر في القلوب العطشى إلى الإيمان وإلى نور الحقائق، إذن لا يُفدّى بـسعيد واحد بل بألف سعيد وسعيد. وليكن كل ما قاسيته في غضون ثمانٍ وعشرين سنة من الأذى والمصائب حلالاً زلالاً. أما الذين ظلموني وجرجروني من مدينة إلى أخرى، والذين أرادوا ان يوصموني بمختلف التهم والاهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد غفرتُ لهم ذلك وتنازلت عن حقوقي تجاههم.
سيرة ذاتية - ص: 444
وأقول للقدر العادل:
انني كنت مستحقاً لصفعاتك العادلة لانني سلكت مثل الآخرين طريقاً - هي بذاتها مشروعة ولا ضرر منها - فكرت فيها بشخصي، ولو لم أضح بمشاعري في الفيوضات المادية والمعنوية، لفقدت هذه القوة المعنوية الكبيرة في أثناء تأدية خدماتي من أجل الحفاظ على الإيمان. لقد ضحيت بكل شئ وتحملت كل اذى، وبذلك انتشرت الحقائق الإيمانية في كل مكان، ونشأ مئات الآلاف - بل ربما الملايين - من طلاب مدرسة النور ونهلوا من معارفها. وهؤلاء هم الذين سيستمرون في هذه الطريق في خدمة الإيمان، ولن يحيدوا عن طريقتي في التضحية بكل شئ مادياً كان أو معنوياً، إذ سيكون سعيهم لله سبحانه وتعالى وحده دون غيره.
ان الكثيرين من طلابي قد ابتلوا بشتى انواع البلايا والمصائب، وتعرّضوا لصنوف العذاب والمتاعب، واجتازوا امتحانات عسيرة بفضل الله. انني اطلب منهم ان يتجاوزوا - مثلي - عمن اقترف تلك المظالم وهضم الحقوق، لان أولئك قد ارتكبوا تلك الأمور عن جهل منهم و الذين آذونا وعذبونا، ساعدوا على نشر الحقائق الإيمانية دون ان يدركوا تجليات أسرار القدر الالهي.. ووظيفتنا تجاه هؤلاء هي التمني لهم بالهداية.
اوصي طلابي الاّ يحمل أحد منهم شيئاً من روح الانتقام في قلبه ولو بمقدار ذرة، وان يسعوا سعياً جاداً لنشر رسائل النور وليرتبطوا بها ارتباطا وثيقاً. انني مريض جداً.. لا طاقة لي لا في الكتابة ولا في الحديث.. وقد يكون هذا آخر أقوالي.. فعلى طلاب رسائل النور لمدرسة الزهراء الاّ ينسوا وصيتي هذه.1
سنة 19522
قضية مرشد الشباب3
بعد المكوث في مدينة أسكي شهر توجّه الأستاذ بديع الزمان إلى مدينة
_____________________
1
الملاحق-اميرداغ 2/3682
من هنا الى نهاية الفصل نقول مترجمة من T. Hayat فsparta hayati3
رغم التبدل الذي حدث في السلطة، فالعقلية الحاكمة على اغلب المسؤولين هي نفسها عقلية الحزب الشعب الجمهوري ولهذا فتح المدعى العام في كل من اميرداغ، استانبول، صامسون، دعاوى على الأستاذ النورسي، وفُتش بيته عدة مرات واُستدعى هو وضيوفه وزواره الى المخفر واشيعت عنه إشاعات مغرضة كثيرة؛ كل ذلك لإلقاء الظل على العهد الديمقراطي انه ليس بجانب المتدينين. وبالمقابل كتب الأستاذ وطلابه عرائض احتجاج الى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لبيان الموقف وجرت مقابلات مع عدد من النواب ورئيس رئاسة الشؤون الدينية بهذا الشأن.
سيرة ذاتية - ص: 445
إسپارطة في اواخر سنة 1951 حيث بقي فيها سبعين يوماً، إلتقى طلابه مستعيداً ذكرى سنوات نفيه التي قضاها فيها.
في تلك الأيام قام بعض طلاب النور الجامعيين في استانبول بطبع رسالة مرشد الشباب بالحروف الجديدة1 مما تسبّب في اقامة دعوى ضده بحجة مخالفته للمادة (163) في الدستور التركي؛ وهي المادة التي تحظر أي نشاط يستهدف اقامة الدولة على أسس دينية.
وقد اُستدعي الأستاذ بديع الزمان إلى استانبول للمثول أمام محكمة الجزاء الكبرى وحدد يوم 22/1/ 1952م للنظر في هذه الدعوى، فتوجّه بديع الزمان إلى استانبول في 15/ 1. كانت هذه أول زيارة لمدينة استانبول بعد غيـبة دامت سبعة وعشرين عاماً. ولهذا تقاطر عليه الزوار في فندق آق شهر ثم في فندق رشادية.
انعقدت المحكمة في يوم 22/1. وجاء الأستاذ يحف به المئات من طلبة النور
كانت قاعة المحكمة قد امتلأت بجموع من الشعب الذين حضروا لمتابعة هذه القضية ولرؤية هذا العالم الجليل الذي شغل تركيا كل هذه السنين. كما امتلأت ممرات المحكمة، وامتد الإزدحام إلى الشارع.
جلس الأستاذ في المكان المخصص للمتهمين. وبدأ الادعاء العام بقراءة تقرير الخبراء المكلفين بتدقيق رسالة مرشد الشباب ثم تمّ استجواب الأستاذ. كان تقرير الخبراء يقول باختصار ما يأتي:
أن المؤلف يحاول في رسالته هذه نشر الفكرة الدينية، وانه يحاول رسم طريق معين للشباب بوساطة هذه الأفكار، وانه يدعو النساء إلى الاحتشام وعدم السير والتجول بملابس تكشف عن اجسامهن لان ذلك يصادم الفطرة، ويخالف الإسلام والآداب القرآنية.
كما ان المؤلف يدعو إلى تدريس الدين وهو بذلك يؤيد اقامة نظام الدولة على اسس دينية.. الخ.
وبعد الانتهاء من قراءة صيغة الإتهام قام الأستاذ بديع الزمان للردّ على ما ورد اعلاه.
_____________________
1
تضم هذه الرسالة مستلات من كليات رسائل النور، تهم حياة الشباب الدنيوية والاخروية. ولأول مرة يُنشر كتاب اسلامي بهذا النطاق الواسع أي بعد سبع وعشرين سنة
سيرة ذاتية - ص: 446
دفاع الأستاذ النورسي
ارجو التفضل بالاستماع لعرضي عرضاً موجزاً لحياتي التي مضت في مظالم وأحداث جسام:
(وقد سمحت المحكمة للاستاذ بالدفاع بطلاقة، فدافع عن نفسه دفاعاً شاملاً وواسعاً)
ايها الحكام المحترمون! تعرّضت منذ ثمان وعشرين سنة إلى اهانات وتعذيب ومراقبة وسجن بغير عد ولا حساب. وجميع الافتراءات والتهم تستند في الأساس إلى بضع نقاط :
1- اول التهم هو أني عدو السلطة القائمة. ومن المعلوم ان لكل حكومة معارضون. ومالم يمس الإنسان الأمن والنظام، لا يكون مسؤولاً عما يتبناه من فكر او منهج يرضاه في قلبه ووجدانه. وهذا مبدأ متعارف عليه في الحقوق.
فالمحاكم البريطانية لم تحاكم حتى الآن اكثر من مائة مليون مسلم يعيشون تحت ظل الحكومة الانكليزية المتجبرة والمتزمتة في دينها منذ مائة سنة رغماً عن عدم قبولهم ورفضهم سلطة الكفر للانكليز .
وعندنا، لم تتعرض الحكومات الإسلامية كلها في أي وقت كان بقوانينها لليهود والنصارى الذين عاشوا في دول الإسلام منذ القدم رغماً عن مخالفتهم ومعارضتهم ومضادتهم لدين الدولة والنظام السامي الذي يستظلون به.
وقد تحاكم عمر رضي الله عنه في زمن خلافته مع نصراني من عامة الناس في محكمة واحدة. فان عدم مؤاخذة مخالفة هذا النصراني لنظام حكومة الإسلام ودينها وقوانينها، تظهر بجلاء ان مؤسسة العدل لا تنجرف مع تيار ولا تنحاز إلى تعصب. هذه عمدة أساس في حرية الدين والضمير، فهي نافذة في مؤسسات العدل كافة في الشرق والغرب والعالم كله، عدا الشيوعية منها.
وانا حين اعترض - ثقة بهذه العمدة الأساس لحرية الدين والضمير واستناداً إلى مئات الآيات القرآنية - على الجزء الفاسد من المدنية وعلى الإستبداد المطلق المستتر بستار الحرية وعلى الظلم الشديد الواقع على الدين واهله تحت قناع العلمانية، هل أكون خارجاً عن نطاق القوانين؟ أم مدافعاً عن الدستور بحق وصدق؟ ان الإعتراض على هضم الحقوق والظلم والاستخفاف بالقوانين لا يعدّ جريمة في أي حكومة من الحكومات، بل المعارضة هذه مشروعة وعنصر صادق في موازنة العدل.
سيرة ذاتية - ص: 447
2- ثاني التهم الموجهة الي من السلطة السابقة التي هان ظلمي وعذابي عليها، هو الإخلال بالأمن والنظام. لقد عوقبت ثمان وعشرين سنة بهذا الوهم المختلق وبهذه التهمة الملفقة. وساقوني من محكمة إلى محكمة ومن تغريب إلى تغريب، ومن سجن إلى سجن. منعوني حتى من لقاء الناس فعزلوني عن العالم ، وسمّموني واهانوني بانواع الاهانات.
نحن - طلبة النور البالغ عددنا خمسائة ألفاً - حفّاظ معنويون فخريون للأمن والنظام في الوطن، فإتهامنا بهذه الفرية من اكبر الخطايا والآثام. لقد لقينا اهانات ظالمة، لكن لم ننسق مع عواطفنا، ولم نفتر لحظة عن العمل في بناء الأمن والنظام في القلوب وخدمة الإيمان والقرآن وإنقاذ الساقطين في الفوضى نتيجة الغفلة في المستنقع الموحل.
ايها الحكام المحترمون! اقول جازماً ان هذا ليس ادعاء بغير دليل. ان ست محافظات هي ساحة ظلمنا وتغريبنا وست محاكم فيها،لم تجد حادثة واحدة للإخلال بالأمن والنظام ضدنا بعد بحث دقيق وطويل. وتصرفنا هذا دليل على ان طلبة مدرسة العرفان، مدرسة النور، يعملون في القلوب، حيث يقيمون حارس الأمن والنظام في العقول والقلوب. ان دروسنا الإيمانية ضد الفوضى والاضطرابات والتخريب، وضد الماسونية والشيوعية. إسألوا دوائر الأمن للدولة كلها هل هناك حادثة واحدة تخالف الأمن والنظام صدرت من طالب واحد من طلاب مدرسة العرفان والنور، البالغ عددهم خمسمائة الفاً؟ كلا! ومن البدهي الجواب بالنفي، لأن في قلوبهم جميعاً اقوى حراس الأمن والسكون، وهو حارس الإيمان.
في مقالة لي بعنوان: الحقيقة تتكلم.... المنشورة في مجلة سبيل الرشاد العدد 116 بينت هذه الحقائق مفصلاً. فالذي ضحى في سبيل دينه بدنياه جميعاً، وبحياته متى استوجب، وحتى بآخرته، وسيرته تشهد على ذلك، واعتزل السياسة منذ خمسة وثلاثين عاماً، ولم تجد المحاكم العديدة دليلاً واحداً خلافه مع دقة التحري، وتجاوز سنه الثمانين وبلغ باب القبر، ولم يملك شيئاً قط من متاع الدنيا ولم يول اهتماماً به.. هل يقال له: انه يتخذ الدين وسيلة للسياسة.. ومن قال بهذا فقد جاوز الحق والانصاف من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى الأرض.
نحن تلاميذ مدرسة العرفان، مدرسة النور، تعلمنا درساً عن الحقيقة من القرآن الحكيم هو: ان العدل القرآني يمنع حرق دار او سفينة فيها عشرة جناة وبرئ واحد حتى لا يلحق ضرر بحق البرئ. فكيف تحُرق دار او سفينة فيها عشر ابرياء ومجرم
سيرة ذاتية - ص: 448
واحد بسبب هذا المجرم؟ أليس حرقها ظلماً عظيماً وخيانة عظمى؟ العدل الالهي والحقيقة القرآنية تمنع بشدة القاء حياة تسعين بريئاً إلى التهلكة او الإضرار بهم بسبب عشرة بالمائة من الجناة. فاتباعاً لهذا الدرس القرآني، نلتزم ديناً بالمحافظة على الأمن والنظام.
فاعداؤنا المستترون في السلطة السابقة الذين اتهمونا بمثل هذه التهم، قد اتخذوا السياسة وسيلة للالحاد وسعوا لدق إسفين العقائد الفاسدة في ارض الوطن من حيث يدرون اولا يدرون. فظاهر عياناً ان المخلّين بالنظام او السكون ومخربي الأمن والامان مادياً ومعنويًا لسنا نحن، بل هم أولئك.المسلم الحقيقي والمؤمن الصادق لا يكون مؤيداً للفوضى والتخريب. والدين يمنع الفتنة والفوضى بشدة، لان الفوضى لا تعترف بحق من الحقوق، وتقلب سجية الإنسانية وآثار الحضارة إلى سجية الحيوان المتوحش، وفي القرآن الحكيم إشارة لطيفة إلى ان ذلك هو جيش يأجوج ومأجوج في آخر الزمان.
فيا ايها الحكام المحترمون! هكذا أذاقوني وطلابي الأذى والظلم ثمان وعشرين سنة، ولم يدّخر المدّعون العامون في المحاكم وسعاً في اهانتنا وتحقيرنا. وتحمّلنا نحن ذلك وسرنا في طريق خدمة الإيمان والقرآن. وعفونا عن مظالم رجال السلطة السابقة واذاهم،لأنهم نالوا ما يستحقونه، وتمتعنا نحن بحقنا وحريتنا. ونشكر فضل الله علينا بان منّ علينا بالكلام في حضور حكام عادلين ومؤمنين... هذا من فضل ربي.
وبذلك انتهت الجلسة الأولى للمحكمة على ان تعاود انعقادها في 19 شباط.
وعند انعقاد الجلسة الثانية في موعدها المحدد، كان هناك ازدحام اشد إلى درجة تعذر على الشرطة السيطرة على الناس المتدافعين.
وفي هذا الجو من الزحام والتدافع لم يكن من الممكن اجراء المحكمة، لذلك فقد توجّه رئيس المحكمة إلى الموجودين قائلاً لهم:
- اذا كنتم تحبون الشيخ، فافسحوا لنا المجال لكي نستطيع الاستمرار في اجراءات المحاكمة.
وعلى إثر هذا الطلب فقد بدأ الجمهور بالتراجع، وهكذا بدأت المحاكمة إذ استدعت صاحب المطبعة الذي قام بالطبع كما استمعت إلى شهادة الشرطة. ثم قام بديع الزمان وقدم اعتراضه على تقرير الخبراء. وحينما ادركته صلاة العصر طلب السماح له بتأدية الصلاة، واجيب طلبه، إذ اعلن رئيس المحكمة انتهاء الجلسة الثانية.
سيرة ذاتية - ص: 449
وفي الجلسة الثالثة التي انعقدت في 5 مارت سنة 1952 اتخذت الحكومة احتياطات أمن مشددة، فوزّعت مئات من رجال الشرطة امام المحكمة وداخلها حيث استطاعت بذلك تنظيم السيطرة على الآلاف من محبي وطلاب الأستاذ بديع الزمان.
في البداية استمعت المحكمة إلى شهادة الطالب الجامعي الذي قام بطبع هذه الرسالة. ثم ألقى محامو بديع الزمان بدفاعاتهم وردّوا على التهم الموجهة اليه.
