سيرة ذاتية - ص: 517

الفصل الرابع

أوراق من الذكريات1

الصلاة في أوقاتها:

كان الأستاذ جمّ الخشوع في صلاته ويقرأ الآيات آية بعد آية، وبعدما يقف منتصباً للصلاة ينوي ثم يكبر بـ(الله اكبر) بصوت عال جداً يكاد دويه يهز البيت الخشبي الذي يسكنه، وكانت الرهبة تملأنا ونحن خلفه مأمومون.

كان يهتم كثيراً بأوقات الصلاة وحريصاً عليها كل الحرص، وأسوق هنا مثالاً:

خرجنا يوماً من إسپارطة إلى اميرداغ ولم يبق الا خمس دقائق للوصول إلى اميرداغ واذا بوقت الصلاة قد حان، فنظر الأستاذ إلى ساعته فأقام بنا الصلاة. ولم يكن الأستاذ يبالي بالبرد القارس ولا بالمطر إذا ما حان وقت الصلاة. فكنا نؤديها في أوقاتها في الحل والترحال، وكان يقول:

ان اكثر من مائة مليون شخص من كل أرجاء العالم الإسلامي يجتمعون في الجامع المعظم ويشكلون جماعة كبرى لأداء كل صلاة في وقتها، فكل فرد من هذه الجماعة يدعو للجماعة كلها بقوله: ]اهدنا الصراط المستقيم[ فهذه الآية الكريمة تصبح بمثابة دعاء وشفيع لكل فرد من أفراد الجماعة. نفهم من هذا: عِظم الثواب غير المتناهي والأخروي الذي يناله الفرد المؤدي صلاته في أوقاتها فالذي لا يشترك إذن مع هذه الجماعة لا يحصل على حظه من ذلك الثواب، مثله في هذا: الجندي الذي لم يجلب قصعته لأخذ طعامه من المطبخ الرئيس فلا يستلم أرزاقه المخصصة، أي ان الذي لا يؤدي الصلوات في أوقاتها كأنه لا يأخذ أرزاقه المعنوية من القدر الرئيس في المطبخ المعنوي للجماعة الكبرى.2

_____________________

1 لقد جمع الباحث الدؤوب نجم الدين شاهين أر مشاهدات معظم الذين عاصروا الأستاذ النورسي وسجّل ذكرياتهم عنه في أربعة مجلدات موسومة بـ Son sahitler وترجم أبني البار أسيد مقتطفات منها ونشرت تحت أسم "ذكريات عن سعيد النورسي" وقد انتقيت نماذج من تلك الذكريات بما يناسب المقام.

2 ذكريات/58 Son sahitler 3/64 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 518

تسبيحات الأستاذ:

كنت أنشرح كثيراً عندما أصلي مقتدياً بالأستاذ، كان قيامه للصلاة يزيد الإنسان رهبة وخشوعاً. وكان يرشدنا إلى ان التسبيحات والأذكار عقب الصلاة إنما هي بحكم نوى للصلاة وبذورها وكان يسبّح ويذكر الله بصوت رخيم حزين، فعندما يقول: سبحان الله.. سبحان الله كنا نسمعه يصدر على مهل من أعماق أعماق قلبه.

إنني شخصياً لم أرَ مثل الأستاذ قط مَن يصلي ثم يسبح بهذا الخشوع والحزن، مع أنني رأيت كثيراً من الشيوخ والعلماء.

وعندما كان يقول: لا اله الاّ الله ويبدأ بالتسبيحات ويستمر بها يصبح صوته كفرقعة المدافع في قوته وشدته، فلو كان عنده شخص من أهل الطريقة الصوفية إذن لأخذته الجذبة والشوق! .1

أذكار الليل:

كان الأستاذ ينام قليلاً ويأكل قليلاً جداً بحيث لا يكفي لإشباع حاجة الإنسان الاعتيادي وكان يقول لنا:

- النوم الفطري والطبيعي هو خمس ساعات في اليوم.

وكان من عاداته - التي لم يتخل عنها طوال حياته المباركة - ان يقضي الليالي بالتسبيح والتهليل والدعاء والمناجاة والتهجد، وكان على وضوء دائم، وكان جيران الأستاذ في إسپارطة وبارلا واميرداغ يقولون لنا:

كلما نظرنا إلى بيت الأستاذ في الليل رأينا مصباحه الخافت مضاء ونسمع أنين أذكاره الحزين ودعاءه الرقيق.2

الأشهر الثلاثة:

عندما كان الأستاذ في إسپارطة، حلت الشهور الثلاثة رجب، شعبان، رمضان فقام بتوزيع أجزاء القرآن الكريم، لكل طالب جزء من التلاوة اليومية ليختم القرآن الكريم كل يوم في هذه الشهور المباركة، فيرفع إلى الملأ الأعلى قرآناً كاملاً من طلاب النور في ساو، قوله اونلو، اتابى، بازانون فحظيت هذه النواحي ببركة ختم القرآن يومياً بعمل الأستاذ هذا. وفي الوقت نفسه كان الأستاذ يدعو

 

_____________________

1 ذكريات/ 10son sahitler 1/118 من ملا حميد

2 ذكريات/60 son sahitler 3/51 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 519

الله سبحانه كثيراً ويذكر أسماء الطلاب في دعائه مستشفعاً برسول الله صلىالله عليه وسلم ومنادياً بإسمه وأصحابه الكرام.

وكان يستيقظ من الليل مبكراً ليصلي صلاة التهجد وينهي أوراده وتسبيحاته قبل صلاة الفجر بساعة، ثم يتضرع باسطاً يديه للدعاء رافعاً بهما إلى السماء فيطيل في الدعاء بمقدار ساعة كاملة تقريباً ونحن في هذا الوقت لا نجرأ على دخول غرفة الأستاذ حتى يفرغ من دعائه، علماً انه كان ينام بعد صلاة العشاء مباشرة دون انتظار شئ.1

ليالي رمضان:

كان الأستاذ في النصف الثاني من شهر رمضان المبارك يقيم الليل كله ولا ينام وما كان يسمح لنا ان ننام ايضاً. وفي اكثر الأحيان كان يتفقدنا فإذا رأى أحدنا نائماً يرش عليه الماء ويوقظه، فعلمنا السهر. فكنا نقيم الليالي المباركة ونبقى مستيقظين حتى صلاة الفجر وبعدها ننام. وكان يذكرنا بالحديث الشريف: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان).2ويعلمنا بان هذه الليالي تتضمن ليلة مباركة هي ليلة القدر يعادل الثواب فيها ثواب عبادة ثمانين سنة.

وكان الأستاذ ينشغل بأوراده طوال شهر رمضان ويقرأ جزءاً واحداً كاملاً من القرآن الكريم كل يوم ويحثنا على التلاوة فكنا نقرأ جزءاً كل يوم ايضاً. وكان يعطينا من زكاة فطره. ويقول لنا:

انتم طلاب علوم، يمكنكم ان تتبادلوا فيما بينكم زكاة الفطر فنقوم بتطبيق ما يأمرنا به. فكنا نبتاع القمح بتلك الدراهم. ففي بعض الأحيان كنا نوصي بعمل الخبز. ولانصرف شيئاً ولا ننفق الا باقتصاد تام.3

ٍ[وقد لخص لي الأخ الكبير مصطفى صونغور مداومة الأستاذ على قراءة الأذكار والأوراد بالآتي:]

كان الأستاذ لا يسمح قطعاً بترك الأذكار الواردة سنةً مؤكدة عقب الصلوات وهي سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر بثلاث وثلاثين مرة وكذا لا إله إلا الله كما ورد ذلك في رسالته في ملحق قسطموني حول المتكاسل في الأذكار وكان

_____________________

1 ذكريات/62 son sahitler 3/48 من بيرام يوكسل

2 رواه البخاري ومسلم واحمد والترمذي.

3 ذكريات/61 son sahitler 3/93 من بيرام يوكسل

 

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 520

يدعو بدعاء ترجمان الإسم الأعظم الذي يبدأ سبحانك ياالله تعاليت يارحمن أجرنا من النار بعفوك يارحمن عقب صلاة الصبح والعصر.

أما بين المغرب والعشاء فكان يذكر ما ورد في بداية اللمعات بدعاء سيدنا يونس وأيوب عليهما السلام.

وبالنسبة لدعاء الجوشن الكبير والأوراد القدسية للشاه النقشبند فقد داوم عليهما وبين أهميتهما في نهاية اللمعة الثالثة عشرة. أما دلائل النور فهي مختارات من الصلوات المشهورة لدى الأولياء كالشيخ الگيلاني والسيد البدوي وإبراهيم الدسوقي والجنيد البغدادي وأمثالهم من الأقطاب. ولم يبين الأستاذ لهذه الصلوات وقتاً معيناً وقد شاهدناه في سجن آفيون سنة 1949 يقرأها قبل الفجر بعد انشغاله بالعبادات أربع ساعات ليلاً. ولكن عندما تجاوز به العمر في سنة 1954 قال قصرت أورادي إلى ساعتين.

وعلاوة على ذلك كان يقرأ السكينة والتحميدية تسع عشرة مرة يومياً وقد شاهدناه يقرأ ذلك الدعاء ونحن داخلون عليه للدرس. الا أننا لم نسمع عنه ولم نشاهد أنه خصص وقتاً معيناً لقراءته.

وحسب ما أدركنا من الأستاذ انه ليس هناك قيد لقراءة الأدعية كلها يومياً. أو تخصيص قراءة أحد الأدعية يومياً. بل الأفضل أن يقرأ مقداراً معيناً من دعاء الجوشن يومياً.

