سيرة ذاتية - ص: 81
الفصل الثالث
بداية الانعطاف التاريخي
1908م (1326هـ)
إعلان المشروطية وماهيتها
:1المشروطية: مجلّى وتفسير لآيتي ]وشاورهم في الأمر[ (آل عمران:159).. ]وأمرُهم شورى بينهم [ (الشورى:38) فهي المشورة الشرعية.. فقوة ذلك الوجود المنور هي الحق.. وحياته هي العدالة.. وقلبه هي المعرفة.. ولسانه هي المحبة.. وعقله هو القانون لا الشخص.. ان روح المشروطية أن تكون القوة في القانون، والأمر والنهي في يد الحق، والمرء خادماً..2 إذ المشروطية هي حاكمية الأمة، والحكومة ليست الاّ خادمة. ولئن صدقت المشروطية فالقائمقام والوالي ليسا رؤساء بل خدّام مأجورون.3
مشروطية وحرية شرعيتان أوإستبداد جديد:
إن أصحاب الأفكار الفاسدة، يريدون الإستبداد والمظالم تحت ستار الحرية، فلأجل ألاّ نشاهد مرة أخرى تلك الإستبدادات التي دفنت في حفر الماضي ولا تلك المظالم التي جرت في سيل الزمان، أريد أن أقيم سداً حديداً بين الماضي والحاضر وذلك بإيضاح تاريخ حياة الحرية. وهو كالآتي:
ان هذا الانقلاب لو أعطى الحرية التي أولدها إلى أحضان الشورى الشرعية لتـربيها فستُبعث أمجاد الماضي لهذه الأمة قوية حاكمة. بينما لو صادفت تلك
_____________________
1
المشروطية: هي إعلان النظام البرلماني في الدولة العثمانية، وبموجبه أصبحت الوزارة مسؤولة أمام البرلمان وليس أمام السلطان، كما ان صلاحية تشريع القوانين أصبحت من اختصاص البرلمان. وقد أعلن السلطـان عبد الحميد المشروطية مرتين، مرة عند بداية حكمه وهي المشروطية الأولى في 19 مارت 1877 ونظراً لاستغلال نواب الأقليات غير المسلمة لهذا المجلس ودفع الدولة العثمانية إلى حرب مهلكة مع روسيا في العام نفسه وارتباط هؤلاء النواب بالجمعيات السرية المسلحة وبالدول الأجنبية فقد حل السلطان هذا المجلس دون ان يلغيه، وفي 23تموز سنة 1908 أعاد المشروطية والدستور مرة أخرى فيما سمي بـ "المشروطية الثانية".2
الصيقل الإسلامي - النص العربي/ 142 ط. آنقرة3
صيقل الإسلام - المناظرات / 404
سيرة ذاتية - ص: 82
الحرية الأغراض الشخصية، فستنقلب إلى إستبداد مطلق. فتموت تلك المولودة في مهدها.1
يا أبناء الوطن! لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً كي لا تفلت من أيديكم ، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر2. ذلك لان الحرية إنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة.
والبرهان الباهر على هذا الادعاء هو ما كان يرفل به عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين من الحرية والعدالة والمساواة على الرغم من الوحشية السائدة والتحكم المقيت.3
ففي بداية إعلان الحرية، أرسلتُ ما يقارب من خمسين أو ستين برقية إلى العشائر القاطنين في شرقي البلاد، وذلك بوساطة ديوان رئاسة الوزارة. كان مضمون تلك البرقيات:
ان المسألة التي سمعتموها وهي المشروطية والقانون الأساسي ما هي الاّ العدالة الحقة والشورى الشـرعية. تلقُوها بقبول حسن. اسعوا للحفاظ عليها؛ لان سعادتنا الدنيوية في المشروطية. فلقد قاسينا الأمرين من الإستبداد اكثر من الآخرين.
وقد أتت من كل مكان إجابات إيجابية لهذه البرقيات. بمعنى أنني قمت بتنبيه الولايات الشرقية ولم اتركهم غافلين، يستغفلهم إستبداد جديد..4
وقمت بإلقاء خطب عدة على العلماء عامة وعلى كثير من طلاب الشريعة، وذلك في كل من جامع أياصوفيا و بايزيد والفاتح والسليمانية، وبينتُ العلاقة الحقيقية بين حقائق الشريعة والمشروطية. وأوضحت أن الإستبداد المتعسف لا صلة له بالشريعة الغراء، وأن الشريعة قد أتت لهداية العالم أجمع كي تـزيل التحكم الظالم والإستبداد ..
وقد قلت: ان المسلك الحقيقي للشريعة إنما هو حقيقة المشروطية المشروعة.
بمعنى إنني رضيت بالمشروطية بالدلائل الشرعية، وليس كما رضي بها بعض دعاة المدنية الغربية، إذ قبلوها تقليداً وفهموها خلافاً للشريعة. فلم أتنازل عن الشريعة ولم أُعطها أتاوة لشئ.5
_____________________
1
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 4682
نعم ، لقد سقونا عبودية مسمومة جداِ بإستبداد أرهب وأشد (المؤلف)3
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4674
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 4415
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 442
سيرة ذاتية - ص: 83
إذ لما ارتقت المشروطية الشرعية عرش الأفكار، هزّت الحبل المتين للملّية، فاهتز بدوره الإسلام - وهو العروة الوثقى - وعرف كل مسلم أنه ليس هملاً سائباً، بل مرتبط بالآخرين بالمنفعة المشتركة والحسّ المجرد، فالمسلمون جميعاً مرتبطون كالعشيرة الواحدة.1
إن أوروبا تظن الشريعة هي التي تمدّ الإستبداد بالقوة وتعينه. حاش وكلا.. إن الجهل والتعصب المتفشـيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمل ظناً خاطئاً من ان الشريعة تعين الإستبداد. لذا تألمت كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السئ هذا بالشريعة، فكما أنني أكذّب ظنهم فقد رحّبت بالمشروطية باسم الشريعة قبل أي شخص. ولكني خشـيت من أن يقوم إستبداد آخر لتصديق هذا الظن، لذا صرخت من أعماقي، وبكل ما أوتيت من قوة في خطاب أمام المبعوثيـن (النواب).. في جامع اياصوفيا وقلت: افهموا المشروطية في ضوء المشروعية وتلقوها على أساسها، ولقّنوها الآخرين على هذه الصورة. كي لا تلوثها اليد القذرة لاستبداد جديد متستر وملحد باتخاذ ذلك الشئ الطيب المبارك ترساً لأغراضه الشخصية. قيّدوا الحرية بآداب الشرع لأن عوام الناس والجاهليـن يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلوا أحراراً سائبين بلا قيد و شرط. ولتكن قبلتكم في صلاة العدالة على المذاهب الأربعة كي تصحّ صلاتكم. لأنني قد أعلنت دعوىً: انه يـمكن استخراج حقائق المشروطية صراحة وضمناً وإذناً من المذاهب الأربعة.2 ثم إن سبب افتتاني بمحبة معنى المشروطية هو ان المدخل الأول لتقدم آسيا والعالم الإسلامي في المستقبل هو المشروطية المشروعة والحرية التي هي ضمن نطاق الشريعة. وان مفتاح حظ الإسلام وسعده ورقيه موجود في الشورى التي في المشروطية. حيث قد انسحق - لحد الآن - ثلاثمائة مليوناً من المسلمين تحت أقدام الإستبداد المعنوي للأجانب. وحيث ان الحاكمية الإسلامية مهيمنة الآن في العالم ولا سيما في آسيا، فان كل مسلم يكون مالكاً لجزء حقيقي من الحاكمية. وان الحرية هي العلاج الوحيد لإنقاذ ثلاثمائة مليوناً من المسلمين من الأسر. فحتى لو تضرر هنا - بفرض محال - عشـرون مليوناً من الناس في أثناء إرساء الحرية، فليكن ذلك فداءً، إذ نأخذ ثلاثمائة بدفع عشرين.
وا أسفى! إن العناصر والقوميات الموجودة عندنا مختلطة اختلاط أجزاء الهواء،
_____________________
1
صيقل الإسلام - المناظرات / 4182
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 443
سيرة ذاتية - ص: 84
ولم تمتزج امتزاج أجزاء الماء. وستمتزج تلك العناصر والقوميات بالإسلام الذي يفعل فعل التيار الكهربائي فيهم. وسيأتي بإذن الله مزاج العدالة المنصفة المتـولدة من حرارة نور المعارف الإسلامية.فلتعش المشروطية المشروعة. ولتدم الحرية النيّرة المسترشدة بتربية حقيقة الشريعة.1
وأقول بلا فخر: نحن المسلمين الحقيقيين ننخدع ولكن لا نخدع، ولا نتنـزّل للخداع لأجل حياة دنيوية. لأننا نعلم إنما الحيلة في ترك الحيل. ولكن لأنني قد عاهدت المشروطية الحقيقية المشروعة سأصفع الإستبداد إن قابلته في أي لباس كان، حتى لو كان لابساً ملابس المشروطية او تقلّد اسمها. وفي اعتقادي ان أعداء المشروطية هم أولئك الذين يشوّهون صورتها بإظهارها مخالفة للشريعة وإنها ظالمة، فيكثرون بهذا أعداء الشورى ايضاً. علماً ان القاعدة هي: لا تتبدل الحقائق بتبدل الأسماء.2
لقاء مع مفتي الديار المصرية:3
في السنة الأولى من عهد الحرية سأل الشيخ بخيت - مفتى الديار المصرية - سعيداً القديم:
ما تقول في حق هذه الحرية العثمانية والمدنية الأوروبائية؟
فأجابه سعيد: ان الدولة العثمانية حاملة بدولة اوروبائية وستلدها يوماً ما، وان أوروبا حاملة بالإسلام وستلده يوماً ما.
فقال له الشيخ الجليل: وأنا اصدّق ما يقوله.
ثم قال لمن حوله من العلماء: لا يُناظر هذا الشاب، ولا أتمكن ان اغلبه.
فلقد شاهدنا الولادة الأولى، أنها سبقت أوروبا في بُعدها عن الدين بربع قرن. أما الولادة الثانية فستظهر بعد حوالي ثلاثين سنة بإذن الله. ستظهر في الشرق والغرب دولة إسلامية.4
____________________
1
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4622
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4533
هو الشيخ محمد بخيت بن حسين المطيعي الحنفي، مفتي الديار المصرية، ومن كبار فقهائها، ولد في بلدة (المطيعة) التابعة لمحافظة أسيوط من صعيد مصر، وتعلم في الأزهر واشتغل بالتدريس فيه، وانتقل الى القضاء الشرعي سنة (1297 هـ) واتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني، ثم عين مفتياً للديار المصرية سنة 1333 هـ الى 1339 هـ، وله كتب قيمة. وتوفي سنة 1354هـ..(انظر الأعلام للزركلي 6/274)4
الملاحق- اميرداغ 2/ 386
سيرة ذاتية - ص: 85
خطاب إلى الحرية
أيتها الحرية الشرعية!1
انكِ تنادين بصوت هادر، ولكنه رخيم يحمل بشارة سارة، توقظين بها كردياً بدوياً مثلي نائماً تحت طبقات الغفلة. ولولاكِ لظللت أنا والأمة جميعاً في سجن الأسر والقيد.إنني اُبشّرك بعمر خالد. فإذا ما اتخذت الشريعة التي هي عين الحياة، منبعاً للحياة ، وترعرعت في تلك الجنة الوارفة البهيجة، فإنني أزف بشرى سارة ايضاً بأن هذه الأمة المظلومة سـتترقى ألف درجة عما كانت عليه في سابق عهدها. واذا ما اتخذتك الأمة مرشدة لها، ولم تلوّنك بالمآرب الشخصية وحب الثأر والإنتقام، فقد أخرَجَنا إذن مَن له العظمة والمنة من قبـر الوحشة والإستبداد، ودعانا إلى جنة الإتحاد والمحبة....
ان هذا الإتحاد، إتحاد القلوب والمحبة الموجهة للامة كافة، وهي معدن السعادة والحرية، قد أنعمها المولى الكريم علينا مجاناً، بينما الأمم الأخرى قد ظفروا بها بعد دفع الملايين من جواهر النفوس الغالية.
إن صدى الحرية والعدالة ينفخ نفخ اسرافيل فيبعث الحياة في مشاعرنا المدنية وآمالنا الخامدة ورغباتنا القومية الرفيعة وأخلاقنا الإسلامية الحميدة، حتى يرن صماخ الكرة الأرضية المجذوبة جذبة المولوي، ويهيج الأمة جميعاً ويهزها هزّ المجذوب.
وإياكم يا إخوان الوطن ان تقضوا عليها بالموت مرة أخرى بالسفاهات والإهمال في الدين.
ان القانون الأساسي المؤسس على هذه الشريعة الغراء قد أصبح ملك الموت لقبض أرواح جميع الأفكار الفاسدة والأخلاق الرذيلة والدسائس الشيطانية والتزلفات الدنيئة. فيا اخوة الوطن! لا تعيدوا لتلك الرذائل الحياة بالإسرافات ومخالفة الشريعة والملذات المحرمة....
وبخلافه فإن تفسير الحرية والعمل بها على انها التحرر من القيود والانغمار في السفاهات والملذات غير المشروعة والبذخ والإسراف، وتجاوز الحدود في كل شئ اتباعاً لهوى النفس.. مماثل لمن يتحرر من أسر سلطان واحد ويدخل في إستبداد حقراء سافلين كثيرين. فضلاً عن ان هذا النمط من الحرية يظهر ان الأمة غير
_____________________
1
ألقى الأستاذ النورسي هذا الخطاب في استانبول بعد إعلان الحرية بثلاثة أيام ثم ألقاه أيضاً في سلانيك. وقد نقلنا فقرات من الخطاب. ومن شاء فليراجع النص الكامل في صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 465
سيرة ذاتية - ص: 86
راشدة ومازالت في عهد الصبوة وليست اهلاً للحرية. فهي سفيهة اذن تستحق الحجر عليها، بالرجوع إلى الإستبداد السابق البائد...
وبناء على ما سبق ما ينبغي ان ننخدع، بل نجعل القاعدة الآتية دستور عمل لنا وهي: خذ ما صفا دع ما كدر وفي ضوئها سنأخذ من الأجانب - مشكورين - كل ما يعين الرقي المدني من علوم وصناعات. أما العادات والأخلاق السيئة، فهي ذنوب المدنية ومساوئها التي لا يتبين قبحها كثيراً لكونها محاطة بمحاسن المدنية الكثيرة.