مقتطفات من دفاع المحامي مهري حلاو:
ان مؤلف رسائل النور، اكثر المؤلفين والمحررين تواضعاً. وهو أعدى أعداء الشهرة والكبر. مُعرض عن متاع الدنيا، فلا مال ولا شهرة ولا سلطة. هذه كلها لا تبلغ طرف ثوبه، ولن تبلغ... هذا الرجل ان كان يحيا بخمسين غراماً من الخبز وبطبق من الحساء يومياً، فهو يعيش من أجل خدمة القرآن والإيمان. وما عداها لا اهمية عنده لشئ. فهل يوافق الحق والعدل والانصاف والعلم والفكر الإنساني والفكر القانوني والمنطق والعقل ان يُتهم بتهمة المدح والثناء على مؤلفه وإدخال ذلك في نطاق الجرم للمادة 163؟ أدع هذا لتقدير المحكمة السامي. واتطرق إلى موضوع معارضة الحكومة بايجاز:
يقف امامكم منتظراً قراركم العادل بكمال الصفاء والإخلاص، رجل فريد في عصره، لم يتدن في عمره مطلقاً لكلام خلاف الصدق. وقد قال جهراً في اول جلسة للمحكمة انه مرتاح من الحكومة القائمة ويدعو الله لها بالتوفيق، وأن الحكومة التي إنتقدها ولم يرض عنها هي الحكومة السابقة. فلقد سعى مع جميع الشعب لتأسيس الحرية والديمقراطية واستبشر خيراً بحصول النتائج الحاصلة في هذا الشأن لترسيخ النظام واستقراره في القلوب. فمثلما يسعى رجال السياسة لإقرار النظام وضمان حق الأمة وحريتها في الساحة السياسية فإن مؤلف رسائل النور يسعى لإقرارها أيضاً في الساحة المعنوية، فالمقاصد مشتركة.
ان مؤلف رسائل النور التي هي مدرسة العرفان وكذلك تلاميذها، حرّاس فخريون ومعنويون للامن والنظام والسكون، وساعون لدحر الفوضى والتخريب في الساحة المعنوية في القلوب والعقول. هؤلاء يبذلون الجهد لمنافع الوطن والشعب لنيل رضا الله فقط بكمال الإخلاص، لا يأملون عرضاً ولا غرضاً ولا بدلاً. وهذا ليس جرماً ولا جناية، بل خدمة للوطن والشعب، ويلزم ان يكافؤوا عليه لا ان يؤاخذوا. ومن حقنا ان نطلب براءته، والقرار للمحكمة السامية.
سيرة ذاتية - ص: 450
دفاع المحامي سني الدين باشاق:
بعده، دافع الوكيل الآخر المحامي سني الدين باشاق دفاعاً موجزاً عن المؤلف..
المسألة تبينت وبزغت الحقيقة كالشمس، وعلمت المحكمة بكل شئ وليس عندي جديد أضيفه. ولكن أود ان اقول شيئاً عن المنطق الذي جلب رجالاً فضلاء ومحترمين وعاملين للشعب والوطن بالتضحية في سبيل الله وبلا عرض ولا عوض، ووضعهم في قفص الإتهام، لكن هذا المقام ليس مقام ذلك بل يلزم ان يصنف فيه كتاب، لان مقاومة هذا المنطق واجب على الجميع. واني مطمئن إلى الوجدان السامي للمحكمة السامية إلى درجة تجعلني في غنى عن الدفاع. واتشرف بطلب البراءة لموكّلي.
دفاع المحامي عبد الرحمن شرف لاچ:
ثم بدأ بالدفاع المحامي المؤمن القدير والمعروف عبد الرحمن شرف لاچ الذي تولى الدفاع عن الأستاذ فخرياً مثل زملائه الافاضل، قال تقديماً:
ظهر جلياً ان لا مناسبة ولا علاقة بين هذا الإنسان المبارك الذي جاوز عمره الثمانين الماثل في حضوركم متهماً وبين الجريمة. وآمل ان محكمتكم الموقرة قد اقتنعت تماماً بذلك، وانها ستصدر قرار براءته. لكني اعدّ ترك الدفاع عن هذا البرئ- الذي تعهدت بالمدافعة عنه - إخلالاً بتعهدي وان كان احتمال صدور قرار ضدنا اقل من نسبة واحد في الالف.
وينبغي الاخذ بنظر الاعتبار ووجهة نظر محكمة التمييز العليا وقناعتها. ولا اريد ان أجد نقصاً من حيث الاصول بسبب عدم ذكره. لذلك ارجو ان تأذن المحكمة السامية بدفاعي.
- تفضل عبد الرحمن بك، لنسمع دفاعكم الاخير.
- إن مرشد الشباب مجموعة من اوامر القرآن العظيم وتفسيره، وتضم نصائح وأوامر من دين الإسلام. وبناء على المادة 70 من الدستور فان براءة الذات وحرية الوجدان والفكر والكلام والنشر حق طبيعي لكل مواطن تركي. وحسب المادة 75 منه لا يؤاخذ انسان بسبب دينه او مذهبه. لذلك، التعقيب الجزائي ضد موكلي حجبٌ لحرية الدين والنشر التي منحها له الدستور.
اذا فرضنا المحال برفض الحجج القانونية الموضحة فيما سبق، وعُمل بالمادة 163 المخالفة للديمقراطية من قانون الجزاء التركي ضد موكلي، فنوضح تحليل التهمة الموجهة ضده كما يأتي:
سيرة ذاتية - ص: 451
مسلم. مسلم عجوز اشتعل رأسه شيباً. مسلم بيّض رأسه وشعره وعمره طوال حياته بالنور. مسلم طاهر ونظيف، رأسه وشعره وعمره مغسول بنور من الله. مسلم عظيم نذر حياته التي هي نعمة من المولى من أجل صلاح الشعب التركي وسعادته الحقيقية، وعزم على السير في هذا النهج حتى ساعة تسليم روحه إلى الله مالك الملك، واستنفد بدنه الذي هو بناء سبحاني في سبيل الله وحده. يقوم هذا المسلم - في الوقت الذي نقول فيه ان الديمقراطية سارية الآن - فينادى ولا يقول الا الله والرسول ويحذّر الشباب. وما ان ينطق بذلك، حتى يمسك المدعي العام الذي رفع القضية بتلابيبه. ويقول له:
- تعال هنا... إرتكبتَ جرمًا!
وجثمت على الآفاق ظلمات سوداء...
لكن انظرو إلى هذا المسلم الاصيل النجيب. كم هو ساكن ومطمئن؟ لأنه منهمك بالوحدة لا بالكثرة، لا يأبه بظلمة الليل ولا بألوان النهار. ينظر إلى الصفاء من خلال بلاء الزنزانة. ويجد الوفاء في مائدة الجفاء، فهو عارف بحقيقة الاشياء. قلَب الكثافة إلى اللطافة. غاض الدم في عروقه، فامتلأت بفيض الحق والنور وسرى النور فيها بدلاً عن الدم. ويمسك المدعي العام بذراعي هذا المسلم ويجره إلى السجن. لماذا ؟ ما السبب؟ ما فعل هذا الشيخ العجوز؟ ما ذنب هذا المسلم الهرم؟ أتدرون ماذا فعل؟ انظروا إلى ما فعل في نظر المدعي المشتكي:
نشر كتاباً باسم مرشد الشباب!
أ- خالف العلمانية. هل يجوز ان يكون الله والدين و الإيمان مخالفاً للعلمانية ؟ نعم يجوز.!.. وماذا بعد؟
ب- دعا إلى ربط اسس انظمة الدولة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية بمبادئ الدين. كيف فعل ذلك، ولماذا، وما القصد؟
ج- القصد تأمين وتأسيس نفوذ شخصي.
حسنًا.. هل يوجد قصد جلب المنافع السياسية؟.. لا. العارفون بالحال يعلمون ان هذا القصد معدوم. ولم يقدر المدعي العام ان يدّعيه. حسناً، ما دام قصد المنافع السياسية معدوماً، فماذا ينتظر هذا العجوز من هذه الدنيا، بذاته وجسده وبدنه، حتى يطلب تأمين نفوذ شخصي؟
يقول المدعي العام: لا ادري. ولا يهمني ان ادري كذلك، والخبراء يقولون بهذا ايضاً!
سيرة ذاتية - ص: 452
حسناً. كيف فعل هذا المسلم كل ذلك؟
- استخدم الدين والاحاسيس الدينية والمقدسات الدينية آلة ووسيلة!.
ما المقدسات الدينية؟ دين الإسلام، الاحاسيس الإسلامية، غرس الخشية من كلمة الله في القلوب، القرآن، التفسير. اذن، المدعي العام يعرف هذه الأمور ويؤمن انها مقدسات دينية.
فهل العلم بها، والإيمان بها، ثم التحدث عنها، استغلال لها بجعلها آلة ووسيلة لشئ اخر؟ نعم، حسب رأي المدعي العام المشتكي! في هذه الحال، المدعي العام ايضاً يستغل هذه المقدسات الدينية آلة ووسيلة. بل يجعلها آلة ووسيلة في قانون سياسي، وفي الحكم على مسلم. ألا يقع اذن تحت طائلة المادة 163؟
المدعي العام يقول: لا. فانا لا اقوم بالدعاية إلى ذلك. اما هو فقد قام بالدعاية والتلقين .
حسناً فماذا قال؟ قال:
في عصرنا هذا، لدى تصدى ضلالة الزندقة للاسلام وحربها معه فان أرهب فرقة من الفرق المغيرة على الإسلام والتى تسير وفق مخطط النفس الأمارة بالسوء، وسلمت قيادها وامرتها إلى الشيطان، هى طائفة من النساء الكاسيات العاريات اللائى يكشفن عن سيقانهن ويجعلنها سلاحاً قاسياً جارحاً ينـزل بطعناته على أهل الإيمان! فيغلقن بذلك باب النكاح ويفتحن أبواب السفاح، إذ يأسرن بغتة نفوسَ الكثيرين ويجرحنهم جروحاً غائرة في قلوبهم وأرواحهم بارتكابهم الكبائر، بل ربما يصرعن قسماً من تلك القلوب ويقضين عليها.
وانه لعقاب عادل لهن، أن تصبح تلك السيقانُ المدججة بسلاح الفتنة الجارح حطب جهنم وتحرق في نارها أول ما يحرق، لما كن يكشفنها لبضع سنوات أمام من يحرم عليهن.
حسناً. هل هذا كذب؟ هل ينكر مجموعات البغايا المشجعات للزنا والمانعات للزواج؟ ألا تحارب الدولة وغيرها البغاء العلني والخفي؟ ألا تطارد شرطة الأخلاق البغيات وتكافحهن بقانون الجزاء ونظام محاربة البغاء ليل نهار.
يقول المدعي العام المشتكي: هذا صحيح... صحيح. هو شأننا، وليس شأن يتدخل فيه الله!
ليقل المدعي العام ما يشاء! لكن القانون والشرطة والمدعي العام يقبض على فاعل الجريمة ومدبرها بعد وقوع الجريمة. يعني بعد انتهاء الفعل وضياع العرض وموت القتيل. ولا يمكن بالقانون اتخاذ وسيلة لمنع وقوع الجريمة، لكن بالدين يمكن
سيرة ذاتية - ص: 453
ذلك: خشية الله. الدين يعلّمنا ان خشية الله تقطع سبيل كل الرذائل. الإسلام يأمرنا بذلك. يأمرنا باتخاذ التدابير مسبقًا، كيف؟ بالنصيحة، بالتحذير، بمعرفة الله ! بغرس خشية الله وحب الله، والخوف من نار جهنم، والعذاب الخالد، والتوق إلى السعادة الخالدة، في قلب الإنسان.. بالعلم والفهم والحب والخشية حتى يهرب من الرذيلة وينجو بنفسه ويريح المجتمع والمدعي العام والدولة والحكومة والشعب. كيف نعمل ذلك؟ بالكلام والكتابة والقراءة. حسناً يقول المدعي العام عندها انه قام بالدعاية؟! وما الضير فيه؟ هو أمر الله وحكمة القرآن العظيم . أليس الدين اكثر الحقوق بداهة؟ من يمنعكم عنه؟ عن سبيل الله؟ يقال عنه : جرم . أهكذا؟
اقرأوا أمر الله اذن:
]ان الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشاقّوا الرّسُول من بعد ما تبيّن لهم الهدى لن يضرّوا الله شيئاً وسيُحْبِط أعمالهم[(محمد:32).فان لم يسمعوا؟ اعيدوا لمن يسمع ومن يؤمن، لان عملكم خيرٌ. خير للناس والمجتمع والشعب والحكومة والدولة، وحافظٌ من الشر والبلاء، وقولوا للمؤمنين:
]
يا أيّها الّذين آمنوا أطيعُوا الله وأطيعُوا الرّسُول ولا تبطلوا أعمالكم[(محمد:33).فإن لم يؤمنوا بذلك فقولوا: ليس الخطر والتهلكة للوطن والشعب في الدين او الدعاية للدين بل في الإلحاد وترك الدين. هذا كلام قاله رئيس الوزراء ايضاً: اليمين لم يشكّل خطراً على الوطن. لا مانع في الوقت الحاضر من الدعاية للدين،ولم تعد حاجة إلى اتخاذ تدابير بهذا الشأن.
ايها الحكام المحترمون! انتم أعلم بالجواب، لكن اسألوا المدعي العام المشتكي مرة أخرى، إن كان يستطيع ان يجيب بالنفي! هل يمكن الوقوف في وجه تردي الأخلاق وزوال العفة وضياع النسب وتجارة الاعراض والزنا والقتل بالقوانين الجزائية وحدها، اذا لم تشرح اوامر الله وحكمة القرآن العظيم للشباب ويعلَّموها، واذا منع ذلك بحجة ان الدعاية اليها ممنوعة؟ بأي شئ يمكن صد التخريب الخفي والعلني، والمعدي والخبيث، لفكر فتاك كالشيوعية التي تهدد الدنيا كلها؟.
ايها الحكام المحترمون الاتراك المشدودون إلى الله ربكم وإلى مقدساتكم! انظروا إلى السموم التي ينفثها أعداء الدين الألدّاء منذ سنين لإفساد عقول ابناء الترك المسلمين الطاهرة النقية وشلّها.
يا لهول الحال والنقائض فينا! المدعي العام لا يهتم بهذا... ولا يتحرك ازاء
سيرة ذاتية - ص: 454
التحقير والهجوم المخيف ضد دين الإسلام والاديان السماوية كلها، وينشط ضد من يوصي بتدابير لوقاية الشباب من هذا الهجوم!
ايها الحكام المحترمون المسلمون الاتراك! محال ان تحكموا على موكّلي بسبب مرشد الشباب من كليات رسائل النور المشحونة بلمعات النور الالهي والناشرة له.
ايها الحكام المحترمون النجباء المسلمون! تعلمون حق العلم ان العلماء المرشدين الصادقين ورثة الانبياء. وهؤلاء الذوات المباركون، مكلّفون حسب أوامر القرآن المبين بنشر ما ورثوه من المواعظ والنصائح. وهم إذ يوفون بوظيفتهم لا يريدون اجراً ولا جزاء ولا شكوراً. يؤدون الواجب في سبيل الله وطلباً لرضا الله ورسوله ولا غير. ولا تصيبهم فترة حتى النفَس الاخير، لان هذه الوظيفة أمانة الله ورسوله اليهم. فكيف يحاكم ويعذب موكلي لأدائه الامانة إلى اهلها؟ كيف يكلف هذا العجوز ببدنه الضعيف النحيف بكلفة ثقيلة لا تصدق، فيساق إلى السجن؟ هذا من اشنع الظلم. والامانة الموكلة اليكم هي منع ايقاع هذا الظلم.
النور هو الذي يمحو السيئات والخطايا ودناءة الأخلاق والرذيلة والفساد والفتنة.
]يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون[(التوبة:32)المحامي
عبد الرحمن شرف لاچ
واخيراً توجه رئيس المحكمة إلى الأستاذ النورسي متسائلاً:
- هل هناك ما ترغب في قوله، زيادة على ما قلت؟
- ارجو ان تسمحوا لي بزيادة كلمة واحدة.
- تفضلوا
- انني لست اهلاً لكلمات الثناء التي أضفاها عليّ موكلي المحترمون، إذ انني لست سوى خادم عاجز للقرآن وللايمان. ليس عندي ما اقوله سوى هذا.
تبليغ قرار البراءة:
ختمت المحاكمة بناء على ذلك. واعلنت الهيئة الحاكمة بعد المشاورة قرار البراءة باتفاق الآراء، وقوبل القرار من قبل الجامعيين وابناء الشعب الحاضرين في قاعة المحكمة بتصفيق حار. واكتسب القرار الدرجة القطعية إذ لم يقدم المدعي العام طلباً للتمييز.