التجويد المعنوي:

كان الأستاذ يقرأ في الصلوات الجهرية - عندما كان في بارلا - ولاسيما صلاة الصبح السور التي تبدأ بـالحمد لله.. وكانت قراءته قراءة فوق المعتادة، فكأنه كان يشرح الآيات ويفسرها حيث كانت قراءته تحيط بروحه، فتشعر كأن هالة من نور الهي يغمرك. فقراءته كانت تختلف تماماً عن قراءة غيره من قراء القرآن. فقد كان يقرأه حسب معناه أي حسب التجويد المعنوي.

بتّ ليلة عنده في بارلا. كان يقوم الليل كله الا قليلاً أما مصلياً او ذاكراً او مسبحاً. وما كان ينام الا قليلاً.1

شاركني في الدعاء:

كان يقوم لصلاة التهجد كل ليلة. وكنت احياناً أراه وهو يصلي فلا أستطيع النوم. وعندما كان يراني مستيقظاً يقول لي:

_____________________

1 ذكريات/36 son sahitler 1/ 325 من خلوصي يحيى كيل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 521

- ما دمت مستيقظاً فتعال وشاركني في الدعاء.

ولكني كنت أجهل قراءة أي دعاء، فكان يقول لي:

- سأدعو أنا وردّد أنت بعدي: آمين، فأنا أدعو بدعاء سيدنا يونس عليه السلام1 وبدعاء أويس القرني2 واطرق باب رحمة الله بهما.

وكنت أغفو احياناً في أثناء الدعاء فكان ينظر اليّ ويقول:

- لقد كنتُ أنا ايضاً مثلك.. ولكنك ستتعود.3

لا راحة بعد اليوم:

عندما كان ينشغل الأستاذ بعباداته وتضرعاته ومناجاته كان يجلس جلسة التشهد في الصلاة، وكان يطيل هذا النوع من الجلوس ساعات طوالا، حتى أنه من جراء هذا الجلوس تقرحت إصبع قدمه.

فذات يوم طلب من أحد طلابه وهو - ملا رسول -4 مرهماً لمداواة إصبعه، الذي كان منهمكاً في إيقاد الحطب وإشعاله في الموقد. فالتفت إليه ملا رسول قائلاً:

- ونحن ايضاً نخشى الله ونخافه يا أستاذنا، ولكنك ترتعد من خشيتك حتى تكاد مرارتك تنفجر. فلو كنت تجلس مطمئناً مثلنا لما تقرحت إصبعك!

فأجابه قائلاً:

- ملا رسول! ملا رسول! لقد جئنا إلى هنا لكي نظفر بحياة أبدية خالدة، بهذا العمر القصير والدنيا القصيرة. أأعيش هنا كيفما أشاء ثم أدّعي الجنة وأطلبها.. لا يجوز هذا ابداً...! فلا أجرأ على العيش كما أهوى!

كان الأستاذ يقول هذا وملا رسول يضع المرهم على الجرح أملا بالشفاء.5

كيف كان يقضي أوقاته؟

على جوانب نبع الزرنباد الصافي القريب من جبل أرك تتكاثف الأشجار وتلتف أغصانها وتتشابك، صنعنا للاستاذ ما يشبه منصة خشبية كي يجلس عليها فوق الشجر. أما نحن فكنا نجلس على الأرض تحت ظلال الأشجار.

_____________________

1 المقصود الآية الكريمة: ]لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين[.

2 هذا الدعاء موجود في اغلب كتب الادعية، ويستهل الدعاء بـ"الهي انت ربي وانا العبد وانت الخالق وانا المخلوق...". انظر الكلمات/781 وقد شرحه الأستاذ في المكتوبات/ 313

3 ذكريات/10 son sahitler 1/247 من ملا حميد

4 وهو عالم جليل في مدينة "وان" تتلمذ على يد الأستاذ النورسي رغم انه يكبره سناً.

5 ذكريات/11 son sahitler 1/124 من ملا حميد

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 522

كان الأستاذ لا يصرف وقته سدى قط، فلا أراه الا قائماً يصلي او داعياً متضرعاً او مسبحاً ذاكراً او متأملاً في ملكوت السموات والأرض، فهو حتماً منشغل بشغل يهمه. وحينما يزوره الأصدقاء كان يكلمهم، ويأخذ معهم بأطراف الحديث، واول ما يبادرهم بالسؤال:

- هل من مسجد في قريتكم؟ وأي درس يدرّسه أئمة المساجد؟ فإذا أجابه الزائر بأنه ليس لديهم مسجد ولا معلم يعلمهم كان يتألم كثيراً ويحزن. ويعجب من أمرهم كيف يعيشون في مكان ليس فيه مسجد ولا مرشد؟!

وكان يغضب كثيراً من الغيبة والكذب ولا يسمح - بأي حال - لأحد ان يغتاب احداً عنده.1

لم يؤذ حتى النملة:

بدأ الجو يبرد شيئاً فشيئاً حيث الشتاء مقبل ونحن لازلنا على جبل أرك، كنا نتوقع هطول أمطار غزيرة وتساقط الثلوج بكثرة وكان المكان الذي نبقى فيه هو على شكل ربوة او مرتفع صغير، فأراد الأستاذ ان نبني غرفة. فبدأنا ببناء الغرفة على هذا المرتفع، وعندما حفرنا الأساس وجدنا مملكة للنمل، ولما رأى الأستاذ النمل أمرنا بالتوقف. فسألناه عن السبب. قال:

- هل يجوز بناء بيت بهدم بيت آخر؟ لا تخربوا بيوت هذه الحيوانات. احفروا في مكان آخر غيره.

فبدأنا نحفر في مكان آخر فوجدنا مملكة أخرى ايضاً للنمل. وحفرنا ثالثة فوجدنا نفس الشئ. وهكذا تكررت العملية ثلاث مرات. فسألني أحد الطلاب الذي كان يساعدني في هذا العمل:

- هل سيستمر الأمر هكذا؟ علينا ان نحفر في مكان ما فإذا ظهر النمل واريناه التراب لئلا يراه الأستاذ ومن بعد ذلك نستمر بالحفر، وإلا فسوف نظل إلى العشاء ولما نقم بشئ، فليس في هذه المنطقة شبر الا وفيها مملكة للنمل.

وعلى كل حال بنينا غرفة صغيرة للاستاذ هناك، فكان الأستاذ كلما يرى النمل ويشاهد مملكته في الغرفة يقدم له البرغل والسكر وفتات الخبز.

فسألناه عن سبب تقديمه السكر للنمل فأجابنا ضاحكاً:

- فليكن السكر شاياً لهم!2

_____________________

1 ذكريات/11 son sahitler 1/122 من ملا حميد

2 المقصود غذاء أساسيا لهم..

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 523

كان الأستاذ شديد الشفقة والرأفة بالأحياء فلم أره طول حياته يؤذي حيواناً حتى النمل.1

نظرة حرام:

عندما كنا مع الأستاذ في جبل أرك، أعددت مجموعة من الأسئلة علني أجد جوابها عنده، ولكن أثناء حديثه في جلستنا الاعتيادية أخذت جواب أسئلتي من دون ان اسأله عنها، وبقى لدى سؤال واحد فقط دون جواب، وهو سؤال يتعلق بالنظر إلى النساء.. ظل السؤال يدور في صدري من دون ان أبوح به، واذا بالأستاذ يضرب فخذه بقوة ويقول:

- أنا لست راضياً عن أعمال سعيد القديم وتصرفاته، سوى ثلاث حالات كانت عنده، فأنا راض عنها...ثم قال:

- كنت أستبدل كل أسبوع ملابسي وأختار أجملها وأكثرها أناقة أيام كنت في استانبول ذات الحياة البراقة البهيجة.. كنت اذهب إلى اجمل مناطقها حتى ان أصدقائي العلماء التفتوا إلى هذه الظاهرة، فعينوا أحدهم - دون علمي - مراقباً لتصرفاتي وأوصوه بملاحظة جميع ما أقوم به واعمل.

وبعد مضي ثلاثة ايام - من المراقبة الخفية - جمعتنا جلسة معهم، فقالوا لي:

يا أخانا سعيد أنت على حق مهما عملت من عمل. فأنت مسدّد إلى الحق وسيوفقك الله.

إستغربت من هذا الكلام ومن حكمهم هذا عليّ، وعندما استفسرت عن السبب. قالوا:

كنا نراقبك منذ ثلاثة أيام، ونحصي تصرفاتك في جميع مناطق استانبول، ومن دون علمك، فلم نر ما يخالف الإسلام قط بل رأيناك منهمكاً بنفسك دون الآخرين، ولهذا نسأل الله أن يوفقك في مسعاك...

نعم! يا أخوتي كما أن ناراً صغيرة بل حقيرة - كعود الكبريت - تحرق غابة عظيمة كثيفة تدريجياً وتجعلها أثراً بعد عين، كذلك النظرة إلى النساء تحرق عمل المؤمن اليومي شيئاً فشيئاً.. وأخشى أن تكون عاقبته وخيمة. ثم أضاف:

_____________________

1 ذكريات/14 son sahitler 1/122 من ملا حميد. ويذكر الأستاذ ان اربعةً من القطط جاءته ضيوفاً عليه ..الخ في المكتوبات/ 336 واورد خاطرة له حول ذكر القطط : يارحيم ..يارحيم. وذلك في الكلمات/ 377

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 524

- إن سعيداً القديم وهو في عنفوان شبابه وفي قلب استانبول وطوال عشر سنوات لم ينظر نظرة حرام ولو مرة واحدة ولله الحمد.1

إصلاح الأسس:

كان الأستاذ يعظ الناس في جامع نورشين ايام الجمع، فكان الحديث في الوعظ يدور حول مسائل الحشر، والآخرة، والتوحيد وما شابهها من مسائل الإيمان الأساسية وحقائقه الكبرى. فسأله (ملا رسول) ذات يوم قائلا:

- أخي الأستاذ، نحن لا نكاد نفهم موعظتك فكيف غيرنا؟!