فنحن لو أخذنا منهم المدنية - بسوء حظنا وسوء اختيارنا - بما يوافق الهوى والشهوات - كالأطفال - تاركين محاسنها التي تحتاج إلى بذل الجهد للحصول عليها، نكون موضع سخرية كالمخانيث او كالمترجلات، إذ كيف إذا لبست المرأة ثياب الرجل ولبس الرجل ثياب المرأة يكون كل منهما موضع سخرية واستهزاء. ألا ما يكون لنا ان نتجمل بمساحيق التجميل...
ينبغي لنا الإقتداء باليابانيين في المدنية، لأنهم حافظوا على تقاليدهم القومية التي هي قوام بقائهم وأخذوا بمحاسن المدنية من أوروبا. وحيث ان عاداتنا القومية ناشئة من الإسلام وتزدهر به فالضرورة تقتضي الاعتصام بالإسلام...
نحن على امل عظيم ان تثمر مزرعة الأناضول وروم ايلي شباناً غيارى. فلا جرم ان الممالك العثمانية محل ظهور الأنبياء، ومهد الدول الحضارية، ومشرق شمس الإسلام. فإذا ما نمت هذه الاستعدادات المغروزة في الإنسانية بغيث الحرية، فإنها تتحول إلى شجرة طوبى من الأفكار النيرة وتمتد أغصانها إلى كل جهة. وسيجعل الشرق مشرقاً للغرب، إن لم تفسد وتنخر بالكسل والأغراض الشخصية...
ان الشريعة الغراء تمضي إلى الأبد لأنها آتية من الكلام الأزلي. والبرهان الباهر عليه هو ان الشريعة تتوسع وتنمو نمو الكائن الحي أي بنسبة نمو استعداد الإنسان وتشربه من نتائج تلاحق الأفكار وتغذيه عليها، ذلك الاستعداد الذي يمثل ميل الرقي الذي هو غصن من أغصان شجرة استكمال العلم.
فالحرية والعدالة والمساواة التي كان يرفل بها خير القرون والخلفاء الأربعة، ولاسيما في ذلك الوقت، دليل على ان الشريعة الغراء جامعة لجميع روابط المساواة والعدالة والحرية الحقة. فآثار سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما و صلاح الدين الأيوبي دليل وأي دليل على هذا الادعاء.
ومن هنا فإني اقرر:
سيرة ذاتية - ص: 87
ان سبب تأخرنا وتدنينا وسوء أحوالنا إلى الآن ناتج مما يأتي:
1- عدم مراعاة أحكام الشريعة الغراء.
2- تصرفات بعض المداهنين تصرفاً عفوياً.
3- التعصب المقيت في غير محله سواءً لدى عالم جاهل أو جاهل عالم!
4- تقليد مساوئ المدنية الأوروبية تقليداً ببغائياً - بسوء حظنا او سوء اختيارنا - مما ولّد تركنا لمحاسن المدنية التي تستحصل بمشكلات ومصاعب.
فلو قام الموظفون خير قيام بوظائفهم وسعى الآخرون حسب الظروف المحيطة وما يتطلبه الزمان الحاضر، فلن يجد أحد متسعاً من الوقت للسفاهة. ولو انهمك أي منهما بها فلا يكون الاّ جرثومة خطرة في جسم المجتمع...
كما ان الجسم محال ان يتحلل إلى ذرات دفعة واحدة كذلك تشكّله من ذرات دفعة واحدة وبصورة فجائية محال ايضاً. لذا فإن فصل الموظفين السابقين من جسم الدولة ووضع آخرين جدد في مواضعهم متعذر وإن لم يكن محالاً. علماً ان الدولة ستنبذ الموظفين الذين ينطوون على خبث دفين لا يمكن إصلاحه، بينما باب التوبة مفتوح لمن يمكن إصلاحه ما لم تطلع الشمس من مغربها. فهولاء يجب الاستفادة من تجاربهم، إذ اشغال مواضعهم الوظيفية يحتاج إلى أربعين سنة أخرى. وإلاّ فإن إطالة اللسان بالسوء إلى الجميع وإهانتهم يجعل هذا الإتحاد، اتحاد الأمة العظيم، معرّضاً لوباء وبيل من أفكار فاسدة وأخلاق سيئة....1
مع عمانوئيل كراصو:2
حاول اليهودي المعروف عمانوئيل كراصو ان يجتمع ببديع الزمان في إطار محاولات التأثير فيه ولم يمانع في مقابلته. ولكن هذا اليهودي سرعان ما قطع الاجتماع وتركه هرباً من تأثيـر شخصية بديع الزمان إذ قال وهو لا يكاد يصدق نفسه:
لقد كاد هذا الرجل العجيب ان يزجّني في الإسلام بحديثه.3
_____________________
1
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4652
العضو البارز في المحفل الماسوني ورئيس الحاخامين في استانبول والنائب عن سلانيك. أدى دوراً كبيرا في خلع السلطان عبدالحميد الثاني.3
T. Hayat, ilk hayat.
سيرة ذاتية - ص: 88
موقفه من جون تورك
:1[كان الأستاذ النورسي يحسن الظن بالطيبين منهم بادئ الأمر كما هو واضح في محاورته العشائر]:
س: كنا نسمع سابقاً وإلى الآن أن اكثر أفراد جون تورك هم من الماسونيين، الذين يعادون الدين.
ج: لقد ألقى الإستبداد هذه التلقينات إبقاءً لنفسه، ومما يسند هذا الوهم ويقوّيه عدم مبالاة بعضهم بالدين..
لكن اطمئنوا، إن قصد من لم ينضم منهم إلى الماسونية، ليس الإضرار بالدين، بل نفع الأمة وتأمين سلامتها، ولكن البعض منهم يفرطون في الهجوم على التعصب المقيت الذي لا يليق بالدين. ويبدو أنكم تطلقون على الذين سبق منهم خدمات للحرية و المشروطية أو الذين ارتضوا بهما اسم جون تورك. فاعلموا ان قسماً من أولئك هم مجاهدو الإسلام، وقسماً منهم فدائيو سلامة الأمة، فالذين يشكلون القسم الأعظم منهم والعقدة الحياتية لهم هم من غير الماسونيين ويمثلون أكثرية الإتحاد والترقي2. فهناك علماء ومشايخ في صفوف جون تورك بقدر عشائركم.. رغم وجود زمرة من الماسونيين المفسدين السفهاء فيهم، وهم قلّة قليلة لا يتجاوزون عشرة بالمئة منهم، بينما التسعون بالمئة الباقية منهم مسلمون ذوو عقيدة أمثالكم ومعلوم أن الحكم للأكثرية..فأحسنوا الظن بهم. إذ إن سوء الظن يضركم ويضرهم معاً.3
_____________________
1
جون تورك "تركيا الفتاة" : مشتقة من العبارة الفرنسية Jeunes Turces يطلق هذا الاسم على الجماعات والأفراد المعارضين للحكم في الدولة العثمانية منذ عهد السلطان عبد العزيز . تتلخص مطاليب هذه الجماعات والأفراد في إعلان الدستور وتأسيس حياة برلمانية. وتعدّ جمعية الإتحاد والترقي أقوى هذه الجماعات تأثيرا.2
الإتحاد والترقي: جمعية سرية شكلها طالب ألباني في المدرسة الطبية العسكرية السلطانية يدعى "إبراهيم تمّو" مع قسم من أصدقائه من الطلبة سنة 1889، وكانت تهدف الى خلع السلطان عبد الحميد الثاني، ورفعت شعار "حرية، مساواة ،عدالة" ساعدتها المحافل الماسونية، وانتسب كثير من أعضائها إليها، كما ان دولاً أوروبية عديدة مدت لها يد المساعدة. استفحل أمرها عندما تغلغلت في صفوف الجيش الثالث العثماني في مدينة "سلانيك" التي كانت مقراً ليهود "الدونمة" وفيها محفل الماسونية، وبدأت حركة تمرد في هذا الجيش وارسل زعماء الحركة هذه برقيات تطالب السلطان بإعلان الدستور واعادة مجلس المبعوثان (النواب) واضطر السلطان حقناً للدماء الى إعلان المشروطية الثانية سنة 1908 وبعد سنة من إعلانه الدستور تم خلعه ونفيه الى "سـلانيك" ونُصب أخوه محمد رشاد مكانه، ورغم أن الإتحاد والترقي قد حقق إصلاحات في الإدارة والجيش إلا أنه قبض على الحكم بيد من حديد و أقام دكتاتورية ظالمة، وورط الدولة في الحرب العالمية الأولى، وبعد إعلان هدنة موندروس في 30/ 10/ 1918بيوم هرب زعماء هذه الجمعية الى خارج البلاد.3
صيقل الإسلام - المناظرات / 404
سيرة ذاتية - ص: 89
س: لِمَ تحسن الظن - كلما أمكنك ذلك - بحكومة المشروطية وأفراد جون تورك غير الملحدين؟.
ج: لأنكم تسيئون الظن بهم كلما تيسّر لكم ذلك، فأنا أحسن الظن بهم، فان كانوا بمثل ما أقول فبه ونِعمَ، والاّ فأنا أرشدهم إلى الصواب كي يسلكوه.
س: ما رأيك في الإتحاد والترقي؟.
ج: مع إنني أثمّن قيمتهم الاّ أنني أعترض على الشدّة التي يزاولها سياسيوهم وأهنئ في الوقت ذاته واستحسن - إلى حدٍّ ما - فروعهم وشعبهم الاقتصادية والثقافية ولاسيما في الولايات الشرقية.1
إن سعيداً القديم على الرغم من معارضته الشديدة لمنظمة الإتحاد والترقي مال إلى حكومتها ولاسيما إلى الجيش، حيث وقف منهم موقف تقدير وإعجاب وإلتزام وطاعة. وما ذاك الاّ بما كان يحس به من إحساس مسبق من ان تلك الجماعات العسكرية والجمعية الملية سيظهر منهم بعد سبع سنوات مليون من الشهداء الذين هم بمرتبة الأولياء.فمال إليهم طوال أربع سنوات دون اختيار منه، وبمـا يخالف مشربه. ولكن بحلول الحرب العالمية وخضّها لهم أُفرز الدهن المبارك من اللبن فتحول إلى مخيض لا قيمة له. فعاد سعيد الجديد إلى الاستمرار في جهاده وخالف سعيداً القديم.2
وقد كنت أرى - في بداية عهد الحرية - ملحدين داخلين ضمن الإتحاديين يقولون: ان في الإسلام والشريعة المحمدية دساتير قيمة شاملة نافعة جداً وجديرة بالتطبيق للمجتمع البشري ولاسيما للسياسة العثمانية. فكانوا ينحازون إلى الشريعة المحمدية بكل ما لديهم من قوة، فهم من هذه النقطة مسلمون، أي يلتزمون الحق ويوالونه، مع انهم غير مؤمنين، بمعنى انهم أهل لأن يدعون: مسلمون غير مؤمنين.
أما الآن فهناك من يعتقد بنفسه الإيمان، فيؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر. الاّ انه يوالى التيارات المناهضة للشريعة والموافقة للأجانب، تحت اسم المدنية. ولما كان لا يلتزم بقوانين الشريعة الاحمدية التي هي الحق والحقيقة ولا يواليها موالاة حقيقية، فيكون إذن مؤمناً غير مسلم. ويصح القول: كما ان الإسلام بلا إيمان لا يكون سبباً للنجاة كذلك الإيمان بلا إسلام - على علم - لا يصمد ولا يمنح النجاة.3
_____________________
1
صيقل الإسلام - المناظرات / 4322
الملاحق - قسطموني/ 1273
الملاحق - بارلا/ 91
سيرة ذاتية - ص: 90
مطاليبه من الإتحاد والترقي:
آ- إنشاء مدرسة الزهراء
:1ب- الصدق والأمانة وضمان مستقبل العلماء:
ان لي دعوى أبحثها مع الخواص، ولي مسألة مهمة مع الحكومة، مع الأشراف، مع أولئك الذين ليسوا من الماسونيين من جماعة الإتحاد والترقي.
يا طبقة الخواص! نحن العوام ومعاشر أهل المدرسة الدينية نطالبكم بحقنا!..
نريد أن تصدقوا قولكم بفعلكم، ولا تعتذروا بقصور غيركم، ولا تتواكلوا فيما بينكم وتتكاسـلوا في خدمتنا الواجبة عليكم، وان تتداركوا فيما فاتنا بسببكم، وان تستمعوا إلى أحوالنا وتستشيروا حاجاتنا، وان تستفسروا عن أوضاعنا، وتَدَعوا لَهوَكم جانباً!..
الحاصل: إننا نطلب ضمان مستقبل العلماء في الولايات الشرقية ونطلب نصيبنا من معنى الإتحاد والترقي لا من الاسم، فنطلب ما هو هيّن عليكم وعظيم عندنا.2
ج - إنشاء مجلس شورى للاجتهاد:
بينا نرى الوزارة تستند اصلاً إلى ثلاثة مجالس شورى - وقد لا توفي هذه المجالس حاجاتها الكثيرة - نجد ان المشيخة قد أودعت إلى اجتهاد شخص واحد، في وقت تعقدت فيه العلاقات وتشابكت حتى في أدق الأمور، فضلا عن الفوضى الرهيبة في الآراء الاجتهادية، وعلاوة على تشتت الأفكار وتدني الأخلاق المريع الناشئ من تسرب المدنية الزائفة فينا.
من المعلوم ان مقاومة الفرد تكون ضعيفة أمام المؤثرات الخارجية، فلقد ضُحي بكثير من أحكام الدين مسايرة للمؤثرات الخارجية.