سيرة ذاتية - ص: 455
[وفي هذه الأثناء كتب الكتاب الإسلاميون في الصحف والمجلات مقالات تبين أعمال الأستاذ النورسي ونشاط طلاب النور. ندرج أدناه مقالتين منها1:]
بعد فراق طويل2
الأستاذ أشرف أديب
لم ألتق الأستاذ منذ سبع وعشرين سنة او ثمان وعشرين. حيث لم اجد فرصة من المشاغل، رغماً عن رغبتي الدائمة لزيارته ورؤيته وملء العين من محياه المبارك. لكن وجوده المعنوي لم يفارقني ابداً، لانه يعيش في القلوب.
وحين اللقاء والاحتضان معه ظهر مقدار الشوق المادي العظيم باللذة النابعة من مُحياه النوراني.
انقضت اربعون سنة على لقائي الأول بالأستاذ. في ذلك الزمان كنا نحضر يومياً في ادارة المجلة مع عاكف ونعيم وفريد والازميرلي المحترمين، ونقضى معاً ساعات طيبة في احاديث شتى. ويتحدث الأستاذ - بلهجته الخاصة - في المسائل العلمية الرفيعة، فنجد حرارة في انفسنا من جلادة وحشمة احاديثه. ذكاء فطري غير معتاد وموهبة إلهية. تظهر قدرة وعظمة ذكائه اشد المسائل تعقيداً. عقل دائم العمل والفكر. لا يشتغل بالنقل كثيراً، فمرشده القرآن، وهو نبع فيضه وذكائه. وهذه اللمع كلها تدفق من هذا النبع مباشرة. صاحب رأي سديد أشبه بمجتهد او امام، وقلبه ملئ بايمان راسخ أشبه بايمان صحابي، وفي روحه شهامة كشهامة عمر. هو مؤمن احيا عصر الرسالة السعيدة بين جوانحه في القرن العشرين، وجعل الإيمان والقرآن غاية له. ان غاية غايات الإسلام، اعني أساس التوحيد و الإيمان بالله، هي اعظم عمدته وعمدة رسائل النور. واظنه لو كان في خير القرون وظهور الإسلام، فلعل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكلفه بمهمة تحطيم الاصنام في الكعبة. فقد كان عدواً للشرك وعبادة الاصنام اقصى درجات العداء.
عمر طويل، قرن واحد تقريباً، قضاه في الجهاد لترسيخ حقائق الإيمان والقرآن في القلوب. عمر قضاه في الفضيلة والشهامة. فهو في ميادين الحرب بطل يتقدم المجاهدين، يستل السيف، ثابت الاقدام، يحمل على الأعداء. وهو في الأسر بطل يتصدى لقائد الأعداء. وهو على منصة الاعدام ظل يسوق قائد الأعداء إلى التفكير ويقوده إلى الانصاف.
فدائي لا يتردد لحظة من التضحية بروحه من اجل شعبه وبلاده. عدو شديد للفتنة والهدم. يتحمل كل ظلم وتعذيب من أجل منافع الامة، في سبيل الغاية، أسهل شئ عليه أن يقتات بشربة حساء وقدح ماء ولقمة خبز ويلبس خرقة خامة بيضاء قطنية يغير ملابسه قبل ان تتسخ ويغسلها، ويعتني بالنظافة اعتناء فائقاً. لا يمسك بالنقود الورقية بيده ولا يحملها. لا يملك شيئاً قيماً في هذه الدنيا. يعيش للناس لا لنفسه.
_____________________
1
تفضل الأخ العزيز "عوني عمر" مشكوراً بترجمتهما.2
عن مجلة سبيل الرشاد المجلد 5/ العدد 119-1952
سيرة ذاتية - ص: 456
ضعيف البنية، لكنه ذو مهابة وحشمة. عيناه تشعان نوراً مثل الشمس، ونظراته نظرات سلطـان، أغنى سلطان في عالم المعنى مع أنه أفقر الناس في الدنيا مالاً.
لم تخلف آلام نيف وثمانين سنة تجعدات في وجهه وان اشعلت في رأسه الشيب. لون بشرته بياض مشرئب بحمرة. غير ملتح. نشط كأنه في عمر الشباب. حليم وهادئ، لكنه حين يهيج، يبدو كالاسد، وينتصب على ركبتيه، ويتكلم مثل سلطان.
اكره شيئ إلى نفسه السياسة. فلم يمسك في يده صحيفة منذ خمس وثلاثين سنة. مقطوع الصلة بشؤون الدنيا. لا يلتقي انساناً بعد صلاة العشاء إلى وقت الظهر من غده منشغلاً بالعبادة. ينام قليلاً. وقد منع طلابه ايضاً عن السياسة. طلابه الذين بلغ عددهم ستمائة ألف او مليون هم اكثر ابناء الوطن تمسكاً بالفضائل. والمئات او الالوف من طلابه يدرسون العلوم الصرفة في كليات الجامعات، فتراهم اشد الطلاب همة واعظمهم فضيلة. ولم يقع ان تسبب انسان من طلاب النور الذين بلغوا مئات الالوف عدداً وانتشروا في ارجاء الوطن كافة، في حادث مخل بالأمن. ان كل طالب لرسـائل النور محافظ طبيعي لنظام وانتظام البلاد وحارس للامن والامان.
سألته إن كان تعباً من سفر استانبول، فقال:
- انه لا يقلقني سوى المخاطر المحدقة بالإسلام . إذ كانت المخاطر سابقاً تأتي من الخارج وكانت مقاومتها يسيرة، أما الآن فانها تأتي من الداخل حيث دبت الديدان في الجسد وانتشرت فيه فتعسرت المقاومة. انني اخشى ما أخشاه الاّ تتحمل بنية المجتمع هذا الداء الوبيل، لأنه لا يشتبـه بالعدو. إذ يظن من يقطع شريانه ويمص دمه صديقاً. ومتى عميت بصيرة المجتمع إلى هذا الحد فقلعة الإيمان اذن في خطر داهم. لذا لا قلق لي الاّ هذا ولا أضطرب الاّ من هذا. بل ليس عندي زمن اضيّعه في التفكير في التعب والمشاق التي اتعرض لها بنفسي. وليتني اتعرض لألف ضعف من شقائي ويسلم مستقبل قلعة الإيمان.
قلت:
- ألا يمدّكم مئات الالوف من طلابكم بأمل وسلوى للمستقبل؟
- بلى، لم ينقطع رجائي وأملي تماماً..العالم يمر بازمة خانقة وقلق معنوي عظيم. فالمرض الذي دب في جسم المجتمع الغربي وزعزع دعائمه المعنوية كأنه وباء طاعون وبيل. فما الحلول التي يجابه بها مجتمع الإسلام هذا المرض المعدي الرهيب؟ هل بوصفات الغرب النتنة المتفسخة الباطلة؟ أم بأسس الإيمان الحيوية لمجتمع قلعة الإسلام؟ انني ارى الرؤوس الكبيرة سادرة في الغفلة. فقلعة الإيمان لا تسند باعمدة الكفر النخرة، ولهذا ابذل كل جهدي وسعيي في الإيمان وحده.. لذا ركزت جهدي كله من اجل الإيمان فقط.
انهم لا يفهمون رسائل النور، او لا يريدون ان يفهموها. يظنونني شيخ مدرسة جامداً في الأمور الدنيوية المادية. لقد اشتغلت بالعلوم الصرفة والعلوم والفلسفات المعاصرة كلها، وحللت اعقد مسائـلها، بل صنفت فيها مصنفات. لكني لا اعتـرف بالعاب المنطق ولا اصيخ سمعاً لحيل الفلسفة، بل اترنم بجوهر حياة المجتمع، وبوجوده المعنوي وبوجدانه وايمانه. فقد حصرت اشتغالي في أساس التوحيد والإيمان الذي أسّسه القرآن، ألا وان العمود الرئيس لمجتمع الإسلام هو هذا، فاذا تزلزل يضيع المجتمع.
سيرة ذاتية - ص: 457
يقولون: لماذا تجرح فلاناً وعلاناً؟ لا ادري. لم أشعر ولم أتبين مما أرى أمامي من حريق هائل يتصاعد لهيبه إلى الأعالي يحرق أبنائي ويضرم إيماني، وإذ أنا أسعى لإخماده وإنقاذ ايماني، يحاول أحدهم إعاقتي، فتـزل قدمي مصطدمةً به. فليس لهذه الحادثة الجزئية أهمية تذكر وقيمة أمام ضراوة النار؟ يا لها من عقول صغيرة ونظرات قاصرة!
أيظنونني رجلاً مهموماً بحاله يبغي إنقاذ نفسه؟ لقد افتديت دنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ ايمان المجتمع. لم اذق طوال عمري البالغ نيفاً وثمانين سنة شيئاً من لذائذ الدنيا. قضيت حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، او سجون الوطن ومحاكم البلاد. لم يبق صنف من الآلام والمصاعب لم اتجرعه. عوملت معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونفيت وغربت في ارجاء البلاد كالمشردين. وحرمت من مخالطة الناس شهوراً في زنزانات البلاد. وسُمّمت مراراً. وتعرضت لإهانات متـنوعة. ومرت عليّ اوقات رجحت الموت على الحياة ألف ضعف. ولولا ان ديني يمنعني من قتل نفسي، فربما كان سعيد تراباً تحت التراب.
انا لا اطيق ذلاً ولا اهانة بفطرتي وجبلتي. العزة والشهامة الإسلامية تمنعني بشدة من هذه الاحوال. فاذا تعرضت إلى مثل هذا الحال، لا اطأطئ رأسي مهما كان الذي يواجهني، سواءٌ ان كان جبـاراً اشد الناس ظلماً او قائداً عدواً سفاحاً للدماء، بل القي بظلمه ودمويته على وجهه.، ولا ابالي إن رماني في غياهب السجن او قادني إلى منصة الاعدام. وهذا ما وقع، وما جرى علي فعلاً. ولو صبر قلب ذلك القائد الدموي ووجدانه على الظلم دقائق أخرى لكان سعيد قد شنق والتحق بزمرة الأبرياء المظلومين.
هكذا انقضت حياتي كلها في نصب ومشقة، ونكبة ومصيبة. لقد افتديت نفسي ودنياي في سبيل ايمان المجتمع وسعادته وسلامته. فهنيئاً وحلالاً طيباً. حتى في دعواتي لا ادعو الله عليهم. فبهذه الاحوال صارت رسائل النور وسيلة لإنقاذ ايـمان مئات الالوف في الاقل، ربما الملايين - هكذا يقولون- فانا اجهل عددهم، المدعي العام بأفيون ذكر أنهم خمسمائة ألف او يزيدون. بالموت كنت انجو وحدي، لكن ببقائي في الحياة وصبري على الصعاب والمشقات خدمت في إنقاذ الإيمان بقدر هذه الانفس. فالحمد لله ألف مرة.
لقد ضحيت حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة ايمان المجتمع، فليس في قلبي رغب في الجنة ولا رهب من جهنم، فليكن سعيد بل ألف سعبد قرباناً ليس في سبيل ايمان المجتمع التركي البالغ عشرون مليونا فقط بل في سبيل ايمان المجتمع الإسلامي البالغ مئات الملايين. ولئن ظل قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا ارغب حتى في الجنة إذ ستكون هي ايضاً سجناً لى، وإن رأيت ايمان امتنا في خير وسلام فانني ارضى ان اُحرق في لهيب جهنم إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور.
لقد فاض وجاش حضرته. كان يرمي بشواظ كالبركان ويموج بحر قلبه كالطوفان. ويصب كالشلال اعمق نقاط القلب بمياه زمزمية عظيمة. لقد أخذه حماس زائد، كأنه يخطب من منصة البرلمان، لا يريد ان يقطع عليه الكلام انسان. احسست بالتعب الذي اصابه، فرأيت ان اغير هذا المبحث الحماسي:
سيرة ذاتية - ص: 458
- هل انزعجتم في المحكمة؟
- هل في القوانين نص يعدّ تعليم الدين، والتزام نسائنا واخواتنا المحترمات بالمحافظة على عفتهن وشرفهن ضمن دائرة التربية الإسلامية، جريمة؟ فليجب اساتذة الجامعة المشتـغلون بهذا العلم وبالحقوق عن مغزى ذلك، ومغزى اتخاذ كلمة الحقيقة الواردة إلى القلب دليلاً على تأسيس نفوذ شخصي.
اخَذَنا الزمان في لقاء الأستاذ مأخذاً، وحين استأذنت للمغادرة كان الوقت متأخراً.
***
سعيد النور وطلابه
الاديب الشاعر عثمان يوكسل1
شيخ كبير السن وذو حظ عظيم. يلتف حوله الناس من عمر ثمان سنوات إلى ثمانين سنة. اعمارهم وعقولهم واشغالهم شتى، لكنهم يجتمعون على شئ واحد: الإيمان بالله، بالله رب العالمين ، وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وبكتابه العظيم. ونرى كل واحد منهم كمن وجد شيئاً بعد ان ضيعه، كأن القرآن يتنـزل طرياً. حينما تطّلع على سعيد النور وطلابه، تحس بنفسك في خير القرون. وجوههم نور، باطنهم نور، ظاهرهم نور... وكلهم في حضور واطمئنان. ما أعظم السعادة في ربط الآصرة بخالق الكون العلي القدوس الدائم الحاضر الناظر، وما أجمل السير في سبيله،بل عشق سبيله حتى الوله.
سعيد النور شيخ عاصر ثلاثة عهود وخبر حوادث الزمان، هي نظام المشروطية، وحكومة الإتحاد والترقي، والجمهورية. عهود زاخرة بالتغيـير والانقلاب والانهدام. ما من شيئ الا واصابه الهدم، غير رجل واحد ظل منتصباً. رجل قدم إلى استانبول من شواهق الشرق، من حيث تشرق الشمس، يحمل ايماناً راسخاً كالطود. جعل هذا الرجل صدره المفعم بالإيمان سداً منيعاً امام اشرار العهود الثلاثة، ولم يفتأ يدعو إلى الله، ويدعو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إلى شئ الا الله والرسول. رأسه شامخ كقمة جبل ارارات ، لم يطأطئه ظالم، ولم يغلبه عالم. صلب كالصخور، ارادة قوية عجيبة، ذكاء كالبرق. هذا هو سعيد النور. لم تثن المحاكم العسكرية والمدنية والانقلابات والثورات ومنصات الاعدام المنصوبة له واوامر النفي والتغريب، رجل المعنويات العظيم عن طريقه. قاوم كل ذلك بقوة وشجاعة لانهاية لهما نابعتـان من الإيمان. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
]وانتم الأعلون ان كنتم مؤمنين[ (آل عمران: 133). فكأن كلام الله هذا تجلى في سعيد النور!.لقد قرأت مرافعاته في المحاكم. لم تكن دفاعاً عن النفس، بل دفاعاً عن دعوة عظيمة، وشواهد ومعلقات للجلادة والجرأة والذكاء.
لماذا تسنم سقراط موقعاً مرموقاً؟ اليس بسبب استصغاره الحياة من اجل الفكر؟ سعيد النور يعدل سقراط في الاقل! لكن أعداء الإسلام سعوا إلى تعريفه بصفة رجعي ومتعالم. ففي نظرهم ينبغي للرجل السامق ان يكون اجنبياً! لقد اقتيد من محكمة إلى محكمة، لكنه كان يحكم وهو محكوم. وانتقل
_____________________
1
1917-10/9/1983م. صحفي وكاتب جرئ أصدر مجلة Serdengecti أي "الفدائي" تكشف فضائح العلمانية بلهجة قوية فما أصدر منها عدداً أو عددين إلا وسيق الى السجن فما صدر منها طوال (1947-1962) سوى (33) عدد. انتخب نائباً في البرلمان ( 1965-1969). له مؤلفات عديدة.