فأجابه الأستاذ:

- نعم، ان مواعظي غير مفهومة غالباً، لأن غايتي إصلاح الأسس التي يبنى عليها الإيمان، فإذا أصبح الأساس صلباً قوياً فلا يؤثر فيه مؤثر بعد حتى الزلازل. فليجلس أحدكم اذاً بجنبي كي يذكرني عندما يصبح الموضوع غامضاً، لأبسطه بسطاً وأشرحه واضحاً.2

حياة كلها عمل:

في صباح يوم جميل من ايام الربيع، ذهبت لأجمع الحطب. وكان الأستاذ يعاونني في العمل، فلم اقبل منه ذلك. فقلت:

- أستاذي الكريم إنني أكفيك العمل فلا تتعب نفسك.

أجابني قائلاً:

- أخي، ان همتي وغيرتي لا تسمحان لي بالقعود وأنت تعمل أمامي. فلو عرفتَ ما في الغيرة والهمة من خير لكنت تقضي عمرك كله دون ان تخلد إلى الراحة، فما كانت تفوتك دقيقة فارغة..

حقاً لقد كانت حياته كلها عملاً.3

حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة:

في أول زيارتي للاستاذ وأنا احسبه شيخاً من شيوخ الصوفية بادرني بالقول وقبل ان أتكلم بشئ: أخي أنا لست شيخاً، أنا امام كالغزالي والإمام الرباني، فأنا مثلهم امام فعصرنا عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة.

_____________________

1 ذكريات/15 ش /248 - 249.من ملا حميد، والمقصود بالحالات المرضية الثلاث لدى سعيد القديم: تجنبه النظرة الحرام، والكذب، وقبول شئ من الناس.

2 ذكريات/18 son sahitler 1/155

3 ذكريات/27 son sahitler 1/114 من ملا حميد

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 525

وفي إحدى زياراتي للاستاذ شربنا الشاي عنده، ولم أنهِ ما في القدح من شاي، وبقيت فيه فضلة منه، فقال لي الأستاذ:

- أخي أنت لاتعرف السنة.

كان يقصد إرشادنا بان إنهاء الشئ في القدح سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وترك الفضلة فيه إسراف والاسراف خلاف السنة.1

اثر التواضع:

كنت طالباً في كلية الآداب، بينما أنا جالس في الصف استمع إلى الدرس إذ جاء أحدهم وقال لي: ان رجلاً في الباب يطلبك فأسرع إليه، فلما أتيته رأيت شاباً رشيقاً وجميلاً يرتدي زي القرويين، عرّف نفسه قائلاً:

- أنا المعلم مصطفى صونغور جئت إليك من عند الأستاذ.

واخذ يضمني إلى صدره، وأنا في حالة خجل شديد لا ارغب في الاحتضان، حيث كنت أقول في نفسي كيف احتضن هذا القروي وانظار الطلاب من أهل المدينة مصوبة إلينا، فقد رأيت أن نفسي تستنكف الموقف الحرج. ولكن شخصية هذا الشاب القوية واخلاصه التام وتضحيته في سبيل الإيمان وحبه الجم لرسائل النور قد أثرت فيّ كثيراً. فالذي أريد أن أقوله هو:

- أن رسائل النور والأستاذ نفسه يكسبان الإنسان حالة صميمة وخالصة وجادة، ويجعلان الإنسان يتوجه إلى الباري عز وجل بقلب سليم وبتواضع حقيقي دون غرور او حب للنفس، حيث يصبح الإنسان فعلا في حالة فطرية جميلة وبصورة دائمة، لانه ينظر دائماً إلى الوجه الحسن من أمور الدنيا ولا يفكر إلا بالجميل منها.

فهذه الحالات كانت تبرز بشكل أوضح عند الأستاذ. وأينما التقيت مع أي طالب من طلاب النور إلا ورأيت فيه هذه الصفات الخاصة فتغمرك اخوة خالصة وتواضع جاد. ولذلك عندما رأيت الأستاذ لاول مرة أخذتني الحيرة من شدة تواضعه. حتى دفعني هذا التواضع الشديد منه إلى أن اسأل أحد طلابه قائلا:

- هل يعرف الأستاذ القراءة والكتابة؟ وهل يعرف اللغة العربية؟

وعلى الرغم من أن الأستاذ لا يتحدث عن نفسه قط، بل كان جلّ حديثه حول رسائل النور إلا أن تعامله معك كصديق حميم وأخ مخلص يجعلك تنجذب إليه سواء أكنت طالباً أم صديقاً، فترتبط معه من صميم قلبك، فهو يحاول ربطك بحقائق القرآن ورسائل النور التي هي تفسيره في هذا العصر.2

_____________________

1 ذكريات/34 son sahitler 1/ 324 من خلوصي يحيى كيل

2 ذكريات/40 son sahitler 2/169 من عبدالله يگن

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 526

القول اللين:

عندما كان أحد المسؤولين من ذوي المناصب العالية يأتي لزيارة الأستاذ كان يذكر له أولا محاسنه وفضائله، ويشوقه بهذا الكلام الطيب إلى الإيمان ويحبب إليه خدمة الإيمان. فعندما كنا في اميرداغ كان علينا أن نقدم تقريراً طبياً حول حالة الأستاذ الصحية إلى المحكمة في صامسون. وكان الناس يعتقدون بان طبيب المدينة هو رجل ملحد شيوعي وانه يعادي الأستاذ. ولم نكن نعتقد بأن هذا الطبيب سيكتب التقرير المطلوب للاستاذ، ولكن قبل زيارة الطبيب وحينما أتي الطبيب لزيارته كان الأستاذ متمدداً على فراشه يعاني من مرض شديد ومع هذا جلس مع الطبيب ساعات طويلة وحده. فبقدر ما فهمنا بعد ذلك من هذه الجلسة، أن الأستاذ قد تكلم مع الطبيب عما عاناه من مصاعب ومشاق، وان غايته في الحياة ليست سوى الإيمان. ثم بين له بأنه بحاجة إلى تقرير طبي، ولكنه قال للطبيب: لا اطلب منك أن تزودني بالتقرير باسمك، لأنني أخشى عليك الأذى. بل حوله إلى مدينة اسكي شهر). ثم أعطاه الأستاذ كتاب الحجة الزهراء وأوصاه بالصلاة.. ولما خرج الطبيب من غرفة الأستاذ قال:

يا خسارتنا.. لم نتعرف على هذا العالم من قبل.. فقد أصبحت مديناً لربي بقضاء الفوائت.1

بل خادماً للقرآن:

كنا جالسين مع الأستاذ ذات يوم، فقال:

- كان بعض الطلاب - في سجن افيون - يبدون شيئاً من الضيق والضجر. وعندما كنت أرى منهم هذا الوضع أتألم واحزن. فقلت يوماً:

- يا رب أليس لي بين هؤلاء طالب؟ (أي: طالب مخلص لا يبدي تذمراً) ولم اكمل الدعاء بعد حتى قام طاهري موتلو2 قائلاً:

- نعم يا أستاذي!

فسررت لهذا الكلام سروراً بالغاً. وكان خير تسلية لي في حينه.

كان الأستاذ يطلق على الأخ طاهري بـالرائد. وحقاً لقد كان يتصف بخصال وشمائل قلما تجدها في غيره، فقد كان يصوم الأشهر الثلاثة طوال ثلاثين

_____________________

1 ذكريات/44 son sahitler 2/172 من عبدالله يگن

2 ولد في إسپارطة سنة 1900 هو أحد طلاب النور المقربين للاستاذ النورسي، انتقل الى رحمة الله سنة 1977.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 527

سنة من عمره، ولم أر منه ان صلى الوتر بعد العشاء وانما كان يقيم الليل ويصلي التهجد ثم يوتر. لقد كان كنـز الدعوات لطلاب النور. وكان في طاعة تامة لأوامر الأستاذ ويطبقها بحذافيرها. لذا لم اسمع من الأستاذ ان قال لأحد من طلبة النور مثلما قاله للأخ طاهري)، حين قال بحقه:

ان الأخ طاهري ولي من أولياء الله الصالحين، فعليه ان لا يعد نفسه أنه في الدنيا.

وفي أحد الأيام قال الأستاذ له:

- أتريد ان تعدّ نفسك في هذه الدنيا - أي تميل إليها قليلاً - ؟ أم تريد ان تستخدم عاملاً وخادماً للقرآن الكريم؟. فأجاب:

- أستاذي الحبيب أرجوك.. بل خادماً للقرآن.

فقال الأستاذ ملتفتاً إلينا: بارك الله فيه، انه حقاً ولي من الصالحين!