وبينما كانت الأمور بسيطة والتسليم للعلماء وتقليدهم جارياً كانت المشيخة مودعة إلى مجلس شورى - ولو بصورة غير منتظمة - ويتركب من شخصيات مرموقة، أما الآن وقد تعقدت الأمور ولم تعد بسيطة وارتخى عنان تقليد العلماء واتباعهم.. اقول كيف يا ترى يكون بمقدور شخص واحد القيام بكل الأعباء؟
ولقد اظهر الزمان ان هذه المشيخة الإسلامية - التي تمثل الخلافة - ليست خاصة لأهل استانبول او للدولة العثمانية، وإنما هي مؤسسة جليلة تعود للمسلمين
_____________________
1
لأهمية الموضوع خصص له فصل مستقل.2
صيقل الإسلام - المناظرات / 427
سيرة ذاتية - ص: 91
عامة. فوضعها الحالي المنطفئ لا يؤهلها للقيام بأعباء ارشاد استانبول وحدها ناهيك عن ارشاد العالم الإسلامي! لذا ينبغي ان تؤول هذه المشيخة إلى درجة ومنـزلة تتمكن بها كسب ثقة العالم الإسلامي فتكون كالمرآة العاكسة لمشاكل المسلمين. وتغدو منبعاً فياضاً للاجتهادات والأفكار. وعندها تكون قد أدت مهمتها حق الأداء تجاه العالم الإسلامي.1
لقد طالبت بهذه الفكرة2 أعضاء تركيا الفتاة إبان إعلان الدستور، فلم يوافقوا عليها، وبعد مضي اثنتي عشرة سنة طالبتهم بها ايضاً فقبلوها ولكن المجلس النيابي قد حل. والآن أعرضها مرة أخرى على نقطة تمركز العالم الإسلامي.3
معارضة الإتحاد والترقي وعدّ محبتهم غير مشروعة:
ان خطأ تركيا الفتاة نابع من عدم معرفتهم أن الدين أساس الحياة. فظنوا ان الأمة شئ والإسلام شئ آخر؛ وهما متمايزان! ذلك لأن المدنية الحاضرة أوحـت بذلك واستولت على الأفكار بقولها: إن السعادة هي في الحياة نفسها. الاّ ان الزمان أظهر الآن أن نظام المدنية فاسد ومضر. والتجارب القاطعة أظهرت لنا: أن الدين حياة للحياة ونورها وأساسها. إحياء الدين إحياء لهذه الأمة. والإسلام هو الذي أدرك هذا. ان رقي امتنا هو بنسبة تمسكها بالدين، وتدنيها هو بمقدار إهمالها له، بخلاف الدين الآخر. هذه حقيقة تاريخية، قد تنوسيت.4
س: كنت تعارض الإتحاد والترقي، الاّ انك تسكت عليهم الآن.
قلت: لكثرة هجوم الأعداء عليهم.
ان هدف الهجوم الذي يشنه الأعداء هو العزم والثبات اللذان يتحلّون بهما وعدم كونهم وسيلة لتنفيذ مآرب الأعداء في تسميم أفكار المسلمين. وهذا من حسناتهم. إنني أرى ان الطريق طريقان؛ ككفتي الميزان. خفة إحداهما تولد ثقل الأخرى.فأنا لا أصفع أنور5 بجانب أنترانيك6، ولا أصفع سعيد حليم7
_____________________
1
صيقل الإسلام - السانحات / 3522
المقصود إنشاء مجلس شورى للإجتهاد.3
صيقل الإسلام - السانحات/ 3514
الكلمات/ 8615
أنور باشا: (1881 - 1922) كان وزيراً للحربية في حكومة الإتحاد والترقي سنة 1913ونائباِ للقائد العام للقوات المسلحة حيث كان السلطان هو القائد العام. هرب الى ألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ومنها الى تركستان وشكل جيشاً لمقاومة الروس واستشهد في إحدى المعارك.6
انترانيـك: رئيس منظمة الطاشناق الأرمنية، أشغل الدولة العثمانية مـدة طويلة من الزمـن بعدد من ثوراتـه ضـد الدولة.7
سعيد حليم: (1863 - 1921) كان رئيساً للوزراء عندما كان أنور باشا وزيراً للحربية. أدين مع سبع وستين من رفقائه بإقحامهم الدولة العثمانية في الحرب العالمية. فنفي الى جزيرة " مالطة " وظل فيها سنتين، ثم التجأ الى إيطاليا حيث حظر دخوله الى تركيا ومصر؛ إذ كانت تحت الاحتلال البـريطاني. اغتاله شخص أرمني في 6/ 1/ 1921 قرب روما.
سيرة ذاتية - ص: 92
بجانب فنـزيلوس1 وفي نظري ان الذي يصفعهما سافل منحط.2
نعم، إنني عارضت شعبة - الإتحاد والترقي - المستبدة هنا، تلك التي أذهبت شوق الجميع وأطارت نشوتهم وأيقظت عروق النفاق والتحيّز وسببت التفرقة بين الناس وأوجدت الفرق والأحزاب القومية، وتسمّت بالمشروطية بينما مثلت الإستبداد في الحقيقة، بل حتى لطخت اسم الإتحاد والترقي.3
ولقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة4 موجهة ضد الإتحاد والترقي وضد إستبدادهم ودكتاتوريتهم.5
لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل ايام الإستبداد. الاّ انها الآن تعادي الحياة بأكملها. فان كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق؛ فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوىً للظالمين.6
ومع هذا فان القدر الإلهي يعذبني بالأيدي الظالمة لأهل الدنيا هؤلاء. وذلك بسبب ما لا يستحقونه من ميلي إليهم، وفق القاعدة: ان نتيجة محبة غير مشروعة عداوة ظالمة.
وقد كنت اؤثر الصمت، لعلمي أني اسـتحق هذا العذاب، حيث إنني قد خدمت بصفة قائد للمتطوعين في الحرب العالمية الأولى، وخضت المعارك، وضحيت بخيرة طلابي وأحبّائي مع نيل تقدير القائد العام للجيش، أنور باشا. وسقطت جريحاً، واُسرت. وبعد مجيئي من الأسر ألقيت بنفسي في المهالك، بتأليفي كتاب الخطوات السـت الذي تحديت به الإنكليز وهم يحتلون استانبول. فعاونت هؤلاء الأصدقاء الذين ألقوني في عذاب الأسر بغير سبب. وكان هذا جزائي نظير معاونتي لهم، فأذاقني هؤلاء من المصاعب والمتاعب في ثلاثة
_____________________
1
فنـزيليوس: (1864 - 1936) من رجال اليونان البارزين في السياسة، كان محامياً ثم قائد الثوار في جزيرة كريت أسقط في سنة 1910 رئيس الوزراء قسطنطين وحلّ محله. اصبح سبباً لكثير من الاضطرابات والقلاقل في البلاد هرب سنة 1935 الى باريس، وتوفي هناك.2
صيقل الإسلام -السانحات 3623
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4524
حادثة 31 مارت،سيرد توضيحها في هذا الفصل.5
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4556
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 440
سيرة ذاتية - ص: 93
شهور ما يفوق المصاعب والمتاعب التي قاسيت منها في روسيا طوال ثلاث سنوات.1
مواقفه في الفوضى التي ضربت أطنابها عقب إعلان الحرية:
في بداية عهد الحرية (أي إعلان الدستور) تشكلت جمعيات مختلفة لّلاجئين وفي المقدمة الروم والأرمن، تحت أسماء أندية كثيرة، وسببت تفرقة القلوب - كما تشتتت الأقوام بانهدام برج بابل، وتفرقوا أيدي سبأ في التاريخ - حتى كان منهم من اصبح لقمة سائغة للأجانب، ومنهم من تردى وضل ضلالاً بعيداً2 إذ قد عمت الفوضى والإرهاب في الأوساط بما نشرته الصحف من مقالات محرضة، وشروع الفرقاء (الأحزاب) بتسجيل أسماء الفدائيين ، وسيطرة الأشخاص الذين قادوا الانقلاب، وسريان الحرية المطلقة إلى الجنود بما ينافي الطاعة العسكرية، وتلقين بعض المهمليـن الجنود ما يظنونه مخالفاً للآداب الدينية. وبعد ان انفرط عقد الطاعة زرع المستبدون والمتعصبون الجهلاء - والذين تنقصهم المحاكمة العقلية في الدين - البذور في ذلك المستنقع الآسن - بظن الإحسان - وظلت السياسة العامة للدولة بيد الجهلاء و أطلق ما يقارب المليون من الطلقات في الهواء وتدخلت الأيادي الداخلية والخارجية...3
تهدئته المشاعر المتهيجة:
لقد شعرت مراراً في اجتماعات ضخمة بالمشاعر المتهيجة لدى الناس، فخشيت ان يخلّ عوام الناس النظام وأمن البلاد بمداخلتهم في السياسة، فقمت بتهدئة تلك المشاعر الجياشة بكلام يلائم لسان طالب علم قروي قد تعلم اللغة التركية حديثاً.
فمثلاً: في اجتماع الطلاب في جامع بايزيد، وفي المولد النبوي المقام في اياصوفيا، وفي مسرح الفرح. هدّأتُ - إلى حدٍ ما- ثورة الناس وغضبهم. فلولا تلك الكلمات والخطب لعصفت بهم عاصفة هوجاء.4
_____________________
1
المكتوبات/ 942
المكتوبات/ 4143
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4564
صيقل الإسلام- المحكمة العسكرية / 444 إذ كادت الفوضى التي عمت المسرح ان تنقلب الى نزاع دموي،بين أنصار جمعية "الإتحاد والترقي" ومعارضيهم، فاعتلى الأستاذ النورسي المنصة وخاطب بصوته الجهوري الحاضرين ودعاهم الى النظام والإخلاد الى السكون أولاً ثم بيّن لهم ان عليهم ان يروّضوا أنفسهم على احترام رأي المقابل واحتـرام حرية النقاش، وان من العار على أمة أعلنت المشروطية ألا تراعي هذا الأمر، ومذكراً إياهم برحابة صدر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقيامه بالمشورة مع أصحابه. واستطاع فعلاً إقرار السكون والهدوء في ذلك الاجتماع الذي كاد ان ينقلب الى مذبحة.
سيرة ذاتية - ص: 94
تهدئته الحمالين:
توجستُ خيفة من ان يُلوّث صفاء القلوب لدى الولايات الشرقية، فيستغل بعضُ دعاة الأحزاب أبناء بلدي الذين يقرب تعدادهم عشـرين ألف شخص، حيث إنهم يعملون بالحمالة وهم ذوو نفوس طيبة ساذجة غافلة. فتجولت جميع الأماكن والمقاهي التي يتواجد فيها الحمالون، وبينت لهم المشروطية في السنة الماضية بقدر ما يستوعبونه. فقلت لهم بهذا المعنى:
إن الإستبداد ظلم وتحكم في الآخرين، أما المشروطية فهي العدالة والشريعة. فالسلطان إذا ما أطاع أوامر سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسار في نهجه المبارك فهو الخليفة، ونحن نطيعه، و الاّ فالذين يعصون الرسول صلى الله عليه وسلم ويظلمون الناس هم قطاع طرق ولو كانوا سلاطين.
ان عدونا هو الجهل والضرورة والاختلاف، وسنجاهد هؤلاء الأعداء الثلاثة بسلاح الصناعة والمعرفة والاتفاق. وسنتعاون ونتصادق يداً بيد مع الأتراك وهم إخواننا الحقيقيون الذين كانوا السبب - من جهة - لإيقاظنا من غفلتـنا ودفعنا إلى سبيل الرقي. نعم، نتعاون معهم ومع جميع من يجاورنا، لان الخصام والعداء فساد أي فساد. فلا نملك وقتاً للخصام. ونحن لا نتدخل بشؤون الحكومة، حيث أننا لا ندرك حكمتها.
ولقد كانت لهذه النصيحة جدوىً وأثراً في أولئك الحمالين الذين قاطعوا العمل في إنزال البضائع النمساوية1 - مثلما أقاطع البضائع الأوروبية قاطبة - حيث تصرفوا تصرفاً يتسم بالعقلانية وبعيداً عن التهور.2
_____________________
1
في 9 رمضان سنة 1326هـ (9 تشرين الأول 1908م) أعلنت النمسا ضم البوسنة والهرسك اليها مستفيدة في ذلك من أفول نجم السلطان عبد الحميد الثاني. على اثر هذا القرار تم إعلان مقاطعة جماهيرية للبضائع النمساوية وللمخازن التي تبيع هذه البضائع، وأعلن الحمالون مقاطعتهم لتفريغ البضائع النمساوية، ولكن الأمور لم تبق محصـورة في هذا المجال بل تطورت الى حد هدد الحياة التجارية في استانبول، كما انحرفت وجهة المقاطعة الى عصيان الحمالين لأوامر رؤسائهم (رؤساء الحمالين) واصبحوا يتجمعون في بعض المقاهي وفي مركز رئيسي لهم في (خان عشيرة) فأصبح الجو مهدداً بالانفجار، فذهب اليهم "بديع الزمان" وألقى عليهم خطبة جميلة حسب مداركهم استطاع فيها الحيلولة دون التطور السيء للأحداث، حتى ان مفتش الشرطة العام لاستانبول قدّم شكره وتقديره لمساعيه الحميدة.2
صيقل الإسلام- المحكمة العسكرية /442
سيرة ذاتية - ص: 95
1909م (1327هـ)
مساندة جمعية الإتحاد المحمدي :
طرق سمعي ان جمعية باسم الإتحاد المحمدي قد تأسست1، فتوجست خيفة شديدة من صدور حركات خاطئة من بعضهم تحت هذا الإسم المبارك.
ثم سمعت اشخاصاً مرموقين - من أمثال سهيل باشا والشيخ صادق - قد حوّلوا هذا الاسم إلى شئ بسيط ويسير إذ حصروه في العبادة واتباع سنن مطهرة، فقطعوا علاقتهم بتلك الجمعية السياسية. فلا يتدخلون بعدُ بالسياسة. فخشـيت مرة أخرى حيث قلت: إن هذا الاسم هو حقّ المسلمين كافة، فلا يقبل تخصصاً ولا تحديداً. فكما أني منتسـب إلى جمعيات دينية عديدة من جهة- حيث قد رأيت أن أهدافها واحدة - كذلك أنتسب إلى ذلك الاسم المبارك.
ولكن الإتحاد المحمدي الذي اعرفه وانضممت إليه هو الدائرة المرتبطة بسلسلة نورانية ممتدة من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. فالذين ينضوون تحت رايته يتجاوز عددهم عن ثلاثمائة مليون في هذا العصر، وان جهة الوحدة والارتباط في هذا الإتحاد هو توحيد الله. قَسَمه وعهده هو الإيمان. والمنتسبون إليه جميع المؤمنيـن منذ الخليقة. وسجل أسماء أعضائه هو اللوح المحفوظ. وناشر أفكاره: جميع الكتب الإسلامية والصحف اليومية التي تستهدف إعلاء كلمة الله. ومحالّ اجتماعاته ونواديه هي الجوامع والمساجد والتكايا والمدارس الدينية. ومركزه: الحرمان الشريفان.ِ
فجمعية مثل هذه.. رئيسها هو فخر العالمين سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. ومسلكها ومنهجها: مجاهدة كل شخص نفسه أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم و إحياء السنة النبوية ومحبة الآخرين وإسداء النصح لهم ما لم ينشأ منه ضرر.
