سيرة ذاتية - ص: 513
الفصل الثالث
مع الزائـريـن
قاعدة تخص الزائرين:
ليكن معلوماً لدى الجميع، ان الذي يزورنا اما انه يأتي الينا لأجل امور تخص الحياة الدنيا. فذلك الباب مسدود.
او أنه يأتي الينا من حيث الحياة الآخرة. ففي تلك الجهة بابان: فاما انه يتصور انني رجل مبارك صاحب مقام عند الله ولأجل هذا يأتي الينا، هذا الباب ايضاً مسدود. إذ لا تعجبني نفسي ولا يعجبني من يعجب بي. فحمداً لله اجزل حمد إذ لم يجعلني راضياً عن نفسي.
أما الجهة الأخرى فهو يأتي الينا لكوني خادماً للقرآن ودلالاً له وداعياً اليه ليس إلاّ. فمرحباً واهلاً وسهلاً وعلى العين والرأس لمن يأتينا من هذا الباب.1
حديث الأستاذ مع الزائرين:
ارسل الأستاذ يوماً أحد طلابه إلى آنقرة لبعض شؤون الدعوة، ولما أطلع الطالب على اوضاع الناس هناك. قال في نفسه: هيهات! متى يستمع هؤلاء إلى حقائق النور، وكيف سيمزق ستار الغفلة الكثيفة! فاستولى عليه اليأس. وعندما رجع إلى الأستاذ خاطبه قائلاً:
ان وظيفتنا الخدمة، اما التوفيق وإفهام الناس فهو يخص الله سبحانه. ونحن مكلفون بأداء مهمتنا. فلا داعي لليأس. فلا أهمية للكثرة بل الأهمية في النوعية. فربّ طالب مخلص مضحٍ خير من ألف من غيره.. وهكذا ازال يأسه.
كان الأستاذ يتجول ايام الربيع والصيف - ونادراً في الشتاء - في ضواحي اميرداغ مشياً على الاقدام واحياناً يخرج للتجوال بعربة يجرها الحصان. ويدفع اجرة العربة ويقول: انا مضطر إلى دفع الاجرة فإن لقمة طعام هدية بدون ثمن تمرضني.
_____________________
1
المكتوبات/442
سيرة ذاتية - ص: 514
وعندما كان يتفسح في الوديان والغابات وحيداً كان الجندرمة يتعقبونه دائماً. فيجلس في مواضع متعدده لتصحيح الرسائل او للتأمل والتفكر في خلق الله. استمر هذا الوضع حتى سنة 1947. وكان شديد الاهتمام بامور الاستنساخ اليدوي او بالرونيو عندما حصل عليها طلابه. ويقول: ان رسائل النور معجزة قرآنية تنور هذا العصر والذي يليه من العصور. ويعدّ خدمة النور اجلّ الوظائف في هذا الزمان حتى اصبح العمل للنور لديه غذاءه الروحي؛ إذ كان يصرف ساعات طوالاً في التصحيح، ولا يعرف التعب اليه سبيلاً. ولم ينقطع عن العمل حتى في اوقات مرضه الشديد.
وحرم من المؤانسة والسلوى بالناس، ولكنه ظفر ضمن هذا الحرمان بما لا ينضب معينه من ثروة عظيمة، إذ احسن الله سبحانه اليه برحمته رسائل النور فهي كل ما يملكه. ففرحه وسروره ونشوته ونبع سلواه كلها في رسائل النور. واليها يصرف كل ما وهبه الله من قابليات وملكات، فكان يعدّ وظيفته الفطرية وسر خلقته تعليم الناس رسائل النور ونشرها.
ولاشك انه في أثناء تجواله يصادف اصنافاً شتى من الناس فكان يتلاطف ويتبادل الحديث معهم.
ومن الثابت بمشاهدات الذين خبروه عن قرب واطلعوا على حياته انه بلغ الذروة في العفة والاستقامة حتى في شبابه وصباه.. فكان كثير الدعاء للاطفال الأبرياء والنساء، بطلات الشفقة والحنان. فكان يذكّرهن بأنهن مسؤولات امام الله عن تربية اولادهن على الإسلام ويكون لهن حظ من حسناتهم. ويرجو منهن الدعاء ويقبلهن اخوات له في الآخرة. ويوجز الكلام معهن. والنساء بصفاء قلوبهن يدركن مدى كونه نموذجاً سامقاً من أهل الحق والحقيقة.
اما محاوراته مع الاطفال الأبرياء فتنطوي على عبر دقيقة ولذة عميقة. فكان يولى لهم اهمية كأهميته للكبار ويتوجه اليهم قلباً حيث كانوا يهرعون اليه من القرى المجاورة. ويقول لهم: اولادي انتم ابرياء لاذنب لكم بعدُ. ارجو منكم الدعاء لي فاني مريض جداً فدعواتكم مقبولة ان شاء الله. وانا بدوري اشرككم في دعائي واعدّكم اولاداً معنويين لي وطلاباً للنور.. ويعزو سبب اهتمامه لهم بان هؤلاء طلاب النور في المستقبل، اما توجههم اليّ واهتمامهم بي، فهو ان ارواحهم الصافية البريئة تشعر بان رسائل النور اتت لاسعافهم وإمدادهم، وحيث انني ترجمان تلك الانوار فيبدون هذه المحبة والعلاقة الحميمة بغير اختيار منهم.