كان الأخ طاهري أكبرنا سناً كما انه أكثرنا عملا في سبيل القرآن. فما كانت تفوته كلمة أثناء قراءته القرآن الكريم او أثناء تصحيحه الرسائل. ولقد ضحى بحياته كلها في سبيل خدمة القرآن. فإخلاصه الكامل في العمل كان يزيدنا نشاطاً وحيوية وشوقاً إلى خدمة الإيمان مهما كانت الظروف... كان رحمه الله مخلصاً لله. كل عمله كان لله. كنا نتخذه اباً معنوياً لنا لشدة شفقته علينا... لم يعرف التعب إليه سبيلاً ولم نره ملّ يوماً من العمل... رحمه الله رحمة واسعة.1

لا تعب في الخدمة:

لم يكن للاستاذ أي وقت فراغ طول حياته. فهو أما يقرأ او يصحح او يُقرأ له وهو يستمع.. كان في كلامه لطافة جمة وفيض كبير، إذ ما كنا لنتضايق ولانملّ حتى لو طال الدرس من الصباح حتى المساء، وما كنا نضجر لو مشينا طريقاً طويلاً معه وابتلينا بمصاعب معه او نال منا الجوع ما نال. وكلما شعرنا بضيق ننظر إلى وجهه الوضاح فترتاح نفوسنا وتنشرح صدورنا ونتحمس للعمل بشوق اكثر دون توقف ليلاً ونهاراً، رغم أننا قد لا ننام. فقد كنا نسهر الليالي الطوال من دون ان نشعر بالتعب لاجل الخدمة في نشر حقائق القرآن.2

_____________________

1 ذكريات/56 son sahitler 3/95 من بيرام يوكسل

2 ذكريات/63 son sahitler 3/51 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 528

لا حياة لنصف إنسان:

عندما كان كتاب (تاريخ حياة الأستاذ) تحت الطبع، وصلت رسالة إلى الأستاذ يسأل فيها صاحبها عن جواز الصورة (الفوتوغرافية) قرأنا الرسالة على الأستاذ فتبسم وطلب قلم رصاص وجئنا له بالقلم فمر بخط على عنق الصورة وقال معقباً:

- لا حياة لنصف إنسان. فابعثوا له بالجواب مقروناً بهذه الصورة بهذا الشكل.

وهناك حادثة شبيهة بهذه وهي انه:

بعدما أخلى سبيل الأستاذ من سجن آفيون أستأجر بيتاً وبقي الأخ زبير معه في خدمته وملازمته.

في أحد الأيام جاء الأخ طاهري من مدينة إسپارطة لزيارة الأستاذ فبات ليلة واحدة ضيفاً عند الأستاذ. فكان الأخ طاهري يخرج محفظته من جيبه كلما أراد ان يدخل الصلاة لاحتواء النقود على صورة إنسان. وفي الصباح الباكر وبعد ان ودع الأخ طاهري أستاذنا قصد محطة نقل المسافرين، وعندما همّ بقطع تذكرة السفر فطن انه نسي محفظته في دار الأستاذ، وأسرع بالرجوع إلى دار الأستاذ واستأذن بالدخول واتاه الأخ زبير بمحفظته فلمحه الأستاذ وقال له:

- لا تكرر هذا مرة أخرى، فلا حياة لنصف إنسان!.1

لا اعمل بالرؤيا:

في أحد الأيام بعث أحد الاخوة من مدينة دياربكر برسالة إلى الأستاذ يكتب فيها ما رآه أحد الاخوة هناك من رؤيا صالحة.

فقد رأى فيما يرى النائم مجلساً يحضره الرسول العظيم صلىالله عليه وسلم ومعه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم والشيخ عبدالقادر الگيلاني قدس الله سره فيدخل عليهم جبريل عليه السلام ويقول لهم:

- ان طبع الرسائل ونشرها والقيام بخدمة القرآن على هذه الشاكلة المعنوية قد انتهى دوره حيث جاء دور الجهاد المادي.

قرأنا الرسالة على الأستاذ فطلب الأستاذ ورقاً وقلماً في الحال وأملى علينا هذا الجواب:

- ان ما رأيتموه من رؤيا يا أخي هو رؤيا مباركة ولكنها تحتاج إلى تأويل وتعبير وتفسير. فالجهاد المادي في الرؤيا هو الجهاد المعنوي في سبيل خدمة الإيمان،

_____________________

1 ذكريات/64 son sahitler 3/100 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 529

لان الظهور على الأعداء والغلبة عليهم لا يقتصر على الجهاد المادي، فرؤياكم إشارة إلى انتصار البراهين الإيمانية المعنوية الساطعة على الكفر المطلق، فإياكم والتأويل المادي، والظن بأن الجهاد هو جهاد مادي فحسب، هذا فضلاً عن أنني لا اعمل بالرؤيا.1

خدمة الإيمان:

كان الأستاذ يرشد طلابه في دروسه التي يمليها علينا قائلاً:

إخواني، ان وظيفتنا هي خدمة الإيمان والقرآن الكريم بإخلاص تام. أما توفيقنا ونجاحنا في العمل وإقبال الناس إلينا ودفع المعارضين عنا، فهو موكول إلى الله سبحانه، فنحن لا نتدخل في هذه الأمور. وحتى لو غُلبنا فلا ينقصنا هذا شيئاً من قوتنا المعنوية ولا يقعدنا عن خدمتنا، فعلينا بالثقة والاطمئنان والقناعة انطلاقاً من هذه النقطة. مثال هذا:

كان جلال الدين خوارزم شاه - وهو أحد أبطال الإسلام الذي انتصر على جيش جنكيز خان انتصارات عديدة - كان يتقدم جيشه إلى الحرب، فخاطبه وزراؤه ومقربوه: سيظهرك الله على عدوك، وتنتصر عليهم!

فأجابهم: ان ما عليّ هو الجهاد في سبيل الله اتباعاً لأمره سبحانه، ولا حق لي فيما لم أكلف به من شؤونه، فالنصر والهزيمة إنما هي من تقديره هو سبحانه.

وأنا اقول مقتدياً بذلك البطل: ان وظيفتي هي خدمة الإيمان، أما قبول الناس للإيمان والرضى به فهذا أمر موكول إلى الله. فأنا عليّ ان أؤدي ما عليّ من واجب، ولا أتدخل فيما هو من شؤونه سبحانه.2

حسن الظن:

لم يكن الأستاذ يقبل ان يغتاب أحد أمامه، فإذا ما قلنا في مجلسه:

- يا أستاذنا ان فلاناً قال كذا وكذا...

يجيبنا بقوله: انتم على خطأ انه صديق حميم لي، وهو من قراء رسائل النور، وشخص مثله لا يقول ما تذكرونه عنه. كأنكم تريدون ان تقطعوا ما بيننا من علاقات ووشائج.

واحياناً كانت ترده رسالة او يقول له أحدهم:

_____________________

1 ذكريات/65 son sahitler 3/100 من بيرام يوكسل

2 ذكريات/66 son sahitler 3/96 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 530

- ان العالم الفلاني يعادي الأستاذ ورسائل النور، ويقول الأستاذ: ان هذا الرجل هو من أهل العلم فهو صديقنا، فيضطر القائل ان يسكت وكان دائماً يحاول ان يؤول الأمور بحسن الظن ويحثنا على ذلك ويقول: نحن مكلفون بحسن الظن.

الترابط الوثيق:

ذات مرة جاءت من مدينة قونيا جماعتان من طلاب النور لزيارة الأستاذ فشكت الجماعة الأولى من تصرفات الجماعة الثانية إلى الأستاذ قائلين:

- انهم لا يأخذون حذرهم ولا يحتاطون للأمر بل يقومون بالقاء الدرس في المسجد. والجماعة الثانية شكت ايضاً من الجماعة الأولى، فقال لهم: اخوتي! ان الإسلام لا حاجة له بخدمتكم وعملكم بقدر ما هو بحاجة ماسة إلى تساندكم وترابطكم، فعليكم ان تقرأوا بين حين وآخر كلا من رسائل: الإخلاص والاخوة والهجومات الستة فيما بينكم ذلك لان: تساندكم وإخلاصكم وثباتكم وصلابتكم السائدة فيما بينكم منذ البداية ستكون مفخرة لهذه البلاد.

وعندما كان الأستاذ يدرّس مواضيع الفداء والتضحية يذكر طلابه في الولايات الشرقية ذكراً حسناً ويضرب بهم الأمثال العالية.1

كيف كانت الرسائل تكتب؟

عندما كنا نذهب إلى الأخ الحافظ توفيق الشامي كان يرينا الأماكن التي ألف الأستاذ فيها الرسائل ويدلنا عليها. وفي إحدى زياراتنا له قال: اذكر لكم خاطرة من حياة الأستاذ وكيف كان يؤلف الرسائل:

كنا نذهب مع الأستاذ للتجوال في المروج الخضر فيجلس هو في مكان مناسب وينظر إلى نقطة معينة، ويتكلم بصورة سريعة جداً. وأنا اكتب كل ما يقوله بسرعة ايضاً ويؤشر بيده اليّ ويقول:

- اكتب يا أخي.. وهو يركز نظره في نقطة معينة وبعد ذلك يقول:

- قف، قد انقطع، اذهب إلى طرد الذباب (عبارة ترمز إلى الذهاب للتدخين بعيداً عنه).

والحقيقة إنني كنت أدخن بكثرة. فاذهب إلى مكان بعيد عن الأستاذ واجلس وراء صخرة فأدخن ثم ارجع إلى الأستاذ ونستمر بالكتابة ايضاً.

_____________________

1 ذكريات/68 son sahitler 3/99 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 531

هنالك رسائل قد أُلفت خلال ساعة او ساعتين. وايم الله لقد كنت استنسخ الرسائل نفسها في البيت فلم اكن انهيها لا في ساعة او ساعتين ولا في يوم او يومين بل اكثر.1

مرض العصر:

كان الأستاذ يتحدث في اغلب دروسه عن: الاخوة والإخلاص. فكان يشخص مرض زماننا هذا بـ: الغرور والانانية وحب النفس.