والنظام الداخلي لهذا الإتحاد: السنة النبوية.
وقانونه: الأوامر الشرعية ونواهيها.
وسيوفه: البراهين القاطعة، حيث أن الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط و الإجبار. وان تحرّي الحقيقة لا يكون الاّ بالمحبة، بينما الخصومة تكون ازاء الوحشية والتعصب.
أما أهدافهم ومقاصدهم فهي إعلاء كلمة الله .
_____________________
1
تأسست في 5 نيسان 1909م وأعلن عنها في إجتماع حاشد في جامع اياصوفيا وألقى الأستاذ النورسي هناك خطبة رائعة.
سيرة ذاتية - ص: 96
هذا وان نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة. فليفكر فيها أولياء أمورنا.
والآن فان مقصدنا هو سوق الجميع بشوق وجداني إلى كعبة الكمالات بطريق الرقي، وذلك بتحريك تلك السلسلة النورانية، إذ إن الرقي المادي سبب عظيم لإعلاء كلمة الله في هذا الزمان. وهكذا فأنا أحد أفراد هذا الإتحاد ومن الساعين لرفع رايته وإظهار اسمه والاّ فلسـت من الأحزاب والجمعيات التي تسبب الفرقة بين الناس.1
وفي الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري:
وقالوا كذلك: هل انضممت إلى الإتحاد المحمدي؟
قلت: نعم بكل فخر واعتزاز! أنا من اصغر أعضائه، ولكن بالوجه الذي اعرّفه. أروني احداً خارج ذلك الإتحاد من غير الملحدين. وهكذا فأنا انشر اليوم ذلك الخطاب لأنقذ المشروطية من التلوث، وانجي أهل الشـريعة من اليأس، واخلّص أبناء العصر من وصم الجهل والجنون بهم في نظر التأريخ، وانتشل الحقيقة من الأوهام والشبهات.2
نعم إنني دعوت ظاهراً إلى هذا الإتحاد المحمدي من اجل مقصدين عظيمين:
المقصد الأول: إنقاذ ذلك الاسم من التحديد والتخصيص، ولأعلن شموله المؤمنين عامة كي لا يقع الخلاف والفرقة ولا ترد الشبهات والأوهام.
المقصد الثاني: ليكون سداً أمام افتراق الفرق والأحزاب الذي كان سبباً في هذه المصيبة الفائتة العظيمة، وذلك بمحاولة التوحيد بينها، فيا اسفي لم يسعفنا الزمن فجاء السيل فأوقعني ايضاً.
ثم كنت أقول: لو نشب حريق فسأحاول إطفاء جزء منه في الأقل، ولكن احترقت حتى ملابسي العلمية. وذهبتْ - برضى مني - الشهرة الكاذبة التي لا أستطيع تعهدها.3
_____________________
1
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 4452
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 4403
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 447
سيرة ذاتية - ص: 97
رد الأوهام
18 مارت 1325رومي
1مارت 1909 ميلادي
سأردّ هنا الأوهام الفاسدة التسعة التي أُسندت إلى جماعة الإتحاد المحمدي:
الوهم الأول: ان طرح المسألة الدينية في الأوساط لا يلائم مثل هذا الظرف الدقيق.
الجواب: نحن نحب الدين ونحب الدنيا أيضاً لأجل الدين.. و لا خير في الدنيا بلا دين.
ثانياً: ما دامت الحاكمية للشعب في المشروطية فلابد أن يثبت الشعب وجوده. وشعبنا مسلم ومسلم فقط. فليست هناك رابطة حقيقية وقوية غير الإسلام بين العرب والترك والكرد والاروناؤوط والجركس واللاز.
إن اهمالاً طفيفاً في الدين ادّى إلى إرساء قواعد طوائف الملوك وظهور الجاهليات الميتة قبل ثلاثة عشر قرناً وبالتالي إلى ظهور الـفتن والقـلاقـل. وقد ظهرت فعلاً وشاهـدناها.
الوهم الثاني: إن تخصيص هذا العنوان - أي الإتحاد المحمدي - يجعل غير المنتسبين إليه في شك من أمرهم.
الجواب: وقد قلت سابقاً: فإما لم يُقرأ أو فُهم خطأً؛ لذا أضطر إلى التكرار وهو: عندما نقول الإتحاد المحمدي الذي هو اتحاد الإسلام، فالمراد هو الإتحاد الموجود الثابت بين جميع المؤمنيـن بالقوة أو بالفعل. وليس المراد جماعة في استانبول أو في الأناضول إذ إن قطرة من ماءٍ تحمل صفة الماء، فلا أحد خارج هذا الإتحاد، ولا يخصص هذا العنوان بأحد. وتعريفه الحقيقي هو:
ان أساس هذا الإتحاد يمتد من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.. ومركزه: الحَرمان الشريفان.. وجهة وحدته: التوحيد الإلهي.. عهده وقَسَمه: الإيمان.. نظامه الداخلي: السنة النبوية الشريفة.. قوانينه: الأوامر والنواهي الشرعية..مقر اجتماعاته: جميع المدارس والمساجد والزوايا.. ناشرُ أفكار تلك الجماعة نشراً خالداً إلى الأبد: جميع الكتب الإسلامية وفي المقدمة القرآن الكريم وتفاسيـره (ورسائل النور أحد تلك التفاسير في زماننا هذا) وجميع الصحف الدينية والجرائد النـزيهة التي تهدف إلى إعلاء كلمة الله.. و منتسبوه: جميع المؤمنين.. رئيسه: فخر العالمين صلى الله عليه وسلم.
والآن لنقف عند الصدد وهو: تيقظ المؤمنين وإقبالهم نحو الإسلام ولا ينكر ما
سيرة ذاتية - ص: 98
للرأي العام من تأثيـر.. وهدف الإتحاد وقصده: إعلاء كلمة الله.. ومسلكه: الجهاد الأكبر للنفس وارشاد الآخرين.. وهمة هذه الهيئة المباركة مصروفة بنسبة تسع وتسعين بالمائة إلى غير السياسة من تهذيب الأخلاق واستقامة السلوك وما شابهها من الفضائل والمقاصد المشروعة إذ ان الجمعيات المتوجهة إلى مثل هذه المقاصد نادرة، علماً أن أهميتها جليلة. وهناك واحد بالمائة من المقاصد يتعلق بالسياسة وهو ارشاد السياسيين.. سيوفهم: البراهيـن القاطعة.. مشربهم: المحبة وإنـماء المحبة المندمجة في بـذرة الاخوة الموجودة بين المـؤمنـين لتصبح شجرة طوبى مباركة.
الوهم الخامس: ربما ينفر الأجانب من هذا الإتحاد؟
الجواب: ان مَن يجد في نفسه هذا الاحتمال جاهل لا محالة إذ يردّ هذا الاحتمال ما يلقى من خطب ومحاضرات حول الإسلام وعظمته في مراكزهم وعواصمهم.
ثم ان أعداءنا ليسوا الأجانب. وانما الذي أردانا إلى هذا الوضع وحال بيننا وبين إعلاء كلمة الله هو مخالفتنا للشريعة الغراء نتيجة جهلنا بها، والضرورة التي أثمرت سوء الأخلاق وسوء المعاملات والاختلاف الذي انتج الأغراض الشخصية والنفاق. فاتحادنا هجوم على هذه الثلاثة من الأعداء الظلمة.
أما جهل الأجانب بالإسلام في القرون الوسطى، فالإسلام مع اضطراره إلى معاداة الجهل والهمجية الاّ أنه قد حافظ على العدالة والاستقامة معهم فلم يُرَ في التاريخ الإسلامي أمثال محاكم التفتيش. ولما قوي ساعد المدنيين في زمن التحضر هذا فقد زال عنهم ذلك التعصب الذميم.
ان الظهور على المدنيين من منظور الدين إنما هو بالإقناع وليس بالإكراه. وبإظهار الإسلام محبوباً وسامياً لديهم وذلك بالإمتثال الجميل لأوامره وإظهار الأخلاق الفاضلة. أما الإكراه والعداء، فهما تجاه وحشية الهمجيين.
الوهم السادس: إن البعض يقول: إن اتخاذ اتحاد الإسلام إتباع السنة النبوية هدفاً له يحدد من الحرية وينافي الأخذ بمتطلبات المدنية.
الجواب: المؤمن حرّ في ذاته. فالذي هو عبد لله رب العالمين لا ينبغي له ان يتذلل للناس، بمعنى: كلما رسخ الإيمان قويت الحرية.
أما الحرية المطلقة فما هي الاّ الوحشية المطلقة بل بهيمية، وتحديد الحرية ضروري من وجهة نظر الإنسانية.
ثالثاً: إن قسماً من السفهاء والمهملين يريدون أن يظلوا أذلاء أسارى النفس الأمارة بالسوء فلا يروق لهم العيش الحر.
سيرة ذاتية - ص: 99
الحاصل: ان الحرية الخارجة عن دائرة الشرع، إنما هي إستبداد أو أسرٌ بيد النفس الأمارة بالسوء، أو بـهيمية أو وحشية. فليعلم جيداً هؤلاء الزنادقة والمهملون للدين انهم لا يستطيعون ان يحببوا أنفسهم لأي أجنبي كان يملك وجداناً بالإلحاد والسـفاهة، بل لا يمكنهم ان يتشبهوا بـهم. لان السفيه والذي لا يسير على هدى لا يكون محبوباً، فالثياب الـلائقـة بامرأة إذا ما لبسها الرجل يكون موضع هـزء وسخرية.
الوهم السابع: ان جمعية اتحاد الإسلام إنما هي لشق الصف بين سائر الجمعيات الإسلامية وتولِّد الحسد والنفرة بينها.
الجواب:
اولاً: ان الأمور الأخروية لا حسد فيها ولا تنافر ولا تزاحم فأيما جمعية حسدت وزاحمت الإتحاد فكأنما تنافق في العبادة وترائي فيها.
ثانياً: إننا نتحد مع الجماعات المتشكّلة بدافع محبة الدين وخدمته وذلك على وفق شرطين اثنين:
الشرط الأول: المحافظة على النظام العام للبلاد والحرية الشرعية.
الشرط الثاني: انتهاج نهج المحبة، وعدم محاولة إظهار مزايا لها بانتقاص الجمعيات الأخرى، بل الأولى مراجعة مفتي الأمة وجماعة العلماء فيما إذا ظهر خطأ.
ثالثاً: ان الجماعة التي تهدف إلى إعلاء كلمة الله لن تكون وسيلة لأي غرض مهما كان، واذا تشـبثت بالأغراض فلا يحالفها التوفيق قطعاً لأنه نفاق، فشأن الحق عالٍ وسام لا يضحى به من اجل أي شئ كان. كيف تكون نجوم الثريا مكانس، أو كيف تؤكل كعناقيد عنبٍ؟ ان الذي يريد ان يطفئ شمس الحقيقـة بالنفـخ إنما يدلّ على بلاهتـه وجنونـه.
أيتها الصحف الدينية!
ان قصدنا وهدفنا هو اتحاد الجماعات الدينية في الهدف. إذ كما لا يمكن الإتحاد في المسالك والمشارب فلا يجوز ايضاً، لأن التقليد يشق طريقه ويؤدي إلى القول: مالي وما عليّ فليفكر غيري.
الوهم الثامن: ان المنتسبين إلى الإتحاد - معنىً وصورة - أكثرهم من العوام وقسم منهم غير معروفين وهذا مدعاة إلى حدوث فتن واختلافات.
الجواب: إنما ذلك لعدم السماح في هذا الإتحاد بالتمايز بين الناس سواء أكانوا من الخاصة أم من العامة، ثم لأن المرء في الإتحاد يدعو إلى إعلاء كلمة الله فكل ما
سيرة ذاتية - ص: 100
يقوم به يثاب عليه ثواب عبادة.. ففي جامع العبادة يتساوى الملك والمتسول فلا امتياز، بل المساواة الحقة دسـتور قائم. لأن الأكرمَ عند الله هو الأتقى، والأتقى هو المتواضع، فبناءً على هذا يتشرف الشخص بانتسابه إلى هذه الجماعة الخالصة لخدمة الدين والدعوة إلى الآخرة، والاّ فلا يزيد الإتحاد شرفاً، إذ القطرة لا تزيد البحر شيئاً.. ثم ان الإنسان كما لا يخرج عن الإيمان بارتكاب كبيرة، فان باب التـوبة ايضاً مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربـها. والبحر لا يتنجس بغرفة ماء، بل يطهّر اليد فالمنتسب إلى هذا المثال المصغر للاتحاد الإسلامي يشترط عليه اتباع السنة النبوية وإحياؤها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها وعدم الإخلال بأمن البلاد ونظامها فالمجهول الذي انتسب إلى هذا الإتحاد لا يلوث قصداً هذه الحقيقة ما اسـتطاع إليه سبيلاً وحتى لو كان المرء نفسه مذنباً فإيـمانه نزيه مقدّس. والرابطة إنما هي بالإيمان ليس الاّ.
فتشويه هذا العنوان المقدس بحجج واهية أمثال هذه إنما ينجم عن الجهل بعظمة الإسلام فضلاً عن إظهار هذا المتحجج نفسه أنه أحمق الناس.
نحن نردّ بكل ما أوتينا من قوة تشويه سمعة اتحادنا الذي يمثل (اتحاد المسلمين) أو التعريض به مما هو دأب الجمعيات الدنيوية الأخرى ونحن على أتم استعداد للإجابة عن أي استفسار واعتراض كان.
ان الجماعة التي انضم إليها إنما هي هذا الإتحاد الإسلامي الذي فصّلنا القول فيه. والاّ فليست هي تلك التي يتخيلها المعترضون بخيالهم الباطل.