سيرة ذاتية - ص: 515
اما الشباب الذين كانوا يتناوبون عليه احياناً فكان يوصيهم بقراءة رسائل النور والحذر من مهالك ضياع الأخلاق في هدا العصر ولزوم اداء الصلوات. وبفضل الله فقد صحا الكثيرون من رقدتهم.
كان الأستاذ يتكلم حسب المستويات سواء أكان المستمع من عوام الناس او من خواص العلماء، وكان يزوره احياناً أهل القرى او الرعاة فيتكلم معهم بنفس لغتهم ومستواهم وبنفس منكسرة متواضعة. فيصبح الزائر مسروراً وممتناً له. بينما اذا تكلم مع البروفسور تكلم عن علم الفلك او عن مساحة الكرة الأرضية او قطرها ويستنتجه بالارقام او يتكلم عن دوران الأرض حسب الدقائق والثواني ويحسب عدد قطرات الامطار التي تسقط على الأرض في الدقيقة الواحدة... الخ فكان العجب والحيرة يأخذان بالالباب من علمه الغزير بهذه المسائل .1
وعندما كان يتحدث إلى الموظفين والعمال - في أثناء تجواله - يلقى عليهم دروساً تناسب عملهم ويهتم كثيراً باداء الصلوات. ويقول لهم ان اعمالكم الدنيوية ايضاً تكون اعمالاً مثابة عليها ما اديتم الصلوات.ومعلوم مدى الشوق والحرص على العمل فيما اذا فكر الإنسان بأن عمله وجهده يحسب له ثواباً في الآخرة بإقامة الصلاة. وفي الحقيقة ان هذه التوصية مرشدة جميع الموظفين والعاملين والتجار واصحاب المهن والحرف؛ نورد هنا نماذج منها:
كنا مع الأستاذ في فندق يلدز في اسكي شهر فقال لزائريه من عمال معمل السكر ورؤسائهم: ان جميع اعمالكم في العمل ستكون بحكم العبادة ما أديتم الفرائض. لانكم تؤدون للامة خدمة مهمة في سد حاجة ضرورية للناس.
أقبل علينا أحد عمال سكة الحديد ونحن على بحيرة اغريدر نقرأ مرشد الشباب قال له الأستاذ: ان جميع اعمالك بحكم العبادة اذا اديت الفرائض واجتنبت الكبائر. حيث العمل في طريق القطار الذي يقطع مسافة عشر ساعات في ساعة واحدة، خدمة للانسان لا تذهب سدى عند الله. وسيوفيها سبحانه يوم القيامة سعادة أبدية.
* زاره يوماً عدد من الضباط والطيارين والجنود، في اسكي شهر .فقال لهم القول نفسه: هذه الطائرات ستكون في خدمة الإسلام يوماً ما. فاذا ما اديتم الفرائض او اديتم ما يفوتكم منها بالضرورة قضاءً - حيث انكم عسكريون - فساعة واحدة من ساعاتكم تكون بمثابة عشر ساعات من العبادة، ولاسيما الطيار
_____________________
1
Son sahitler 3/ 103. من بيرام يوكسل
سيرة ذاتية - ص: 516
فإن ساعاته بمثابة ثلاثين ساعة من الساعات المثابة عليها. يكفي ان يكون قلبه مطمئناً بالإيمان ويوفي حق الصلاة التي يفرضها الإيمان.
* وكان يقول للرعاة في كل من اميرداغ وإسپارطة وبارلا: ان رعاية هذه الحيوانات عبادة عظيمة حتى ان الله سبحانه ارسل رسلاً وانبياء رعاةً، الاّ ان عليكم باداء الفرائض كي تعدّ خدمتكم عبادة.
بيان إلى الزائرين:
إلى جميع اخوتي الأعزاء الراغبين في مقابلتي وزيارتي ابيّن لهم الآتي:
إنني لا أطيق مقابلة الناس ما لم تكن هناك ضرورة، إذ التسمم الحالي، والضعف الذي اعترى جسمي، وكذا الشيخوخة والمرض.. كل ذلك جعلني عاجزاً عن التحدث كثيراً. ولأجل هذا ابلّغكم يقيناً ان كل كتاب من رسائل النور إنما هوسعيد. فما من رسالة تطالعونها إلاّ وتستفيدون فوائد افضل من مواجهتي بعشرة أضعاف، بل تواجهونني مواجهة حقيقية. فلقد قررت ان اذكر في دعواتي وقراءاتي صباح كل يوم أولئك الراغبين في لقائي لوجه الله بديلاً عن عدم استطاعتهم اللقاء، وسأستمر على هذا القرار.
ومنذ شهرين لا يستطيع أستاذنا الكلام حتى مع من يعاونه في أموره، حيث ترتفع حرارته متى ما بدأ بالتكلم. وقد قال بناء على إخطار قلبى: أن حكمة هذا هي: ان رسائل النور لا تدع حاجة اليّ. فلا داعي للكلام. فضلاً عن أنني قد لا أتكلم الاّ مع عشرين او ثلاثين من أحبتي فلربما منعت من الكلام لئلا يجرح شعور أُلوف الأحبة الآخرين. فليعذرني الاخوة عن اللقاءات الخاصة.2
_____________________
1
T. H. Emirdag Hayati2
الملاحق- اميرداغ 2/394 كان استاذنا يقول: "ان رسائل النور درس قرآني يوافق أفهام هذا العصر". وقد علق هذه اللوحة على ظهر الباب الخارجي لمحل اقامته في كل من إسپارطة واميرداغ، وكان يستقرئها كل زائر له -صونغور