قال الاخ زبير يوماً:

-استاذي الحبيب! إنني أكاد ارتعد من خوفي من الغرور والأنانية.

فأجابه الأستاذ:

-نعم، خف وارتعد من الغرور. ففي هذا الزمان - وهو زمان الغفلة عن الله - ترى أصحاب الأفكار المنحرفة عن الدين يجعلون كل شئ آلة ووسيلة لمصالحهم الخاصة، فتراهم يستخدمون الدين والعمل الأخروي وسيلة لمغانم دنيوية. الا ان حقائق الإيمان والعمل لنشر رسائل النور.. هذا العمل المقدس لا يمكن ان يكون وسيلة لجر مغانم دنيوية قط، ولن تكون غايته سوى رضى الله سبحانه... بيد ان الاصطدامات التي تحدث جراء التيارات السياسية الضالة تجعل المحافظة على الإخلاص، والحيلولة دون جعل الدين وسيلة للدنيا عسيرة.. والحل الوحيد امام هذه التيارات هو الاستناد إلى العناية الإلهية واستمداد القوة منها.2

مزيداً من القراءة

مضت أعوام عديدة، ونحن مع الأستاذ ولم نر منه انه صرف جزءاً من وقته سدى، بل كان يقرأ الرسائل او يصحح ما كان منها مستنسخاً او يستقرئ وهو يستمع. ففي السنوات الأخيرة ظهر جهاز التسجِيل وبدأنا نقرأ الرسائل ونسجلها على أشرطة التسجيل ثم نقدمها إلى الأستاذ ليسمعها وكان يشوق الزائرين قائلا لهم:

- ظهر جهاز جديد يحفظ رسائل النور ويقرأها بشكل جميل وجذاب.

كان الأستاذ يسألنا في بعض الأحيان قائلا:

- كم صفحة قرأتم اليوم؟ وكنا نجيبه:

-قرأنا ثلاث او خمس صفحات.

_____________________

1 ذكريات/69 son sahitler 3/96 من بيرام يوكسل

2 ذكريات/69 son sahitler 3/96 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 532

فيقول:

- أما أنا فقد قرأت مئتي صفحة. وبالرغم من عجزي عن الكتابة فاكتب بشكل بطئ جداً. فقراءتي تختلف عن قراءتكم. فانتم تقرأون قراءة سطحية كقراءة الجرائد، ولكني اقرأ مع فهم المعاني والمقاصد وهاكم انظروا إلى تصحيحاتي كذلك.

هذا وكان الأستاذ عندما يريد ان يقلب صفحات الرسائل كان يقلبها ببطء واعتناء من غير ان يؤذي الورقة ومن دون ان يبلل إصبعه لقلب الصفحة1. ويقول لنا:

- الحمد لله، لقد قرأت اليوم هذا القدر فاستفدت كثيراً، فاليوم انشرح صدري وتوسع إيماني كثيراً. او يقول:

- سبحان الله! استفدت من هذه الرسالة استفادة جمة حتى كأنني لم ارها من قبل ابداً. ويقول:

- إخواني، انظروا إنني قد قرأت إلى هذا الحد، فلم أجد فيه خطأ قط، فعند تأليف رسائل النور ساعدتنا العناية الإلهية والحفظ الرباني. فهذا الأمر لا يأتي من مهارتنا ولا من قابليتنا بل هو إحسان الهي وكرم منه ولطف بالإنسان العاجز. ويقول:

- لقد التحم في تأليف رسائل النور طي المكان وطي الزمان. أي انها أصبحت تنهي اعمالاً كثيرة في زمن قصير وهذا التسخير الرباني إحسان من الله تعالى، وأنا اكتبها كما تلهم إلى قلبي وبشكلها الأصلي فلا اجرؤ على تغييرها.2

قاعدة في القراءة:

في أحد الأيام كان الأستاذ يقرأ الحزب النوري3 ويشرحه لنا وسألني عن مقدار ما فهمته من الدرس فأجبته بعدم الفهم، فبدأ الأستاذ يوضح الدرس اكثر فأكثر حتى فهمت الدرس فهماً تاماً. فخطر على قلبي: إنني قد تكاملت إذ بدأت افهم اللغة العربية جيداً. ففي أثناء الدرس كنت قد فهمت كل شئ، ولكن ما ان

_____________________

1 وهذا الادب الجميل قد توارثه العلماء من تقليبهم صفحات المصحف الشريف وكتب التفاسير والحديث النبوي الشريف.

2 ذكريات/70 son sahitler 3/73 من بيرام يوكسل

3 رسالة صغيرة باللغة العربية في التوحيد تفجر التفكير الرفيع بانوار التوحيد التي تغمر الموجودات، وتعرض الموجودات دلائل ناطقة للتوحيد ابتداء من السموات الى الذرات ضمن تسلسل تفكيري توحيدي عميق، فتكسب القلب الاطمئنان وتوسع مدارك الفكر وآفاق الخيال، وتعد هذه الرسالة نواة رسالة "الاية الكبرى". نشرت ضمن كتاب "التفكر الإيماني الرفيع".

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 533

خرجت من غرفة الأستاذ حتى وجدت دماغي وكأنه قد مسح مسحاً فلم يبق فيه شئ.

سألني الأستاذ ذات مرة في نهاية الدرس عن مدى فهمي له ايضاً. فأجبته قائلا:

- لم افهم الدرس جيداً. فالتفت إلى ولطمني بلطف براحة يده قائلاً:

- انك فهمت الدرس كله، فيكفيك هذا القدر من الفهم. أخشى ان يدخل شئ في نفسك فتقول لقد تكاملت إذن وعندها لا تكون مؤهلاً للخدمة القرآنية. إذا لم تفهم الدرس اكثر من هذا فاكتف بهذا القدر منه. وساق مثلاً حول فهم الدرس وهو:

إذا دخلت جماعة في بستان فانهم يتناولون من الفواكه كل بحسب ما تصل إليه قامته ويده. فالطويل يقطف من الأغصان العالية، والقصير يقطف من الأغصان الواطئة والقسم الآخر لا يقطفون ولكن يدوسون عليها بأقدامهم ويسحقونها فان كنت أنت ممن تشم رائحتها فحسب يكفيك ذلك. فاقنع بهذا واشكر الله عليه.1

كان يعلمنا كيف نفكر:

كان الأستاذ يرتقي التلال التي تشرف على مدينة إسپارطة ليشاهد فيما حواليها من مناظر الفطرة ومشاهد الطبيعة، وكانت الطريق مكسوة بأشجار الفواكه وخاصة العنب. فيمسك الأستاذ بعنقود منها - دون ان يقطعه - ويعدّ حباته مبيناً لنا ما فيه من بدائع الصنعة الإلهية والإتقان الرباني فيقول:

- انظروا وتأملوا في حلويات القدرة الإلهية هذه..

فكان يعلمنا بهذا كيف نفكر في مخلوقات الله المبثوثة في معرض الله.. وهكذا كنا نتلقى دروساً إيمانية في التدبر وفق منهج القراءة في كتاب الكون المفتوح أمامنا.2

_____________________

1 ذكريات/73 son sahitler 3/72 من بيرام يوكسل

2 ذكريات/74 son sahitler 3/55 من بيرام يوكسل. يذكر الأستاذ في "الكلمات/337 الآتي: لقد أحصيتُ ذات يوم عناقيد ساق نحيفة لعنب متسلق - بغلظ اصبعين - تلك العناقيد التي هي معجزات الرحيم ذي الجمال في بستان كرمه. فكانت مائة وخمسة وخمسين عنقوداً. واحصيتُ حبّات عنقود واحد منها فكانت مائة وعشرين حبة. فتأملت وقلت: لو كانت هذه الساق الهزيلة خزانة ماء معسّل، وكانت تعطي ماءً باستمرار لما كانت تكفي أمام لفح الحرارة ما ترضعه لمئاتِ الحبات المملوءة من شراب سكر الرحمة. والحال أنها قد لا تنال الاّ رطوبة ضئيلة جداً، فيلزم ان يكون القائم بهذا العمل قادراً على كل شئ. فـ "سبحان من تَحيَّرُ في صنعه العقول". ويذكر في صفحة 606 منها إحصاءه لعدد أغصان شجرة اللوز وعدد فروعها بل حتى عدد ما في أزاهيرها من خيوط.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 534

زيارة المقابر:

كلما كان الأستاذ يمر على قبر سواء على الطريق او في المقبرة، يدعو لهم بالخير. وذات يوم وقف على مقبرة وقال:

- ان شواهد هذه القبور تذكرنا بالآخرة، وتنذرنا، فهي كالمعلم الحي لنا حيث هي شاخصة أمامنا. ألا ترون ان هذه الأحجار ترشدنا إلى دروس بليغة بلسان حالها وكأنها تقول لنا:

- انتم ايضاً قادمون إلى هنا... لامناص.

وهكذا كان يعلمنا كيفية التفكير في الأمور كلها، وعلمنا أدب زيارة القبور.1

مطالعة الكون:

عندما كان الأستاذ يتجول في السهول الممتدة على مد البصر وبين المروج المزدهرة بالأثمار والأزهار، كان يتصفح كتاب الكون المنظور بنظراته الدقيقة الواعية ويقرأ ما وراءه من معان ورموز، كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً بين يديه بكل اهتمام وذوق، وكان يقول لنا في أثناء ذهابنا وإيابنا في السيارة:

- أأنتم تطالعون كتاب الكون ايضاً؟

كان للاستاذ علاقة متينة مع المخلوقات ويشفق كثيراً جداً على الأشجار والحيوانات بل حتى على الأحجار ايضاً. فعندما يرى كلباً - مثلاً - في الطريق يشفق عليه ويبادرنا بالقول:

- هل لديكم كسرة خبز؟ فيأخذها ويعطيها للكلب.