ان أفراد هذه الهيئة الدينية هم معاً، سواءً أكانوا في الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال.1
تنبيه أرباب الصحافة:
لقد دأبت الصحف على زعزعة الأخلاق الإسلامية بقياسين فاسدين وبـما يوهن العزة والإقدام، حتى اهلكوا الأفكار العامة السائدة. فتصديت لهم بمقالات نشرتها في الجرائد وقلت لهم:
يا أرباب الصحف! على الأدباء ان يلتزموا بالآداب، وعليهم ان يتأدبوا بالآداب اللائقة بالإسلام فينبغي ان تكون أقوالهم صادرة من صدور لا تحيد لجهة، ومن قلوب عموم الناس، فيشترك معهم عموم الأمة.
ويجب تنظيم برنامج المطبوعات بما في وجدانكم من شعور ديني ونية خالصة.
_____________________
1
صيقل الإسلام- الخطبة الشامية/ 533
سيرة ذاتية - ص: 101
بينما انتم بقياس فاسـد، أي بقياس الريف باستانبول، و استانبول بأوروبا أوقعتم الرأي العام والأفكار السائدة في مستنقع آسن. فنبهتم عروق الأغراض الشخصية والمنافع الذاتية واخذ الثأر، حيث يلقن الطفل الصغيـر الذي لم يدرج بعد في المدرسة، الفلسفة الطبيعية المادية. فكما لا تليق بالرجل فساتين الراقصات فلا تطبق مشاعر أوروبا في استانبول. إذ اختـلاف الأقوام وتخالف الأماكن والأقطار شبيهة بتباين الأزمنة والعصور. بمعنى ان الثورة الفرنسية لا تكون دستوراً لنا. فالخطأ ينجم من تطبيق النظريات وعدم التفكر بمتطلبات الوقت الحاضر.1
وحسب علمي ان الأدباء يكونون متأدبين، الاّ أنني أجد بعض الصحف الخارجيـة خالية من الأدب وناشرة للنفاق. فان كان هذا هو الأدب، والآراء العامة مختلطة إلى هذا الحد، فاشهدوا أني تخليت عن هذا الأدب. فلست داخلاً فيهم ايضاً. وسأطالع الأجرام واللوحات السماوية النيرة على ذرى جبال موطني، قمة باشت، بدلاً من مطالعة هذه الصحف.2
إنني اعترض على أساس فكر الصـحف التي ظهرت بعد منتصف نيسان وذلك: انهم أوجدوا منفذاً ومبرراً للتضحية بالعزة والكرامة والطاعة العسكرية - التي هي أسمى من الحياة بل تضحى لأجلها الحياة - في سبيل أعمال غيـر مشروعة، وافعال خسيسة خادمة للحياة نفسها لدى أهل الوجدان.
ثم انهم ظنوا ان شمس الشريعة التي تنجذب إليها الحقائق والأحوال وترتبط بها، تابعة للسلطة او منقادة للخلافة او أداة لأية سياسة أخرى. فاظهروا - ما اعتقدوه - ان الشمس المنيرة تابعة لنجم منخسف.
اقول بكل ما املك من قوة:
انه لا رقي لنا إلاّ برقي الإسلام الذي هو مليتـنا، ولا رفعة لنا الاّ بتجلي حقائق الشريعة. وبخلافه نكون مصداقاً للمثل القائل: أضاع المشيتين.
نعم، علينا ان نستشعر بشرف الأمة وعزتها وثواب الآخرة وبشأن المجتمع، وقيمته، والحمية الإسلامية، وحب الوطن وبحب الدين، ففي المضاعفات قوة أية قوة.3
_____________________
1
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 4442
نفسه / 4613
نفسه / 456
سيرة ذاتية - ص: 102
لتحيا الشريعة الاحمدية
1على صاحبها الصلاة والسلام
ان الشريعة الغراء باقية إلى الأبد؛ لأنها آتية من الكلام الأزلي وان النجاة والخلاص من تحكم النفس الأمارة بالسـوء بنا هي بالاعتماد على الإسلام والاستناد إليه والتمسك بحبل الله المتين. وان جني فوائد الحرية الحقة والاستفادة منها استفادة كاملة منوط بالاستمداد من الإيمان؛ ذلك لأن من أراد العبودية الخالصة لرب العالمين لا ينبغي له ان يذلّ نفسـه فيكون عبداً للعبيد. وحيث أن كل إنسان راعٍ في مُلكه وعالَمه فهو مكلّف بالجهاد الأكبر في عالمه الأصغر ومأمور بالتخلق بأخلاق النـبي صلى الله عليه وسلم واحياء سنته الشريفة.
يا أولياء الأمور! إن أردتم التوفيق فاطلبوه في موافقة أعمالكم للسنن الإلهية في الكون - أي قوانين الله - والاّ فلن تحصدوا إلاّ الخذلان والإخفاق. لأن ظهور الأنبياء عامة في الممالك الإسلامية والعثمانية إنما هو رمز واشارة من القدر الإلهي: أن الذي يدفع أبناء هذه الممالك إلى التقدم إنما هو الدين. وان أزاهير مزرعة آسيا وأفريقيا وبساتين نصف أوروبا ستتفتح وتزدهر بنور الإسلام.
اعلموا ان الدين لا يُضحّى به لأجل الحصول على الدنيا. فقد كانت تعطى فيما مضى مسائل الشريعة أتاوة للحفاظ على الإستبداد البائد. اروني ماذا حصدنا من ترك مسائل الدين والتضحية بها غير الضرر والخيبة. ان إصابة الأمة في قلبها إنما هو من ضعف الدين ولن تنعم بالصحة إلاّ بتقوية الدين.
ان مشربنا: محبة المحبة، ومخاصمة الخصومة، أي إمداد جنود المحبة بين المسلميـن، وتشتيت عساكر الخصومة فيما بينهم.
أما مسلكنا: فهو التخلق بالأخلاق المحمدية صلى الله عليه وسلم وإحياء السنة النبوية.
ومرشدنا في الحياة: الشريعة الغراء
وسيفنا: البراهين القاطعة.
وهدفنا: إعلاء كلمة الله..
ان كل مؤمن هو منتسب - معنىً - لجماعتنا وصورة هذا الانتساب هو العزم القاطع على إحياء السنة النبوية في عالمه الخاص، فنحن ندعو باسم الشريعة أولئك
________________
1
الجريدة الدينية/77في 18مارت1909(5 مارت1325 رومي)
سيرة ذاتية - ص: 103
المرشدين وهم العلماء والمشايخ من طلاب العلوم إلى الإتحاد قبل أي أحد سواهم.1
حادثة 31مارت [13 نيسان 1909م]:2
لقد شاهدت الحركة الرهيبة التي حدثت في (31) مارت لبضع دقائق. فسمعت مطالب عدة؛ فكما إذا أديرت ألوان سبعة بسرعة لا يظهر الاّ اللون الابيض فكذلك لم يظهر من تلك المطالب الاّ لفظ الشريعة التي تخفف فساد تلك المطالب المتباينة من الألف إلى الواحد، وتنقذ العوام من الفوضى والاضـطراب، والتي تحافظ حفاظاً معجزاً على السياسة من ان تكون لعبة بيد الأفراد. فأدركت ان الأمر ينساق إلى الفسـاد؛ إذ الطاعة قد اختلت، والنصائح لا تجدي؛ والاّ كنت اندفع إلى إطفاء تلك النار مثلما كنت أطفئ غيـرها، ولكن العوام هم الأغلبية، وأصدقائي غافلون وبسطاء، وأنا اظهر بمظهر الشهرة الكاذبة.
فبعد ثلاث دقائق انسحبت ذاهباً إلى باقرگوي3 كي احول بين معارفي وبين التدخل في الأمر. وأوصيت كل من قابلني بعدم التدخل. فلو كان لي تدخل - بمقدار أنـملة - لكنت اظهر في هذا الأمر ظهوراً عظيماً حيث ان ملابسي تعلن عني وشهرتي التي لا أريدها ذائعة بين الجميع. وربما كنت اثبت وجودي بمقاومة جيش الحركة إلى اياستافانونس.4 ولو وحدي ثم أموت بشرف ورجولة. وعندئذٍ كان تدخلي في الأمور من البديهيات. فلا تبقى حاجة إلى التحقيق.
وفي اليوم الثاني استفسرت من الجنود المطيعين - الذين هم يمثلون عقدة الحياة
_____________________
1
صيقل الإسلام - الخطبة الشامية/ 5312
نشب عصيان بين أفراد الطابور العسكري الذي كان قد اُرسل من قبل الإتحاديين من مدينة سلانيك الى استانبول لحماية المشروطية. فقد ثار الجنود وحبسوا ضباطهم في الثكنة واجتمعوا في منتصف ليلة 31 مارت 1325 رومي ( الموافق 22ربيع الأول 1327هـ) في ميدان (السلطان احمد) حيث انضم إليهم بعض الجنود من المعسكرات الأخرى معلنين عصياناً دام أحد عشر يوماً، راح ضحيته بعض الأشخاص.. وساد جو من الهرج والمرج واطلاق الرصاص عبثاً، وكان الجنود يهتفون: نريد الشريعة.. نريد الشريعة.. انتهت هذه الحادثة بوصول جيش الحركة الذي وجّهه الإتحاديون من سلانيك ، بقيادة "محمود شوكت باشا" لقمع العصيان واعادة سلطة الإتحاديين فوصل استانبول في 23 نيسان. فسيطر على الوضع. كما أعلنت الأحكام العرفية وشكلت محكمة عسكرية لمحاكمة المسؤولين عن هذه الحادثة.(وعزل السلطان عبدالحميد في 27 نيسان 1909 الموافق ليوم 6ربيع الآخر1327 الساعة 32-1 زوالية رغم ان الحاميات الموجودة في استانبول وخاصة حامية قصر يلدز كانت أقوى بكثير من جيش الحركة إلا أن السلطان رفض بشدة طلب قواده تشتيت هذا الجيش لئلا تراق الدماء من أجله (عن "تاريخ الدولة العثمانية" لإسماعيل دانشمند 4/ 375)3
أحد احياء استانبول4
منطقة في ضواحي استانبول (يشيل كوي).
سيرة ذاتية - ص: 104
لنا - فقالوا ان الضباط قد لبسوا ملابس الجنود، فالطاعة ليست مختلة كثيراً.
ثم كررت السؤال: كم من الضباط أصيبوا؟ فخدعوني قائلين: أربعة فقط، وهؤلاء كانوا من المستبدين. وسوف تنفذ آداب الشريعة وحدودها.
ثم تصفحت الجرائد ورأيت: انهم ايضاً يرون تلك الحركة حركة مشروعة ويصورونها على هذه الصورة، ففرحت من جهة. لأن أقدس غاية لديّ هي تطبيق الأحكام الشرعية تطبيقاً كاملاً. ولكن يئست اشد اليأس وتألمت كثيراً باختلال الطاعة العسكرية. فخاطبت الجنود بلسان جميع الجرائد وقلت:
أيها الجنود! ان كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بإثم واحد فإنكم بعصيانكم تظلمون حقوق ثلاثين مليوناً من العثمانيين و ثلاثمائة مليوناً من المسلمين. لان شرف العثمانيين وعامة المسلمين وسعادتهم ولواء وحدتهم قائمة - بجهة - في طاعتكم.
ثم إنكم تطالبون بالشريعة ولكنكم تخالفونها بعصيانكم هذا.
ولقد باركت حركتهم وشجاعتهم لان الصحف التي هي لسان كاذب للرأي العام قد أظهرت لنا أن حركتهم مشروعة. فلقد تمكنت - بتقديرهم هذا - أن اؤثر بنصيحتي فيهم. فهدّأت العصيان إلى حدٍ ما. والاّ لما كان الأمر يكون سهلاً.1
ولكن وا أسفى لقد وضع المعجبون بالتطرف في هذه الحادثة سداً أمام رغبات الأمة المشتاقة إلى المشروطية المشروعة التي فيها سعادتنا ومنبع حياتنا الاجتماعية العطشى إلى المعارف والعلوم الحديثة المنسجمة مع الإسلام وذلك بإلقائهم الأغراض الشخصية والفتن في المشروطية. زد على ذلك أعمال المثقفين المتسمة بالإلحاد وعدم الاكتراث بالدين.2
ولقد رأيت في حادثة (31 مارت) حالة قريبة من هذا: عندما نادى من كانوا يجودون بأرواحهم للإسلام من أصحاب الهمم بالدعوة إلى المشروطية، والذين كانوا يعتقدون ان نعمة المشروطية غاية المنى وجوهر الحياة، وجدّوا في تطبيق تفرعاتها وفق الشـريعة مرشدين المسؤولين في الدولة وموجهين لهم للتوجه إلى القبلة في صلاة العدالة طالبيـن إعلاء الشريعة المقدسة حقاً بقوة المشروطية، وإبقاء المشروطية بقوة الشريعة، محمّلين مخالفة الشريعة السيئات السابقة جميعَها، فما ان نادى هؤلاء بهذا النداء وقاموا بتطبيق بعض الأمور الفرعية إذا ببعض مَن لا يميّز
_____________________
1
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4482
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 452
سيرة ذاتية - ص: 105
يمينه عن شماله يبرز أمامهم ويجابهونهم ظناً منهم ان الشريعة تشد أزر الإستبداد - حاشـاها - فقلّدوا كالببغاء منادين: بأنّا نطالب بالشريعة فاختفى الهدف ولم يعد يُفهم القصـد الحقيقي، وانجر الوضع إلى ما رأيتم. ومعلوم ان الخطط قد مُهّدت وحيكت من قبل. فلما آل الأمر إلى هذا هجم بعض من يتقنع كذباً بالحمية على ذلك الاسم السامي، واعترضوا متعدين عليه. فدونكم نقطة سوداء مظلمة جديرة بالاعتبار.1 ذلك ان ما يسمى بحادثة 31 مارت، ذلك الطوفان الرهيب والصاعقة المحرقة، قد هُيأت - تحت أسباب اعتيادية - استعداداً طبيعياً بحيث ورد - من عند الله - على لسان القائمين بها اسم الشريعة المظهرة معجزتها دوماً رغم ان نتائج تلك الحادثة كانت الهرج والمرج.
ولأن اسم الشريعة جعل ذلك الطوفان يمر بسلام فانه يُدين - أمام الله - تلك الصحف التي أطلقت لسانها بالسوء بعد منتصف نيسان.