سيرة ذاتية - ص: 459
من سجن إلى سجن، لكن السجون صارت مدارس يوسفية بهمته. سعيد النور جعل السجون نوراً، والقلوب نوراً. وذاب عتاة القتلة وأعداء الاستقرار والأخلاق القساة امام صرح الإيمان هذا، كأنهم خلق جديد، مؤمنون سلَمٌ للناس ومواطنون خيرون. فهل اسـتطاعت مدارسكم ومناهج تربيتكم ذلك؟ ام تستطيع؟ غّربوه ونفوه من بلد إلى بلد.. فصار كل بلد نفي اليه وطنًا له، واحاط به مؤمنون انقياء واطهـار حيثما حلّ وغُرّب. وعجزت القوانين والممنوعات والشرطة والجندرمة وجدران السجون السميكة عن التفريق بينه وبين اخوته المؤمنين، فتحولت الكثافة المادية المتراكمة بين المرشد الكبير وطلابه إلى لطائف بفضل الدين والعشق والإيمان. وخلفت تهديدات وتحديدات القوة العمياء والمادة الميتة امواجاً متلاطمة في بحار عالم الروح، وماجت من حجرات القرى لتحيط باطراف الأرض وتدق ابواب الجامعات.
هرع ابناء الوطن الذين انتهكت مقدساتهم زمناً طويلاً، والاجيال الذين حُكم عليهم بالفناء، والمتلهفون للايمان، إلى سبيله، وإلى نوره. طافت رسائل النور للاستاذ من يد إلى يد، ومن لسان إلى لسان، ومن بلد إلى بلد، واقتبس كل شاب او هرم، كل امي او متعلم، كل صغير او كبير، بقبس من ذلك النور. وصار كل طالب ماكنة او مطبعة فتحدى الإيمان التقنية، فكتبت رسائل النور واستنسخت آلاف النسخ.
وفزع العمي الذين انطفأت بصائرهم وانوار ارواحهم وصاروا خرائب، من هذا النور والضياء، فساقوا الرجل العزيز إلى المحاكم بحجة مخالفة الثورة والعلمانية - التي لا يـملون من تردادها - وقادوه إلى السجون. بل حاولوا قتله بالسم مراراً، فصارت سمومهم تريـاقاً... والسجون مدارس. وتجاوز نوره، نور القرآن، نور الله، حدود الوطن وسرى في ارجاء العالم الإسلامي. ان في تركيا الآن قوة ينبغي ان تقف ازاءها باحترام كل الهيئات وجميع المواطنين المحبين لوطنهم، هي سعيد النور وطلابه. انهم ليسوا جمعية ولا هيئة ولا حزباً، وليس لهم ارض ولا مقرات، ولا يرفعون اصواتهم بالضجيج والخطب والمظاهرات والمهاترات. انهم زحام الجمع المؤمن الثابت الواعي من المجهولين العارفين الناذرين انفسهم لهذه الدعوة العظيمة.
***
سنة 1953
بعد براءة الأستاذ سعيد النورسي من محكمة استانبول، عاد إلى اميرداغ.
وفي أحد ايام رمضان خرج وحده يتجول في الحقول المحيطة بالمدينة وعريف شرطة مع ثلاثة من افراده يتعقبونه.
ولم يستطع ان يتم تجواله، إذ لحقه هؤلاء وعرضوا عليه ان يلبس القبعة. وعندما قادوه إلى مركز الشرطة احتج الأستاذ على هذه المعاملة، وارسل عريضة إلى وزارة العدل وإلى وزارة الداخلية في آنقرة، شجب فيها هذه التصرفات الرعناء، كما ارسل صورة من عريضته إلى أحد طلابه في آنقرة ليتتبع الموضوع عند المراجع الرسمية ويبلغ النواب المهتمين بالحادثة.
سيرة ذاتية - ص: 460
ومن آنقرة قرر بعض طلابه ارسال نسخة من هذه العريضة إلى جـريـدة اسلامية تصدر في صامسون باسم
Buyuk Cihadالجهاد الأكبر حيث نشرت هناك.في هذه الأثناء وقعت حادثة الصحفي المعروف أحمد أمين يالمان1 إذ حاول شاب مسلم ان يغتاله، فاطلق عليه عدة رصاصات لم تنل منه مقتلاً.
وقد استغلت هذه الحادثة استغلالاً كبيراً كل الجرائد والمجلات المعادية للاسلام التي غاظها جو الحرية النسبي الذي بدأت تتنفسه الحركات الإسلامية في تركيا، فأرادت أن تظهر بان اعطاء اية حرية لمثل هذه الحركات ستكون نتيجتها ظهور الرجعية والإرهاب.. الخ.
كانت حملة صحفية رهيبة لم يستطع رجال الحزب الديمقراطي الحاكم ان يقفوا امامها، هذا فوق وجود جناح معاد للاسلام في هذا الحزب ايضاً. فصدرت الأوامر بغلق جميع الجرائد والمجلات الإسلامية، واعتقال جميع الكتّاب والمفكرين المسلمين العاملين فيها.
وأعتقل في هذه الحملة من الإعتقالات المدير المسؤول عن جريدة الجهاد الاكبر واحد طلبة النور وهو السيد مصطفى صونغور وسيقا معاً إلى المحكمة في مدينة صامسون وقد اصدرت المحكمة قرارها بالحكم عليهما، ولكن محكمة التمييز الغت هذا القرار واصدرت قرارها بالبراءة.
وكانت في هذه الأثناء تنطلق بيانات وآراء في الصحف ضد توسع حركة النور في البلاد. وتبدأ التحريات في خمس وعشرين منطقة بتركيا وتبلغ فتح الدعاوى، مستهدفة الحكم على قريب من ستمائة طالب من طلاب النور. الا انهم لا يجدون جرماً ولا شيئاً يكون مستند اتهام في رسائل النور او طلاب النور.
وفتحت دعوى في مدينة صامسون ضد الأستاذ بديع الزمان بسبب مقالة نشرت في جريدة الجهاد الأكبر تحت عنوان اكبر برهان وطلب مثوله امام محكمة صامسون، ولكن الأستاذ كان آنذاك مريضاً، فضلاً عن تقدمه في السن.
وبالرغم من حصوله على تأييد طبي من طبابة قضاء أميرداغ وكذلك من
_____________________
1
صحفي مشهور من طائفة "الدونمة" وهي طائفة يهودية تظاهرت بالإسلام، وبقيت تمارس عقائدها اليهودية سراً، ولكونها تملك ركائز اقتصادية وسياسية قوية قامت بدور تخريبي كبير في تركيا. وكان سجل هذا الصحفي بالذات سجلاً حافلاً بالعمل ضد الإسلام. منها مطالبته بتشكيل دويلة ارمنيةفي تركيا، كما طالب ان تقوم الولايات المتحدة باستعمار اراضي تركيا عسكرياً لإدارة شؤونها، حيث لم تصل تركيا الى المستوى الذي تستطيع فيه ادارة نفسها وكتب مقالات عديدة في مزايا دخول تركيا تحت الاحتلال الأمريكي. أصدر جريدة (طان) ورأس تحريرها.!!
سيرة ذاتية - ص: 461
مدينة أسكي شهر الاّ ان محكمة صامسون اصرت على حضوره.
وبناء على هذا الاصرار توجه إلى استانبول1 في طريقه إلى صامسون. ولكن مرضه اشتد بعد وصوله إلى استانبول، فلم يعد بامكانه مواصلة السفر فاستحصل تقريراً طبياً من الهيئة الصحية، وارسله إلى المحكمة.
كان هذا التقرير الطبي يؤيد بان حالة الأستاذ بديع الزمان لا تسمح له ابداً بالسفر لا براً ولا بحراً ولا جواً، ولكن المدعي العام بالرغم من هذا التقرير الطبي الواضح القاطع، كان يطالب بشدة بحضوره ومثوله امام المحكمة.
واستناداً إلى التقرير الطبي قررت المحكمة ان تقوم محكمة استانبول باستجواب الأستاذ نيابة عنها.
دفاع امام محكمة استانبول:
ساق اعداؤنا المتسترون دوائر العدل ضدي مرة أخرى في شهر رمضان الشريف. المسألة في حقيقتها ذات علاقة بمجموعة شيوعية سرية.
فقد ارسلوا اليّ خلافا للقانون مخالفة كاملة، ثلاثة جنود جندرمة مسلحين مع رأس عرفاء وانا في السهول والجبال وحدي بغير رفقة. قائلين: انت لا تلبس القبعة، واخذوني جبراً إلى مركز الشرطة.
فاقول لمنتسبي العدل كلهم الذين يبتغون العدل:
لا مفّر في محكمة الحشر الكبرى من العقاب لمن يذيقون العذاب الوجداني منذ سنتين بحججهم التافهة ومخالفتهم العجيبة للقانون حيث ينبغي حقاً ان يتهموهم بمخالفة القانون إذ يخرقون القانون باسم القانون من خمسة وجوه فيعتدون على
_____________________
1
قضى الأستاذ في استانبول ثلاثة اشهر تقريباً - من أوائل مايس الى نهاية تموز - امضى معظمها في بيت أحد طلابه المقربين (محمد فرنجي).في تلك السنة (1953م) كانت استانبول تتهيأ للاحتفال بمرور خمسمائة عام على فتحها. وقد اقيم فعلاً احتفال مهيب دعي اليه الأستاذ بديع الزمان مع المدعوين الرسميين، وفي هذا الاحتفال التقى بطريرك الروم "آشنو كراس". وأثناء اللقاء جرى بينهما الحوار الآتي:
سعيد النورسي: يمكن ان تكونوا من اهل النجاة يوم القيامة اذا آمنتم بالدين النصراني الحق بشرط الاعتراف بنبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالاعتراف بالقرآن الكريم كتاباً من عند الله.
البطريرك: انني اعترف بذلك.
سعيد النورسي: حسناً، فهل تعلنون ذلك امام الرؤساء الروحانيين الآخرين؟
البطريرك: اجل انني اقول ذلك ولكنهم لا يقبلون. ش/405
وحضر في هذه الأثناء مستشرق انكليزي استانبول. والقى محاضرة حول (السموات السبع) مشككاً فيها. فوزع طلاب النور في اليوم التالي منشوراً يتضمن تفسير الأستاذ حولها من (اشارات الاعجاز) ولما اطلع عليه المستشرق المذكور اختصر محاضرته في ذلك اليوم وانهى سلسلة محاضراته التي كان من المقرر ان تدوم خمسة ايام وغادر استانبول دون ان يعقب. من محمد فرنجي،
Son sahitler 4/356
سيرة ذاتية - ص: 462
القوانين الإسلامية بخسمة وجوه. نعم.. أفي الأرض كلها قانون يتهم رجلاً منعزلاً منذ خمسة وثلاثين عاماً عازفاً عن الاسواق والارياف، لانه لم يضع فوق رأسه قبعة الافرنج؟.
ان من في قلبه ذرة وجدان لينفر ويكره ان يكلِّف بقوة القانون رجلاً بلبس القبعة ليشبه القسيسين الاجانب، رجلاً منـزوياً لا يختلط بالناس ولا يريد ان يشغل روحه في شهر رمضان الشريف بشئ قبيح مثل هذا - وخلافاً للقانون - وينقطع عن لقاء اخلائه حتى لا يتذكر الدنيا، بل لا يستدعي طبيباً ولا يأخذ دواء مع شدة مرضه حتى لا ينشغل روحُه وقلبُه ببدنه. مع ان شرطة خمس محاكم وخمس ولايات لم يتعلقوا بما يلبس في رأسه منذ ثمان وعشرين سنة، وفي هذه الكرّة الاخيرة خاصة في محكمة استانبول العادلة امام انظار ازيد من مائة شرطي وتجوله شهرين راجلاً كيفما شاء، ومع ان محكمة التمييز قررت اجازة القانون للبس البريه - بديل القبعة - ومع اقرار عدم الزام لبسها للنساء ولحاسري الرأس وللجنود العسكريين وللموظفين الرسميين وانعدام المصلحة في لبسها، فلا تقع مسؤولية قانونية على من يلبس البريه وعدّه زياً رسمياً، فانا لست موظفاً.
فان ردّ ذاك بالقول: انما انا مأمور منفّذ، قيل له: وهل يؤمر الناس بشئ حسب الهوى ليكون قانوناً جبرياً فيدفع عن نفسه بانه مأمور؟ وفي القرآن الحكيم آية في النهي عن التشبه باليهود والنصارى، وفيه ايضاً:
]يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الأمر منكم[(النساء:59) أي أمر باطاعة اولي الأمر، ولكن بشرط عدم التناقض مع اطاعة الله ورسوله، فيقدر ان يتصرف منفذاً تلك الطاعة. والحال ان قوانين العرف الإسلامي في هذه المسألة، تأمر بالشفقة على المرضى وتنهى عن ايذاءهم، والرحمة بالغرباء والبعد عن ايلامهم، ودفع النصب والاذية عن خدام القرآن وعلوم الإيمان في سبيل الله. وان تكليف رجل انقطع عن الناس وترك الدنيا لاهلها بلبس قبعة القسيسين نقضٌ للقانون بمخالفة القانون ومصادرةٌ لقوانين العرف الإسلامي من مائه وجه، لا من عشرة وجوه، واعتداءٌ على هذه القوانين القدسية من اجل امر بالهوى. ولا مكان للشك او الشبهة في ان تصرفاً مثل هذا مع رجل بلغ حافة القبر وانهكه المرض واضناه الهرم، وغريب ومنعزل عن الناس وتارك للدنيا منذ خمس وثلاثين سنة لكي لا يخالف السنة السنية، انما هوثمرة مؤامرة خبيثة ضد الوطن والشعب والإسلام والدين لحساب الفوضى والشيوعية المستترة، كذلك ضد نواب البرلمان ذوي الدين، وحتى ضد الديمقراطيين عموماً، الذين ينوون خدمة
سيرة ذاتية - ص: 463
الإسلام والوطن ويحاربون التخريبات الاجنبية الرهيبة. فليحذر النواب المتدينون ولا يتركوني وحيداً في الدفاع ضد هذه المؤامرة الخبيثة.
ان خادم الحقيقة القرآنية المضحي الذي رفض الهوان ولم يقف احتراماً لقائد قوات الروس إذ مرّ امامه قصداً ثلاث مرات، فشمخ برأسه امام التهديد بالاعدام من اجل صون العزة الإسلامية، واستهان بتهديد الاعدام من اجل شرف الإسلام فواجه قائد الانكليز المحتلين لاستانبول ومصدّري الفتاوى تحت تأثيره، بقوله في المطبوعات: ابصقوا في وجوه الظالمين الصفيقة، ولم يلتفت إلى غضب مصطفى كمال وسط خمسين نائباً في المجلس حين قال له: تارك الصلاة خائن ولم يداهن في الجواب امام المحكمة العسكرية العرفية إذ قال: انا مستعد للتضحية بروحي من اجل مسألة واحدة للشريعة، واختار الانزواء ثمان وعشرين سنة حتى لا يتشبه بالكفار، ان قيل له بصراحة وبخلاف القانون: تلبس القبعة على رأسك فتشبه احبار اليهود وقسس النصارى وتخالف اجماع علماء الإسلام او تعاقب!، فانه يفتدى بروحه مائة مرة بلا تردد وبشهادة سيرته للحقيقة القرانية، ولو مزقوه ارباً ارباً وألقوه في نار كالجحيم، بله الحبس الدنيوي والعقاب والتعذيب!.
فما الحكمة في القوة المعنوية في تحمل هذا المضحي، لأشد الظلم النمرودي من أعداء الوطن والدين المستترين، وفي عدم مواجهته القوة المادية بالرد المادي التخريبي؟ فها أنا اعلن لكم ولاهل الوجدان كلهم جميعاً: ان القرآن الحكيم قد علّمه ذلك لأجل ألا يتضرر تسعون بريئاً بسب زنادقة ملحدين نسبتهم عشرة في المائة، ومن أجل المحافظة على الأمن والنظام في الداخل بقوته كلها، ومن اجل نصب حارس في قلب كل انسان بدروس النور. ولولا ذلك، لانتقمتُ في يوم واحد من اعدائي الذين ظلموني مدة ثمان وعشرين سنة. فتراه لا يدافع ضد من يهين عزته وكرامته حفاظاً على الأمن من اجل الأبرياء ، ويقول: انا مستعد للتضحية بحياتي الدنيوية من اجل ملة الإسلام، بل حتى بحياتي الاخروية ان لزم الأمر.
واخيراً وبعد انتهاء جميع الاجراءات اللازمة اصدرت المحكمة قرارها بالبراءة، إذ لم تجد في تلك المقالة ما يؤاخذ عليها.