ويقول: هذه حيوانات وفية، وان عدوها وعواءها ناشئان عن صدقها ووفائها.

وكان عندما يرى في السهول السلحفاة - مثلاً - على حوافي السواقي يقول:

- ما شاء الله، بارك الله، ما أجملها من مخلوق، فالصنعة والإتقان في خلقها ليس بأقل منكم.

واحياناً عندما كان الأستاذ يرى مملكة النمل او يرانا نحرك حجراً وتحته مملكة النمل كان يعيد الحجر إلى مكانه ويقول: لا تقلقوا راحة هذه الحيوانات.

وعندما كان يلتقي في تجوله صيادي الأرانب والطيور يقول لهم:

- لا تروعوا هذه الحيوانات ببنادقكم ولا تؤذوا غيرها.

وهكذا وبهذا الأسلوب كان ينصح الصيادين الهواة. حتى جعل الكثيرين منهم يتخلون عن الصيد.

_____________________

1 ذكريات/74 son sahitler 3/47 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 535

وعندما يلتقي الرعاة في السهول الخضراء وهم يرعون حيواناتهم في مروج بين الجبال والوديان والسهول، يلاطفهم ويقول لهم:

- إنكم إذا ما أديتم الصلاة في أوقاتها الخمسة خلال اليوم يصير اليوم بكامله بمثابة عبادة لكم، لأنكم برعيكم هذا تقدمون خدمة كبيرة للبشرية فان انتفاع بني البشر من أصوافها ولحومها وألبانها هو بحكم الصدقة لكم، فلا تؤذوا إذن هذه الحيوانات البريئة النافعة.

ولم نكن نرى الأستاذ في تجواله في الفلوات فارغاً دون عمل ابداً فهو إما ينشغل بقراءة الجوشن او دلائل النور، خلاصة الخلاصة، حزب النوري، التحميدية، السكينة، الاوراد القدسية1 التي كان يقرؤها كل يوم حتى أثناء تناول الشاي احياناً. وكنا نقرأ له من رسائل النور وهو يستمع ويتأمل ويتفكر او يصحح رسائل النور المستنسخة.

وفي تجوالنا هذا كان الأستاذ يتسلق أعالي الأشجار العالية ويفضل الصلاة على الصخور المرتفعة. وكان يقول لنا:

- لو كان فيّ قوة شبابكم هذا لما نزلت من هذه الجبال.

فكان يطالع ويتدبر في آيات كتاب الكائنات الكبير دائماً.

وعندما كنا في جبل جام ونحتاج إلى أخشاب الأشجار فالأستاذ كان يمنعنا من قطع الأشجار كيفما اتفق بقوله: لا تقطعوا الأشجار فإنها تذكر الله وتسبحه.2

دروس النور والسياسة:

كان الأستاذ يرشد الذين يأتون إلى زيارته من السياسيين والمهتمين بالأمور الاجتماعية قائلا لهم:

- ان طلاب النور ليست لهم أية علاقة مع السياسة، فيجب والحالة هذه ألا يتوجس أهل الدنيا من طلاب النور خيفة ابداً لأننا نعمل للآخرة وليس للدنيا. وبما ان غاية المنتسبين لرسائل النور هو إرضاء الله - سبحانه - وحده فهم بقدر استطاعتهم لا يرغبون في ان يتدخلوا بأمور السياسة وتياراتها في المجتمع، لان الذين يأتون لتلقي الدروس الإيمانية لا يمكن ان ينظر إليهم نظرة الأغيار إذ لا فرق بين

_____________________

1 هذه اسماء الادعية التي يتضمنها كتاب "حزب انوار الحقائق النورية" منها ادعية مأثورة عن الرسول صلى لله عليه وسلم ومنها عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومنها بعض ادعية الأولياء الصالحين من السلف او بعض فقرات ادعية الأستاذ النورسي نفسه.

2 ذكريات/75 son sahitler 3/59 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 536

صديق وعدو في أثناء الدرس. وذات يوم قال ايضاً:

- في الدروس الإيمانية لا يمكن التفرقة بين الطلاب، فان كان ابن مصطفى كمال جالساً في درس من دروس النور مع ابن عبدالمجيد - يقصد أخاه - لا يميّز بينهم، فكل واحد يأخذ نصيبه من الدرس. بينما مسألة الانحياز في السياسة إلى طرف معين يفسد هذا المعنى فيفسد الإخلاص، ولهذا السبب فقد تحمل طلاب النور المصاعب والأهوال والمضايقات لكي لا يصبح النور آلة لأي شئ، فلم يمدوا أيديهم إلى السياسة. وبما ان رسائل النور قد حطمت الكفر المطلق وحطمت الفوضى المتسترة تحت الكفر المطلق وقاومت الإستبداد المطلق الذي يلبسه الكفر المطلق فإنها من هذه الجهة فقط قد تمس السياسة.

كان الأستاذ قد اثبت من خلال المصاعب والمتاعب التي مرت عليه خلال خمس وعشرين سنة بالمحاكمات وغيرها بأنه لا يستبدل ملك الدنيا كلها وسلطنتها بأدنى مسألة ايمانية.1

الحذر:

كنا نشتري له رغيفاً واحداً في الأسبوع وعند الشراء كان يتفحص الخبز بدقة لانه كان هناك من يريد الإضرار بالأستاذ بدس السم في طعامه، فنحن ايضاً كنا لا نأخذ ما يعطيه الخباز لنا، بل نختار بأنفسنا ما نريده. أما عند شرائنا اللبن فقد كنا نختار ماعوناً واحداً من بين مئات المواعين، فلا عجب في هذا العمل إذ الأستاذ قد سمَّم سبع عشرة مرة.

وعندما كنا نجلب الماء للاستاذ كان الناس يريدون ان يساعدونا لمعرفتهم لنا أننا خدام الأستاذ فكنا لا نتكلم مع أحد قطعاً ولا نعطي الترمس لأحد حتى لو كان من طلاب النور، كنا نضع كل ما نشتريه للاستاذ في إناء مغلق مسدود وذلك تجنباً من التسمم.2

لا يُدخل طعاماً على طعام:

كان الأستاذ يأكل قليلاً جداً، وما كان يدخل الطعام على الطعام قط الا بعد مرور خمس ساعات كاملة، وما كان يشرب الماء بعد الأكل الا بعد ساعتين كاملتين. حيث كان ينظر إلى الساعة فإن كان باقياً عشر دقائق كي تكمل الساعتان يقول: لم يحن بعد موعد شرب الماء.

_____________________

1 ذكريات/77 son sahitler 3/65 من بيرام يوكسل

2 ذكريات/79 son sahitler 3/448 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 537

كان يشرب الماء بارداً جداً، فكنا نذهب إلى إسپارطة لشراء الثلج من صيدلية هناك - حيث لم تكن الثلاجات متوفرة حينها - ونضع الثلج ونحفظه في ترمس خاص.1

دأبه مع طلابه: الاستشارة وتقسيم الأعمال

لقد ضحى الأخ زبير بحياته كلها في سبيل خدمة الإيمان عن طريق نشر رسائل النور وخدمة الأستاذ فلو كانوا يقطعونه ارباً ارباً لكان ينهض ويهب قائلاً:

- رسائل النور .. رسائل النور.2

واذا كان طريح الفراش من شدة المرض ويسمع ان الشرطة قد قدمت إليه، كان يقوم ويعتدل ولا يكاد يظهر عليه اثر المرض، لئلا يبدو الضعف منه أمامهم. ولو حصل ان كتبت مقالة في الصحف حول الإيمان والإسلام والشجاعة والفداء فهو أول من يتهم. وهو بدوره لا يتراجع ولا يتنازل ابداً عما قاله فيستمر في محاججتهم. كان الأخ زبير يطبق نفس ما يفعله الأستاذ، وكان الأستاذ يأتمنه على خدمته بل على إشعاله الخاصة وكثيراً ما كان يحوّل الموضوعات الاجتماعية والسياسية اولاً إلى الأخ زبير. أما الأخ صونغور فكان الأستاذ كثيراً ما يكلّفه بأمور المقابلات الضرورية مع رجال الدولة وتوجيه بعض الرسائل التي تمس الحياة الاجتماعية.

كان دأب الأستاذ دائماً ان يفتح باباً للعقل والتفكير لدى طلابه فلا يسلب الإرادة من الإنسان كلياً بل كان يشير إلى ما يأمر به إشارة فحسب. فكان ينادي زبير مثلاً ويستشيره:

- هل نعمل كذا وكذا يا زبير؟

فالأخ زبير ما كان يعمل شيئاً ولا يكتب أية رسالة إلا بأمر الأستاذ واستشارته. فقد كانت حياته كلها موقوفة لرسائل النور، فيقوم برسائل النور ويجلس برسائل النور وينام برسائل النور وهو مع رسائل النور لا يفارقها ساعة.

لله دره من تلميذ مخلص متفان لا يجارى ولا يكاد يكون له مثيل في شرف هذه الخدمة العظيمة بين طلبة النور كلهم.3

_____________________

1 ذكريات/80 son sahitler 3/395 من بيرام يوكسل

2 حيث ان رسائل النور تفسير القرآن الكريم لهذا العصر.

3 ذكريات/80 son sahitler 3/106 من بيرام يوكسل

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 538

جنود في الخدمة:

عندما دخلت رسائل النور المطابع. وبدأت بالانتشار لم تكن ترى الأستاذ جالساً في مكانه قط بل كان في حركة دائبة وفي فعالية مستمرة ونشاط دائم، كان فرحاً سعيداً دائماً بل يكاد يطير من فرحه.