فإذا ما أُخذ بنظر الاعتبار الأسباب السبعة والأحوال السبع التي أدّت إلى تلك الحادثة تظهر الحقيقة بجلاء وهي الآتية:
1- لقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة موجهة ضد الإتحاد والترقي وضد إستبدادهم ودكتاتوريتهم.
2- كما كانت ترمي إلى تبديل الوزراء الذين كانوا محل نقاش وجدال بين الفرقاء والأحزاب.
3- إنقاذ السلطان المظلوم من الخلع الذي قد تقرر وصُمّم عليه.
4- منع التعليمات وإنهاء التلقينات التي لا تليق بالآداب العسكرية والآداب الدينية.
5- الكشف عن قاتل السيد حسن فهمي2 بعد ان تم تضخيم موضوع اغتياله.
6- تسـوية موضوع الضباط الآلايلي3 الذين اُخرجوا من الخدمة العسكرية وإنصافهم.
7- الوقوف تجاه تعميم مفهوم الحرية على التصـرفات السفيهة، أي تحديد معنى الحرية بالآداب الشرعية، ثم القيام بتطبيق الحدود الشرعية التي لا يفهم العوام منها سوى القصاص وقطع اليد.
_____________________
1
صيقل الإسلام - المناظرات / 4062
حسن فهمي: صحفي معروف بمعارضته لجمعية الإتحاد والترقي. تم اغتياله فوق جسر "غلطة "من قبل هذه الجمعية. واثار اغتياله استياءً عاماً ونقمة ضد الإتحاديين.3
ضباط الالايلي: هم الضباط الذين ترقوا من الجندية، ولم يكونوا من خريجي الكلية الحربية.
سيرة ذاتية - ص: 106
بيد ان الأرضية الآسنة كانت مهيأة والخطط والمنـزلقات كانت جاهزة حتى ذهبت الطاعة العسكرية السامية جداً ضحية لها.
ان أس أساس الأسباب هو المناقشات العنيفة المتحيّزة للفرقاء (الأحزاب ) وغلو الصحف في المجادلات المبالغ فيها بالكذب عوضاً عن بلاغة الكلام...1
إرجاعه الجنود إلى الطاعة:
ذهبت بصحبة العلماء يوم الجمعة إلى الجنود الذين تمردوا في الوزارة الحربية. وقد أخضعت ثمانية طوابير إلى الطاعة بخطب مؤثرة جداً. ولقد اظهرت نصائحي فوائدها بعد مدة. اذكر لكم صورة خطابي:
أيها العساكر الموحدون!
ان شرف ثلاثين مليوناً من العثمانيين وثلاثمائة مليون من المسلمين وكرامتهم وسعادتهم ورمز وحدتهم منوطة - من جهة - بطاعتكم. ان كان - الضباط- يظلمون أنفسهم بخطيئة واحدة فإنكم بعصيانكم هذا تظلمون ثلاثمائة مليون من المسلمين. لأنكم بعصيانكم هذا تلقون الاخوة الإسلامية إلى التهلكة.
اعلموا جيداً! ان مركز الجندي عظيم جداً، إذ هو أشبه ما يكون بالمعمل، فإذا اختل دولاب منه يختل العمل في المعمل كله. ألا ان الجنود الأفراد لا يتدخلون بالسياسة، والانكشاريون2 خير شاهد على هذا. إنكم تطالبون بالشريعة الاّ أنكم تخالفونها وتلوثونها.
انه ثابت بالشريعة والقرآن والحديث والحكمة والتجربة: ان الطاعة فرض لولى الأمر المستقيم المتديِّن القائم بالحق. فأولياء أموركم هم ضباطكم. فكما ان مهندساً ماهراً وطبيباً حاذقاً إذا ما ارتكب الآثام لا تتضرر مهنة الطب والهندسة كذلك ضبـاطكم الذين هم منورو الفكر ومثقفون ومطلعون على فنون الحرب وذوو الغيرة والشهامة وهم المؤمنون. فلا تظلموا العثمانيين جميعاً والمسلمين بعصيانكم لأوامرهم جراء حركة جزئية غير مشروعة تصدر منهم، ذلك لان العصيان ليس ظلماً واحداً بل هو تجاوز على حقوق ملايين من الأفراد. انتم تعلمون أن راية التوحيد الإلهي محمولة على يد شجاعتكم. وقوة تلك اليد في الطاعة والنظام، حيث ان ألفاً من المطيعين المنظمين يعدل مائة ألف من السائبين. وغني عن البيان
_____________________
1
صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية/ 4452
الانكشارية: نظام عسكري للمشاة في الدولة العثمانية، أسسه السلطان اورخان.قدم خدمات كبيرة للدولة في اوائل عهدها، ثم فسد واصبح مشكلة للدولة، حتى استطاع السلطان محمود الثاني إلغاءه وأسس بدلاً منه نظاماً عسكرياً حديثا.
سيرة ذاتية - ص: 107
فان ثلاثين مليوناً من العثمانيين لم يقوموا بمثل هذه الانقلابات الدموية طوال مائة سنة، فلقد قمتم بها بطاعتكم من دون إراقة دماء.
وأضيف ايضاً، ان إضاعة ضابط ذي حمية وثقافة ودراية يعني إضاعة قوتكم المعنوية، لان الغالب في الوقت الحاضر هو الشجاعة الإيمانية والعقلية والعلمية. واحياناً يعدل مثقف واحد منهم مائة من غيرهم. فالأجانب يسعون ان يغلبوكم بهذه الشجاعة، إذ الشجاعة الفطرية وحدها غير كافية.
خلاصة الكلام: إني أبلغكم ماأمره الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو:
ان الطاعة فرض، فلا تعصوا ضباطكم.
فليحيا الجنود، ولتعش المشروطية المشروعة.1
وقد سمعت ان قسماً من الجنود بدأوا ينتسبون إلى بعض الجمعيات، فتذكرت الحادثة الرهيبة للانكشاريين. فقلقت كثيراً واضطربت، فكتبت في إحدى الصحف:
ان أسمى جمعية وأقدسها في الوقت الحاضر، هي جمعية الجنود المؤمنين. فجميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد هم داخلون في هذه الجمعية. إذ إن أقدس هدف لأقدس جمعية في العالم هو الإتحاد والاخوة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة الله. فالجنود المؤمنون قاطبة يدعون إلى هذا الهدف. ألا ان الجنود هم المراكز، فعلى الأمة والجمعيات ان ينتسبوا إلى الجنود. إذ الجمعيات الأخرى ما هي الاّ لجعل الأمة جنوداً في المحبة والاخوة. أما الإتحاد المحمدي الذي هو شامل لجميع المؤمنين فهو ليس جمعية ولا حزباً، إذ مركزه وصفّه الأول المجاهدون والشهداء والعلماء والمرشدون.
فليس هناك مؤمن ولا جندي فدائي سواءً أكان ضابطاً او جندياً خارجاً عن هذا الإتحاد، لذا فلا داعي للانتساب إلى جمعيات أخرى. ومع هذا فلا أتدخل في أمور بعض الجمعيات الخيرة التي لها الحق في ان تطلق على نفسها الإتحاد المحمدي.2
سوقه إلى المحكمة العسكرية العرفية بسبب أحداث (31) مارت:
حينما كانت العدالة والاستقامة التبستا مع الرجعية، صيّر الإستبداد الشديد في المشروطية السجن مدرسةً لي.3
_____________________
1
صيقل الإسلام- المحكمة العسكرية /4492
صيقل الإسلام- المحكمة العسكرية /4473
صيقل الإسلام-المحكمة العسكرية/ 439
سيرة ذاتية - ص: 108
لقد قلت في المحكمة العسكرية العرفية في أثناء حادثة (31) مارت:
إنني طالب شريعة، لذا ازن كل شئ بميزان الشريعة. فالإسلام وحده هو ملتي، لذا اُقيّم كل شئ وانظر إليه بمنظار الإسلام.
وإنني إذ أقف على مشارف عالم البرزخ الذي تدعونه السجن منتظراً في محطة الإعدام، القطار الذي يقلني إلى الآخرة اشجب وانقد ما يجري في المجتمع البشري من أحوال ظالمة غدارة. فخطابي ليس موجهاً إليكم وحدكم وانما أوجهه إلى بني الإنسان كلهم في هذا العصر. فلقد انبعثت الحقائق من قبـر القلب عارية مجردة بسر الآية الكريمة:
]يوم تبلى السرائر[ (الطارق: 9) فمن كان اجنبياً غير محرَم فلا ينظر إليها. إنني متهئ بكل شوق للذهاب إلى الآخرة، ومستعد للرحيل إليها مع هؤلاء المعلقين على المشانق1. تصوروا مبلغ اشتياقي إليها بهذا المثال:قروي مغرم بالغرائب سمع بعجائب استانبول وغرائبها وجمالها ومباهجها، كم يشتاق إليها؟
فأنا الآن مثل ذلك القروي مشتاق إلى الآخرة التي هي معرض العجائب والغرائب.
لذا فان إبعادي ونفيي إلى هناك لا يُعدّ عقاباً لي. ولكن إن كان في قدرتكم وفي استطاعتكم تعذيبي وإيقاع العقاب عليّ فعذّبوني وجداناً، فدونه ليس عذاباً ولا عقاباً بل فخراً وشرفاً.
لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل ايام الإستبداد. الاّ انها الآن تعادي الحياة بأكملها. فان كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق؛ فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوىً للظالمين.
لقد كنت آمل ان يهئ لي موضع لأبيّن فيه أفكاري. وها قد أصبحت هذه المحكمة العرفية خير مكان لأبث منها أفكاري.
في الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري:
وأنت ايضاً قد طالبت بالشريعة!
قلت: لو كان لي ألف روح، لكنت مستعداً لأن أضحي بها في سبيل حقيقة واحدة من حقائق الشريعة، إذ الشريعة سبب السعادة وهي العدالة المحضة وهي الفضيلة. اقول: الشريعة الحقة لا كما يطالب بها المتمردون..
فها أنا ابدأ بخطابي.
_____________________
1
حيث يشاهد جثث خمسة عشر من المشنوقين عبر النافذة.
سيرة ذاتية - ص: 109
أيها القادة! أيها الضباط!
ان خلاصة جناياتي التي اقتضت سجني هي:
إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟.
وفي البداية اقول: ان الشريف لا يتنازل لارتكاب جريمة. وإن اُتهم بها لا يخاف من الجزاء والعقاب. فلئن اُعدمتُ ظلماً فاني أغنم ثواب شهيدين معاً. وان لبثت في السجن فهو بلا ريب افضل مكان في ظل هذه الحكومة الظالمة التي ليس فيها من الحرية الاّ لفظها. فالموت مظلوماً هو خير من العيش ظالماً.
واقول كذلك: ان بعضاً ممن جعلوا السياسة أداة للإلحاد، يتهمون الآخرين بالرجعية او باستغلال الدين لاجل السياسة ليستروا على سيئاتهم وجرائمهم. ان عيون السلطة وجواسيسها أشد قساوة من سابقيهم، فكيف يوثق بهم ويعتمد عليهم وكيف نبني العدالة على أقوالهم؟. فضلاً عن ان الإنسان، إذ لا يسلم من تقصير ونقص، بينما تراه يتحرى العدالة يقع في الظلم بالجبن والخب. ولكن جمع تقصيرات متفرقة وقعت في مدة مديدة ومن تصرف أشخاص كثيرين - والتي يمكن تفاديها بما يتخللها من محاسن - وتوهّم صدورها من شخص واحد في وقت واحد يجعل ذلك الشخص مستحقاً لعقاب شديد. بينما هذا الأمر بحد ذاته ظلم عظيم.
والآن سنباشر بذكر جناياتي البالغة إحدى عشرة جناية ونصف جناية ...1
هذا الدفاع الرائع الشجاع طبع مرتين في وقته ونشر، وعندما كان يُنتظر صدور حكم الإعدام من تلك المحكمة الرهيبة حكمت ببراءة بديع الزمان - علماً أنها علقت الكثيرين على أعواد المشانق - ولكن بديع الزمان بدلاً من أن يشكر المحكمة على قرارها سار من منطقة بايزيد - حيث المحكمة - إلى منطقة السلطان أحمد ويعقبه جمّ غفير من الناس، ويهتفون : فلتعش جهنم للظالمين ولتعش جهنم للظالمين.2
براءته من المحكمة ودفاعه عن الأبرياء :
ألقيتُ هذه الأسـئـلة في اليوم الثاني من تبرئتي على مسامع خورشيد باشا رئيس المحكمة العسكرية العرفية الأولى، وعلى غيره عدة مرات، وذلك دفاعاً عن المسجونين الأبرياء .3
_____________________
1
والنص الكامل للدفاع في مجموعة صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية / 4402
T. Hayat, ilk hayat3
ب/ 257 عن آثار بديعية/ 257
سيرة ذاتية - ص: 110
ما جزاء من يتعرض لإنسان تشكّل في صورة ثعبان، ولولي صالح تقمص صفة شقيّ، وللمشروطية التي لبست لباس الإستبداد ، وما هم في الحقيقة سوى ثعابين وشقاة ومستبدين؟
هل يكون المستبد شخصاً فرداً واحداً؟ أم يمكن ان يكونوا اشخاصاً عديدين مستبدين؟ وأرى ان القوة يجب ان تكون في القانون، والاّ سيتوزع الإستبداد ويشتد اكثر بالمنظمات.