مراحل متنوعة من سيرته في إسپارطة:
اسس طلاب النور النشيطون في اورفه و دياربكر مدرسة نورية في كل منهما. وبدأت دروس علمية بقراءة رسائل النور على الجماعة الحاضرة من كل
سيرة ذاتية - ص: 464
اصناف الشعب، وجُلّهم من طلاب المدارس والشباب. فانعشوا طلبة العلم الشريف (العلوم الشرعية) الضرورية في ذلك الزمان، واوفوا بخدمة ايمانية جليلة في المناطق الشرقية.
وانتهت محاكمة آفيون ايضاً. إذ اظهر تقرير هيئة شورى الشؤون الدينية التي دققت رسائل النور سنة 1956 سمة الخدمة في التكامل الإيماني والأخلاقي لرسائل النور، فاستندت محكمة آفيون إلى هذا التقرير لتبرئة رسائل النور ورفع الحظر عنها واكتسب قرار المحكمة الصفة القطعية.
بعد قرار البراءة في محكمة آفيون، اصدر حاكم التحقيق في إسپارطة ايضاً قرار امتناع المحاكمة. فاجتازت رسائل النور منافذ العدل واكتسبت حرية عامة وشاملة ولقيت قبولاً حسناً.
مع دوام خدمة رسائل النور في ارجاء الأناضول، لم تحصر المدارس النورية، في آنقرة واستانبول ودياربكر واورفة خاصة، بل تعدت ذلك إلى ارجاء واسعة في البلاد.
وفي آنقرة، سعى أهل الحمية والطلبة الجامعيون في نشر مجموعات رسائل النور في الارجاء بطبعها بالمطابع، وايصالها إلى الجمهور للافادة منها بالاحرف الجديدة (اللاتينية) خاصة.
عودة إلى مدينة الذكريات بارلا:
بعد قضائه ما يقارب ثلاثة أشهر في استانبول، حنّ الأستاذ إلى زيارة المدن التي قضى فيها فترات لا يمكن نسيانها من حياته.
فزار اميرداغ ثم توجه إلى أسكي شهر ومنها إلى إسپارطة بقى فيها ثمانين يوماً. ومن إسپارطة توجّه مع رهط من طلابه إلى مدينة الذكريات بارلا.. المدينة التي شهدت اول انبثاق لحركة النور ولرسائل النور.. ومنها انتشرت إلى الارجاء الكلمات والمكتوبات واللمعات التي تمثل انوار هداية القرآن الحكيم.. فـبارلا هي المركز الأول لمدرسة رسائل النور. المدينة التي سيق اليها منفيا قبل خمس وعشرين سنة، فبارك الله له في ايام النفي، وجعل تلك الايام من اعز الايام على قلبه، وجعل ذكريات هذه البلدة من احب الذكريات إلى نفسه.
وها هو يعود اليها، في يوم رائق من ايام الربيع ، ولكن تتبعه السنين الحافلة بالاحداث والمواقف والابتلاءات.
يعود اليها طليقاً يحف به بعض ثمار دعوته.. طلاب يتلألأ النور في جباههم المضيئة، وتطفح قلوبهم بحب الله ورسوله.
سيرة ذاتية - ص: 465
ويسمع أهل البلدة بقدوم الأستاذ، فيخرجون رجالاً ونساءً، واطفالاً وشباباً لرؤيته. ويقفز الاطفال الصغار وهم يرددون:
جاء الشيخ.. جاء الشيخ!
انهم لم يروا هذا الشيخ الوقور، ولكنهم سمعوا عنه من آبائهم وامهاتهم.
وبينما كان الأستاذ يتقدم نحو البيت الذي بقي فيه ثماني سنوات، إلى البيت الذي كان اول مدرسة نورية، مرّ من امام بيت تلميذه القديم مصطفى چاويش1 وهو النجار الذي عمل له الغرفة غير المسقّفة بين اغصان الشجرة التي كان يقضي فيها ساعات العبادة والتأمل.
مرّ امام دار تلميذه ورأى القفل الكبير على باب الدار. كان تلميذه القديم الوفي قد توفي سنة 1937، بينما كان الأستاذ يعيش في منفاه في قسطموني. مات هذا الرجل ولذلك لم يتيسر له لقاءه بعد خروجه من بارلا. ولم يشعر الا والدموع تتساقط من عينيه وتبلل خده.
واخيراً وصل إلى بيته السابق، إلى مدرسته الأولى حيث كانت شجرته الحبيبة تنتصب امامه وكأنها - هي الأخرى - ترحب به.. جاشت في نفسه العواطف وطلب من طلابه ومن الأهالي ان يتركوه وحده.
ثم ذهب إلى تلك الشجرة التي قضى معها اكثر من ثماني سنوات احتضنها وأجهش ببكاء طويل.
كانت هذه الشجرة قطعة من حياته، ومن ذكرياته. كم من ليال قضاها بين اغصانها يتهجد ويذكر الله! كم من ساعات قضاها يؤلف رسائل النور ويسمع حفيف اغصانها واوراقها وتغريد الطيور عليها. كم من ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الحالكة أرق في غرفته، فلم يكُن له أنيس في وحدته غير صوت هذه الشجرة تعصف بها الرياح، او يسمع صوت قطرات الامطار على اوراقها. لقد كانت له انساً في وحدته، وسلوة في وحشته، وصديقاً في غربته.
وها هو الآن يرجع اليها بعد عشرين عاماً يتحسسها، ويريد ان يضمها إلى صدره ولا يتمالك نفسه من البكاء عند لقائها.
بعد ذلك صعد إلى غرفته، واختلى بنفسه هناك مدة ساعتين تقريباً. كان يبكي وهو يستعيد ذكريات ايامه الطويلة التي قضاها هنا، وكان الناس والطلاب المحيطون بالبيت يسمعون نشيج الشيخ فتدمع اعينهم كذلك.
____________________
1
اللمعات/76
سيرة ذاتية - ص: 466
وانه لمظهر من مظاهر تجليات الرحمة الإلهية اللانهائية. ففي زمن قد سلف، نفي من شرقي الأناضول إلى ارجاء إسپارطة، ومنها إلى ناحية بارلا بين الجبال، لعله يموت هنا ويخبو ذكره. ولكن لم تثنه عن سبيل دعوة القرآن والإيمان حوادث العصر التي احاطت بالامم والشعوب وغيرت العقول والتصورات. فقد ايقن بيقين إيماني في روحه، بان الشعب سوف يحتضن يوماً الحقيقة التي يدعو اليها، وسوف يكون سعيد الوحيد، ألف سعيد، ومائة ألف سعيد، وبان فتوحات وانتشار الحقائق الإيمانية التي يخاطب بها الإنسانية آتية لا محالة، وبان غيوم الظلمات المحيطة بالآفاق الإسلامية زائلة بنور الهداية التي اقتبسها من القرآن، وينشط الروح من جديد في الإيمان الذي يظنونه آيلاً إلى الموت، فيبعث النفوس ويعيد الحياة إلى امة الإسلام.
سنة 1956
محكمة آفيون تبريء ساحة رسائل النور:
كانت محكمة آفيون قد شكلت لجنة من الخبراء لتدقيق رسائل النور سنة (1948م) وابداء الرأي حولها، ورؤية ما اذا كانت تحوي ما يؤاخذ عليه القانون التركي.
وقد استمرت هذه المحكمة طوال ثماني سنوات واخيراً اصدرت قرارها في11/ 9/1956 استناداً إلى التقرير المقدم من لجنة الخبراء في 25/5/1956 بأن هذه الرسائل تخلو من أي عنصر مخالف للقانون.
طبع رسائل النور:
كان هذا القرار يعني بالإمكان طبع رسائل النور وتوزيعها علناً، وفعلاً شمّر طلاب النور عن سواعدهم، فبدأت المطابع في استانبول وفي آنقرة، وفي صامسون وفي آنطاليا بطبع هذه الرسائل. وكانت الملزمات تؤتى بها إلى الأستاذ قبل الطبع فيقوم بتصحيحها.
كان الأستاذ فرحاً بطبع رسائل النور ويقول:
هذا هو عيد رسائل النور. كنت انتظر مثل هذا اليوم، لقد انتهت مهمتي اذن وسأرحل قريبا.
وعندما كان يخرج لأمرٍ ما سرعان ما يعود قائلاً لطلابه: لابد أن الملزمات قد جاءت.. لا يجوز لنا ان ندعها تنتظر. يجب العودة حالا.1
_____________________
1
ش/413
سيرة ذاتية - ص: 467
سنة 1957
في الانتخابات العامة:
جرت الانتخابات العامة في تركيا في هذه السنة، وكان هناك حزبان رئيسان يتنافسان على الحكم وهما: الحزب الديمقراطي الحاكم وحزب الشعب الجمهوري المعارض مع احزاب صغيرة لا تؤثر كثيراً في سير الانتخابات.
وبالرغم من ان الحزب الديمقراطي لم يكن حزباً اسلامياً، الاّ ان جو الحرية الذي ساد تركيا عقب توليه الحكم، وانحسار موجة العداء الوحشي للاسلام، كل ذلك كان يعطي مسوغاً كافياً للحركات الإسلامية في تركيا ان تصوت بجانب الحزب الديمقراطي.
ومع ان الأستاذ سعيد النورسي لم يدخل الحياة السياسية ولم يؤلف حزباً سياسياً ولم يعلن عن اية نشاطات سياسية كانت، الاّ انه قرر اعطاء صوته للحزب الديمقراطي في تلك الايام ليحول دون مجئ حزب الشعب إلى السلطة. وفعلاً ذهب إلى صندوق الاقتراع وادلى بصوته لصالح الحزب الديمقراطي.1
الايام الاخيرة:
قضى الأستاذ سعيد مع طلبته سنواته الاخيرة في مدينة إسپارطة وكان احياناً يقوم بزيارة بارلا وكذلك اميرداغ ولتقدمه في السن فانه كان في اكثر الاحيان طريح الفراش.
كان قليل اللقاء الناس ولا يستطيع قبول زيارة المئات من الزوار وكان يقول:
ان قراءة رسائل النور افضل مئة مرة من الحديث معي.
وكان طلابه يقدرون وضعه، فلا يدخلون عليه إلا اذا طلبهم، ومع ذلك فانه لم يكن منقطعاً عن العالم الخارجي كلياً، إذ كان يتتبع الاخبار وعيّن أحد طلبته ليقرأ له أهم ما في الجرائد. فكان يهتم بأخبار طبع رسائل النور وبالمحاكمات المتعددة لطلاب النور.
قضية آنقرة:
في 16 نيسان سنة 1958 اعتقل جميع من كان في خدمة الأستاذ من طلاب النور والذين يعملون في نشر الرسائل في آنقرة واستانبول وإسپارطة. وقد تقدّم للدفاع عنهم المحامي بكر برق2 واجتمع هذا المحامي في سجن آنقرة بطلاب النور المسجونين وقال لهم:
_____________________
1
ش/4162
1926-14/6/1992م.نذر نفسه للدفاع عن قضايا طلاب النور. وكسب الدعوى لصالحهم في أكثر من ألف قضية في أنحاء تركيا. له مقالات كثيرة في الصحف وعشرات من المؤلفات.
سيرة ذاتية - ص: 468
- انني احب ان آخذ رأيكم في مسألة تخصكم. فهل تحبون ان اسعى إلى اطلاق سراحكم من السجن في اقرب فرصة، ام ترغبون ان اسعى للدفاع عن دعوتكم وشرحها دون الاهتمام بقضية اطلاق سراحكم؟
اجاب طلاب النور معاً:
- نرجو منك ان تحصر جهدك في بيان وشرح دعوتنا السامية فنحن راضون ان نبقى في السجن سنوات عديدة.1
وقد ادرك هذا المحامي انه ليس امام اناس اعتياديين، بل هو امام اناس نذروا انفسهم لدعوتهم، وقد اخذ هذا المحامي على نفسه مهمة الدفاع في جميع المحاكم التي سيق اليها طلاب النور.. وما اكثرها!
لقاء الوداع
بدأ الأستاذ سعيد النورسى في اواخر ايامه بسلسلة من السفرات وكأنه كان يريد ان يودّع طلابه.
ففي19 كانون الأول لسنة 1959 سافر إلى آنقرة ومنها إلى اميرداغ ومنها إلى قونيا ومنها إلى آنقرة ايضاً، ومنها إلى استانبول في 1/1/1960 حيث بقى فيها يومين، ثم رجع إلى انقره مرة أخرى في 3/1 وألقى على طلابه الدرس الأخير. وقد اجرى مندوب صحيفةتايمس اللندنية معه تحقيقاً صحفياً طويلاً، ونشر في 6/1/19602. ثم رجع إلى قونيا ومنها - وفي اليوم نفسه - توجّه إلى إسپارطة.
هذه الزيارات المتلاحقة، اثارت رعب الاوساط المعادية للاسلام وسخطهم، فاخذت صحفها تشن حملة عنيفة على الأستاذ وتثير الرأى العام ضده مختلقة سلسلة من الاكاذيب والافتراءات، وكأن هناك فتنة دامية ستحل بالبلد.
لذلك فما ان رجع إلى آنقرة 11/1/1960 حتى ابلغته الحكومة بان من الافضل له ان يقيم في اميرداغ وفعلاً رجع الأستاذ إلى اميرداغ ولكنه طلب من الحكومة ان تسمح له بالاقامة شهراً في (اميرداغ) وشهراً في (إسپارطة).
في 20/1/1960 توجه الأستاذ بديع الزمان من اميرداغ إلى إسپارطة و بعد ان امضى مدة فيها توجه إلى افيون وبعد ان امضى فيها يوماً واحداً، قفل راجعاً إلى اميرداغ.
_____________________
1
ش/2612
في صحيفة " يني صباح " وفي صحيفة " دنيا " في 8/1/1960 (ب3/1621 )
سيرة ذاتية - ص: 469
الدرس الأخير حول العمل الإيجابي البنّاء
1الذي ألقاه الأستاذ النورسي قبل وفاته على طلبة النور
اخواني الاعزاء!
ان وظيفتنا هي العمل الايجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام. والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الالهي دون التدخل بماهو موكول امره إلى الله. اننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي.
اقول متخذًا من نفسي مثالاً: انني لم انحن تجاه التحكم والتسلط منذ القدم. وهذا ثابت بكثير من الحوادث. فمثلاً: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما انني لم اعر اية اهمية على اسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذي كان يهددني بالشنق والاعدام. وطوري هذا تجاه القواد الاربعة تُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط. الا انني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الاخيرة بالرضى والقبول، ذلك من اجل السعي للعمل الايجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله.بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل إقتداءاً بنبي الله جرجيس عليه السلام وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر و غزوة احد.
نعم مثلاً: انني لم ادعُ بالسوء حتى على المدعي العام الذي اتخذ علينا القرار الجائر رغم انني قد اثبت اخطاءه البالغة واحداً وثمانين خطأً. لان المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المعنوي، واقامة السد المنيع امام التخريبات المعنوية، واعانة الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.
نعم، ان في مسلكنا قوة. الا اننا لم نقم باستعمالها الا في تأمين الأمن الداخلي. لذا قمت طوال حياتي بتحقيق الأمن الداخلي اتباعاً لدستور الآية الكريمة: ]ولا تزر وازرة وزر أخرى[ اي لا يجوز معاقبة انسان بجريرة اخيه او احبائه. ان هذه القوة لا يمكن استعمالها الا ضد الهجمات الخارجية. ان وظيفتنا - وفق دستور الآية الكريمة المذكورة - هي الاعانة على ضمان الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة. لهذا السبب لم تشتعل نار الحروب الداخلية المخلة بنظام الأمن
_____________________
1
جزى الله الاخ "دنجر قورقماز" خيراً لترجمته هذا الدرس القيّم.
سيرة ذاتية - ص: 470
الداخلي في العالم الإسلامي الا بنسبة واحد من الالف. وهذا كان من جراء الاختلاف في الاجتهاد. ان اعظم شرط من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية. أي بما هو موكول إلى الله. بمعنى ان وظيفتنا الخدمة فحسب. بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، واننا مكلفون ومرغمون في الايفاء بوظيفتنا.