وكنا نذهب احياناً مشياً على الأقدام او بالسيارة إلى مناطق مختلفة كحدائق الزهور في إسپارطة، او حدائق بارلا، او حافات بحيرة اغريدر، او المقبرة، وغيرها من الأماكن، فقد كانت هذه الأماكن تعدّ بمثابة منازل نور صغيرة، فكنا نجول فيها ثم نعود وقد امتلأت قلوبنا بأفراح ملء الدنيا من مباهج النور ومعاني الإيمان.

كان الأستاذ يركب فرساً وكان أحدنا يأخذ بزمام الفرس والثاني يمسك الأستاذ خشية سقوطه وذلك لكبر سنه والثالث يحمل سجادته وترمسه وإبريقه. هكذا كنا نسير مشياً على الأقدام إلى ان نقطع الطريق من اغريدر إلى بارلا. ومتى ما كان يرانا الأستاذ دون عمل، او قاعدين بلا شغل يقول:

- هيا.. تعالوا ليقرأ أحدكم الدرس، وليذهب الآخر إلى جلب الماء، وليعد الثالث الطعام.

هكذا كان يفعل دائماً فكنا جنوداً في معسكر الجهاد ولخدمة الإيمان من خلال رسائل النور.1

لكل مجدد عصره:

في عام 1953 ذهبت لزيارة بديع الزمان في قونيا، وجلست عنده فسرّته زيارتي إليه وانشرح كثيراً لاستمراري في المدرسة الدينية وقال:

- اني اعتبر هذه المدارس كالمدارس المباركة في العصور السابقة. ثم قال:

- لو كان مولانا (جلال الدين الرومي) في هذا العصر لكتب رسائل النور ولو كنت أنا في ذلك العصر لكتبت المثنوي2. ذلك لان خدمة الإيمان والقرآن في عصره كانت على ذلك النمط أي بـ(المثنوي) وأما الآن فان الخدمة على منهج رسائل النور.

ثم أفهمني بعلو شأن رسائل النور وكيف ان الخطط المرسومة ضد الإسلام من قبل الشيوعية والصهيونية قد دحضتها رسائل النور. ثم استمر بالقول:

_____________________

1 ذكريات/83 son sahitler 3/54 من بيرام يوكسل

2 الذي كتبه جلال الدين الرومي بالفارسية

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 539

- ان مجابهتهم والتصدي لهم او حتى النقاش معهم لا يكون الا بقراءة رسائل النور. فالرسالة الواحدة تقابل آلاف الخطط الخفية ضد الإسلام حيث انها تخاطب جميع الطبقات إبتداءاً من الأمي وانتهاء إلى الفيلسوف. فالحقائق التي فهمتموها من الأمثلة التي تسوقها رسائل النور تكفيكم. كالذي يدخل بستاناً مزدهراً بالتفاح يكفيه ما تصل إليه يده أما الذي لاتصل إليه يده فذلك من حصة طويلي القامة. فالذي لا يستوعب رسائل النور عليه ألا ييأس من عدم فهمها، فإنني ايضاً محتاج إلى رسائل النور مثلكم فكلما اقرأها مرة بعد مرة آخذ قسطاً من درسي وافهم اكثر.1

أنا لاشيء:

في الوقت الذي كان كتاب (تاريخ حياة الأستاذ) أثناء الطبع صمم الأخ عبدالنور غلاف الكتاب وهو عبارة عن صورة الأستاذ يضع الحجر الأساس لجامع توغاي في إسپارطة فذهبت إلى زيارة الأستاذ وفي يدي تصميم الغلاف. فسأل الأستاذ:

- ماذا بيدك؟

- غلاف كتاب تاريخ الحياة يا أستاذي وقد صممه الأخ عبدالنور.

وما أن رأى الأستاذ الصورة حتى غضب غضباً شديداً وقال:

- ما هذه الصورة؟ انتم تهتمون بشخصيتي اكثر مما استحق، فأنا اعد الاهتمام والاحترام لشخصي إهانة لي، لأنكم بذلك تتعلقون بي وليس برسائل النور-المرتبطة بالقرآن الكريم - فأنا لا أحب نفسي... إنني لا شئ، أنا عدم، فلا تنتظروا مني شيئاً من الخوارق... وبعد ذلك مزق الصورة المرسومة على الغلاف ورماها في سلة المهملات.2

الباب المفتوح:

في أحد الأيام والأستاذ جالس معنا. تكلم عن كيفية أعمال طلاب النور وعن خدمتهم وكميتهم، وعقّب كلامه قائلاً:

- أخي ليس هناك إنسان لا يفتح الله قلبه للإسلام، فعلى الذين يعملون في خدمة الإسلام ان يكونوا نابهين واعين، إذ الإنسان يشبه قصراً ذا مائة باب، ولابد ان هناك باباً يدخل منه إلى ذلك القصر، ثم تفتح الأبواب كلها. بيد ان منافقي

_____________________

1 ذكريات/87 son sahitler 4 /152 من أحمد گوموش

2 ذكريات/87 son sahitler 4/153 من أحمد گوموش

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 540

آسيا وزنادقة أوروبا منذ ألف سنة يعملون بالمكر والدسائس حتى اعموا عيون أبناء هذا الوطن وحجروا على عقولهم فصدوا تسعةً وتسعين باباً امام الإسلام، الا باب الفطرة فهو مفتوح دائماً. فالمؤمن بفراسته يمكنه ان يكشف الباب المفتوح، وعند الدخول من هذا الباب للإسلام سوف تفتح الأبواب المسدودة الأخرى لأجل الإسلام. فإذا ما غذّي الإنسان بموازين رسائل النور الملائمة لفطرته، ولم يستعجل الأمور وأخذ بالإخلاص وتمسك به فسينشرح بإذن الله قلب الشخص المقابل للإسلام. أما إذا ما بنى الإنسان عمله على الاستعجال، ومناقشة الأمور الجانبية، واتهام الشخص المقابل، فهذا يعني انه يتوجه إلى الأبواب المسدودة فيتسبب في غلق الباب المفتوح كذلك.

ان رسائل النور تهتم بالمحاكمات العقلية، واخذ الأمور بالمسلمات المنطقية والفطرية، ثم تأخذ بيد القارئ إلى دائرة الإسلام الفسيحة.

وعلى غرار هذا الكلام كان الأستاذ يحثنا ويشوقنا ويقينا من الشطط لنسعى مخلصين في أعمالنا ونخدم القرآن والإيمان.1

الطالب الأمثل في خدمة القرآن:

أصيب الأخ زبير بمرض شديد ذات يوم حتى لم يطق الاشتراك في الدرس، فطلب منا ان نراعيه ونساعده. فدخلنا إلى الأستاذ - أنا والأخ صونغور - لتلقي الدرس منه فسأل الأستاذ عن الأخ زبير:

- أين هو؟ فأردنا ان نكتم مرضه عنه ونبين حجة أخرى بأنه ذهب إلى السوق! الا أننا لم نوفق إلى إقناع الأستاذ بهذه الحجة. فغضب الأستاذ وقال:

- لا لن ادرّس درساً ما لم يحضر زبير، اذهبوا إليه واتوا به حيثما كان. وعندما جئناه بزبير غضب غضباً شديداً وقال:

- كنت أظن بأن زبيراً إذا قُطع رأسه - وليس إصبعه - فإن جسده يأتي مهرولاً بلا رأس يردد رسائل النور.. رسائل النور.. لقد خيّب أملي بمرض مسّ إصبعه. اني أريد طالباً لا يهتم بشئ ولو قطعت يده كاملة وليست إصبعه. فلن تكون هذه الأمور - وامثالها - حجة للتقاعس عن هذه الدعوة المقدسة دعوة القرآن الكريم. ان (سعيداً) لم يتراجع قط عن التضحية برأسه في سبيل دعوة الحق بل ضحى بكل ما لديه لرسائل النور. يلزم رسائل النور طلاباً يفدونها بكل شئ في سبيل إعلاء كلمة الله.

_____________________

1 ذكريات/92 son sahitler 4/156 من أحمد گوموش

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 541

وفي هذه الأثناء خطر إلى قلبي - ما أعجب أمركم يا أستاذي! إنكم تعاتبون الأخ زبير بهذا العتاب المر وهو من هو في التضحية والفداء... إذن لم تجد رسائل النور لحد الآن طالباً لها. فتوجه الأستاذ نحوي مباشرة وقال: لقد وجدنا أنا ورسائل النور طالبنا المخلص.

نعم، كان الأستاذ يريد ان يرشد طلابه في شخص زبير.

وكان الأستاذ بنفسه يتابع مراحل الطبع وينشغل مع ما ألف حول رسائل النور وكان يعطي قراءة الجرائد إلى زبير ليقرأها له وكان يبحث معه الموضوعات الاجتماعية، فعلاقة الأستاذ مع زبير كانت تختلف تماماً عن علاقته معنا.1

الكمية تخدع:

كان الأستاذ يطلب منا دائماً ان نكون صادقين وصبورين ومضحين وثابتين في الخدمة القرآنية. قال لي ذات مرة:

- يا ترى كم عدد الطلاب الذين يقرأون رسائل النور في مدرستكم؟ فأجبته:

- سبعون طالباً.