ايّما اضرّ : إعدام برئ أم العفو عن عشرة جناة؟
أفلا يزيد من سبل النفاق والتفرقة تشديد الخناق على أرباب المسالك والفكر، علماً انه لا يغلبهم؟
أيمكن بغير رفع المحسوبية والامتيازات حصول اتحاد الأمة الذي هو معدن حياتنا الاجتماعية؟
إذا عدّت فرقة معينة نفسها صاحبة امتيازات على الآخرين، وألجأت الناس إلى الظهور بـمظهر المخالف للمشروطية، وذلك بكثرة تعرض تلك الفرقة لهم وجرحها لمشاعرهم، فعلى من يقع الذنب لو تعرض الجميع للإستبداد العنيد المتستر تحت اسم المشروطية، التي تقلدته تلك الفرقة؟
على من تقع المسؤولية فيما لو ترك بستاني باب البستان مفتوحاً، ودخل فيه من دخل، ثم ظهر حدوث السرقات؟
لو منحت حرية الفكر والكلام للناس ، ثم حوسب شخص على كلامه او فكره، أفلا يكون ذلك خطة مدبّرة لدفع الأمة المنكوبة إلى النار؟
نرى الجميع يعاهدون المشروطية ويقسمون بها. بينما المعاهد هو نفسه مخالف لمسمّى المشروطية او ساكت عن مخالفيها. ألا يحتاج ذلك إلى كفّارة اليمين؟ ألا تكون الأمة إذن كاذبة؟ أفلا يعتبر إذن الرأى العام النـزيه انه كاذب ومعتوه؟
حاصل الكلام: ان المهيمن على الوضع الحاضر إستبداد شديد وتحكم صارم، وذلك من حيث الجهل المتفشي. وكأن الإستبداد والتجسس قد تناسخا روحاً.1
خلاصة لهذه الفترة:
كان سعيد الشاب يتضايق فطرةً من ان يحدد شئ حركته ويقيد أسلوب حياته، ويرغب في ان يبقى حراً طليقاً في أطوار حياته وأسلوب معيشته بعيداً عن ضغوط الأوامر وأغلال القوانيـن. فكان يردد دائماً: إنني لا احدد حريتي بأي قانون اعتباطي.
_____________________
1
صيقل الإسلام- المحكمة العسكرية / 458 - 459
سيرة ذاتية - ص: 111
وقد شوهد منه هذا التوق إلى الحرية في صفحات حياته كلها، فلم يرضخ لقوانين الضلالة الرهيبة والزندقة الواردة من أوروبا. ورفض أي انقياد كان للإستبداد الرهيب الناشئ من الفلسفة الطبيعية وسعى لبيان حقيقة الإسلام المتضمنة للحرية الشرعية الحقة والحضارة المثلى.
وكان الطابع العام لحياة بديع الزمان في استانبول طابعاً سياسياً إلى حد ما، إذ كان يحمل فكرة خدمة الدين عن طريق السياسة، فدفعه عشقه لخدمة الدين إلى هذا الطريق. فناصـر الدعوة إلى الحرية وعارض بشدة جمعية الإتحاد والترقي عندما شاهد من ظلمهم، بل ما كان يتردد ان يصدع في وجوههم قائلاً: لقد اعتديتم على الدين وتعرضتم لغيرة الله وأدرتم ظهوركم للشريعة.. احذروا فان العاقبة وخيمة!.
وبعد إعلان الدستور ناصر جمعية الإتحاد المحمدي التي بدأت تتوسع بسرعة في زمن قصير حتى انضم إليها خمسون الفاً من الأعضاء في كل من ادا بازارى وازميت بعد نشـر مقالة بديع الزمان.. وفي هذه الفترة تعاقبت مقالاته في الصحف الدينية1 وخطبه التي كان يلقيها للحيلولة دون تفسير الحرية تفسيراً خاطئاً وتغييـر مجراها الحقيقي. ولإعلام الناس ان الرضى بالمشروطية يكون مشروطاً بالشرع.. فاستفاد الناس والسياسيون والعلماء من تلك المقالات والخطب أيما استفادة.
وكان يبشر الناس دوماً ببزوغ الفجر الصادق لسعادة آسيا الدنيوية، وذلك بانتباه الروح الملية بشرط الامتثـال بالأوامر الشرعية، لئلا تفلت تلك اليقظة الملية. وكان يحذّر قائلاً : إن لم نقبل المشروطية المشروعة والحرية والشرعية ولم يطبقا على الوجه المطلوب فسوف نضيعهما وستحل إدارة مستبدة محلهما.2
1910م (1328هـ)
في طريقه إلى وان
لم يلبث في إستانبول، بل غادرها إلى وان عن طريق باطوم. وفي طريقه إلى وان مرّ على مدينة تفليس وصعد على تل الشيخ صنعان.3
_____________________
1
نقلنا مقالة منها فقط فليراجع من أراد التوسع مجموعة صيقل الإسلام.2
T. Hayat, ilk hayat3
T. Hayat, ilk hayat
سيرة ذاتية - ص: 112
محاورة مع البوليس الروسي:
قبل عشر سنوات ذهبت إلى تفليس وصعدت تل الشيخ صنعان، كنت أتأمل تلك الأرجاء أراقبها. اقترب مني أحد رجال البوليس فقال :
- بم تنعم النظر؟
قلت: اخطط لمدرستي!
قال: من أين أنت؟
قلت: من بتليس
قال: وهنا تفليس!
قلت : بتليس وتفليس شقيقتان
قال: ماذا تعني؟
قلت : لقد بدأ ظهور ثلاثة أنوار متتابعة في آسيا، في العالم الإسلامي، وستظهر عندكم ثلاث ظلمات بعضها فوق بعض، سيُمزّق هذا الستار المستبد ويتقلص، وعندها آتي إلى هنا أنشئ مدرستي.
قال: هيهات ! إنني أحار من فرط أملك؟
قلت : وأنا أحار من عقلك ! أيمكن ان تتوقع دوام هذا الشتاء؟ إن لكل شتاء ربيعاً ولكل ليل نهاراً.
قال: لقد تفرق المسلمون شذر مذر.
قلت: ذهبوا لكسب العلم ، فها هو الهندي الذي هو ابن الإسلام الكفوء يدرس في إعدادية الإنكليز.
وها هو المصري الذي هو ابن الإسلام الذكي يتلقى الدرس في المدرسة الإدارية السياسية للإنكليز..
وها هو القفقاس والتركستان اللذان هما ابنا الإسلام الشجاعان يتدربان في المدرسة الحربية للروس.. الخ.
فيا هذا ! ان هؤلاء الأبناء البررة النبلاء، بعد ما ينالون شهاداتهم، سيتولى كل منهم قارة من القارات، ويرفعون لواء أبيهم العادل، الإسلام العظيم، خفاقاً ليرفرف في آفاق الكمالات، معلنين سر الحكمة الأزلية المقدرة في بني البشر رغم كل شئ.1
_____________________
1
صيقل الإسلام - السانحات /371
سيرة ذاتية - ص: 113
تأليف رچتة العوام (المناظرات ):
وبعد وصوله إلى وان بدأ بالقاء دروسه الاجتماعية ومحاضراته العلمية، متجولاً بين القبائل والعشائر مرشداً إياهم بأسلوب المحاورة ضمن أسئلة وأجوبة، ثم نشرها في رسالة - باللغة التركية - أسماها المناظرات1 وكان يجري في الوقت نفسه محاورات مع السياسيين والمسؤولين بغية نشر أنوار الإسلام في صفوفهم.2
من مقدمة الرسالة:
اعلموا أني لما سافرت ثاني سنتي المشروطية، قافلاً من العصر الذي تمثله استانبول، منحدراً إلى القرون الوسطى، متجولاً بين عشائر الأكراد، مترحلاً من بساتين الربيع رحلة الصيف إلى الخريف، متنقلاً رحلة الشتاء في البلاد العربية.. اتخذت من الجبال والبيد مدرسة درّست فيها المشروطية لهم. فحينئذ تراءى لي من شبهاتهم انهم تصوروا المشروطية بصورة غريبة، واطلعت على شبهاتهم وأسئلتهم فإنها من واد واحد. فلأجل تشخيص المرض ألقيت إليهم مفتاح الكلام. فقلت فاسألوا حتى يداويه جوابي. فاستصوبوا.. لان طبيعتهم التدرّس بالمناظرة والمناقشة..
فتـعميماً للفائدة كتبت أسئلتهم معانقة بأجوبتي حتى توازرها، فينطق كتابي بدلاً عني، ويشافه عشائر الأكراد وامثالهم الذين ما رأيتهم، وليترجم بلسان الأسئلة عن الذين لا يطيق لسانهم إظهار ما في ضمائرهم. اعني هذا الكتاب يجيب بدلاً عني، ويسأل بدلاً عنهم. ويعاون أطباء السياسة على تشخيص العلة..
فيا أهل الحمية أنبهكم على أن الأكراد وامثالهم صاروا ويصيرون أهل المشروطية فكراً.. ولكن بعض المأمورين لا يتمثلون الشورى فعلاً.. وهذا أشكل من ذاك. مع أن مدرّس العوام الذين عقولهم في عيونـهم الفعلُ.3
[ وعندما نظر إلى (المناظرات) بعد مدة طويلة كتب الآتي:]
اولاً: ان هذا المؤلَّف الذي طبع في مطبعة أبو الضياء سنة 1329 (1913م) هو الدرس الذي ألقاه سعيد القديم بين عشائر الارتوش ولاسيما عشائر كودان ومامخوران، لأجل افهام الشورى الشرعية للعشائر فهماً صائباً وحملهم على قبولها، وذلك في السنة الثالثة من عهد الحرية. ولكن لم احصل على هذا المؤلّف مع الأسف رغم بحثي عنه منذ ثلاثين سنة، الاّ أن أحدهم حصل على نسخة منه فأرسلها اليّ.
_____________________
1
ثم ترجمها الى العربية ونشرها تحت عنوان "رچتة العوام"/ صيقل الإسلام - المناظرات/ 3782
T. Hayat, ilk hayat3
الصيقل الإسلامي -النص العربي/ 122 ط. انقرة
سيرة ذاتية - ص: 114
طالعت الكتاب بإمعان وبعقل سعيد القديم وبسانحات سعيد الجديد، فأدركت أن سـعيداً القديم شعر بحسّ عجيب مسبق - قبل الوقوع - الوقائع المادية والمعنوية التي تحدث الآن، فقد شعر بها قبل حوالي أربعين سنة. إذ إنه شـاهد ما وراء ستار العشائر الكردية، الخونة الذين جعلوا هذا الزمان قناعاً لهم وهم الملحدون الجاهلون الحقيقيون والرجعيون الذين يحاولون تحت ستار الوطنية إرجاع هذه الأمة إلى عاداتها السابقة قبل عهد الإسلام. فتكلم سعيد القديم معهم بشدة وحاورهم بعنف.
ثانياً: قرأت الصفحات التي يبدو فيها أن بين المستمعين لدرسي ذاك، ولي عظيم - دون علمي به - فقد إعترض إعتراضاً شديداً في ذلك المقام إذ قال:
- أنت تغالي وتفرط، إذ تُظهر الخيال عينَ الحقيقة وتُهيننا بظنك أننا جهلاء، فنحن في عصر آخر الزمان والفساد يستشري وسينقلب من سئ إلى أسوأ.
وكان الجواب في الكتاب:
لماذا تكون الدنيا ميدان تقدمٍ وترقٍ للجميع، وتكون لنا وحدنا ميدان تأخر وتدنٍ. فهل الأمر هكذا؟ فها أنذا آليتُ على نفسي الاّ أخاطبكم، فأدير إليكم ظهري وأتوجه بالخطاب إلى القادمين في المستقبل:
أيا من اختفى خلف عصر شاهق لما بعد ثلاثمائة سنة1، يستمع إلى كلمات النـور بصمت وسكون. وتلمحنا بنظر خفي غيبي.. أيا من تتسمّون بـسعيد وحمزة، وعمر وعثمان وطاهر ويوسف وأحمد وامثالهم إنني أتوجه بالخطاب إليكم:
ارفعوا هاماتكم وقولوا: لقد صدقت وليكن هذا التصديق ديْناً في أعناقكم. إن معاصري هؤلاء وان كانوا لا يعيرون سمعاً لأقوالي، لندعهم وشأنهم، إنني أتكلم معكم عبـر أمواج الأثير الممتدة من الوديان السحيقة للماضي - المسمّى بالتأريخ - إلى ذرى مستقبلكم الرفيع. ما حيلتي لقد استعجلت وشاءت الأقدار ان آتي إلى خضم الحياة في شتائها.. أما انتم فطوبى لكم ستأتون إليها في ربيع زاهر كالجنة، ان ما يزرع الآن ويستنبت من بذور النور ستتفتح ازاهير يانعة في أرضكم.. نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا.. إنكم إذا جئتم لتعبروا إلى سفوح الماضي، عوجوا إلى قبورنا، واغرسوا بعض هدايا ذلك الربيع على قمة القلعة.2
_____________________
1
المقصود لما بعد ألف وثلاثمائة سنة.2
الملاحق - اميرداغ 2/ 382
سيرة ذاتية - ص: 115
1911م (1329هـ)
إلى الشام:
[سافر إلى الشام شتاءً في أواخر سنة 1910م (1329هـ) وهناك ألقى خطبة في الجامع الأموي، ثم طبعت في رسالة سميت الخطبة الشامية]
من مقدمة الخطبة الشامية:
هذه الرسالة العربية قد أُلقيتْ درساً في الجامع الأموي بدمشق منذ أربعين عاماً1، وذلك بناءً على إصرار العلماء هناك، واستمع إليها ما يقرب من عشرة آلاف شخص، بينهم ما لا يقل عن مائة من كبار علماء الشام.
إن الحقائق الواردة فيها، قد أحسَّها سعيد القديم بإحساس مسبق. فزفّها بشائر عظيمة بيقين جازم، ظناً منه أن تلك الحقائق وشيكة التحقق، بيد أن الحربين العُظميين، والإستبداد المطلق الذي استمر ربع قرن من الزمان2 قد أدّيا إلى تأخر تحقق تلك الحقائق أربعين أو خمسين عاماً.3
طبعت هذه الخطبة الشامية مرتين في حينه. وقد شخّص فيها أمراض الأمة الإسلامية المادية منها والمعنوية. وكذلك الأسباب التي ادّت إلى أسارة العالم الإسلامي وتعرضه للمهالك وبيّن فيها طرق العلاج والخلاص.
وبشر المسلمين جميعاً بل الإنسانية قاطبة بأن الإسلام سيظهر على الأرض كافة مبينـاً أن اعظم رقي مادي ومعنوي سيحققه الإسلام، وستنجلى الحضارة الإسلامية بأبهى مظهرها وستطهّر الأرض من اللوثات، كل ذلك مقروناً بدلائل عقلية رصينة...4
نموذج من الخطبة:
لقد تعلمت الدروس في مدرسة الحياة الاجتماعية البشرية وعلمتُ في هذا الزمان والمكان أن هناك ستة أمراض، جعلتنا نقـف على أعتاب القرون الوسطى في الوقت الذي طار فيه الأجانب - وخاصة الأوربيين - نحو المستقبل.
وتلك الأمراض هي:
اولاً: حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.