واقول كجلال الدين خوارزم شاه: ان وظيفتي الخدمة الإيمانية، اما النصر أو الهزيمة فمن الله سبحانه. وانني قد تلقيت درس التقلد بالإخلاص التام من القرآن الكريم.
أجل، يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة، لان اموال العدو وذراريه يكون بمثابة غنيمة للمسليمن. اما في الداخل فالأمر ليس هكذا. ففي الداخل ينبغي الوقوف امام التخريبات المعنوية بشكل ايجابي بناء، بالإخلاص التام. ان الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل. وقد احسن اليّ المولى سبحانه وتعالى بملايين من الطلاب الحقيقيين. فنحن نقوم بالعمل الايجابي البناء بكل ما نملك من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي. فالفرق عظيم بين الجهاد الداخلي والخارجي في الوقت الحاضر.
وهناك مسألة أخرى في غاية الاهمية. وهي ان متطلبات المدنية الدنية (الدنية بالنسبة لأحكام القرآن الكريم) في يومنا هذا قد زيّدت الحاجات الضرورية من الاربعة إلى العشرين. فجعلت الحاجات غير الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية بالادمان والاعتياد والتقليد. فتجد من يفضل الدنيا على الاخرة رغم ايمانه بها لإنهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظناً منه انها ضرورة.
قبل أربعين سنة ارسل الي قائد عام عدداً من الضباط وحتى بعض العلماء الائمة من اجل ان يعيدوني شيئا إلى الأمور الدنيوية. فقالوا: نحن الآن مضطرون.اي اننا مضطرون في تقليد بعض الاصول الاوروبية وموجبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: ان الضرورات تبيح المحظورات. قلت لهم: انكم منخدعون تماماً؛ لان الضرورة النابعة من سوء الاختيار لاتبيح المحظورات. فلا يجعل الحرام بمثابة الحلال. بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي ان لم تأت الضرورة عن طريق الحرام فلا ضير. فمثلاً: اذا سكر شخص بسوء اختياره بشربه الحرام، ثم اقترف جريمة وهو سكران، فان الحكم يجري عليه ولا يكون بريئاً بل يعاقب. ولكن اذا قام طفل مختل العقل بقتل شخص ما - وهو في حالة الاختلال - فهو معذور ولا يعاقب. لانه لم يقترف الجريمة بإرداته. وهكذا قلت للقواد والائمة: أي الأمور تُعد ضرورية مما سوى الاكل والعيش؟. فالاعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا
سيرة ذاتية - ص: 471
تكون عذراً لجعل الحرام حلالاً. فاذا ادمن الإنسان نفسه على شئ كمتابعته للافلام في السينما وارتياده المسرح والرقص بكثرة، وهذه الأمورليست ضرورية قطعاً، بل نابعة من سوء الاختيار، لذا لا تكون كافية لجعل الحرام حلالاً. وحتى القانون الإنساني قد اخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار، وميز بين الضرورة القاطعة غير الداخلة ضمن اطار الاختيار والاحكام الناشئة من سوء الاختيار. الا ان القانون الالهي قد فرق بينهما بشكل أساس وثابت راسخ ومحكم.
اخواني ! لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعض الجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمرضرورة، بدون علم وعملوا وفقها. ولهذا فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل. فلا تتحرشوا بهم وان كان المعارضون لنا من العلماء الائمة. انني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم افتر مقدار ذرة قط. ووفّقت في تلك الخدمة الإيمانية بإذن الله. فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فانني اسعى بالعمل الايجابي واتحمل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم.
اننا لا نلتفت إلى الدنيا، فاذا ما نظرنا اليها فنحن لانسعى سوى معاونتهم فيها. فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل ايجابي. وبسبب هذه الحقائق وامثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم .
ان نشر رسائل النور قد أورث قناعة تامة بان الديمقراطيين يساندون الدين ولا يخالفونه. لذا فان التعرض للرسائل يكون ضد منفعة الوطن والملة.
وها مثالاً صغيراً لقاعدة: ان ضرورة نبعت من سوء الاختيار لا تكون سبباً لجعل الحرام حلالاً: كانت هناك رسالة خاصة سرية قد منعتُ نشرها، وقلت لطلابي ليقوموا بنشرها بعد وفاتي، الا ان المحاكم قد عثرت عليها وطالعتها بدقة ثم قضت بالبراءة . وأيدت محكمة التمييز هذه البراءة. وأنا بدوري اذنتُ بنشرها من اجل تأمين الأمن الداخلي والحيلولة دون ان يمس خمساً وتسعين بالمئة من الأبرياء ضرر، وقلت: يمكن نشرها بالاستشارة.
المسألة الثالثة:
يسعى الكفر المطلق حالياً لنشر جهنم معنوي رهيب، بحيث يلزم ان لا يقترب منه أي إنسان في العالم اجمع. ولكن أحد اسرار كون القرآن الكريم رحمة للعالمين هو: مثلما انه رحمة للمسلمين جميعاً، فهو رحمة لجميع الكفار ايضاً وبني آدم اجمع، حيث يورثهم احتمال وجود الاخرة ووجود الله سبحانه، فيخفف عنهم بهذا
سيرة ذاتية - ص: 472
الاحتمال شيئاً من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا. وهذا سر دقيق من اسرار كون القرآن رحمة للخلق اجمعين. الا ان قسم الضلالة من العلم والفلسلفة، أي غير المتوافق مع القرآن الكريم والمنحرف عن الصراط السوي قد بدأ بنشر الكفر المطلق على طراز الشيوعيين. فبدأ بتطعيم أفكارهم المولدة للفوضى والارهاب ونشرها بوساطة المنافقين والزنادقة وبوساطة قسم من السياسيين الكفرة. علماً ان الحياة لا يمكن أن تسير بدون دين. و لاحياة لأمة بلا دين تشير إلى هذه النقطة. إذ لا يمكن العيش- في حقيقة الحال- بالكفر المطلق. ولهذا فان احدى المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم انه قد منح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سداً امام الكفر المطلق والارهاب في هذا القرن. وحقاً أن الرسائل أدت دورها. نعم ان هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا من هذا التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف اوروبا ودول البلقان واقام سداً امام هذا الهجوم. وهكذا وُجد حل سليم امام هذا الخطر الداهم.
اذن لا يمكن لمسلم ان يخرج عن الإسلام ويتنصّر او يتهود او يكون بلشفيا... لان النصراني اذا اسلم فان حبه لعيسى عليه السلام يزداد اكثر. واليهودي كذلك يزداد حبه لموسى عليه السلام بعد دخوله للاسلام. ولكن المسلم اذا ارتد وحل ربقته من سلسلة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتخلى عن الدين الحنيف فلا يمكن له ان يدخل أي دين آخر بل يكون إرهابياً. ولا يبقى في روحه أي نوع من الكمالات. بل يتفسخ وجدانه، ويكون بمثابة سم قاتل للحياة الاجتماعية.
لذا نشكر الله عز وجل ان قد بدأ بالانتشار درس من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم رسائل النور بين ملة الترك والعرب باللغة التركية والعربية. وقد تحقق انها مثلما انقذت قبل ست عشرة سنة ايمان ستمائة ألف شخص. فانها الان قد تجاوز هذا العدد إلى الملايين من الناس. وكما ان رسائل النور اصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الارهاب - شيئاً ما - اصحبت وسيلة للتآخي والوحدة بين الاخوين الجليلين للاسلام وهما العرب والترك، وكذلك اصبحت وسيلة لنشر الاحكام الأساسية للقران الكريم حتى بتصديق اعدائها.
فمادام الكفر المطلق يقف حائلاً امام القرآن الكريم في هذا العصر. وان الكفر يضمر في ثناياه في هذه الحياة الدنيا جهنما معنويا يفوق جهنم نفسه. حيث ان الموت لا يمكن قتله. بل تشهد كل يوم ثلاثون ألف من الجنائز على استمرارية الموت. فان هذا الموت هو بمثابة جهنم معنوي يفوق عذاب جهنم نفسه عشرات
سيرة ذاتية - ص: 473
المرات لمن وقع في الكفر المطلق او لمن يساند الكفر المطلق، نظراً لانه يفكر في الموت انه اعدام ابدي له ولاحبائه الذين مضوا والآتين معاً. لان كل شخص كما يكون سعيداً بسعادة احبائه، يتعذب بعذابه. فالذي يكفر بوجود الله تمحى عنده جميع تلك السعادات، وتحل الأعذبة محلها. لذا هناك حل وحيد في هذا العصر ليزيل هذا الجحيم المعنوي من قلب الإنسان؛ ألا وهو القران الحكيم. واجزاء رسائل النور التي هي المعجزة المعنوية للقران الكريم والتي كتبت وفق افهام ابناء هذا العصر.
نحن الآن نشكر الله عز وجل. إذ قد شعر- إلى حد ما- أحد الاحزاب السياسية هذا الأمر فلم يقم بمنع هذه المؤلفات. ولم يمنع نشر رسائل النور التي تثبت بان الحقائق الإيمانية تذيق أهل الإيمان جنة معنوية في هذه الدنيا. بل سمح على نشرها وتخلى عن مضايقة ناشريها.
اخواني! ان مرضي قد اشتد كثيراً. ولعلي أتوفى قريباً، او امنع من المكالمة كلياً - كما كنت امنع احياناً منها - لذا فعلى اخوتي في الآخرة ان يتجاوزوا عن الهجوم على اخطاء بعض المخطئين المساكين، وليعدّوها من قبيل أهون الشرين. وليقوموا بالعمل الايجابي دائماً. لان العمل السلبي ليس من وظيفتنا. ولان العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر. ومادام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل مسامحون قليلاً. لذا انظروا اليهم كـ اهون الشرين. ومن اجل التخلص من اعظم الشر فلاتمسوهم بضرر بل حاولوا ان تنفعوهم.
وكذا ان الجهاد المعنوي في الداخل هو العمل ضد التخريبات المعنوية وانه ليس مادياً قط.. وانما يستوجب القيام بخدمات معنوية. لذا فكما لم نتدخل بامور أهل السياسية، فلا يحق لاهل السياسة ان ينشغلوا بنا.
فمثلاً: لقد سامحت عن جميع حقوقي وعفوت عن حزب من الاحزاب السياسية رغم مقاساتي منه الوفاً من المضايقات والسجون منذ ثلاثين سنة. فقد اصبحت جميع تلك المشقات والمضايقات وسيلةً لخلاص خمسة وتسعين بالمئة من المساكين في ان يسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات.حيث اسند الذنب إلى خمسة بالمئة من ذلك الحزب، بحكم الآية الكريمة:
]ولا تزر وازرة وزر أخرى[ فلا يحق اذن لذلك الحزب الذي عادانا القيام بالشكوى منا بأي وجه كان.حتى ان المدعي العام الذي طالب في احدى المحاكم - من جراء الاوهام الخاطئة لبعض المخبرين والجواسيس - بإنزال الحكم علينا نحن السبعين متهماً،
سيرة ذاتية - ص: 474
مستنداً إلى سوء فهمه وعدم تدقيقه، وباسناد معنى خطأ لقسم من رسائل النور، فسعى بالحكم علينا بهذه الاخطاء التي كانت تنوف على ثمانين خطأً، كما اثبتنا اخطاء تلك الاخطاء، وكان أحد اخوانكم الذي تعرض اكثر من غيره لمثل تلك الهجمات الظالمة، مسجوناً وقد شاهد طفلة صغيرة من خلال نافذة السجن فسأل عنها فقيل له انها ابنة ذلك المدعي العام، فلم يقم حتى بالدعاء على ذلك المدعي العام لاجل تلك الطفلة البريئة المسكينة. ولعل تلك المشقات والاضطرابات التي القاها علينا المدعي العام انقلبت إلى رحمة، نظراً لانها اصبحت وسيلة لنشر رسائل النور تلك المعجزة المعنوية.
اخواني! ربما اموت قريباً. فان لهذا العصر مرضاً داهماً. وهو الانانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وامثالها من الأمراض المزمنة. ان اول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الانانية وحب النفس. حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي. ولله الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بانانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل اصغر مسألة ايمانية. وحتى قد اخفت صوت لاحد طلاب النور وهو الضعيف المسكبن من قبل الرحمة الإلهية عندما اصبح اعداؤه اصدقاءاً له وكثر الخطاب معه. ويتألم من انظار من ينظر اليه بنظر تقدير واستحسان. اضافة انه يتضايق من المصافحات كأنه يتلقى الصفعات. فسئل عنه ما حالك؟ فما دام لك اصحاب يتجاوزون الملايين، فلماذا لا تحافظ على احترامهم لك وتوقيرهم اياك؟ فاجاب قائلاً:
- مادام الإخلاص التام هو مسلكنا. فبمقتضى الإخلاص التام لابد من التضحية والفداء ليس بالانانية فحسب، بل لو منحت سلطنة الدنيا يستوجب تفضيل مسألة ايمانية واحدة باقية على تلك السلطنة. لذا فقد فضل نكتة دقيقة قرآنية في آية واحدة او في حرف منها في الحرب، وفي الخط الامامي بين قنابل مدافع الأعداء فامر طالبه المسمى بـ حبيب: اخرج الدفتر فاملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده. أي انه لم يترك حرفاً واحداً ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء بل يفضلها على إنقاذ حياته.
فسألنا ذلك الاخ: من اين تلقيت هذا الإخلاص العجيب فقال:
- من نقطتين...
سيرة ذاتية - ص: 475
الأولى: ان في غزوة بدر التي هي من اعظم الغزوات الإسلامية، وضع قسم من المجاهدين اسلحتهم ووقفوا لاداء الصلاة جماعة بينما القسم الاخر وقفوا مسلحين حذرين. ثم التحقوا بالصلاة كسبا لثواب الجماعة كما امر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمادام هذه الرخصة موجودة في الحرب. ومادام ثواب الجماعة رغم كونه سنة قد فضّل على اكبر حادثة في الدنيا لأجل رعاية تلك السنة النبوية فنحن نستلهم من الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم هذه النكتة الصغيرة ونتبعها بروحنا وانفسنا.
الثانية: ان الامام علي رضي الله عنه قد طلب من الله سبحانه وتعالى في اماكن كثيرة من قصيدته البديعية ولاسيما في اواخرها حاميا يحميه من طروء الغفلة في خشوعه عند وقوفه في الصلاة. فطلب من الرب الجليل عفريتاً من الجن ليحميه مما يمكن أن يحدثه الأعداء من خلل في اطمئنانه وخشوعه في الصلاة.
ان اخاكم هذا المسكين الضعيف، الذي قضى صفوة عمره في الانانية في هذا الزمان، قد تلقى هاتين النكتتين الصغيرتين من سيد الكونين الذي هو سبب خلق الافلاك، ومن الذي هو اسد الإسلام. وفي زماننا هذا قد أعطى هذا المسكين الضعيف اهمية لاسرار القرآن ولم يعر سمعاً لحماية نفسه من الأعداء في الحرب، فبين نكتة واحدة فقط من حرف واحد من القرآن الكريم.
سعيدالنورسي
سيرة ذاتية - ص: 476
الرحــيـل
1
في 19/3/1960 يوم السبت وصل الأستاذ إلى إسپارطة وكان الوقت بعد صلاة العصر وقبلها جاء الشرطي ليستفسر عنه قائلاً:
- ان الأستاذ قد غادر (اميرداغ). قلنا لهم
- لم يأت الينا!
وفعلاً بعد مضي ساعة واحدة أتى الأستاذ بالسيارة، وما ان سمعنا تنبيه السيارة حتى نزلنا وفتحنا الكراج، ودخلت السيارة ثم قفلنا الابواب.
كان الأستاذ متمدداً على ظهره في المقعد الخلفي للسيارة والمرض قد اشتد عليه. اخذناه باحضاننا لنخرجه من السيارة. وعندما صعدنا السلم اردنا ان نحمله على ظهورنا، فلم يقبل. فادخلنا - انا والاخ طاهري - ايدينا تحت ابطه حتى اوصلناه إلى الغرفة، واجلسناه مكانه ثم تمدد في فراشه. كانت درجة حرارته عالية جداً، لذا لم نفارقه قط، حتى اننا كنا نصلي فرادى كي نتناوب البقاء معه للرعاية والسهر عليه.