- يا للعجب، كنت أظن ان في تلك المدرسة طالباً واحداً يقرأ رسائل النور ولكنك تقول بأنهم سبعون شخصاً! ومضى قائلاً:

- أخي، ان الكمية دائماً تخدع الإنسان. ولكن الأهم هو النوعية، فلئن أصبحت وسيلة لتعريف رسائل النور إلى شخصين اثنين يبحثان بفطرتهما عن رسائل النور، وكنت سبباً لإنقاذ إيمانهما فقد أنجزت وظيفتك طوال حياتك الدراسية، فالإخلاص ليس في الكمية بل في النوعية، وهذه هي الخدمة القرآنية.. ثم حدثت أحداث لم يبق منهم فعلاً الا طالب واحد..!

بعد هذا التقيت الأستاذ في إسپارطة وقال لي:

- لا تعطي الرسالة لأي شخص كان الا بعد معرفته معرفة جيدة، فكما لا يُعطى الحصان اللحم فلا يعطى الأسد العشب. بل أعط الحصان العشب والاسد اللحم، فان لم يطلب منك أحد رسائل النور عدة مرات فلا تعطها له فنحن لسنا ببائعي كتب. بل نعطي الرسالة إلى من يشعر بالحاجة الماسة إليها، والمتلهف لها.

هكذا كان الأستاذ ينبهنا دائماً على الأخذ بالحيطة والحذر في مثل هذه الأمور.2

_____________________

1 ذكريات/93 son sahitler 4/159 من أحمد گوموش

2 ذكريات/94 son sahitler 4/154 من أحمد گوموش

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 542

الإيمان اولاً:

يروي الأستاذ (علي اوزك)1

عندما قدمت إلى استانبول من مصر وأنا مازلت طالباً في الأزهر الشريف، استفسرت عن الأستاذ النورسي، فوجدته ساكناً في منطقة الفاتح في بيت خشبي قديم، ولدى زيارتي له في غرفته رأيته متمدداً على فراشه - من المرض - سلمت عليه، فرد السلام، ولكن حينما أخبرته بان الشيخ مصطفى صبري2 يخصك بالسلام، جلس وعدل نفسه وقال بتقدير واكبار:

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. وماذا يقول الأستاذ مصطفى صبري؟

- سيدي الأستاذ يسأل الشيخ مصطفى صبري عن عدد طلابكم!

- لي خمسمائة ألف طالب وخادم للقرآن الكريم!

- يقول الشيخ مصطفى صبري.. إذن ماذا ينتظر؟ ولماذا لا يبدأ بجهاد إسلامي مع هذا العدد من طلابه؟

- بلّغ سلامي له أولا، ثم قل له:

ان دعوتنا هي الإيمان، والجهاد يلي الإيمان، وان زماننا هذا هو زمان خدمة الإيمان ووظيفتنا هي الإيمان وخدمتنا تنحصر في الإيمان...

ثم تكلم بإسهاب عن موضوعات إيمانية، وعن كيفية القيام بخدمة الإيمان، وعندما أردت المغادرة قام ليودعني فقبلت يده وودعته.

ولما رجعت إلى مصر، زرت الشيخ مصطفى صبري، وكان طريح الفراش، وقد أنهكه المرض وأدركته الشيخوخة، حدثته عما دار بيني وبين الأستاذ النورسي في تركيا، فاستمع لي جيداً. ثم قال:

- حقاً ان الأستاذ النورسي هو المحق، نعم ان ما قاله صدق وصواب، فقد وفقه الله في مسعاه، أما نحن ، فقد أخطأنا، حيث ثبت هو في البلاد ونحن غادرناها.

وهكذا استصوب مصطفى صبري عمل بديع الزمان وقوله.

كرامة الحقائق الإيمانية:

لقد بدأت افهم سبب حدوث كرامات لبديع الزمان من خلال الحوادث التي مرت.

_____________________

1 ذكريات/95 son sahitler 4/441 وهو استاذ اللغة العربية وعميد المعهد الإسلامي العالي في استانبول، له مؤلفات قيمة في اختصاصه.

2 هو آخر من شغل منصب “شيخ الإسلام” للدولة العثمانية، له مؤلفات قيمة باللغة العربية منها: (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين) ترك تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية. سكن في مصر وتوفي هناك سنة 1945 عن عمر يناهز الخامسة والثمانين رحمه الله رحمة واسعة.

 

 

 

سيرة ذاتية - ص: 543

فالسبب الأول هو:

ان بديع الزمان كان خادماً للإسلام وفي ظروف صعبة وعصيبة جداً وتحت شروط صارمة لا تسمح لخدمة الإسلام بل يمكن القول انها ظروف يستحيل فيها العمل للاسلام. ولكي تستمر وتدوم هذه الخدمة فقد اقتضت الحكمة الإلهية ان تظهر على يده هذه الكرامات.

أما السبب الثاني: فهو

ان تعلم الإسلام في تركيا اصبح غير ممكن او مستحيل (طوال ربع قرن اعتباراً من العشرينات إلى سنة 1950) وعدم التعلم هذا يؤدي حتماً إلى انعدام الحياة المعنوية. فحقاً ان أهل الضلالة في تلك الظروف كانوا يحقرون ويستهينون بالإسلام والمسلمين. فشخصية كبديع الزمان وهو يعاني الغربة والشيخوخة والفقر ان لم تكن له كرامات فمن ذا يرتبط به ولماذا؟

لذا ترى الأشخاص الذين ارتبطوا به برباط وثيق في بداية الأمر هم في الأغلب قد جذبتهم هذه الكرامات التي ساقها الله على يده. فلذلك ترى ان قسماً من طلاب النور قد تركوا بيوتهم وأعمالهم واخذوا على عاتقهم حفظ الإيمان ثقة ببديع الزمان وما يقوم به من أعمال من دون ان يهتموا ماذا سيصبح مصيرهم فذهبوا معه إلى المحاكم وإلى السجون دون ان يعلموا لماذا وكيف وأين؟..

فإذا نظرنا إلى التاريخ الحديث فنادراً ما نرى اشخاصاً محظوظين كبديع الزمان تقتدي به جموع غفيرة وهو يتقدمهم في زمن المستحيلات. وهنا احب ان أوضح هذه الحقيقة ايضاً فأقول:

ان الحقائق الإيمانية التي تطرحها رسائل النور من ضرب الأمثال والأدلة الثابتة تؤثر على الإنسان بدرجة الكرامات، فأنا شخصياً كنت ابحث منذ سنوات طويلة عن جواب بعض الأسئلة التي كانت تدور في ذهني فما استطعت ان أجدها في أي مكان، واخيراً وجدتها في رسائل النور بشكل واضح لا غبار عليه ولا ضباب. واذا نظرنا الآن إلى تاريخ حياة بديع الزمان نرى ان حياته وأسلوب عيشه هي بحد ذاتها كرامة. فقد ترك أهله وبيته وكل ما يمت بصلة إلى نفسه ومنفعته الشخصية، وكانت المشنقة امام عينيه دائماً فأمضى شطراً طويلاً من حياته المديدة في السجون والمنافي لاجل قول الحق وتفهيم الحقائق الإيمانية للناس. أما أنا فان السبب الأساس الذي دفعني إلى جانب بديع الزمان وقراءة رسائل النور هو أنني كنت اقول:

- لماذا يتجول هؤلاء السكيرون والمخمورون ولاعبو القمار بكل راحة واطمئنان وحرية بينما يظل خدام الإيمان والقرآن كبديع الزمان في السجون

 

 

سيرة ذاتية - ص: 544

ويقضي حياته كلها هناك؟ فإذن يتحتم عليّ ان أضع يدي بيده لأساعده بكل ما أستطيع مساعدته ومساندته.

ففي عام 1954- 1955 كنت أقوم بنشر رسائل النور بل حتى تلك التي اعجز عن قراءتها1 فالذين كنت أعطيهم من هذه الرسائل يقولون لي:

- عمّ تبحث هذه الكتب؟ فأقول لهم:

- انتم معلمون وعلماء فيمكنكم قراءتها والوقوف عليها أما أنا فلا أستطيع القراءة. ولكني سأحاول التعلم فبديع الزمان خادم الإسلام في السجن الآن ونحن نقوم بمؤازرته. فأقرأوا انتم واشرحوها لنا وقد كانوا بدورهم يشرحون ما كتبه الأستاذ لي. وأنا يغمرني الفرح والسرور.2

قبلت الهدية ولكن..

ذهبت إلى زيارة الأستاذ سنة 1953. وسألني عن الشيخ طاهر (وهو من مدينة بتليس) فأجبته انه قد ارتحل إلى الآخرة.

فقام الأستاذ من فراشه واصلح من هندامه واستعد للدعاء. وقال:

- اللهم أسعده برحمتك. انه كان يجمع مؤلفاتي عندما كان الناس ينفرون منها. إنه حافظ عليها بإخلاص.

ثم التفت اليّ وقال:

- أرجو أن تكتب إلى أهله برقية عزاء باسمي حالما تصل إلى هناك وتبين فيها مشاركتي لأحزانهم.

وفي زيارة أخرى، عندما كان الأستاذ في فندق آق شهر آخذت معي زوجاً من الجوارب من صنع مدينة بتليس هدية للاستاذ. فقلت له:

- أستاذي.. أرجو ان تقبلها مني هدية متواضعة، فهي من مدينة بتليس! فأخذها بيده، ثم قال:

- لقد قبلت هديتك وأخذتها، ولكن إلبسها أنت بدلاً عني.3

_____________________

1 حيث انها بالحروف العربية.

2 ذكريات/96 son sahitler 3/306 من اسماعيل حكيم اوغلو - كاتب وقاص اسلامي له مؤلفات كثيرة.

3 ذكريات/99 son sahitler 3/405 من فكرت اوزدمير