_____________________
1
المقصود عام 1911م2
أى منذ انتهاء الخلافة العثمانية سنة 1924م الى سنة 1950 م3
صيقل الإسلام- الخطبة الشامية/ 4814
T. Hayat, ilk hayat
سيرة ذاتية - ص: 116
ثانياً: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.
ثالثاً: حبّ العداوة.
رابعاً: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
خامساً: سريان الإستبداد، سريان الأمراض المعدية المتنوعة.
سادساً: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.
ولمعالجة هذه الأمراض الستة الفتّاكة، أبيّن ما اقتبسته من فيض صيدلية القرآن الحكيم - الذي هو بمثابة كلية الطب في حياتنا الاجتماعية - أبيّنها بست كلمات، إذ لا اعرف اسلوباً للمعالجة سواها.
الكلمة الأولى: الأمــل أي: شدة الاعتماد على الرحمة الإلهية والثقة بها.
نعم! انه بناء على ما تعلمته من دروس الحياة، يسرّني ان أزفّ إليكم البشرى يامعشر المسلمين، بأنه قد أَزِفَ بزوغ أمارات الفجر الصادق ودنا شروق شمس سعادة عالم الإسلام الدنيوية وبخاصة سعادة العثمانيين، ولاسيما سعادة العرب الذين يتوقّف تقدم العالم الإسلامي ورقيّـه على تيقظهم وانتباههم، فإنني أعلن بقوة وجزم، بحيث اُسمع الدنيا كلها وأنفُ اليأس والقنوط راغم:
ان المستقبل سيكون للإسلام، وللإسلام وحده. وان الحكم لن يكون إلاّ لحقائق القرآن والإيمان. لذا فعلينا الرضى بالقدر الإلهي وبما قسّمه الله لنا؛ إذ لنا مستقبل زاهر، وللأجانب ماضٍ مشوش مختلط.
فهذه دعواي، لي عليها براهين عدة، سأذكر واحداً ونصفاً فقط منها، بعد ان أمهّد لها ببعض المقدمات...1 [ثم عاد عن طريق بيروت - إزمير إلى استانبول واستمر في مطالبته بإنشاء مدرسة الزهراء].
مصاحبته السلطان رشاد في سياحته:
رافقتُ ايضاً السلطان رشاد في سياحته إلى روم ايلي2 ممثلاً عن الولايات الشرقية، وذلك في بداية عهد الحرية.
في ذلك الوقت قال للسلطان وللاتحاديين الذين رافقوه:
إن الشرق أحوج إلى مثل هذه الجامعة، فهو يتمتع بموقع المركز للعالم الإسلامي. فوعده السلطان خيراً. وبإندلاع الحرب مع البلقان احتُل موقع تلك الجامعة في قوصوا فطلب بديع الزمان تحويل المبلغ المخصص لها إلى إنشاء
_____________________
1
صيقل الإسلام- الخطبة الشامية / 4922
استغرقت الرحلة من 7 حزيران الى 26منه سنة 1911م .
سيرة ذاتية - ص: 117
جامعة في الشرق. وحصلت الموافقة عليه1 فمنح السلطان رشاد تسع عشرة ألف ليرة ذهبية لتأسيس تلك الجامعة، وأرسيتُ قواعدها فعلاً - في منطقة إرتَميت على ضفاف بحيرة وان - الاّ أن إندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون إكمال المشروع.2
الحمية الدينية أم الملية؟
كان في قطارنا معلمان إثنان، قد تلقيا العلوم في المدارس الحديثة، فجرت بيننا مباحثة، إذ سألانني:
- ايُّما أقوى وأولى بالإلتزام: الحمية الدينية أم الملية؟ قلت لهم - وقتئذٍ -:
- نحن معاشر المسلمين، الدين والملية عندنا متحدان بالذات، والاختلاف إعتباري، أي ظاهري، عرضي، بل الدين هو حياة الملية وروحها. فإذا ما نُظر إليهما بأنهما مختلفان ومتباينان، فإن الحمية الدينية تشمل العوام والخواص بينما الحمية الملية تنحصر في واحد بالمائة من الناس، ممن يضحي بمنفعته الشخصية لأجل الأمة.
وعليه فلابد أن تكون الحمية الدينية أساساً في الحقوق العامة، وتكون الملية خادمة منقادة لها وساندة حصينة لها.
فنحن الشرقيين لا نشبه الغربيين، إذ المهيمن على قلوبنا الشعور الديني؛ فإنّ بعث الأنبياء في الشرق يشيـر به القدرُ الإلهي إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق ويسوقه إلى التقدم والرقي، والعصر السعيد - وهو خير القرون والذي يليه - خير برهان على هذا.
فيا زملائي في هذه المدرسة السيارة، أعني القطار، ويا من تسألون عن التفاضل بين الحمية الدينية والملية، ويا أيها الدارسون في المدارس الحديثة. اني اقول لكم جميعاً:
ان الحمية الدينية والملية الإسلامية قد امتزجتا في الترك والعرب مزجاً لا يمكن فصلهما، وان الحمية الإسلامية هي أقوى وأمتن حبل نوارني نازل من العرش الأعظم، فهي العروة الوثقى لا انفصام لها، وهي القلعة الحصينة التي لا تهدم.
قال ذلك المعلمان:ما دليلك؟ يلزم لمثل هذه الدعوى الكبيرة حجة عظيمة ودليل قوي. فما الدليل؟.3
__________________
1
T. Hayat, ilk hayat2
الملاحق - قسطموني / 1263
يمكن مراجعة النص الكامل في صيقل الإسلام -الخطبة الشامية / 516
سيرة ذاتية - ص: 118
حول مؤلَّف تعليقاتفي المنطق:
ان هذه الرسالة الموسومة بـ تعليقات هي ما كتبه بديع الزمان سعيد الكردي من حواشٍ على كتاب برهان گلنبوي ودوّنها احبّ طلابه إليه والملازم له في الدرس الملا حبيب1 فسجل هذه التقريرات من بديع الزمان على صورة حواشٍ وهوامش.. كان ذلك في سنة 1329هـ ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى وذهب بديع الزمان والملا حبيب كواعظين مع فرقة وان إلى جبهة القتال فيارضـروم، وعادا معاً بعد عام وقد احتلت وان من قبل الأرمن، فانسحبنا إلى قضـاء گواش واستشهد الملا حبيب هناك، فحملت الرسالة التي خطها طوال سني الهجرات من مدينـة إلى أخرى ومن قصبة إلى أخرى حتى حللنا في مدينة ملاطية سنة 1940 ومن هناك مفتياً في قضاء اورگوب.
كانت الرسالة اوراقاً متفرقة فجمّعتها وجلّدتها، على أمل ان يأتي زمان ويُبعث العلم والدين من جديد، ويظهر في الميدان أناس يقرأون أمثال هذه الرسائل. وعندئذٍ يقدّر قدرها ويُعلم ما فيها من فكر عميق وذكاء نافذ.ولكن هيهات.. فلا ذاك الزمان يأتي، ولا أولئك القراء يظهرون. والسلام ..
عبدالمجيد19512
1913 م(1331هـ)
حادثة بتليس:
3جاءني قبيل الحرب العالمية السابقة (الأولى) في مدينة وان بعض الأشخاص المتدينين والمتقين وقالوا لي:
هناك بعض القواد تصدر منهم أعمال ضد الدين. فاشترك معنا لأننا سنعلن العصيان عليهم. قلت لهم:
ان تلك الأعمال اللادينية وتلك السيئات تعود إلى أمثال أولئك القواد. ولا
_____________________
1
الملا حبيب: تتلمذ على الأستاذ النورسي وكان كاتبه الخاص فكتب " إشارات الاعجاز" ومن قبل كتب "تعليقات" ومؤلفات الأستاذ الأخرى ولازمه طوال حياته حتى استشهد في الحرب العالمية الأولى.2
صيقل الإسلام - تعليقات /2423
هي حادثة عصيان قامت بها العشائر القاطنين حوالي مدينة بتليس في حزبران سنة 1913 برئاسة الشيخ سـليم لإمتعاضهم من تصرفات غير اسلامية صدرت عن عدد من الضباط فأعلنوا العصيان واحتلوا المدينة لمدة اسبوع، وكادت ان تشترك معهم ايضاً عشائر "بيت الشباب" لولا مسارعة الأستاذ النورسي اليهم وتهدئتهم وصرفهم عن العصيان (انظر المثنوي العربي النوري / 201)
سيرة ذاتية - ص: 119
يمكن ان نحمّل الجيش مسـؤوليتها، ففي هذا الجيش العثماني قد يوجد مائة ألف من أولياء الله. وأنا لا أستطيع ان امتشق سيفي ضد هذا الجيش، لذا لا أستطيع ان اشترك معكم.1 فتركني هؤلاء، وشهروا أسلحتهم، وكانت النتيجة حدوث واقعة بتـليس التي لم تحقق أي هدف. وبعد قليل اندلعت الحرب العالمية، واشترك ذلك الجيش في تلك الحرب تحت راية الدين ودخل حومة الجهاد، فارتقت منه مئات الآلاف من الشهداء إلى مرتبة الأولياء، فقد وقعوا بدمائهم على شهادات الولاية. وكان هذا برهاناً وتصديقاً على صحة سلوكي وصواب تصرفي في تلك الدعوى.2
حادثة الأرمن:
كانت علاقة طلاب سعيد القديم وطيدة جداً مع أستاذهم حتى بلغت مرتبة التضحية والفداء. لذا كان سعيد القديم يتمكن من التصدي للفعاليات الكثيرة التي كانت تقوم بها عصابات الأرمن وفدائيو الطاشناق في حوالي مدينة وان وبتليس بل كان يوقفهم عند حدّهم إلى درجة ما.
وحينما وجد لطلابه بنادق الماوزر وتحولت مدرسته إلى ما يشبه المعسكر - إذ الكتب كانت جنباً إلى جنب مع البنادق - حضر قائد عسكري برتبة فريق وشاهد هذا المنظر.. وقال: هذه ليست مدرسة دينية بل ثكنة عسكرية وأمر قائلاً: اجمعوا بنادقه لما ساورته الشكوك من جراء حادثة بتليس. فحصلوا منا خمس عشرة بندقية، وبعد حوالي شهرين اندلعت الحرب العالمية الأولى، فاسترجعت بنادقي منهم.. وعلى كل حال..
ولمناسبة هذه المواقف والأحوال سألوني:
ان عصابات الأرمن التي تملك فدائيين رهيبين تخشاكم، حتى انها تجنبت الاحتكاك معكم وتفرقوا بعيداً عنكم لما صعدتم جبل أرك في وان. ترى ما القوة التي فيكم حتى يكون الأمر هكذا؟.
فكنت أجيبهم: ان فدائيي الأرمن الذين يقومون بهذه البطولات الخارقة، إنما يقومون بـها في سبيل الحصول على حياة دنيوية فانية، ولأجل كسب مصلحة
_____________________
1
وكان هذا مضمون جواب الأستاذ للعديد من رؤساء العشائر الذين كانوا يرومون القيام بالثورة ضد مصطفى كمال. وهو الجواب نفسه مع اختلاف بسيط في العبارات لدى استشارة حسين باشا له في ثورة الشيخ سعيد. وبهذا الجواب حقن دماء المسلمين.2
الشعاعات / 421
سيرة ذاتية - ص: 120
قومية مؤقتة صغيـرة، وللحفاظ على سلامتها.. ونحن نجابه هؤلاء، بالطلاب الذين يسعون في سبيل الحصول على حياة باقية خالدة، ولأجل كسب مصالح إيجابية لامة الإسلام السامية العظيمة وقد أيقنوا بان الأجل واحد لا يتغير. فلاشك ان هؤلاء الطلاب لا يتخلفون قطعاً عن أولئك الفدائيين. بل إذا لزم الأمر يفدون بحياتـهم وبأجلهم المحتوم وبعمر لا يعدو بضع سنوات ظاهرية، في سبيل الفوز بملايين السنوات من العمر الخالد، وفي سبيل الحفاظ على سلامة مليارات من الناس المؤمنين الأتقياء.. يفدونها دون تردد، وبكل فخر واعتزاز.1
رؤيا صادقة حول إعجاز القرآن:
قبل إندلاع الحرب العالمية الأولى، وإبّان نشوبها رأيت في رؤيا صادقة، الآتي:
رأيت نفسي تحت (جبل آرارات) واذا بالجبل ينفلق إنفلاقاً هائلاً، فيقذف صخوراً عظيمة كالجبال إلى أنحاء الأرض كافة. وأنا في هذه الرهبة التي غشيتني رأيت والدتي - رحمة الله عليها - بقربي. قلت لها: لا تخافي يا أماه! انه أمر الله، انه رحيم، انه حكيم. وإذ أنا بتلك الحالة إذا بشخص عظيم يأمرني قائلاً:
- بيّن إعجاز القرآن.
أفقتُ من نومي، وادركتُ انه سيحدث إنفلاق عظيم، وستتهدم الأسوار التي تحيط بالقرآن الكريم من جراء ذلك الإنفلاق والإنقلاب العظيم، وسيتولى القرآن بنفسه الدفاع عن نفسه حيث سيكون هدفاً للهجوم، وسيكون إعجازه، حصنه الفولاذي، وسيكون شخص مثلي مرشحاً للقيام ببيان نوع ٍمن هذا الإعجاز في هذا الزمان - بما يفوق حدّي وطوقي كثيراً - وأدركتُ اني مرشح للقيام بهذا العمل.2
نذير الحرب:
[يذكر أخوه عبدالمجيد:]
بينا كنا على سطح مدرسة خورخور والأستاذ يلقي علينا درس التفسير، والحرب العالمية الأولى على وشك الإندلاع كسفت الشمس ذلك المساء كسوفاً كلياً، فأطلق بديع الزمان زفرة من أعماقه قائلاً: وا أسفى، سيأتي سيل عارم
_____________________
1
الشعاعات/ 5682
المكتوبات/ 475
سيرة ذاتية - ص: 121
ويجرفنا جميعاً. وفعلاً أُعلنت الحرب بعد شهر. وفي فترة قصيرة عمّ البلاد كلها.1
[ويقول طلابه انه:]
أخبرنا مراراً في أثناء الدرس وقوع زلزلة عظيمة - بمعنى الحرب العمومية - فوقعت كما أخبرنا.2
_____________________
1
ب/227 عن مذكرات عبدالمجيد/172
حمزة . محمد شفيق . محمد مهرى. إشارات الإعجاز/ 21