كنا نحن الاربعة (انا و زبير2 و حسني و طاهري) عند الأستاذ. وفي منتصف الليل كنت انا مع الاخ زبير نتناوب الخفارة عنده. فيرخى احدنا يده ويدلكها والاخر يدلك رجليه. فنظر الأستاذ اليّ قائلاً:
- سنذهب.
- نعم سنذهب يا استاذي، ولكن إلى اين؟.
- إلى (اورفة)... إلى (دياربكر)...
وكرر قوله: سنذهب.
ولما قلت: إلى اين يااستاذي؟
- إلى (اورفة).
قال الاخ (زبير): ربما يقول هذا تحت وطأة الحمى التي تنتابه!
وفي حوالي الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل بدأ الأستاذ يكرر القول نفسه:
_____________________
1
سمعته من بيرام يوكسل وانظر Son sahitler 3/83-902
ولد في قضاء "أرمنك" التابع لولاية "قونيا" سنة 1920 ظل عشر سنوات ملازماً للاستاذ وفي خدمته ليل نهار حتى وفاة الاستاذ النورسي. توفي في 2/4/1971 رحمه الله رحمة واسعة.
سيرة ذاتية - ص: 477
- سنذهب في الصباح الباكر إلى (اورفة)..
فكان يؤكد على (اورفة).
ثم جاء الاخ (طاهري) وحسني لكي يستلما دورهما في الخفارة. وذهبنا انا والاخزبير لتناول السحور (حيث كنا في العشر الاواخر من رمضان المبارك)..
ولقد قال الأستاذ ايضاً إلى الاخ (حسني)
- تهيأوا للذهاب إلى (اورفة).
ولكن الاخ حسني بين ان اطارات السيارة لاتصلح للسفر.
وكرر الأستاذ مرة أخرى:
- سنذهب إلى اورفة مهما كلف الأمر، استأجروا سيارة ولو بمائتي ليرة.. ابيع جبتي اذا اقتضى الأمر.
بدأنا بتهيأة السيارة للسفر، ورأيت ان اطارات السيارة فعلاً غير صالحة، ولايمكننا الحصول على اطارات جديدة في هذا الوقت... وعندما كنا منهمكين في تهيئة السيارة جاء الاخ (طاهري) مسرعاً لمعاونتنا حيث ارسله الأستاذ الينا، واخبرنا ان الأستاذ يطلب الاسراع في الأمر.
تهيأت السيارة، والأستاذ نفسه مستعد للسفر، وانا كنت انتظر الاشارة من الأستاذ كي اشاركهم في السفر، إذ كان الاخ زبير يقول منذ المساء:
- ليت الاخ (بايرام) يكون معنا، فيساعدنا في الطريق. فربما نجد الصعوبة دونه. لذا، لدى خروج الأستاذ من الباب سأل الاخ زبير من الاخ (طاهري):
- هل سيأتي بايرام ايضاً؟
فقال الأستاذ:
- نعم انه سيكون معنا.
فوضعنا الأستاذ في المقعد الخلفي من السيارة بعدما فرشنا له فراشاً عليه ليجد الراحة. وجلست مع الاخ زبير في المقعد الامامي مع السائق.
في 20/ 3/1960 والساعة تشير إلى التاسعة صباحاً، كان ثمة شرطيان يراقباننا في الشارع، حيث اشتد هجوم المعارضة على الحكومة حتى اذيع في الراديو:
على بديع الزمان سعيد النورسي البقاء في إسپارطة او اميرداغ.
وقبل ان تتحرك السيارة جاءت صاحبة البيت (السيدة فطنة) إلى سيارة الأستاذ، فودعها الأستاذ قائلاً:
- اختى! استودعكن الله نرجو دعاءكن، فانا مريض جداً..
سيرة ذاتية - ص: 478
كان الأستاذ يقول هذا بحزن شديد، حيث ان اللحظات هي لحظات فراق، حتى ان عيون صاحبة البيت طفحت بالدموع.. وقد قالت إلى الاخ (طاهري):
- انني - والله - وجلة من سفر الأستاذ في هذه المرة، انه ذاهب ليبحث عن مستقره - أي قبره -.
وقبل المغادرة اوصينا الاخ (طاهري) بعدم فتح الباب لأي طارق، وليذهب لينام. فنفذ الاخ ما اوصيناه، فبدأ الشرطة يسألون من صاحبة البيت:
- ألا تعلمين، متى ذهب الأستاذ وإلى اين؟
فكانت تجيبهم:
- وهل انا حارسة، كيف ادري، وانتم لاتدرون..؟
كانت الامطار تهطل بغزارة أثناء مغادرتنا (إسپارطة)، وكنا نخاف كثيراً من كيد والي (قونيا) حيث كان يصرح للصحف:
- سأجتث جذور طلاب النور واقلعها من الاعماق.
لذا كنا نقرأ على طول الطريق آية الكرسي وباستمرار دفعاً لشره.
اشتد المطر نازلا بغزارة اكثر عند وصولنا إلى (اغريدر) بحيث لم يبق أحد من الشرطة في الشارع فدخلوا جميعاً إلى بناية مركز الشرطة، حتى اننا مررنا من امام المركز ولم يرنا احد. وهكذا تركنا المدينة. ثم وضعنا الطين على لوحة السيارة لئلا يرانا أحد من المراقبين. وبعد ان تركنا (قره اغاج) اصبح الأستاذ في عافية، فنـزل من السيارة وجدد الوضوء. وبعد ان قطعنا مسافة عدة كيلومترات من هناك وقفنا على شمال الطريق عند النبع، فصلى الأستاذ فوق صخرة هناك، ثم بدأنا السير وقبل ان نصل (قونيا) انهى الأستاذ اذكاره واوراده، واستعدل في مكانه على المقعد الخلفي، ولكن ما ان وصلنا حدائق (مرام) في ضواحي (قونيا) حتى اشتد مرض الأستاذ مرة أخرى ولم يتمكن من النطق. فدخلنا المدينة واشترينا فيها الزيتون والجبن استعداداً للافطار، ودفع الأستاذ ثمنه وقال:
- ابنائي انا مريض جداً، كلوا انتم بدلاً عني.
وبفضل الله فقد وسعتنا عنايته الكريمة حيث لم يشاهدنا - والحمد لله - أحد في المدينة، بل ولا في المدن التي تلت (قونيا).
وقبل وصولنا إلى (ارگلي) جلس الأستاذ في مكانه ومد يديه ماسكاً اذني واذن الاخ زبير من الخلف قائلاً لنا:
- ابنائي، لاتخافوا ابداً، فقد قصمت رسائل النور ظهر الملحدين والشيوعيين،
سيرة ذاتية - ص: 479
فرسائل النور غالبة دائماً باذن الله.
كرر هذا القول عدة مرات، وكان صوته واطئاً جداً بحيث لانكاد نسمعه، ثم قال:
هؤلاء لم يفهموني، هؤلاء لم يفهموني، هؤلاء لم يفهموني، هؤلاء ارادوا ان يلوثوني بالسياسة.
ثم ترجلنا من السيارة اداء لصلاة العصر. ولكن الأستاذ ظل داخل السيارة وصلى هناك.
وعندما حان وقت المغرب وصلنا (اولوقشلة) فقال الأستاذ:
فنـزلنا - انا والاخ زبير - واشترينا من المطعم قليلاً من الرز، واردنا ان نهئ الطعام، ولكن الموقد الذي نحمله ما كان يصلح للغرض، فأخذنا موقد حارس سكة الحديد هناك.. كان الجو بارداً جداً، فتوسلت بالحارس ليستأجرنا موقده وقلت له ان معنا شيخاً مريضاً وان موقدنا معطوب. فرضي الحارس.
بدأنا نحضر الطعام، ظل الاخ زبير مع الأستاذ داخل السيارة. وضعنا قليلاً جداً من الزبدة والبيض مع شئ من اللبن، فأخذ الأستاذ ملعقة منه ليضعه في فمه ولكنه لم يستطع الاكل، لانسداد بلعومه من شدة المرض.
مررنا من (اطنه) ليلاً ثم من (جيحان)، وصلينا العشاء في ضواحيها. ثم استرخى الاخ حسني لينام ساعة حيث كان يقود السيارة باستمرار. وعند السحور وصلنا (العثمانية) ودخلناها للتزود بالوقود، ولنتناول السحور، الا ان الأستاذ لم يذق شيئاً قط. ثم اقمنا صلاة الفجر قرب (المان پنارى) والأستاذ لم يغادر السيارة. كانوا يطلقون على هذا الجبل سابقاً (گاوورداغى) - أي جبل الكفر - والآن يطلقون عليه (نور داغى) أي جبل النور.
وعند انبلاج الصباح وصلنا (غازي عنتاب) فاشتريت من المطعم شيئاً من الحساء وسألت عن الطريق إلى (نزيب)، حيث كانت الثلوج والامطار تتساقط بشدة. وكان الطريق محفوفاً بالمخاطر فترى السيارات عاطلة على جانبي الطريق، اما سيارتنا - والفضل لله - فكانت تسبق الريح ولم تتعطل لا في اطاراتها ولا في محركها والحمد لله.
وعندما وصلنا إلى اورفة كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وكان الاخ حسني على معرفة جيدة بشوارع (اورفة).. دنونا من مسجد (قاضى اوغلو) الذي
سيرة ذاتية - ص: 480
كان الاخ (عبدالله يكن) يتواجد فيه، فاوقفنا السيارة قرب المسجد، واسرع الاخ زبير إلى المسجد لابلاغ الاخ عبدالله بقدوم الأستاذ، وعندها قال الأستاذ:
- لنسرع بالذهاب فلامتسع لنا للانتظار.
جاء الاخ زبير ومعه الاخ عبدالله مسرعاً إلى السيارة، فطلبنا من الاخ عبدالله ان يدلنا على فندق نظيف جداً، فدلنا على فندق (ايپك بالاس).
حملنا الأستاذ معاً وصعدنا به إلى الطابق الثالث حيث الغرفة رقم (27) ووضعناه على فراشه ليرتاح قليلاً من عناء هذا السفر الطويل.
اما اهالي اورفة فقد كانوا منهمكين بتلاوة القرآن الكريم وختمه، نظراً لاننا كنا في شهر رمضان المبارك. وما ان سمعوا بقدوم الأستاذ إلى مدينتهم حتى هرعوا إلى الفندق وعاتبنا الكثيرون من عدم اخبارنا لهم مسبقاً بمجئ الأستاذ ليستقبلوه...
بدأ الناس يتقاطرون من كل مكان لزيارة الأستاذ. كان الاخ زبير جالساً على باب الغرفة، يسمح لهم بالدخول واحداً واحداً، اما انا فقد كنت امسك بيد الأستاذ وهم يقبلونها، والأستاذ يقبل رؤوسهم، وما كان الأستاذ يرغب بمغادرتهم بينما كنت اقول لهم ارجو ان تخرجوا من الغرفة ليتسنى لغيركم المجئ إلى الأستاذ، فكانوا يخاطبونني:
- الاترى ان الأستاذ لا يرغب في ذلك.
لقد كنا فعلاً في حيرة من هذا الموقف من الأستاذ حيث لم نكن قد رأينا مثله من قبل، فما كان الأستاذ ليسمح لأحد بالبقاء عنده سواء أكان في إسپارطة ام في (اميرداغ)، حتى اننا عندما كنا في إسپارطة ومرض الأستاذ، فقلت له:
- يااستاذي هل ابلغ الاخوان بمرضك؟
قال: لا لايأتي أحد اليّ دونكم.
بينما هنا في هذه المدينة، لم يكن يردّ احداً، بل كان يضمهم إلى صدره، فقد اتى لزيارته اهالي المدينة كلهم، ومن الاصناف كافة، ولم يرد الأستاذ احداً منهم. بل كان يتحمل محتسباً ولم يسترح بل لم يذق طعم النوم. وكذلك نحن لم يجد النوم إلى عيوننا سبيلا.
استلمت دوري من الاخ زبير فجلست امام الباب، وجاء في الحال شرطيان اثنان قال احدهما:
- تهيأوا للذهاب! اين السائق؟
اجبتهم:
سيرة ذاتية - ص: 481
- الأستاذ مريض جداً.
ثم جاء أحد عشر شرطياً وقالوا:
- تهيأوا حالا! ستذهبون إلى إسپارطة في الحال.
قلت لهم:
- سأبلغ الأستاذ بالأمر.
دخلت على الأستاذ واخبرته بالأمر، فسمح لهم بالدخول اليه، فقالوا:
- ان رجوعكم إلى إسپارطة امر صادر من وزارة الداخلية.
قال لهم الأستاذ:
- يا للعجب! لقد اتيت هنا لكي اموت فيه، وربما سأموت، وها انتم ترون حالي، دافعوا عني.
قال احدهم:
- نحن تحت اوامر السلطة، ماذا نعمل؟
ثم جاءوا بالاخ حسني مع سيارته امام الفندق، ليأخذ الأستاذ، وبدأ الناس بالتجمهر امام الفندق. وصرخ صاحب الفندق من اعلى السلم على الشرطي:
- انه ضيفي. كيف يجوز لكم ان تأخذوه مني؟
كان الناس في هياج شديد، حتى اخذوا يهتفون قائلين: كيف يؤخذ ضيف كريم مثل الأستاذ وهو على فراش الموت.
اصبح الناس في حالة لاتسمح للشرطة بالصعود إلى الفندق، وبدأوا يرجون من السائق ان يبعد السيارة من باب الفندق، ففعل، وعندها هدأ الناس قليلاً وبدأوا بزيارة الأستاذ مرة أخرى. فجاء موظفو الدولة والشرطة والعسكريون من جنود وضباط واعضاء الاحزاب.. كلهم لزيارة الأستاذ.
ثم بدأ اصرار الشرطة على مقابلة الأستاذ وابلاغه بأن الأمر صادر من الجهات العليا وان علينا الخروج من اورفة حالا. وقالوا:
- ان كنتم لاتغادرون المدينة بسيارتكم فسنأخذكم بسيارة اسعاف.
فأجبناهم:
- ان استاذنا مريض، وان مرضه شديد جداً، لايستطيع ان يتحمل قطع مسافة يوم كامل في السفر مرة أخرى. فضلا عن اننا لانتدخل في اموره، وبخاصة وهو في هذه الحالة التي هي اشبه ما تكون بالموت.
قال احدهم:
- ان الأمر قطعي لامرد له، فهو امر وزاري، فكما جاء استاذكم إلى هذه
سيرة ذاتية - ص: 482
المدينة سيرجع كذلك. اخرجوا من اورفة حالا.
قلنا:
- نحن لانتدخل في امور الأستاذ، تعالوا قابلوه انتم بانفسكم واعرضوا عليه مطالبكم فان قال لنا: نذهب، فنحن ذاهبون، لاننا لانرد قوله ابداً ولايمكن ان نبلغه ما تقولونه.
فاستشاطوا غضباً وقالوا:
- ما هذا؟ الا تقدرون ان تقولوا له الشئ البسيط؟
- نعم! نحن لانقول له شيئاً، وكل ما يقوله ننفذه حرفياً.
قالوا:
ونحن ايضاً مرتبطون بالاوامر الرسمية هكذا، فيجب ان تتركوا اورفة في مدة اقصاها ساعتان، وترجعوا إلى إسپارطة.
وعندما سمع الناس بقضية اخراج الأستاذ من اورفة احتشد قرابة ستة آلاف شخص امام الفندق، وعندها ذهبنا إلى المستشفى لنخبر رئيس الصحة بحالة الأستاذ الصحية وانه لايستطيع السفر، وطلبنا منه اجراء الفحص على الأستاذ بنفسه.
اجرى الطبيب الفحص ثم التفت الينا:
- كيف تجرأتم على جلب الأستاذ إلى هنا، فدرجة حرارته عالية، وهو في حالة لايمكن تحريكه مطلقاً. تعالوا معي لازودكم بتقرير لجنة الاطباء بأنه لايمكن ان يحرك من مكانه..
نفدت طاقتي كلياً بعد صلاة المغرب من كثرة الوقوف والسهر والتعب، فقلت للاخ (زبير):
- انني متعب جداً، فلقد انهكني الوقوف. قال:
- اذهب ونم في الغرفة.
فذهبت ونمت حوالي ساعتين. ثم جاء الاخ زبير إلى الغرفة وقال:
- اخي انني قد نفد صبري، لم اغمض عيني هذا الاسبوع قط..
- تعال لنتناوب..
صلينا العشاء، ثم نام الاخ (زبير). بقيت انا والاخ حسني عند الأستاذ.
ثم قال الاخ (حسني):
- ان رجليّ بدأتا تؤلمانني من الوقوف والسهر. اريد ان ارتاح قليلاً.
قلت:
سيرة ذاتية - ص: 483
- انني مرتاح الآن، اذهب انت ايضاً للنوم.
بقيت وحدي عند الأستاذ.
وكان الأستاذ قد طلب منذ الصباح الباكر قطعة ثلج، لما كان يشعر به من شدة الحرارة، فبحثنا عن الثلج ولم نحصل عليه. وعندما حان الليل جاء بعض الاصدقاء وقد حصلوا على الثلج. فقلت:
- استاذي لقد حصلوا على الثلج!
فاشار بالرفض.
- استاذي هل احضر الشاي؟
فاشار بالرفض.
وعندما اشارت الساعة إلى الثانية والنصف ليلاً بدأت شفاه الأستاذ بالجفاف، وكنت ابللها بمنديل. ثم كلما كنت اريد ان اغطيه يرفض، واستمر هكذا لفترة قصيرة.. اسدلت على المصباح شيئاً ليخفت ضوءه، لئلا يقلق راحة الأستاذ..
بدأت ارخى ساعديه فضمني اليه، ثم وضع يده على صدره، واستسلم للنوم.. فاشعلت المدفأة، وحيث كنت اظنه نائماً انتظرت ان يصحو على السحور، فكنت اقول في نفسي سوف يأتي الاخوة الاخرون ونتناول السحور معاً. فوا سذاجتاه لم اكن اعلم ان الأستاذ قد فارقنا، وانه قد انتقل إلى عالم الخلود، واغمض عينه عن هذه الدنيا الفانية.
لم اكن قد رأيت سابقاً مثل هذه الحالة! فانّى لي ان اعلم!
مضى وقت السحور كثيراً، وجاء الاخ حسني مع الاخ عبدالله وقالا:
- لقد نمنا كثيراً واطلنا فيه.
قلت:
- سأذهب إلى الغرفة المجاورة لأصلي الفجر، فلا تحركوا ساكناً لان الأستاذ نائم.
ذهبت إلى الغرفة، صليت الفجر، قرأت الاذكار والاوراد اليومية، مع جزء من القرآن الكريم، وما ان اردت ان اطبق جفني لأنام حتى جاء الاخوة:
- يا اخانا، ان الأستاذ لايحرك ساكناً.
- الأستاذ نائم فلا توقظوه.
ثم جاؤا مرة أخرى وقالوا:
- ان الأستاذ لايتحرك ابداً..
سيرة ذاتية - ص: 484
ذهبنا معاً إلى غرفة الأستاذ. جلس الاخ زبير بجانب رأسه ونحن الاربعة ننظر اليه، وليس للاستاذ اية علامة للحركة. ولكن درجة حرارته اعتيادية! فاضطربنا كثيراً. وقال الاخ زبير:
- هذه الحالات تتكرر كثيراً لدى الأستاذ.
فخيم علينا الحزن، وعندها قال الاخ زبير:
- هناك شخص يعرف مثل هذه القضايا اسمه (عمر افندي الواعظ).
وحالما اتى الرجل ورأى وضع الأستاذ قال:
-
]إنّا لله وإنّا اليه راجعون[ اخواني ان الأستاذ قد مات.لم اكن اصدق عيني بوفاة الأستاذ قطعاً. إذ عندما كنا في سجن (آفيون) سنة 1949 سمموا الأستاذ، فاحمر لسانه، فكنا نبكي بلا توقف على حاله، وعندها قال الاخ (احمد فيضي) رحمه الله:
- لماذا تبكون يا اطفال! ان حياة الأستاذ طويلة!.
وهنا ايضاً تذكرت قول الاخ (احمد فيضي) مسلياً نفسي: ترى هل ان عمر الأستاذ يطول؟.
هرع الاخوان ليبعثوا بالخبر إلى ولايات مختلفة من ارجاء البلاد.
سجينا الأستاذ بنسيج قطني رقيق. وبعد هنيهة جاء صاحب الفندق، ولما نظر إلى الأستاذ علم انه قد توفي واخذ يضرب على فخذيه ويصرخ.
وعلى اثره جاء مدير الأمن واستفسر عن اضطراب صاحب الفندق. فأجابه:
- ان بديع الزمان قد مات.
- هل حقاً انه مات!
- نعم!
فانسحب الشرطة كلهم من امام الفندق، وجاء الطبيب الخاص ليتأكد من حالة الوفاة وقال:
- الله.. الله.. ان درجة حرارته مرتفعة جداً، هل لديكم مرآة؟
فوضع المرآة على فم الأستاذ، وتأكد من عدم تنفسه وانقطاعه كلياً، ثم قال:
- نعم انه ميت! ولكن لاتشبه حالته حالة وفاة.. انني اشك فيه، ولاارى دفنه في الحال.
ثم كتب تقريره للمسؤولين.
ثم جاء قاضي التركات، وبدأ يثبت ما ورثه الأستاذ فكان:
سيرة ذاتية - ص: 485
ساعة، وسجادة ولفاف الرأس، وجبة. فاعطى كلها لأخيه عبدالمجيد.
بدأت الوف من اهالي اورفة يحتشدون امام باب الفندق، واخبروا الولايات الأخرى كلها بهذا النبأ الفاجع.
اخذ نعش الأستاذ من الفندق من بعد صلاة الظهر إلى غسله في (دركاه) ووصلنا اليه بعد ساعتين او اكثر حيث الازدحام كان شديداً جداً فقد اغلق اهالي اورفة محلاتهم. ولما ذهبوا بنعش الأستاذ أغمي عليّ وعلى الاخ (حسني).
فخاطبنا الاخ (عبدالله).
- هل انتم اطفال.. افيقوا!
ولدى وصولنا إلى (دركاه) ليتم غسل الأستاذ، كان الازدحام لايطاق حتى تعذر الدخول إلى هناك، ومع ذلك دخلنا واستطعنا ان نغسل الأستاذ هناك، وقام بغسله (ملا حميد افندي) وهو من علماء اورفة المعروفين.1
وساعدنا في الغسل الاخوان (زبير و حسني و عبدالله و خلوصي).
وبعدما تم الغسل اخذنا نعشه الطاهر إلى (اولو جامع) كي نختم على روحه القرآن الكريم. ظلت الجنازة في تلك الليلة في الجامع، وما ان تنفس الصبح حتى اصبح الازدحام في اورفة شديداً جداً حيث اتى الناس من كل انحاء تركيا. وقرأ الجميع الختمة القرآنية حتى الصباح واهدوا ثوابها إلى روح الأستاذ.
ولشدة الازدحام فقد قدرنا انه لن يتيسر الدفن في هذا اليوم... فاستدعانا الوالي، وبدأ يرجو منا ويلح بأن يدفن الأستاذ اليوم بعد صلاة العصر بدلا من يوم الجمعة لان الازدحام اصبح لايطاق في المدينة.
وفي الحال اعلن عن ان صلاة الجنازة ستقام يوم الخميس بعد صلاة العصر.
حضر الوالي نفسه ورئيس البلدية واقاموا صلاة الجنازة.
ولقد اندهشنا من ظاهرة عجيبة وهي انه: عندما كان الأستاذ يُغسل كانت الامطار تتساقط رذاذاً وشاهدنا عندها طيوراً ذات اشكال غريبة والوان زاهية. وباعداد هائلة جداً.
_____________________
1
يروي (ملاحميد افندي) هذه الخاطرة:"كنت معتكفاً في جامع (قاضي اوغلو) ورأيت في الرؤيا ان الأستاذ يقول لي:
- عليك بحضور جنازتي، والقيام بغسلي، لاني سأموت.
قلت له: انه لايجوز للمعتكف الخروج من الاعتكاف يا استاذي! فماذا اعمل؟.
قال: انظر الى صحيفة كذا من (ملتقى الابحر) فهناك ترى الجواز.
ولما استيقظت من النوم، اخذت الكتاب المذكور بسرعة وانا بعد تحت تأثير الرؤيا، وفتحت الصفحة نفسها واذا ما قاله الأستاذ نفسه. وعلى هذا فقد نلت شرف غسل جنازته". ش/451
سيرة ذاتية - ص: 486
وهكذا دفن الأستاذ يوم الخميس بعد صلاة العصر. ولم يستطع كثير من الناس حضور تشييع الجنازة الا من جاء بسيارات خصوصية. فلم يلحق من كانوا في (اميرداغ) ومنهم الاخ (جايلان) فلقد حزن هذا الاخ حزناً عميقاً على تأخره عن الجنازة وقال:
- لقد خدمت الأستاذ سنوات طوالا واليوم ياللاسف لم احضر وفاته!!
الخاطرة الاخيرة:
يقول عبدالمجيد شقيق الأستاذ:
بعد مرور خمسة اشهر على وفاة شقيقي اُستدعيت إلى ديوان الوالي في (قونيا). شاهدت هناك ثلاثة جنرالات معه،1 خاطبني احدهم:
لايخفى عليكم اننا نعيش ظروفاً حرجة ، فالزوار من الولايات إلى قبر شقيقكم يزدادون يوماً بعد يوم، فنحن نريد ان ننقل رفاته - بمعاونتكم - إلى اواسط الأناضول. فنرجو توقيع هذا الطلب. ومدوا اليّ بورقة طلب باسمي، قلت بعد قراءتها: ولكني لم اطلب هذا... ارجوكم دعوه ليرتاح في الاقل في قبره! اصروا على موقفهم وقالوا:
لامناص من الأمر.
توجهنا - بعد توقيع الطلب - إلى المطار فأقلتنا طائرة عسكرية إلى (اورفة)، وفي الثالثة ليلاً ذهبنا إلى المقبرة... كان هناك تابوتان في صحن الجامع مع بعض الجنود. اقترب الطبيب العسكري مني قائلاً:
- لاتقلق سننقل الأستاذ إلى الأناضول.
وعلى اثر هذا الكلام اجهشت بالبكاء فلم اتمالك نفسي. امر الطبيب الجنود بهدم القبر. فكانوا يترددون ويخشون سخط الله عليهم.
فقال الطبيب: نحن مأمورون وليس امامنا سوى التنفيذ، فقاموا بهدم القبر واخراج التابوت منه. وعندما فتحوا التابوت. قلت في نفسي: لابد ان عظام اخي الحبيب قد اصبحت رماداً. ولكن ما ان لمست الكفن حتى خيل لي انه قد توفي
_____________________
1
حيث وقع انقلاب عسكري في 27 مايس سنة 1960 اطاح بالحزب الديمقراطي وسيق اعضاء الحكومة الى المحكمة التي اطلق عليها اسم "محكمة الدستور" و انتهت هذه المحكمة بتنفيذ حكم الاعدام برئيس الوزراء "عدنان مندرس" وعلى اثنين من وزرائه وبمدد مختلفة للوزراء وللمسؤولين السابقين في حكومة الحزب الديمقراطي. كما ابدوا عداء لجميع التيارات والحركات الإسلامية في تركيا ومنها حركة "طلاب النور".وكأن حقد اعداء الإسلام وغيظهم على الأستاذ سعيد النورسي لم ينته حتى بعد وفاته فأرادوا الانتقام منه وهو في القبر،فقاموا بنقل رفات هذا العالم الجليل الى جهة مجهولة.
سيرة ذاتية - ص: 487
امس. كان الكفن سليماً الا انه مصفر قليلاً من جهة الرأس. وكانت هناك بقعة واحدة على شكل قطرة ماء. وعندما كشف الطبيب عن وجهه، نظرت اليه واذا عليه شبه ابتسامة. احتضنا ذلك الأستاذ العظيم ووضعناه في التابوت الآخر. واخذناه إلى المطار. كانت الشوارع خالية من الاهلين ومليئة بالجنود المدججين بالسلاح، حيث اعلن منع التجول في المدينة. جلست بجانب التابوت في الطائرة والحزن والاسى يملآن قلبي. والدموع تملأ عينيّ. اتجهت الطائرة إلى (آفيون) ومنها نقل التابوت بسيارة اسعاف إلى إسپارطة حيث دفن في مكان لايزال مجهولاً.1
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
[ولعل هذا استجابة القدر الإلهي لما تمناه الأستاذ وأوصى طلابه بألاّ يُعرف موضع قبره إلاّ واحد أو إثنان منهم. ولما سألوه عن الحكمة في منعه زيارة قبره مع ما فيها من كسب للثواب أجابهم بالآتي:
إن الغفلة الناشئة من الأنانية وحب الذات في هذا العصر العصيب تدفع الناس الى ان يولوا اهتمامهم الى مقام الميت وشهرته الدنيوية في أثناء زيارتهم القبور مثلما عمل الفراعنة في الزمن الغابر على تحنيط موتاهم ونصب التماثيل لهم ونشر صورهم رغبة في توجيه الأنظار اليهم، فتوجهت الأنظار الى المعنى الإسمي - أي لذات الشخص- دون المعنى الحرفي - أي لغيره -.. وهكذا فإن قسماً من أهل الدنيا في الوقت الحاضر يولون توجههم الى شخص الميت نفسه والى مقامه ومنـزلته الدنيوية بدلاً من الزيارة المشروعة لكسب رضاء الله ونيل الثواب الاخروي كما كانت في السابق.
لذا أوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظا علىسرالإخلاص ولئلا اجرح الإخلاص الذي في رسائل النور. فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب وأياكان فإن ما يقرأه من الفاتحة تبلغ الى تلك الروح.2
ومما يلفت النظر أن ما كتبه الأستاذ النورسي في مستهل مؤلّفهلمعات(اللوامع) المطبوع في سنة1921 فيه إشارة الى سنة وفاته وتهدّم قبره. إلاّ أن أحداً لم ينتبه اليها إلا بعد وفاته. وهذا أمر جار لدى كثير من العلماء العاملين والأولياء الصالحين وليس علماً بالغيب كما لايخفى إذ هو إعلام من الله لهم بإشارات خفية ورموز دقيقة. ندرج ذلك في أدناه:]
_____________________
1
ش/4372
ملحق اميرداغ/2(بالتركية)
سيرة ذاتية - ص: 488
الداعي
1قبري المهدّم يضم تسعاً وسبعين جثة2 لسعيد ذي الآثام والآلام
وقد غدا شاهد القبر تمام الثمانين
والكل يبكي معاً لضياع الإسلام
فيئن قبري الملئ بالاموات مع شاهده
وغداً انطلق مسرعاً الى عقباي
وأنا على يقين: أن مستقبل آسيا بأرضها وسمائها
سيستسلم ليد الإسلام البيضاء
إذ يمينه يُمن الإيمان
يمنح الطمأنينة والأمان للأنام.3
_____________________
1
هذه القطعة توقيع المؤلف2
يعني: لما كان الجسد يتجدد في كل سنة مرتين، فإن سعيدَين قد ماتا في كل سنة، فضلاً عن أن سعيداً في هذه السنة في السنة التاسعة والسبعين، وان سعيداً سيعيش الى هذا التاريخ،حيث يموت في كل سنة سعيد. (أضاف المؤلف هذا الهامش سنة 1951- ذكره صونغور).ومما يوضح هذا المعنى ماذكره الأستاذ في مؤلفه (إشارات) بالنص العربي: أنا تولدتُ الآن متلخّصاً من ثمانين"سعيداً " تمخّضوا في أربعين سنة بقيامات مسلسلة واستنساخات متسلسلة. فهذا "السعيد" حيّ ناطق (وتسع وسبعون) ميّتون. لو بالإنجماد تماسك ماءُ الزمان وتمثّل اولئك "السعيدون" وترآءوا لمَا تعارفوا (لشدة التخالف فيما بينهم).. تدحرجتُ عليهم في الأطوار فتفرّق مني ما زان وأخذتُ منهم ما شان. فكما أن أنا الآن هو أنا في هاتيك المراحل، كذلك أنا فيما يأتي بموتي من المنازل. إلاّ أنه في كل سنة بمهاجرة إثنتين لساكني تلك البلاد يجدّد "أنا" لباسه فيلبس "السعيدَ " الجديدَ ويخلع العتيقَ.
3
الكلمات/837